يا أمي عشان خاطر ربنا الحقيني!
يا أمي عشان خاطر ربنا الحقيني!
قلت الكلمة دي وأنا بنهار من العياط في سماعة التليفون، وكبسّاه على ودني بإيد عرقانة وبتترعش من كتر الوجع. بنتي الرضيعة اللي لسه عندها ست أسابيع بس كانت بتصرخ بين إيديا الساعة تلاتة الفجر، وأنا محبوسة على سرير المستشفى مش قادرة أتحرك سنتي واحد بسبب حوضي اللي اتدشدش في الحادثة. الممرضات مكانوش ملاحقين على الحالات، وأنا عاجزة تماماً ومش عارفة أشيل البنت ولا أسكتها.
جالي صوت أمي من الناحية التانية، نَفَس بارد ومليان زهق وضيق في وقت زي ده يا نادية؟ أختك علا عمرها ما عملت المشاكل والحالات الطارئة الهبلة دي، وعارفة تمشي حياتها صح!
أتوجعت وصرخت من الوجع لما نغزة موت ضربت أسفل ضهري يا أمي العربية دشدشت حوضي! أنا بقالي تسع سنين كاملين بصرف عليكي وبأكلكم وبشيل عنكم كل حاجة! عشان خاطر ربنا تعالي شيل البنت عني كام ساعة بس!
ردت عليا أمي بنبرة كلها لؤم وجحود التاكسي واقف تحت مستنيني عشان يوديني المطار، طيارتي طالعة لرحلة شرم الشيخ الفخمة اللي حوشت
لها، وأنا مش هبوز مصيفي وفصحتي عشان الدراما بتاعتك دي.. اتصرفي مع نفسك!
الخط قطع.. الصوت اختفى.. ومبقاش فيه غير زنة التليفون.
بصيت لشاشة التليفون الضلمة، وفي اللحظة دي فيه حاجة جوايا انكسرت واتبدلت تماماً، دموعي نشفت فجأة وحل مكانها برود وجمود غريب. بقالي يقرب من عشر سنين ببعتلها 4500 دولار كل أول شهر، معمية ومصدقاها ومفكرة إن الفلوس دي بتروح لمصاريف علاجها وعيشتها البسيطة بعد ما كبرت في السن، كله طلع كدب في كدب! طالعة تتفسح وتتمنظر بفلوسي وشقايا، وسايبة بنتها العاجزة وحفيدتها اللى لسه لحمة حمراء بيموتوا من الوجع!
بصوابع بتترعش، فتحت تطبيق البنك على تليفوني.. ومترددتش لثانية واحدة. غلقت حسابها المشترك معايا، ولغيت التحويل التلقائي الشهري اللي بيروح لها، وعملت بلوك وفريز لكارت الائتمان الإضافي اللي شايله باسمها!
يدوب شاشة التليفون نورت بكلمة تم بنجاح، التليفون اتهز في إيدي برسالة من رقم مجهول.. فتحتها ولقيت صورة واحدة بس، صورة طيرت برج من دماغي وخليتني أصرخ من الرعب.
. أختي علا كانت مربوطة بحبال في كرسي جوه بدروم ضلمة، ووراها شاشة منورة بعد تنازلي بيعد بالثواني!
أنا كنت فاكرة إن قطع الفلوس عن أمي هيبقى مجرد قلم يفوقها ويعلمها الأدب، بس الرسالة دي قلبت أوضة المستشفى لكابوس مرعب وعرفتني إن الفلوس اللي كنت ببعتها مكنتش بتروح لفسح ولا مصايف.. أمي كانت بتمول كارثة حقيقية ومصيبة سودة مكنش يتخيلها عقل!
يا ترى إيه السر الأسود اللي أمي مخبياه؟ ومين اللي خطف أختي وعايز إيه؟ الحكاية طلعت أكبر بكتير من مجرد قسوة أم.. دي شبكة مرعبة وحقيقة مخيفة لسه هتنكشف في الجزء الجاي وتدمر العيلة دي كلها!
