لما تكوني خلاص رايحة تدفنيها
لما تكوني خلاص
لما تكوني خلاص رايحة تدفنيها، والكل لابس أسود وبيعيط على موتها وهي حامل في الشهر السابع، وفجأة جوزها يطلب نظرة أخيرة قبل ما ينزلوا الكفن الترب، وفي ثانية تلمح عينه حركة غريبة في بطنها! يصرخ في الكل وقفوا الدفن حالا!، والكل يفتكره اتجنن من الصدمة، بس لما الإسعاف والشرطة يوصلوا وتدخل تقلب المكان، يكتشفوا سر يزلزل القلوب ويصدم كل اللي واقفين في المدافن! الصوان كان مليان بريحة الحزن والدموع المكتومة في ليلة شتا غاممة، صهيد القهوة السادة وصوت القرآن كان مالي المكان، ونور اللمبات البيضا الشديد فوق الخشبة كان مخلي الوجع يقطع في القلوب أكتر.
طارق كان واقف ساكت تماماً جنب النعش المقفول، إيديه بترتعش وهي ساندة على الخشب الأسود كأنه بيتشعبط في آخر حاجة متبقية تخليه صلب طوله.
جوة الكفن كانت بتنام نادية.
مراته وحبيبة عمره.
كانت باهتة، ساكنة تماماً، وبعيدة أوي، مكنتش شبه النايمين، كانت شبه اللي انحطت جوة سكات مفيش بني آدم عاوز يقطعه، كانت حامل في الشهر السابع في واد صغير خلاص سموه يوسف، سبع شهور من طي هدوم البيبي الصغير، وصور السونار اللي متشالة في دوسيه أزرق، ووشوشة نص الليل قبل النوم، والوعود اللي طارق كان بيقولها وهو حاطط كفه على بطنها اللي بتكبر يوم عن يوم.
التقرير الرسمي قال إنها حادثة، المكالمة اللي جت له ليلة امبارح قالت إنها مقلوبة بعربيتها على الطريق الدائري، والمباحث قالوا مطر، وعجلة القيادة أفلتت منها، وخبطت في سور خرساني، وماتت في وقتها.
كل حاجة كانت متستفة ومترتبة على الشعرة.
وعلى الساعة حداشر بالليل، كانوا عمالين يأكدوا له إن العربية اتدمرت تماماً ومفيش أمل.
قالوا له إنها متعذبتش، قالوا له الموت كان فوري، قالوا كلام
كتير أوي.
بس اللي بيحب بجد بيحس لما الكلام بيبقى مقصود بيه قفل السيرة ودفن الشك.
أم نادية كانت قاعدة قريبة ودموعها مغرقة طرحتها السودا وماسكة السبحة في إيدها وبتسبح بوجع، وأخوها حسام ساند ضهره على الحيطة في سكات، مربع إيديه وعينيه ورمت من كتر العياط، محدش نطق، والتربي كان بيجهز كل حاجة بهدوء كأن السكوت جزء من الشغلانة.
المساعد قرب ومعاه كشكول وقلم جاف يا طارق بيه.. إحنا جاهزين عشان ننزل.
طارق رفع راسه بالراحة وعينيه حمرا أنا محتاج أشوفها لآخر مرة.
التربي تردد شوية يا بيه إكرام الميت دفنه، بلاش تصعبها على نفسك...
آخر مرة، طارق كررها بصوت واطي ومكسور أبوس إيدكم.
المكان كله اتجمد.
أم نادية وقفت في نص الدعاء، وحسام نزل عينيه الأرض، وعمتها فضلت واقفة في مكانها وكباية المية في إيدها مابتتحركش، ومن برة المدافن صوت حديد البوابة وهو بيتقفل خلى الكل يتشنج.
محدش اتمطع من مكانه.
في الآخر التربي هز راسه، واتنين من المساعدين فتحوا قفل النعش بالراحة، التكة دي قطعت في قلب طارق ورجعت له ليلة الحادثة المشؤومة.
نادية كانت نايمة جوة في سلام.
حلوة بطريقة توجع القلب، مسرحين شعرها، وإيديها محطوطة فوق صدرها، واللمبة البيضا مبينة كل حتة ساقعة في وشها، طارق قاوم دموعه وقرب أكتر، مش بس عشان يودعها، عشان كان محتاج يعيش آخر لحظة وهو جنبها.
