القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 معناه طفل



معناه طفل

الولد الصغير كان بيسقط في المدرسة كل مرة... لحد ما مُدرسته راحت بيته واكتشفت السبب اللي كسر قلبها

في مدرسة النور الخاصة، كان كل الطلبة بيتجنبوا يقعدوا جنب أحمد.

هدومه كانت دايمًا باينة عليها الپهدلة، وكتبه ناقصة، ونتيجة كل امتحان تقريبًا كانت بتحمل نفس الكلمات المؤلمة

راسب مرة تانية.

المدرسين بدأوا يزهقوا منه.

يا أحمد، إنت ليه دايمًا نايم في الحصة؟

وليه مش بتبقى زي باقي زمايلك؟

وأحيانًا كان الطلبة يضحكوا عليه قدام الكل لما درجاته تتقال.

لكن أحمد عمره ما دافع عن نفسه.

كان بس بينزل راسه في الأرض ويسكت.

كل يوم.

وفي يوم بعد ما سقط في امتحان الرياضيات مرة كمان، اتعصبت منه مُدرسته الأستاذة منى وقالت

كفاية بقى! أنا جاية


بيتكم النهارده بعد المدرسة.

سكت الفصل كله فجأة.

وش أحمد اصفر من الخۏف.

وقال بصوت واطي

أرجوكِ يا أبلة... بلاش تيجي.

لكن الأستاذة منى افتكرت إنه مكسوف من الفقر وبس، وما سمعتش كلامه.

بعد انتهاء اليوم الدراسي، مشيت وراه من بعيد.

كان ماشي مسافة طويلة جدًا...

عدّى على بيوت متهالكة، وشوارع ضيقة، وسوق شعبي مليان دوشة.

وفي الآخر دخل مبنى تحت الإنشاء ومهجور.

وقفت الأستاذة منى مصډومة.

معقول حد يعيش هنا؟

قربت بحذر...

وفجأة سمعت صوت طفل صغير بيعيط من جوه.

مش صوت أحمد.

صوت طفل رضيع.

بصّت من فتحة الباب المكسور...

واللي شافته خلّى قلبها يتقطع.

جوه المكان الترابي...

كان فيه تلات أطفال صغيرين قاعدين على الأرض وبيعيطوا من الجوع.

أكبر

واحد فيهم ما كانش عنده أكتر من خمس سنين.

وبجانبهم...

كان أحمد بيحاول يجهز لهم أكل بسيط باستخدام غلاية قديمة صدية.

حطت إيدها على بقها من الصدمة.

وعينيها امتلوا بالدموع.

وسمعت واحد من الأطفال بيقول بصوت ضعيف

يا أحمد... ماما هترجع النهارده؟

وقف أحمد لحظة...

وبعدين ابتسم ڠصب عنه وقال

يمكن بكرة إن شاء الله.

لكن الأستاذة منى فهمت من الحزن اللي في عينيه إن الحقيقة غير كده.

دخلت المكان بهدوء.

اتلفت أحمد واټصدم

أبلة؟!

كان مړعوپ.

مش لأنه عمل حاجة غلط...

لكن لأن سره اتكشف.

بصتله الأستاذة منى وقالت بصوت مهزوز

يا أحمد... فين باباك ومامتك؟

سكت شوية...

وبعدين قال

بابا سابنا من زمان.

وماما توفت من تلات شهور.

حست إن رجليها مش قادرة

تشيلها.

إيه؟!

هز راسه وقال

كانت تعبانة... وما كانش معانا فلوس للعلاج.

ونزلت الدموع من عينيه.

قبل ما ټموت، مسكت إيدي وطلبت مني أوعدها إني أحافظ على إخواتي وماسيبهمش يجوعوا.

ما قدرتش الأستاذة منى تمنع دموعها.

وفجأة كل حاجة بقت مفهومة.

عرفت ليه بينام في الحصص.

وليه واجباته ناقصة.

وليه بيسقط كل مرة.

كل صباح قبل المدرسة...

كان بيشتغل في السوق يشيل بضاعة للتجار علشان يجيب أكل لإخواته.

وكل ليلة...

كان بيفضل صاحي يرعاهم.

ومع كل ده...

ما بطلش يروح المدرسة يوم واحد.

بصت حواليها.

مافيش سرير.

مافيش كهربا.

مافيش أكل.

بس أطفال عايشين بفضل تضحية طفل زيهم.

لكن أكتر لحظة وجعتها كانت لما أصغر طفل فيهم بص لأحمد وابتسم وقال

يا أبلة.

.. أحمد ساعات ما بياكلش علشان إحنا ناكل الأول.

ساعتها اڼفجرت الأستاذة منى

 

في البكاء.

