القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 مراتى ست بيت كاملة 



مراتى ست بيت كاملة 

مراتى ست بيت مابتشتغلش وانا العائل الوحيد للبيت وبما انى العائل الوحيد فمن حقى اعزم اللى احبه وارفض اعزم اللى مش عايز اعزمهم دايما بعزم اهلى عندى كل اسبوع ولما مراتى تحب تعزم اهلها انا برفض لأن مالى اهلى هما أولى بيه من الغريب مراتى بتزعل بس بعدها بتعدى

لما اختى بتيجى دايما تحب تتدخل اوضه النوم تشوف مراتى اشترت ايه وتاخد اللى يعجبها لانها بتاخد من الحاجه الى. اخوها جايبها بفلوسه

ومراتي بقت مابتفتحش بوقها في الموضوع ده، بس أنا بلاحظ نظرات عينيها لما أختي بتدخل الأوضة وتقلب في حاجتها الخاصة، ساعات بلاقيها وشها بيصفر وبتحاول تداري ضيقها بابتسامة صفرا، وأختي ولا على بالها، بتعتبر البيت بيتها والفلوس اللي أنا بتعب فيها دي حق مكتسب ليها ولأهلها كمان.

المشكلة إن الموضوع ماوقفش عند كدة، أختي بقت تتدخل في تفاصيل لبس مراتي وطريقة ترتيب البيت، وكل ما أختي تيجي، لازم تلاقي تعليق سخيف على أكل مراتي أو على شكلها، ومراتي بتسمع وتسكت عشان ما تعمليش مشاكل معايا. أنا بشوف إن ده طبيعي، أختي يعني، ومن حقها تقول اللي هي عايزاه في بيت أخوها، ومراتي المفروض تكون متفهمة إن دي صلة رحم وإن أهلي ليهم الأولوية في كل حاجة.

مؤخراً بقيت أرجع من الشغل ألاقي مراتي قاعدة لوحدها وبتعيط، ولما بسألها في إيه، بتهرب من الرد وتقولي “مفيش أنا بس تعبانة شوية من شغل البيت”. أنا مش فاهم إيه اللي يخليها تزعل وأنا موفر لها كل حاجة، بيت وأكل وشرب، ومفيش غير إنها تقعد في البيت وتسمع الكلمتين من أختي، ده ضريبة إنها ست بيت ومش بتشارك بمصاريف، فالمفروض تستحمل عشان المركب تمشي وما أضطرش أعمل مشاكل مع أهلي اللي هما سندى في الدنيا.

الموضوع زاد لما أختي بدأت تطلب مني طلبات غالية، وأنا طبعاً مابرفضش لأني مش عايز أزعلها، ومراتي لما عرفت إن مصاريف البيت بدأت تتقصر بسبب طلبات أختي، حاولت تفتح معايا الموضوع بأسلوب هادي، بس أنا قفلت الموضوع فوراً وقولت لها “ده مالي وأنا حر فيه، والبيت بيمشي باللي أنا بقرره، ومش مسموح لحد يتدخل في طريقتي في إدارة بيتي”. ومن ساعتها وهي بقت بتتعامل ببرود شديد، بس أنا مطنش وبقول هي فترة وهتعدي وهتتعود على طريقتي.

وفجأة لقيت أختي جاية لي البيت بشنطها، وشها مبهدل من العياط وبتقولي إنها اتخانقت مع أمي خناقة كبيرة ومش راجعة هناك تاني. طبعاً ماقدرتش أقولها لأ، دي أختي وجت لجأت لي، وقعدت في البيت عندي كأنها هي صاحبة المكان.