وفجأة.. لمحها.
حركة خفيفة جداً تحت بطنها.
صغيرة لدرجة إنه شك في عقله.
طارق برمش بعينيه، أكيد الحزن خيل له، يمكن حد عدى من وراه والنور اتهز، يمكن عقله اللي مش مستوعب خسارة نادية ويوسف بيخترع أمل من الهوا عشان ميتجننش.
بس الحركة تكررت تاني.
حركة صاحية وحية!
الدم هرب من وش طارق وبقى زي الأموات وقفوا!، صرخ بأعلى
صوته وقفوا كل حاجة حالا!.
الكل اتسمر في مكانه كأنه صنم.
في إيه يا بيه؟.
بطنها بتتحرك!.
واحد من المساعدين وشه جاب ألوان، والتربي قال دي تشنجات عضلات طبيعية، وحد من القرايب قال دي غازات بتخرج بعد الموت، طارق مسعش لأي حد فيهم، وطى براحة فوق نادية ومسك كتافها نادية.. نادية حبيبتي.. ردي عليا.
مفيش رد.
بس في حركة في مكان المفروض يكون ميت وسَاكن.
طارق زعق وهو منهار اطلبوا الإسعاف! اطلبوا الإسعاف فوراً!.
المكان كله اتقلب لخناقة وهيستيريا، أم نادية صرخت وانهارت، وحسام خد خطوة لقدام وفجأة وقف في مكانه، طارق لمح لمحة رعب وخوف في عين حسام قبل ما تستخبى وراء وش الصدمة والذهول.
الوجع ساعات بيصحي السكاكين الجوانية وبيقوي الإحساس.
أكتر من أي حاجة تانية في الدنيا.
طارق كان عاوز يمسك حسام من رقبتيه ويقوله أنت خايف ليه مش زعلان؟ كان عاوز يسأل عن كل سؤال ملوش إجابة في الحادثة دي، بس قفل قبضة إيده وبص تاني لبطن نادية.
يوسف الأول.
صوت السرينة رن برة تحت السما المليانة غيوم، الباب الحديد اتفتح بقوة ورجال الإسعاف دخلوا المكان والكل بيوسع لهم، ووراهم ظابط مباحث ومعاه أمين شرطة وإيده على الطبنجة بتاعته.
المكان اتفتح.
الدكتور المسعف قرب وبص جوة النعش.
وشه اتغير في ثانية واتقلب مية حتة.
واللي حصل أول ما حط أجهزته الطبية على بطن نادية صدم وصعق كل اللي واقفين...
يا ترى نادية لسه عايشة والطفل يوسف هينزل الدنيا بعملية قيصرية جوة المدافن؟ وإيه السر المرعب اللي حسام أخوها مخبيه ومخليه يترعب أول ما عرف إنها بتتحرك؟ وهل الحادثة دي كانت تصفية حسابات ومحاولة قتل مدبرة من أقرب الناس ليها؟
المسعف ما قالش كلمة.
بس إيده اللي كانت ماسكة جهاز القياس ارتعشت لأول
مرة.
حط السماعة على بطن نادية سكت ثانيتين كأنهم دهر.
وبعدين رفع عينه ببطء شديد ناحية طارق، ووشه اتغير كأنه شاف حاجة مش المفروض تتشاف.
إبعدوا إبعدوا الكل من هنا.
طارق صوته اتكسر في إيه؟! قول في إيه!
المسعف مردش، بس فتح شنطته بسرعة وطلع جهاز صغير بيصدر صوت صفير متقطع.
حطه تاني وعلى طول الصفير اتغير.
خط ثابت.
وبعدين نبضة.
طارق رجله خبطت في الأرض يعني إيه؟ يعني لسه عايشة؟!
قبل ما المسعف يرد، الظابط اللي وراه دخل خطوة لقدام وقال بحدة افتحوا الكفن تاني كله يبعد.
التربي رجع خطوة لورا وهو بيهمس ده مستحيل إحنا سلّمنا تقرير الوفاة من بدري
لكن طارق ما كانش سامع أي حاجة.
كان باصص على بطن نادية بس.
