أهلي رموني في الجراج وأنا حامل
أهلي رموني في الجراج وأنا حامل
**"أهلي رموني في الجراج وأنا حامل في عز البرد عشان يفضوا أوضتي لـ 'جوز أختي' الغني.. مكنتش أعرف إن بعد 12 ساعة بس، رجالة العمليات الخاصة هيحاصروا البيت، وكل ضحكة شمتانة في المطبخ ده هتتحول لرعب للأبد!"**
الساعة كانت 5 الصبح لما تليفوني رن.. كانت **"نور"** أختي الصغيرة. لا قالت "إزيك" ولا "صباح الخير"، دخلت في الموضوع ببرود: **"نورهان.. بابا وماما محتاجين أوض الضيوف.. لمي هدومك وانزلي نامي في الجراج كام يوم."**
كنت واقفة في المطبخ، إيد ماسكة كوباية القهوة الباردة، والإيد التانية على بطني اللي في الشهر الثامن.. كنت لابسة "سويت شيرت" جوزي الله يرحمه، البطل في القوات المسلحة.
**— "الجراج يا نور؟"** قلتها بصدمة.. **"إنتِ عارفة الجو في عز الشتا عامل إزاي؟"**
أمي كانت واقفة بتقلب السكر في قهوتها ببرود من غير ما تبص لي حتى، وأبويا قفل الجرنال وزعق: **— "زي ما أختك قالت.. بلاش تعيشينا في دراما الحزن بتاعتك دي كل شوية، مش العالم كله بيلف حوالين وجعك عشان جوزك مات!"**
المضحك المبكي إن البيت ده **"ياسين"** جوزي هو اللي دفعه تمنه كاش.. ياسين هو اللي دفع تمن عملية القلب لأبويا، وهو اللي دفع مصاريف جامعة نور، وهو اللي سند **"علاء"** جوز أختي في مشاريعه الفاشلة مرتين! والنهاردة؟ بعد شهور من وفاته.. بيعاملوني كأني "خدّامة" في بيتي!
دخلت نور المطبخ وهي شايلة كلبها الصغير وكأنها هانم، ووراها علاء بابتسامته المستفزة: **— "يا نورهان ده وضع مؤقت، أنا محتاج أوضتك عشان أعملها مكتب لشغلي
الـ Online وتركيزي ميتشتتش."**
ضحك علاء وقال: **— "وبصراحة، جو النكد والأرملة اللي ماشية تعيط في البيت ده بقى يزهقنا كلنا."**
أمي هزت راسها: **— "حاولي متكركبيش الجراج يا نورهان.. علاء راكن العربية الـ 'مرسيدس' بتاعته هناك ومش عاوزينها تتخدش."**
الكل ضحك.. إلا أنا. بصيت لوشوشهم واحد واحد.. مفيش ذرة خجل، مفيش دم. أبويا لما شاف دموعي قال بزهق: **— "يا ساتر.. ممكن بلاش نكد النهاردة؟ عياطك ده بيسد نفسي على الأكل."**
في اللحظة دي، فيه حاجة انكسرت جوايا واتحولت لبركان.. طول الشهور اللي فاتت كنت ساكتة عشان الصدمة وعشان الحمل، وعشان ياسين كان دايماً بيقولي "الأهل مهما عملوا هما سندك". بس دلوقتِ فهمت.. الناس دي محبونيش أبداً، هما حبوا "السبوبة" اللي ياسين كان بيغرقهم فيها.
ابتسمت ببرود وقلت بهدوء مرعب: **— "ماشي.. اللي تشوفوه."**
نور افتكرت إنها كسبت، بس هي متعرفش إن الكلمة دي مكنتش استسلام.. دي كانت "إذن" للحقيقة إنها تزلزل البيت كله.
نزلت الجراج، فرشت مرتبة قديمة وسط الكراتين، والبرد كان بينخر في عظمي.. طلعت موبايلي وعملت مكالمة واحدة بس لواحد كان شغال مع جوزي.
الطرف التاني رد فوراً بصوت رسمي وهيبة: **— "مدام ياسين؟"**
بلعت ريقي وقلت: **— "أنا نورهان.. أعتقد إن الوقت جه يا سيادة العقيد."**
الرد كان قصير وقاطع: **— "مفهوم.. إحنا في الطريق."**
بعد أقل من 12 ساعة، وهما قاعدين على السفرة بياكلوا المحشي والبط اللي بفلوس جوزي، فجأة الأرض اتهزت بصوت عربيات جيب سوداء "مصفحة" حاصرت
الفيلا.