ومن أول يوم وهي حاطة “نظام جديد” للبيت. قعدت مع مراتي وقالت لها بصيغة أمر: “من هنا ورايح، الأكل يتعمل بالطريقة اللي أنا بحبها، والبيت يتنظف ويتفرش زي ما أنا متعودة في بيتنا، وكفاية دلع وبطء في الحركة”. مراتي بصت لي وهي مستنية رد فعل مني، بس أنا التزمت الصمت، بالعكس، قلت لها: “اسمعي كلام أختي، هي أدرى بمصلحة البيت مني ومنك، ومفيش مانع إننا نغير الروتين شوية عشان نريحها”.

بدأت أختي تسيطر على كل تفصيلة، غيرت أماكن العفش، وبقت بتدخل المطبخ وتطلع مراتي منه عشان هي اللي تطبخ بنفسها، وطبعاً كل ده من ميزانية البيت اللي أنا بدفعها. مراتي بقت زي “الخيال” في البيت، بتنفذ اللي بيتقال لها وهي ساكتة، بس نظرات عينيها اتغيرت، بقيت أشوف فيها نظرة انكسار واضحة، ومع ذلك قولت لنفسي: “أهو أختي موجودة وبتساعد في البيت، ده أحسن برضه”.

أختي كمان بقت بتعزم صحباتها وقرايبنا في أي وقت، وبتطلب من مراتي تجهز العزومات دي وتخدمهم، ولو مراتي اعترضت أو قالت إنها تعبانة، أختي بتطلع لي وتشتكي لي إنها “مش عايزة تخدم” وإنها “بقت متمردة”. وأنا طبعاً، عشان أثبت إني المسيطر وإن دي أصولي، كنت بدخل أعنف مراتي وأقول لها: “دي أختي، وأي حد يدخل بيتي لازم يخدمها من غير كلام، وإلا اعتبري نفسك مقصرة في حق جوزك”.

في ليلة من الليالي، كان الجو مشحوناً جداً. أختي كانت عاملة عزومة كبيرة لصاحباتها، والبيت كان مقلوب حاله، ومراتي باين عليها الإرهاق الشديد وهي بتلف بين المطبخ والصالة. وأنا كالعادة، كنت قاعد في الصالون بتابع التليفزيون، وبسمع ضحكاتهم العالية وأختي وهي بتفتخر قدامهم إزاي هي اللي بتدير البيت وكل شيء بيمشي تحت إيدها.

فجأة، سمعت صوت حاجة اتكسرت في المطبخ، وصوت صريخ خفيف لمراتي. قمت دخلت بسرعة، لقيت طقم صيني كامل من اللي مراتي بتحبه مكسور على الأرض، وهي واقفة بتعيط ومنهارة. أختي دخلت ورايا وبدأت تلوم مراتي وتقول لها: “شوفوا الإهمال! دي الحاجة اللي أخويا جابها بفلوسه، إنتي ما يهمكيش حاجة لأنك مش دافعة مليم”.

بصيت لمراتي ولقيتها ساكتة تماماً، ملامح وشها اتجمدت، مفيش فيها أي تعبير غير نظرة حزن عميق وكسرة نفس. ما قدرتش أتحمل الإحراج قدام أختي، فقلت لها بصوت عالي: “إنتي إيه اللي عملتيه ده؟ إنتي عارفة الطقم ده كلفني كام؟ قومي دلوقتي نضفي المكان ده ومن غير ولا كلمة”.

مراتي بصت لي بصه أول مرة أشوفها في عينها، نظرة نار مش مجرد حزن، وفجأة صرخت في وشي وفي وش أختي بصوت هز أركان البيت كله: “كفاية لحد هنا! أنت مفكر إنك بتكلم خادمة؟ الطقم ده بفلوسي أنا، من مالي الخاص قبل ما أتجوزك، ومن جهازى اللي دافعة فيه دم قلبي!”.

أختي حاولت تفتح بوقها، بس مراتي شورت لها بإيدها بقوة وقالت لها: “إنتي آخر واحدة تتكلمي! إنتي مش ضيفة في البيت ده، إنتي عالة على حياتنا، دخلتي كسرتي كل خصوصيتنا، وبتعاملي جوزي كأنه بنك متنقل بيصرف على دلعك، وبتقرري وتأمري في بيتي كأنه ملكك!”.