المسعف حط إيده تاني المرة دي مش بس نبض.
حركة أوضح.
حركة كأن حاجة جوه بتحاول ترد.
وفجأة
شد خفيف من الداخل.
الكل اتجمد.
أم نادية صرخت حرام عليكم! سيبوها ترتاح!
لكن صوت الصرخة اتقطع فجأة لما الجهاز في إيد المسعف عمل صوت إنذار عالي.
بيب بيب بيب سريع.
المسعف وشه اتسحب منه الدم دي مش غازات دي مش تشنجات
طارق قرب منه يبقى إيه؟!
المسعف بص له وقال جملة واحدة خلت المكان كله يسكت
في حاجة عايشة بس مش بالطريقة الطبيعية.
الظابط شد نفس ببطء يعني طفل؟
المسعف هز راسه لو طفل كان زمانه محتاج يولد فوراً بس النبض مش منتظم وفي صوت تاني تحت الصوت ده
طارق حس الدنيا بتلف بيه صوت إيه؟
المسعف قبل ما يرد، الجهاز نفسه فصل لحظة
وبعدين رجع يشتغل.
بس بدل النبض الواحد
بقى فيه اتنين.
واحد ضعيف متقطع.
والتاني
أبطأ.
أثقل.
كأنه مش مجرد حياة كأنه وعي بيصحى.
وفجأة، الكفن من تحت اتشد تاني.
بس المرة دي مش شد بسيط
دي كانت دفعة واضحة خلت جسم نادية كله يتحرك حركة خفيفة على النعش.
طارق صرخ شيلوا الغطا! بسرعة!
التربي رجع خطوة لورا وهو بيقول أنا مش مسؤول عن ده
الظابط بص
له
بحدة افتح.
المساعدين بدأوا يفكوا الكفن بإيدين بتترعش.
لحظة واحدة بس
وهدوء تام.
لحد ما اتكشف جزء من بطنها.
وفي اللحظة دي
النور اللي فوق الخشبة بدأ يرمش.
مرة.
اتنين.
وبعدين طفى لحظة كاملة.
وفي الظلمة
سمعوا صوت خافت جداً.
مش بكاء.
ولا أنين.
كان أقرب ل
دق.
من جوه.
طارق رجع لورا خطوة وهو بيهمس يوسف
لكن المسعف بص له وقال بصوت مكسور
ده مش صوت جنين واحد
وسكت.
كأنه مش قادر يكمل.
واللي حصل بعدها خلى أول واحد فيهم يقرر يخرج من المكان فوراً، يقفل الباب الحديد من بره، ويطلب دعم إضافي لأن اللي جوه النعش ما بقاش واضح إنه مجرد حالة طبيةالظابط بص للمسعف بحدة يعني إيه مش طفل واحد؟ اتكلم بوضوح!
المسعف بلع ريقه، ووشه كان بيعرق رغم البرد
أنا سامع نبضتين بس واحد فيهم مش راكب على جسد واحد
طارق حس قلبه وقع في رجله تقصد إيه؟!
قبل ما يرد، جهاز القياس فجأة اشتغل لوحده وطلع صوت عالي جدًا، كأنه بيعلن حاجة غلط حصلت في كل القواعد.
بيب بيب بيب
وبعدين سكت.
وبعدين اشتغل تاني.
بس المرة دي
الخط مش خط نبض.
ده كان شبه رسالة.
نمط متكرر.
المسعف رجع خطوة ده مش جهاز طبي بيقيس ده بيستقبل حاجة!
التربي بص حواليه بخوف نستقبل إيه يعني؟ إحنا في مدافن مش معمل!
وفجأة
بطن نادية اتحركت تاني.
بس الحركة دي كانت مختلفة.
مش شد ولا رفرفة
دي كانت حركة منظمة.
كأن حاجة جوهها بترد على الصوت اللي في الجهاز.
طارق بص لها بعينين مش مصدقين هي سامعة؟!
الظابط مسك الجهاز من المسعف اقفلوا الهزار ده!
ضغط زر الإيقاف
لكن الجهاز ما اتقفلش.
بالعكس
الصوت زاد.
والنبض اتقسم.
3 خطوط.
مش اتنين.
المسعف صرخ ده مستحيل!