التليفون وقع من إيدي على الملاية البيضا، وصوت بنتي وهي بتصرخ اختلط بصوت النبض العالي اللي طالع من الأجهزة جنبي. الصورة كانت واضحة بشكل مرعب علا مربوطة فعلًا، وشعرها منكوش، وبقعة دم ناشفة على جنب رقبتها، ووراها شاشة رقمية حمراء بتعد 5943
وأقل من دقيقة بعد ما شوفت الصورة، وصلت رسالة تانية.
الفلوس وقفت يبقى العد التنازلي بدأ.
نفسي اتقطع.
كتبت بسرعة بإيد
مرتعشة إنتوا مين؟ عايزين إيه؟
الرد جه فورًا اسألي والدتك.
في اللحظة دي، لأول مرة في حياتي، حسيت إن أمي مش بس أنانية أمي كانت مخبية حياة كاملة إحنا منعرفش عنها حاجة.
رنّيت عليها تاني بعصبية هستيرية، لكن تليفونها كان مقفول.
بنتي كانت بتعيط بحرقة، وأنا مش قادرة حتى أقوم أشيلها، والحوض المكسور مولع في جسمي نار، لكن الرعب كان أقوى من الألم.
ضغطت زر النجدة للممرضة، ولما دخلت، طلبت منها تمسك البيبي دقيقة، وطلبت التليفون الأرضي بتاع المستشفى.
كلمت المطار.
بعد ساعة كاملة من التحايل والبكاء، عرفت إن أمي بالفعل كانت في طريقها للسفر لكن الغريب إنها استخدمت اسم مختلف على التذكرة.
اسم نهى السيوفي
مش اسمها الحقيقي.
قلبي وقع أكتر.
الرسائل استمرت.
كل عشر دقايق صورة جديدة لعلا.
مرة وهي مغمى عليها. مرة وهي بتبص للكاميرا بعينين منتفخين من العياط. ومرة رسالة صوتية قصيرة وهي بتصرخ نادية متبعتيلهمش حاجة
وبعدين الصوت اتقطع بصوت قلمعة قوية.
صرخت لدرجة إن الممرضة افتكرت إني بنزف.
الصبح، ظابط مباحث جه المستشفى بعد ما إدارة
المستشفى بلغت عن التهديدات.
حكيتله كل حاجة الفلوس أمي التحويلات الشهرية بالدولار والاسم المزور.
الظابط سكت شوية، وبعدين قال جملة خلت التلج يمشي في دمي والدتك متراقبة بقالها شهور.
بصيتله بصدمة.
فتح ملف صغير قدامه وقال فيه شبكة كبيرة بتشتغل في تهريب البشر وغسيل الأموال بين مصر وبرة وكل التحويلات اللي كانت بتتبعت من حضرتك كانت داخلة ضمن حسابات الشبكة.
حسيت إني هتقيأ.
تسع سنين.
تسع سنين وأنا فاكرة إني ببر أمي وأنا في الحقيقة بمول عصابة.
الحقيقة الكاملة بدأت تطلع بالتدريج.
أمي كانت غرقانة في الديون زمان بسبب قروض ومقامرات إلكترونية بعد وفاة أبويا، واتعرفت على ناس وعدوها بالفلوس والسفر والحياة اللي نفسها فيها.
في البداية كانت مجرد وسيطة بتحول فلوس. بعدها بدأت تساعد في استخراج أوراق مزورة. وبعدين بقت جزء أساسي من الشبكة.
أما علا
فعلا اكتشفت الموضوع صدفة.
كانت راجعة من شغلها بدري، وسمعت أمي بتتكلم مع حد عن
الشحنة الجديدة والبنات اللي هيسافروا.
واجهتها.
وأمي خافت.
مش خوف أم على بنتها خوف شريكة على نفسها.
فسلمتها للعصابة عشان يسكتوها لحد ما تقدر تهرب.
وأنا في المستشفى، عاجزة على السرير، لقيت نفسي فجأة وسط مطاردة أكبر مني بكتير.
الشرطة بدأت تتبع تحويلاتي القديمة. والمطار بلغ إن أمي اختفت قبل صعود الطيارة بدقائق.