بصت لي تاني، والمرة دي كانت عينيها بتلمع بدموع القهر اللي اتحولت لغضب: “وأنت، يا اللي فاكر إنك راجل البيت عشان بتصرف، أنت بفلوسك دي اشتريت كرامتي، وأختك هي اللي بقت بتدير حياتنا لأنك سمحت لها تكسرني كل يوم. أنا سكتت كتير عشان البيت يمشي، بس النهارده الطقم اللي اتكسر ده هو آخر حاجة كانت رابطاني بصبرا، والبيت ده مش هيكون فيه مكان لأختك بعد اللحظة دي، يا إما هي، يا إما أنا!”.

البيت ساد فيه صمت رهيب، أختي وشها اتخطف وبصت لي مستنية رد، وأنا واقف متسمر في مكاني، حاسس إن الأرض بتتهز تحت رجلي، لأول مرة في حياتي مراتي بتواجهني وبتحط حدود، والحقيقة اللي كنت بهرب منها بانت قدامي بوضوح، إن أختي فعلاً بقت بتتدخل في كل صغيرة وكبيرة، وإن مراتي وصلت لأقصى درجات التحمل



وقفت قدامي، وعيونها اللي كانت دايماً بتبص في الأرض اتحدت عيني مباشرة وبكل قوة قالت: “أوعى تكون فاكر إنك الراجل الوحيد اللي بيصرف على بيته، أنت مجبر إنك تصرف على البيت ده، ده واجب وفرض عليك، مش فضل منك ولا حاجة بتمن بيها علينا”.


سكتت لحظة، ونبرة صوتها زادت حدة وهي بتكمل: “إنما خدمتي أنا لأهل بيتك، فدي صدقة مني عليك وعلى أهلك، وأنا مش مجبرة بيها، ولا بمليم واحد من اللي بتدفعه أقدر أشتري بيه راحة بالي اللي ضاعت.. أنت فاهم؟”.


أختي وقفت مصدومة من رد فعل مراتي ومن جرأتها، وأنا بقيت واقف مش عارف أرد بإيه، الكلام ده نزل على دماغي زي الصاعقة، خلاني أراجع كل كلمة قلتها قبل كدة عن “الرجولة” و”السيطرة”. لأول مرة، حسيت إن ميزان القوى اتغير، وإن مراتي ما بقتش الشخص اللي بيقبل الإهانة عشان المركب تمشي، البيت كان غرقان في صمت مريب، وصوت أنفاسنا كان هو الصوت الوحيد اللي مسموع.


 


أختي وصحباتها كانوا واقفين مبرقين من كلام مراتي، وقبل ما أي حد فيهم ينطق، مراتي اتحركت بخطوات ثابتة ناحية الصالة، فتحت باب الشقة على وسعه وبصت لصحبات أختي وقالت بصوت واضح وقوي: “العزومة خلصت، والبيت دلوقتي محتاج يرجع هادي. اتفضلوا، الباب يفوت جمل”.


صحبات أختي بصوا لبعض في ذهول وخرجوا بسرعة من غير حتى ما يسلموا، وأختي وقفت في نص الصالة مش مصدقة اللي بيحصل. أنا كنت واقف في مكاني، مسمار متثبت في الأرض، عقلي مش قادر يستوعب اللي بيحصل؛ مراتي اللي كانت بتسكت على كل حاجة، اللي كانت بتبلع إهانات أختي عشان “المركب تمشي”، دلوقتي هي اللي بتطرد الضيوف وهي اللي بتفرض كلمتها في بيتي!