أم نادية وقعت على الأرض وهي بتصرخ بنتي فيها إيه؟!
وفي اللحظة دي
سقف الصوان كله نورُه بدأ يطفي واحدة واحدة.
كأن في حاجة ماشية على الكهرباء نفسها.
الظلام دخل بسرعة.
والهدوء
بقى مرعب لدرجة إنهم سمعوا نفس بعض.
وفجأة
من جوه النعش
صدر صوت واضح.
مش جهاز.
مش دقات.
ده كان صوت خفيف
كلمة واحدة
متقطعة
ما تفتحوش
طارق اتجمد.
الظابط رفع السلاح فورًا مين قال كده؟!
المسعف بص للنعش الصوت جاي من جوه!
وفجأة
بطن نادية اتشد بقوة مرعبة، لدرجة إن القماش اللي عليها اتقفل كأنه بيتسحب لجوه.
صرخة واحدة خرجت من الكل في نفس اللحظة.
والمسعف نزل على ركبته وهو بيقول بصوت مهزوز
لا دي مش ولادة طبيعية دي حاجة بتحاول تطلع بالعافية
طارق فقد السيطرة تمامًا، ومد إيده ناحية بطنها وهو بيصرخ
نادية! ردي عليا! إيه اللي جوه؟!
وفي نفس اللحظة
إيد صغيرة جدًا
ضغطت من تحت الجلد.
واضحة.
حقيقية.
وبطيئة
كأنها بتختبر العالم اللي برا لأول مرة
وساعتها بس
النعش كله
اتحرك حركة واحدة قوية كأنه بيتنفس لأول مرة من ساعة ما اتقفلالصوان كله اتخبط كأنه اتنفض من تحت الأرض.
الخشب بتاع النعش عمل صوت طَق عالي، والكل رجع لورا في نفس اللحظة.
الظابط صرخ افتحوه فورًا!
بس قبل ما حد يقرب
بطن نادية اتشد تاني بس المرة دي مش ناحية برّه.
ناحية جوا.
كأن حاجة جوهها بتسحب نفسها لعمق أكتر بدل ما تطلع.
المسعف قام بسرعة، صوته بيتهز
دي مش محاولة خروج دي محاولة اختفاء!
طارق بص له مش فاهم يعني إيه؟!
المسعف ابتلع ريقه
يعني اللي جوه خايف يطلع.
سكت ثانية.
وبعدين كمل بصوت واطي
أو مش عايز يطلع بالشكل ده.
في اللحظة دي
الجهاز اللي كان في إيد الظابط اشتغل تاني لوحده.
بس المرة دي
النبض التلاتة بقوا واحد.
واحد بس.
ثابت.
قوي.
بشكل يخوف.
كأن كل اللي قبل كده كان بيتهيأ وده هو الحقيقي.
وفجأة
كل حاجة سكتت.
لا صوت قرآن من برّه.
لا صوت عياط.
حتى الريح وقفت.
طارق حس إن الدنيا اتقفلت عليه.
وبهدوء مرعب
بطن نادية بدأت تتسطح.
كأن حاجة جوهها بتتحرك لمكان تاني بعيد عن الجلد نفسه.
المسعف
بص بصدمة
ده مش جنين ده انتقال!
الظابط بص له انت بتقول إيه؟!
قبل ما يرد
سمعوا صوت خفيف جدًا زي نفس طفل
بس مش بكاء.
ضحكة قصيرة.
مرتبكة.
ومن جوه النعش
اتسمع خبط خفيف على الخشب.
مرة.
اتنين.
تلاتة.
كأن في حاجة بتخبط من الداخل.
طارق وقع على ركبته
افتحوا افتحوا بسرعة!
المساعدين اترددوا، لكن الظابط أشار افتحوا.
الغطا اتشال ببطء شديد
والكل حبس نفسه.
النور رجع لحظة واحدة
ووقع على وجه نادية.
لكن
بطنها كانت ساكنة تمامًا.
مفيش حركة.
مفيش نبض ظاهر.
ولا حتى علامة اللي كانوا شايفينها من لحظات.
المسعف همس
اختفى
طارق بص حوليه بجنون اختفى فين؟!
وفجأة
الجهاز في إيد المسعف طلع صوت واحد أخير
نبضة واحدة
وبعدين سكت نهائي.