نور اتجمدت وهي بتاكل، وأبويا قام مرعوب يبص من الشباك.. وفجأة الباب اتكسر ودخلت قوة من "العمليات الخاصة" بكامل سلاحهم ومعداتهم.
أمي وقعت الكاس من إيدها لما دخل ضابط برتبة كبيرة، صدره مليان أوسمة وبص لي وضرب "تعظيم سلام" عسكري يهز الحيطان. الصالة كلها سكتت، والرعب ظهر في عيون أهلي لما الضابط قال بصوت زي الرعد:
**— "يا فندم.. إحنا هنا لتأمين 'الأمانة العسكرية' الخاصة بالشهيد عقيد ياسين المنشاوي.. وبتكليف مباشر لتنفيذ وصيته السرية."**
وش أختي بقى لونه أزرق.. لأنهم فجأة اكتشفوا إن ياسين مكنش مجرد ظابط عادي.. ياسين كان شايل أسرار دولة، وإن "الأرملة الغلبانة" اللي رموها في الجراج هي دلوقتِ اللي في إيدها تفتح عليهم أبواب جهنم!
**يا ترى ياسين كان شايل إيه لـ "نورهان" في الوصية وخلى الجيش يتدخل؟ وإيه اللي هيحصل في أهلي لما يكتشفوا إن الفيلا والفلوس وكل أملاكهم مقتصرة على توقيع واحد من "نورهان"؟**
لو عاوزين تعرفوا الجزء التاني وازاي نورهان طردتهم بشنطة هدومهم،
الصالة كلها اتجمدت.
صوت أنفاسهم بقى أعلى من صوت المطر اللي بيخبط في الشبابيك.
أبو نورهان حاول يتكلم، لكن صوته طلع متكسر: — "أ… أمانة إيه؟"
الضابط تجاهله تمامًا، واتجه ناحية نورهان الواقفة عند باب الصالة بالسويت شيرت القديم بتاع ياسين، وشعرها منكوش من البرد والتعب.
وقف قدامها وأدى التحية العسكرية مرة تانية: — "مدام نورهان المنشاوي… العقيد ياسين كان متوقع إن حضرتك تتعرضي لضغط بعد وفاته. وترك أوامر
واضحة إن يتم التدخل فور طلبك."
نور شهقت: — "إيه الهبل ده؟!"
لكن العقيد فتح ملف أسود سميك، وطلع منه ورقة مختومة بختم الدولة.
— "الشهيد العقيد ياسين المنشاوي نقل ملكية الفيلا، والحسابات، والتأمينات، وكل ممتلكاته الشخصية والعسكرية لزوجته وابنه المنتظر فقط."
الكلمة الأخيرة نزلت على السفرة زي قنبلة.
أمها قامت بسرعة: — "إحنا أهله! إحنا أولى!"
العقيد بصلها ببرود: — "حضرتكِ كنتِ أول ناس اتوصّى عليهم."
وسحب ورقة تانية.
— "في حالة تعرض زوجتي لأي إساءة أو إهانة أو محاولة استغلال بعد وفاتي… يتم تنفيذ البند ٧."
علاء بلع ريقه: — "بند إيه؟"
العقيد رد بدون أي تعبير: — "إخلاء الممتلكات فورًا."
…
نور صرخت: — "إنتو مش هتطردونا من بيتنا!"
نورهان ضحكت لأول مرة… ضحكة موجوعة أكتر من أي دموع.
— "بيتكم؟"
وبصت حواليها للصالة اللي ياسين اختار نجفتها بنفسه، والستاير اللي كان بيعلقها بإيده عشان يفرحها.
— "البيت ده الراجل اللي كنتوا بتضحكوا على مراته من شوية هو اللي بناه… وإنتوا حتى الجراج استكترتوه عليها."
أبوها قرب منها بسرعة: — "يا بنتي الشيطان لعب بعقلك… إحنا أهلِك."
نورهان بصتله طويل.
افتكرت كل مرة رجعت فيها تعبانة بعد وفاة ياسين ومحدش سألها. كل مرة نامت وهي جعانة عشان الحمل. كل مرة سمعتهم بيقولوا: "خلصينا من النكد."
وقالت بصوت هادي: — "الأهل مبيطردوش بنتهم الحامل في عز البرد."
…
العقيد أشار للجنود.
وخلال دقائق…
بدأوا يطلعوا الشنط.
نور كانت بتصرخ وهي تحاول تمنعهم:
— "إوعي تلمسي شنطي! الشنطة دي ماركة عالمية!"
الجندي رد ببرود: — "هتستلميها برا يا فندم."
أما علاء… فالصدمة كانت ساحقاه.