حاولت أجمع شتات نفسي وأزعق، حاولت أقول “إيه اللي عملتيه ده؟”، بس الكلام وقف في زوري لما بصيت في عينها ولقيت فيها إصرار وحزم ما شفتهوش قبل كدة. أختي بصت لي وهي بتستنجد بيا، مستنية مني رد فعل يرجع لها هيبتها، بس أنا لقيتني واقف “متشُل”، مش عارف أنصر مين ولا أعمل إيه، وكأن السحر انقلب على الساحر، والبيت اللي كنت فاكر إني بملكه وبتحكم فيه بكل تفاصيله، بدأ يخرج مني تماماً.


أختي وشها احمر من الغيظ، وصرخت في مراتي بجنون: “إنتي اتجننتي! فاكرة نفسك بتطرديني أنا من بيت أخويا؟ ده أنا اللي أعمل اللي أنا عايزاه هنا، وأنتِ مجرد واحدة بتخدمنا وبس!”


مراتي ما سكتتش، وقفت في وشها بكل كبرياء وقالت لها بصوت عالي: “البيت ده أنا اللي شقيانة فيه، والست اللي بتدخل بيتي بتهينني مكانها مش هنا. اطلعي برة!”، وبعدين التفتت لي وبصت لي بنظرة كلها احتقار وقالت: “وأنت كمان، مش عايزة أشوف وشك في بيتي، البيت ده حقي وحق ولادي، ولأني حاضنة، القانون هيضمن لي حقي وهطردك أنت وأختك منه”.



كملت كلامها وهي بتطلع تليفونها وبتهدد: “أنا هرفع قضية طلاق، وهوريك القانون هيعمل فيك إيه. مش بس هتاخد هدومك وتمشي، ده أنت كمان مجبر تدفع نفقة ليا وللعيال، وهتفضل تصرف غصب عنك، مش بمزاجك ولا بمنتك، يا اللي كنت فاكر إنك بتشتري كرامتنا بفلوسك!”.


وقفت أنا مصدوم، مش قادر أنطق بكلمة، البيت اللي كنت فاكر إني مسيطر عليه ضاع في ثواني، وأختي اللي كانت بتحرضني بقت واقفة مرعوبة من تهديد مراتي بالطلاق والقانون، وأنا لأول مرة في حياتي حسيت إني خسرت كل حاجة بسبب طريقتي وتكبري


مراتي ما اكتفتش بكلمة “برة”، وقربت من أختي وهي بتبص لي أنا بحدة وقالت: “وزي ما أنت مش مجبر تعزم أهلي عشان بفلوسك، أنا كمان مش مجبرة أخدم أهلك بصحتي.. الخدمة دي كانت بـأصولي أنا مش بـأمرك”.


التفتت لأختي اللي كانت واقفة مصدومة وقالت لها بصوت حاسم: “ومن هنا ورايح، مفيش عزايم في بيتي، وأختك دي مش هتعتب باب بيتي مرة تانية، ووريني يا شاطر إزاي هتعرف تدخلها البيت وأنا موجودة”.


أختي بصت لي وهي بتترعش من الغيظ ومستنية مني أهين مراتي أو ألمها، بس أنا بقيت واقف زي الخشب، مش عارف أرد إيه، لأن كل جملة قالتها كانت حقيقة حطتني قدام مراية كسرتني. مراتي كملت كلامها وهي بتفتح باب الشقة على آخره وقالت لي: “لو حابب تعيش بكرامتك، يبقى أهلك ليهم زيارة واحترام، مش تحكم وسيطرة وتطاول على صاحبة البيت.. ولو مش عاجبك، الباب أهوه، روح عيش مع أهلك اللي بيحرضوك عليا”.