والهدوء اللي بعدها كان مرعب
لدرجة إنهم سمعوا حاجة أبسط من كل ده
صوت نفس خفيف جدًا
بس مش جاي من النعش.
كان جاي من
وراهم الكل لفّ مرة واحدة في نفس الاتجاه.
الظابط رفع سلاحه فورًا مين هناك؟!
مفيش إجابة.
بس الصوت نفس خفيف كان أقرب.
خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
المسعف رجع لورا وهو بيهمس ده مستحيل إحنا كلنا هنا قدام النعش
وفجأة
مصباح من اللي فوق الصوان وقع على الأرض واتكسر، والنور اللي باقي بدأ يلمع ويخفت بسرعة كأن في حاجة بتعدّي من تحته.
طارق بص حوالين المكان بجنون نادية؟! لو ده هزار أو لعبة حد يرد!
لكن الصمت كان تقيل بشكل يخوف.
وفجأة
الظابط نزل سلاحه شوية وهو بيبص على الأرض في آثار مية
المسعف بص بسرعة مية إيه؟
لكن لما قربوا من الأرض
لقوا حاجة أبرد من أي تفسير منطقي.
آثار قدمين صغيرة حافية.
بس المشكلة إنها طالعة من جنب النعش وبتتحرك بعيد عنه.
مش داخلة.
خارجة.
خطوة خطوة على الأرض التراب، لحد ما وصلت لباب الصوان الحديدي.
الكل وقف متخشب.
طارق بص على الأثر وصوته اتكسر دي مش قدم طفل دي كانت جوه
قبل ما يكمل جملته
الباب الحديدي
اتفتح لوحده ببطء.
صرير صوته ملأ المكان.
والهوا دخل مرة واحدة بقوة.
وراح طافي آخر لمبة شغالة.
ظلام كامل.
ثانية اتنين
وبعدين
اتسمع صوت همس واضح جدًا من برّه الباب
ماما
أم نادية صرخت دي بنتي!
ورمت نفسها ناحية الباب، لكن الظابط مسكها بالعافية.
المسعف بص للباب وهو بيهز راسه
اللي سمعناه ده مش طبيعي ده مش صوت داخل أو خارج
طارق كان واقف مكانه، مش قادر يتحرك.
وفجأة
الهمس اتكرر أقرب.
ماما
بس المرة دي
ما كانش جاي من برّه.
كان جاي من تحت النعش نفسه طارق حس جسمه كله اتشل.
عينه نزلت غصب عنه ناحية الأرض تحت النعش.
الظلام كان تقيل بس كان فيه إحساس إن الحاجة هناك أقرب من أي وقت فات.
المسعف رجع لورا وهو بيهمس
لو الصوت تحت يبقى إحنا واقفين فوقه مباشرة
الظابط بص له بحدة تحت إيه؟ دي أرض مدافن صلبة!
بس قبل ما يكمل
الأرض نفسها عملت صوت.
طَق خفيف.
زي حاجة بتخبط من جوه.
مرة واحدة.
وبعدين اتكرر أقوى.
طَق.
طَق.
التراب حوالين النعش بدأ ينهز كأنه بيتنفس.
أم نادية صرخت اقفلوا! اقفلوا الباب!
لكن الباب كان مفتوح والليل برا كأنه بيرد الصدى.
وفجأة
النعش اتحرك.
حركة واحدة بس.
لكن كفاية تخلي كل اللي جوه الصوان يقع في حالة ذهول.
طارق صرخ هو لسه جوه! هو لسه ما خرجش!
المسعف بص له بصدمة
بس إحنا شوفنا الآثار طالعة!
وفجأة
صوت الطفل رجع تاني.
بس المرة دي مش همس.
ده كان واضح قريب وكأنه تحت الأرض مباشرة
ماما
وبعدين سكت لحظة
وبصوت مختلف تمامًا، أعمق شوية، قال
افتحي
الظابط رفع سلاحه أكتر افتحي مين؟!
التراب تحت النعش بدأ يهبط بشكل بسيط كأنه فيه فراغ بيتفتح تحته.
المسعف صرخ في تجويف تحت القبر!
طارق رجع خطوة وهو مش مصدق يعني إيه تجويف؟!