خصوصًا لما ضابط تاني قرب منه وقال: — "وبالمناسبة… العربية المرسيدس اللي حضرتك راكنها في الجراج؟ مسجلة باسم الشهيد ياسين، وفي أمر باستردادها."
وش علاء قلب رمادي.
— "إيه؟! دي هدية!"
العقيد فتح الملف: — "لا يا فندم… كانت إعارة مؤقتة."
…
أم نورهان قعدت على الكنبة تبكي: — "هتعملي فينا كدة يا نورهان؟"
نورهان نزلت لمستواها بهدوء.
— "أنا؟"
وبعدين همست بوجع: — "أنا اللي كنت نايمة وسط البرد تحت عربيتهم… وإنتِ كنتِ بتاكلي بط."
…
لكن الصدمة الحقيقية لسه مجتش.
العقيد طلب من أحد الجنود يدخل صندوق معدني أسود.
الصندوق كان عليه ختم عسكري.
نورهان إيديها ارتعشت أول ما شافته.
ده كان صندوق ياسين
الشخصي.
الصندوق اللي اتقالها بعد وفاته إنه "مفقود".
العقيد قال بهدوء: — "الشهيد وصّى إن الصندوق ميتفتحش إلا بحضورك."
فتحت نورهان القفل.
جوا الصندوق…
كانت صور لياسين معاها. رسائل بخطه. فيديوهات متسجلة لطفلهم اللي لسه مجاش الدنيا.
لكن تحت كل ده…
كان فيه ملف أحمر.
العقيد أخده وقال: — "الملف ده سبب الحراسة العسكرية كلها."
أبوها سأل بخوف: — "ملف إيه؟"
العقيد بصله بحدة: — "العقيد ياسين كان شغال على قضية فساد ضخمة قبل استشهاده… وفي أسماء مهمة جدًا متورطة."
ثم رفع عينه ناحية علاء.
— "واسم جوز بنتك موجود ضمن التحقيقات."
الصمت قتل المكان.
نور شهقت: — "مستحيل!"
لكن الضابط فتح أول ورقة.
تحويلات مالية. رشاوي. صفقات
معدات مضروبة.
وكلها باسم علاء.
علاء بدأ يتراجع لورا: — "دي مؤامرة!"
لكن باب الفيلا اتفتح تاني.
ودخلت قوة تانية.
الضابط قال بصرامة: — "علاء السيوفي… حضرتك مطلوب للتحقيق."
نور صرخت وهي ماسكة دراع جوزها: — "إنتو فاهمين غلط!"
لكن علاء نفسه كان بيعرق.
لأنه عرف إن ياسين… حتى بعد موته… قدر يوقعه.
…
بعد ساعات…
الفيلا كانت هادية لأول مرة من شهور.
الضيوف اختفوا. الصريخ اختفى. ريحة النفاق اختفت.
نورهان كانت قاعدة في أوضتها القديمة، نفس الأوضة اللي حاولوا ياخدوها منها.
ماسكة رسالة من ياسين.
"لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مقدرتش أرجعلك… بس أوعى يوم تسمحي لحد يكسرك. إنتِ مش ضعيفة يا نورهان… إنتِ أمان بيتي كله.
"
دموعها نزلت أخيرًا.
مش دموع ضعف.
دي دموع واحدة فهمت متأخر إنها كانت بتحارب لوحدها… بينما الراجل اللي حبها كان مأمن مستقبلها حتى بعد موته.
…
بعد ٣ شهور…
نورهان ولدت ولد.
سمّته "ياسين".
وفي يوم خروجه من المستشفى…
العقيد نفسه وقف يحمل البيبي ويبتسم: — "العقيد الصغير وصل."
نورهان ضحكت لأول مرة من قلبها.
أما أهلها…
فكانوا عايشين في شقة إيجار صغيرة بعد ما اتباعت ممتلكاتهم لسداد القضايا والديون.
نور حاولت تتصل بيها أكتر من مرة.
لكن نورهان عمرها ما ردت.
مش كرهًا.
لكن لأنها أخيرًا فهمت إن في ناس… مهما ادتهم روحك… هيشوفوك مجرد "مصلحة".
…
وفي آخر مشهد…
نورهان كانت واقفة في جنينة الفيلا وقت الغروب، شايلة ابنها،
وباصّة لصورة ياسين الكبيرة المعلقة في الصالون.
همست بابتسامة وسط دموعها:
— "اطمن… ابنك في بيته. وأنا عمري ما هسمح لحد يطردنا تاني."
تمت


تعليقات
إرسال تعليق