في اللحظة دي، أختي حست إن الأرض بتتسحب من تحت رجلينا، وبدأت تلم حاجتها وهي بتبرطم وتتوعد، وأنا كنت حاسس بقمة الهوان، مش عارف أوقف أختي ولا عارف أعتذر لمراتي، ولأول مرة، الراجل “العائل” اللي كان فاكر إنه بيشتري الناس بفلوسه، لقى نفسه لوحده، والبيت اللي كان بيتباهى بسلطته فيه، اتهزت أركانه بلحظة وعي وقوة من ست كان فاكرها ضعيفة


أختي سحبت شنطتها وهي بتبصلي نظرة كلها لوم وغيظ، وقفت على الباب وقالتلي بصوت مليان شماتة وعتاب: “خليك كدة مكسور قدام حتة ست، بكرة تندم لما تاخد شقاك وتطردك في الشارع زي ما طردتني.. خليها تنفعك!”. وخرجت ورزعت الباب وراها بكل قوتها لدرجة إن حيطان البيت اتهزت.


رزع الباب رن في ودني وكأنه قلم فوقني من غيبوبة طويلة. بصيت لمراتي، كانت لسه واقفة مكانها، صدرها بيعلى ويهبط من الانفعال، بس ملامحها بدأت تهدى بالتدريج، كأن حِمل جبل نزل من على كتافها أخيرًا.


حاولت أسترد أي جزء من كرامتي اللي اتبعترت على الأرض مع الإزاز المكسور، وقلتلها بصوت مهزوز بيحاول يبان قوي: “إنتي إزاي تعملي كدة؟ دي أختي مهما كان، والمشاكل ما بتتحلش بالطريقة دي، إنتي كدة هديتي البيت!”.



بصتلي وضحكت ضحكة سخرية موجعة جداً، وقالتلي: “أنا اللي هديت البيت؟ إنت مسمي اللي كنا فيه ده بيت؟ ده كان سجن واستعباد! إنت اللي هديت البيت لما خليتني أحس إن ماليش ضهر، ولما استقويت عليا بقرشينك، وسمحت لأختك تدوس على كرامتي قدامك وإنت ساكت ومبسوط إنك ‘السيّد’ اللي الكل بيعمله ألف حساب”.


وطت على الأرض وبدأت تلم إزاز الطقم الصيني المكسور وهي بتكمل كلامها بجمود: “الست اللي كانت بتطاطي وتعدي عشان المركب تمشي، ماتت النهاردة يا ابن الناس. أنا هنام مع العيال في أوضتهم، والصبح لينا كلام تاني. بس حط في دماغك حاجة واحدة.. لو فكرت تكمل معايا، هتكمله بشروطي، وباحترامي قبل مصاريفك. مش عاجبك؟ المحاكم مفتوحة، والقانون في صفي، وأنا مش هتنازل عن حق ولادي ولا عن البيت ده”.


سابتني ودخلت أوضة الولاد وقفلت الباب وراها بالمفتاح. تكة المفتاح دي كانت أبرد صوت سمعته في حياتي. قعدت أنا لوحدي على الكنبة في الصالة، البيت بقى هادي جداً، هدوء مرعب بيخنق. بصيت لمكان الإزاز المكسور على الأرض، ولقيت نفسي بسأل


يا ترى هى صح ولا انا ؟؟


ولو عديت المره دى واتنازلت معناها انى هتنازل تانى وتالت ورابع


 



فضلت قاعد مكاني ساعات، والليل بيطول عليا وكأنه سنة. أفكاري كانت متخبطة، حاسس إني في مفترق طرق، وبدأت أراجع الشريط من أوله؛ من يوم ما كنت بدخل أختي البيت وأنا فاكر إني “بأصل” وببر بصلة رحمي، لحد اللحظة اللي بقيت فيها محبوس في صالة بيتي، غريب بين جدرانه.

جوايا صوت شيطاني بيقولي: “إنت الراجل، إنت اللي بتدفع، ماتخليش ست تكسر كلمتك، لو رجعت دلوقت يبقى ضعفت وهتفضل طول عمرك ممسوح الشخصية”. بس صوت تاني، هادي ووجعني أكتر، بيقلي: “دي شريكة حياتك وأم عيالك، اللي هي النهاردة طلبت حقها الطبيعي، وهي اللي استحملت أختك وتجاوزاتها سنين، وإنت اللي كنت بتدفعها للسكوت”.