لكن قبل ما حد يرد
النعش نفسه هبط سنة واحدة لتحت.
مش وقع
اتسحب.
كأن الأرض سابته يدخل لجوا.
وفجأة
ظهر شق صغير في التراب
جنب النعش.
شق بيتوسع ببطء مرعب.
ومن جوه الشق
طلع نفس خفيف جدًا.
بس المرة دي كان واضح إنه مش نفس واحد.
كانوا اتنين.
نفسين في نفس اللحظة.
المسعف بص للظابط وهو بيهمس
اللي تحت ده مش طفل واحد
طارق بص لهم وهو صوته بيتكسر
يبقى إيه؟
وفي اللحظة
دي
الشق اتفتح
أكتر.
والظلام اللي جوه كان أعمق من أي حاجة حوالينهم
وكأن فيه مكان تاني بيتولد تحت الأرض في نفس القبر في نفس اللحظةالشق اتسع فجأة كأنه اتفتح من جوه مش من برّه.
تراب المدفن اتسحب لداخل الظلام بشكل غريب، كأن الأرض نفسها بتبلع اللي فوقها بدل ما تخرجه.
المسعف رجع لورا وهو بيهتف
اقفلوا أي حاجة! المكان ده بيهبط!
لكن مفيش حاجة اتقفلت بالعكس، النعش بدأ يميل ناحية الشق.
الظابط صرخ في المساعدين امسكوه!
اتنين حاولوا يشدوا النعش لكن الخشب تقيل بشكل غير طبيعي، كأنه اتشحن بوزن الأرض كلها.
وفجأة
صوت تحت الأرض اتغير.
بقى أقرب.
وبقى أوضح.
ماما
بس المرة دي، الكلمة اتقالت مرتين فوق بعض بصوتين مختلفين تمامًا.
واحد طفل صغير.
والتاني أعمق فيه صدى غريب، كأنه جاي من مكان واسع ومقفول في نفس الوقت.
المسعف همس وهو بيبص للظابط
فيه اتنين تحت
طارق مسك راسه ده مستحيل نادية حامل في واحد!
لكن قبل ما يكمل جملته
التراب اتفجر مرة واحدة.
مش انفجار صوت لكن حركة.
الأرض تحت النعش انفتحت شوية أكتر، وطلع منها هواء بارد قوي خلى كل اللي واقفين يترعشوا.
ومن جوه الظلام
بانت حاجة.
مش شكل كامل.
بس ظلين صغيرين بيتحركوا.
واحد أقرب للسطح والتاني أعمق شوية.
وكأن واحد بيطلع والتاني بيشدّه لجوه.
الظابط شد سلاحه وهو بيهتف
فيه حد تحت الأرض! حد حي!
المسعف هز راسه بعصبية
مش بالشكل ده مش بالطريقة دي
وفجأة
الصوت اتغير تاني.
بقى صراخ خفيف مكتوم كأنه جاي من جوه جدار مش من إنسان
ماما سيبيني
وبعدها مباشرة
صوت تاني رد عليه
لسه بدري
طارق وقع على ركبته وهو بيبص للظلام
إيه اللي بيحصل إيه اللي تحت نادية؟!
وفي اللحظة دي
الشق بدأ يقفل تاني.
بس قبل ما يقفل بالكامل
إيد صغيرة جدًا ظهرت للحظة من الظلام.
مش بتطلع ولا بتقع.
كانت بتلوّح.
وبعدين اختفت فجأة
والأرض رجعت تسكن.
لكن السكون ده ما كانش راحة
كان تحذير.
المسعف وقف ببطء وهو
بيبص للنعش
اللي تحت قرر ما يطلعش دلوقتي
الظابط بص له
يعني لسه فيه مرحلة تانية؟
المسعف رد بصوت واطي جدًا
أو لسه فيه حاجة أكبر مستنياها تحصل
وفجأة
من داخل النعش نفسه
اتسمع دق واحد قوي.
كأنه حد بيخبط من جوه الخشب
مرة واحدة
وبعدين الصمت رجع تاني بس المرة دي مختلف.
كأن المكان كله بيستنى اللي جايالصمت اللي نزل على المدافن كان تقيل لدرجة إن أي نفس بقى يتسمع كأنه صريخ.