أما أحمد فقال بخجل

أرجوكِ ما تعيطيش يا أبلة... أنا بس بحاول أعمل اللي أقدر عليه متعرفيش اي اللي حصلي بس الصدمه مكنتش هنا الصدمه لما عرفت يبقى مين ومين اللي عمل فيه كدا

ابتسم أحمد وسط دموعه وقال

أرجوكِ ما تعيطيش يا أبلة... أنا بس بحاول أعمل اللي أقدر عليه.

لكن الأستاذة منى كانت حاسة إن فيه حاجة ناقصة في الحكاية.

في اليوم التالي رجعت لأحمد وسألته بهدوء

يا أحمد... بعد ۏفاة والدتك، محدش من قرايبكم سأل عليكم؟

سكت أحمد شوية، وبعدين قال

لينا عم... بس طردنا.

اټصدمت الأستاذة منى.

طردكم؟ ليه؟

أحمد بص للأرض وقال

بعد ما ماما ماټت، قال إن البيت مش بتاعنا، ورمانا في الشارع. خد كل حاجة وسابنا.

الكلام فضل يرن في دماغ الأستاذة منى طول الليل.

وفي الأسبوع اللي بعده، وأثناء ترتيب أوراق أحمد عشان

المدرسة تساعده رسميًا، اكتشفت مفاجأة.

كان معاه ملف قديم احتفظت بيه أمه.

ملف فيه عقود وأوراق ملكية.

الأستاذة منى أخدت الأوراق لمحامٍ متطوع كان بيساعد المدرسة.

وبعد مراجعة طويلة، المحامي اټصدم.

وقال

الأولاد دول أصحاب حق كبير جدًا.

اتسعت عيناها.

إزاي؟

قال

والد أحمد قبل ما يختفي كان شريك في شركة نقل كبيرة. وبعد ۏفاته قانونيًا، انتقلت حصته لزوجته وأولاده. العم خبّى الحقيقة كلها واستولى على الشركة والبيت.

لأول مرة فهمت الأستاذة منى ليه العم طرد الأطفال.

مش بسبب الفقر...

لكن بسبب الطمع.

بدأت معركة قانونية طويلة.

العم كان واثق إن محدش هيقف ضده.

لكن المدرسة كلها وقفت مع أحمد.

المحامي اشتغل مجانًا.

والمدرسون جمعوا الأدلة.

وعدد من التجار في السوق شهدوا إن أحمد كان بيشتغل يوميًا علشان يصرف على إخواته.


وبعد شهور من التحقيقات والجلسات...

جاء اليوم الحاسم.

وقف القاضي يقرأ الحكم.

وأحمد قاعد ماسك إيد أخته الصغيرة.

وقلبه بيدق پعنف.

ثم قال القاضي

تُعاد جميع حقوق الأطفال إليهم، ويُثبت استيلاء العم على الممتلكات بغير وجه حق.

اڼفجرت القاعة بالدموع.

أما العم فخرج مطأطئ الرأس بعدما خسر كل شيء.

لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعد الحكم.

لما رجع أحمد للبيت القديم لأول مرة.

دخل الغرفة اللي كانت والدته تنام فيها.

وهو بيبص حواليه، لقى صندوق خشب صغير مخبأ خلف الدولاب.

فتح الصندوق بإيد مرتعشة.

وجواه رسالة.

رسالة من أمه.

كانت مكتوبة قبل ۏفاتها بأيام.

قرأ بصوت مرتعش

يا أحمد... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مش موجودة جنبك. أنا عارفة إنك هتتعب كتير. وعارفة إن الدنيا هتكون قاسېة عليك. لكن أوعى تسيب إخواتك. وأوعى تكره

حد. الخير اللي هتعمله هيرجعلك يوم من الأيام.

هنا مقدرش أحمد يكمل.

وانهار في البكاء لأول مرة منذ ۏفاة أمه.

أخته الصغيرة حضنته وقالت

ماما كانت عارفة إنك بطل.

بعد سنوات...

كان أحمد الأول على دفعته في الجامعة.

وأخته الكبرى في كلية الطب.

وأخوه الصغير من أوائل مدرسته.

وفي يوم التخرج، وقف أحمد على المسرح وسط تصفيق الجميع.

ثم نزل من المنصة مباشرة.

واتجه نحو الأستاذة منى.

وأمام الجميع قال

لو حضرتك ما كنتيش جيتي ورايا

اليوم ده... كنا ضيعنا.

ابتسمت الأستاذة منى وسط دموعها.

فأكمل

الناس كلها شايفة إني نجحت علشان أنا قوي... لكن الحقيقة إني نجحت لأن حد قرر يسمعني قبل ما يفوت الأوان.

وفي تلك اللحظة...

نظر أحمد إلى السماء وابتسم.

لأنه أخيرًا نفذ وعده.

إخواته لم يعودوا جائعين.

ولم يعودوا وحدهم.

أما والدته.

..

فلو كانت تراه الآن، لعرفت أن ابنها الصغير حمل العالم فوق كتفيه...

وانتصر.

 

تعليقات

close