لكن قبل اختفائها بعتتلي فويس نوت.
صوتها كان مبحوح ومرعوب لأول مرة في حياتي أنا مكنتش عايزة أوصل لكده يا نادية هما قالولي لو بطلت هيموتوني أنا كنت بحاول أحميكم.
ضحكت بمرارة وأنا بسمعها.
تحمينا؟ وإحنا أصلًا كنا وقود نجاتها.
بعد يومين، الشرطة قدرت تحدد مكان البدروم من انعكاس بسيط ظهر في صورة علا.
مخزن قديم على طريق صحراوي.
المداهمة حصلت بالليل.
وأنا في المستشفى، مستنية أي خبر، وبنتي نايمة أخيرًا على صدري لأول مرة من ساعة الحادثة.
كل دقيقة كانت سنة.
لحد ما تليفوني رن.
الظابط قال لقينا أختك.
انفجرت في
العياط.
لكن فرحتي وقفت لما كمل بس والدتك كانت هناك.
أمي كانت مستخبية مع العصابة.
ولما الشرطة دخلت، حاولت تهرب.
واحد من أفراد الشبكة شدها بعنف وهو بيصرخ إنتِ السبب!
وفي تبادل إطلاق النار، أمي اتصابت.
عاشت لكن الإصابة سابت فيها عرج دائم لباقي عمرها.
المفارقة القاسية إن الست اللي كانت بتسافر وتتمشى بفلوس بناتها، انتهى بيها الحال عاجزة ومحتاجة حد يساعدها تمشي.
علا رجعت لكنها عمرها ما رجعت زي الأول.
بقت تخاف من الأماكن المقفولة، وتصحى من النوم تصرخ.
أما أنا، فخدت شهور علاج طبيعي عشان أعرف أمشي تاني بعد الحادثة.
وخلال الشهور دي، اكتشفت حاجة مهمة جدًا إني طول عمري كنت بحاول أشتري الحب بالعطاء.
كل مرة أمي تطلب، كنت أدفع أكتر. كل مرة تجرحني، كنت أبرر. كل مرة تقارنّي بعلا، كنت أحاول أرضيها أكتر.
لحد ما صحيت في أوضة مستشفى، مكسورة حرفيًا، واكتشفت إن أكتر حد استنزفني عمره ما حبني أصلًا.
بعد سنة كاملة، المحكمة حكمت
على أفراد الشبكة بالسجن المشدد.
وأمي اتحكم عليها بالمشاركة في التهريب وغسيل الأموال والتستر والخطف.
يوم الحكم، بصتلي من القفص.
أول مرة كانت باينة عجوز فعلًا.
قالت وهي بتعيط سامحيني.
بصيتلها طويل
وافتكرت كل مرة كنت ببعتلها فلوس وأنا محرومة من نفسي. كل مرة كنت بعيط وهي تقارنّي بعلا. كل مرة كنت بطلب حضن وتديني ذنب.
لكن أغرب حاجة إني محسّتش كره.
حسيت فراغ بس.
قلت بهدوء أنا سامحت نفسي إني فضلت مستنية منك حب عمره ما كان موجود.
وسبتها وخرجت.
النهاردة، بعد سنتين، أنا قاعدة في نفس المطبخ اللي كنت بكلمها منه ليلة الكارثة.
بنتي كبرت، وبقت تجري حواليا وتضحك.
وعلا بدأت تتعافى بالتدريج.
أما أنا فبقيت لأول مرة أصرف فلوسي على نفسي وعلى اللي يستحقوني فعلًا.
واتعلمت درس عمري ما هنساه
مش كل أم ينفع تتقدسلها لمجرد إنها خلفت وفيه ناس أقرب حاجة ليك، لكنهم أول ناس ممكن يبيعوك لما يغرقوا.
والحب الحقيقي مش اللي يستنزفك لحد ما تقع.
الحب الحقيقي هو اللي، وقت ما تصرخ وتقول الحقيني
يلحقك فعلًا


تعليقات
إرسال تعليق