طارق واقف مكانه، عينه مش بتتحرك من على النعش.
الظابط مِسك سلاحه بإيد ثابتة ظاهريًا لكن صوته كان أهدى من المفروض
محدش يتحرك.
المسعف كان بيبص للأرض حوالي النعش
النبض اختفى الاتنين رجعوا صفر.
طارق بص له بسرعة
يعني خلاص؟ ماتت؟
المسعف هز راسه ببطء
مش متأكد إننا كنا بنتكلم عن حياة وموت أصلاً
قبل ما حد يرد
النعش اتحرك.
مرة واحدة بس كفاية تخليه يبعد عن مكانه نص سنتي.
وبعدين اتكرر.
تكة تكة تكة
كأن حاجة جوه بتدفعه عايزة تقوم.
التراب حوالين الشق اللي تحت رجع يتحرك تاني، بس المرة دي مش بيتفتح بيتقفل بسرعة كأن فيه حاجة بتزقه من جوه تقفله غصب.
وفجأة
صوت واحد خرج من النعش واضح جدًا مش همس ولا صدى
ماما أنا فوق.
أم نادية صرخت بنتي رجعت!
لكن الظابط صرخ عليها اسكتي!
المسعف بص للنعش، ووشه اتغير
ده مش نفس الصوت اللي تحت ده اتغير.
طارق قرب خطوة، عينه بتلمع برعب وأمل في نفس الوقت
يعني يوسف؟
المسعف ما ردش.
لأن النعش بدأ يفتح من عند الرأس ببطء شديد.
مش حد بيفتحه.
الخشب نفسه بيتفك.
والهواء اللي خرج منه كان دافي بشكل غريب، عكس البرد اللي مالي المكان.
وفجأة
إيد صغيرة ظهرت من الفتحة.
بس الإيد دي
ما كانتش وحدها.
كان في إيد تانية ماسكاها من جوه بتشدها لورا.
الظابط همس
لسه فيه اتنين
المسعف رجع خطوة
واحد بيطلع وواحد مش عايزه يطلع
طارق بص للنعش، وصوته اتكسر
مين فيهم ابني؟
وفجأة
الإيد اللي فوق شدت نفسها لقدام بقوة، وسمعوا صوت واضح
لأول مرة من جوه
سيبني أنا مش لوحدي
الخشب اتشق.
والنعش فتح فجأة نص فتحة صغيرة
واللي جواه ما كانش طفل واحد ولا حتى اتنين بشكل مفهوم.
كان في حركة ظلين متداخلين كأن الحياة نفسها جوه النعش بتتخانق على الخروج.
وفجأة
النور رجع لحظة واحدة بس.
وفي اللحظة دي
كل اللي في المدافن شافوا حاجة خلتهم يثبتوا في مكانهم تمامًا
لكن قبل ما الصورة تكمل وضوحها
النور قطع تاني وبدأ صوت واحد عالي جدًا يملأ المكان بيقرب بسرعة من كل اتجاهالصوت اللي كان ماشي في المكان ما كانش مجرد صريخ ولا أنين كان زي نبض بيتحرك في الهواء نفسه.
دق دق دق
أسرع.
أعلى.
أقرب.
الظابط بص حوالينه بسرعة
إحنا محاصرين هنا؟!
المسعف كان باصص للنعش بس، ووشه أبيض
ده مش صوت جاي من اتجاه ده جاي من المكان كله.
طارق واقف، مش قادر يفرق بين الحقيقة والهلوسة.
وفجأة
النعش اتفتح مرة واحدة بالكامل.
الغطا وقع على الأرض بصوت ضربة جامدة.
والكل رجع خطوة لورا تلقائيًا.
لكن اللي جوه
كان ساكن.
غريب.
هدوء تام.
نادية كانت لسه في مكانها لكن ملامحها مختلفة.
مش لأن في حاجة واضحة اتغيرت لكن لأن الإحساس نفسه اتبدل.
كأنها مش هي وفي نفس الوقت هي.
المسعف همس
دي حالة توقف كامل بس الجسم لسه
قبل ما يكمل
عين نادية اتفتحت فجأة.
ببطء.
وبهدوء مرعب.
مش نظرة خوف ولا وعي كامل.
نظرة مراقبة.
بصت على طارق.
وبعدين على أمها.
وبعدين على الظابط.
وكأنها بتعدّهم.
وفجأة
بطنها اتحرك مرة أخيرة.
حركة خفيفة جدًا كأن حاجة بتقول أنا هنا لسه.
وبعدين سكت كل شيء.
الظابط شد سلاحه أكتر
إحنا هننهي ده دلوقتي. حد ينقلها فورًا.
المسعف رد بسرعة
لو شلتوها من هنا قبل ما نفهم اللي حصل ممكن
بس كلامه اتقطع.
لأن نادية قالت بصوت واطي جدًا
صوت مش مريض ولا منهك
صوت واضح بشكل مخيف
ما تنقلونيش.
الكل اتجمد.
طارق بص لها بصدمة
نادية انتي سمعاني؟
هي ما ردتش عليه مباشرة.
بس قالت جملة واحدة
تانية، أخفض من الأولى
هو لسه مش خلص.
الظابط اقترب خطوة
مين اللي مش خلص؟
نادية لفّت عينيها ببطء ناحية الشق اللي تحت الأرض اللي بدأ يبان تاني خفيف جدًا
وبهدوء قالت
اللي كان تحت طلع جزء ولسه جزء تاني جاي.
المسعف رجع خطوة وهو بيهمس
يعني اللي حصل مش ولادة
وسكت لحظة.
وبعدين كمل بصوت مكسور
ده بوابة كانت بتتفتح.
وفجأة
الأرض كلها اتنفضت مرة واحدة.
مش اهتزاز.
لكن إحساس إن حاجة ضخمة اتحركت تحتهم.
والنعش رجع يقفل ببطء من نفسه
لكن قبل ما يقفل بالكامل
طلع منه صوت طفل أخير
بعيد غريب كأنه جاي من عمق أبعد من الأرض
لسه بدري
وبعدها
سكون كامل.
سكون ما فيهوش حتى نبض.
كأن المكان كله بيستنى الضربة الجاية اللي لسه ما حصلتش السكوت اللي بعد الصوت كان أقسى من أي صريخ قبل كده.
النعش فضل مفتوح، لكن مفيش حركة لا تحت الأرض ولا جواه.
نادية كانت قاعدة مكانها، عينيها مفتوحة، بس النظرة اللي فيها بدأت تهدى تدريجيًا كأن حاجة كانت ماسكاها وسيبتها.
المسعف قرب بحذر شديد، وحط الجهاز على بطنها تاني.
الخط ظهر
خط واحد.
ثم خط ضعيف جدًا.
ثم اختفى.
الظابط بص له
يعني إيه؟
المسعف رد بهدوء مرهق
كان فيه حالة نشاط غير طبيعية دلوقتي انتهت.
طارق وقف مكانه، مش قادر يصدق
يعني خلاص؟
أم نادية انهارت وهي بتبكي
بنتي رجعتلي بنتي رجعت
لكن نادية نفسها، بعد لحظة صمت، بصت لطارق وقالت بصوت ضعيف
أنا كنت سامعة كل حاجة بس مش قادرة أرد.
طارق دموعه نزلت
أنا افتكرتك رايحة مني
هي هزت راسها ببطء
أنا كنت بين حاجتين مش عارفة أخرج ولا أكمّل
الظابط بص للمسعف
هنكتب إيه في التقرير؟
المسعف سكت ثواني، وبعدين قال
هنكتب توقف حاد في العلامات الحيوية ورجوعها بشكل نادر جدًا بعد تدخل إسعافي.
سكت.
وبعدين أضاف
لكن مش هنكتب السبب الحقيقي.
الكل سكت.
لأنهم كلهم كانوا عارفين إن في حاجة حصلت بس مفيش
ورق في الدنيا
هيعرف يشرحها.
طارق مسك إيد نادية
وقال بهدوء لأول مرة
مش مهم اللي حصل المهم إنك هنا.
وفي اللحظة دي
من تحت التراب جنب القبر
طلع صوت خفيف جدًا شبه نفس طفل بعيد
بس المرة دي محدش رد.
ولا حد بص.
لأن كل واحد فيهم كان قرر في داخله حاجة واحدة
إن في أسرار لازم تفضل مدفونة.


تعليقات
إرسال تعليق