بصيت على تليفوني، كان في رسايل من أختي بتبعتلي “شوف أختك فين دلوقتي، وشوف مراتك عملت فينا إيه”، كلامها كان بيولع النار أكتر، بس لما بفتكر نظرة مراتي وهي بتطردها وبتقولي “أنا مش مجبرة”، بحس إن كبريائي اللي كنت باينه بفلوسي ده مجرد قشرة هشة اتكسرت بأول هبة ريح.

لو تراجعت دلوقتي عشان أرضي أختي، هخسر مراتي وهدمر بيتي اللي تعبت في بنائه، ولو كملت في عنادي وقررت أخد موقف ضد مراتي، يبقى أنا بختار أكون لوحدي، ومعايا كبرياء ملوش أي معنى غير إنه يخليني “عائل” بلا بيت ولا عيلة تحترمني.

حسيت ببرودة في جسمي وأنا بتخيل حياتي من غيرها، ولادي اللي هيتشتتوا، والبيت اللي هيبقى فاضي.. بدأت أسأل نفسي: هي الرجولة إني أسيطر وأتحكم، ولا إني أحمي بيتي وأعرف أدي كل ذي حق حقه؟ لقيت نفسي بقوم ببطء وبمشي ناحية باب أوضة الولاد، وقفت قدامه، إيدي لمست المقبض، متردد ألف مرة: هل أدخل أعتذر وألم اللي اتكسر، ولا أفضل واقف برة، مستني الصبح عشان أكمل في طريقي اللي ممكن ينهي كل حاجة؟

طلعت الصبح، ومراتي كانت بتجهز الفطار للولاد بهدوء تام، ولا كأن في أي حاجة حصلت امبارح. دخلت المطبخ بملامح جدية، حاولت أرفع صوتي وأفرض سيطرتي زي ما كنت بعمل دايماً، قلت لها بصيغة متعالية: “شوفي، أنا لسه ماليش مزاج أفتح مواضيع، بس لازم تعرفي إن اللي حصل امبارح ده قلة أدب، وأختي مكانتها محفوظة، وماتفكريش إنك بكلمتين هتقللي من قدرها عندي”.

بصت لي ببرود، ومن غير ما تنفعل، ومن غير ما ترفع صوتها، حطت السكينة اللي في إيدها على الرخامة بهدوء مرعب وقالت: “إنت لسه فاكر إنك بتستعرض عضلاتك عليا؟”.

قربت مني خطوة وكملت بنبرة خلتني أحس إني صغير جداً في عيون نفسي: “يا ريتك تفهم، أختك لو فعلاً بتحبك وعايزة تكبرك، كانت عرفت إن تكريم مرتك من تكريمك، وإن لما بيكبروا مراتي بيبقوا بيكبروك.. بس هما للأسف مش فاهمين ده، هما بيحاولوا يقللوا مني ومنك، وبيقللوا من شأن بيتنا عشان يحسوا إنهم مسيطرين”.

وقفت أنا مبهوت، الكلمة دي دخلت زي السهم في قلبي. حاولت أجمع أي رد يرجع لي هيبتي، بس كلامها كان حقيقي لدرجة تجرح، حسيت إن كل “استعراضاتي” قدامها بانت على حقيقتها، مجرد محاولة بائسة عشان أداري إني كنت ببيع كرامة بيتي عشان خاطر “أهلي” اللي مش مقدرين ولا فاهمين معنى التقدير. بصت لي نظرة شفقة أخيرة قبل ما تكمل شغلها، وأنا واقف، لأول مرة في حياتي، مش لاقي كلام أقوله، وكأن كل القوة اللي كنت متخيلها في “كوني العائل” اتبخرت وسابتني عريان قدام الحقيقة اللي قالتها.

وقفت في المطبخ، مذهول من كلامها وهدوئها اللي كسر كل كبريائي، وفجأة تليفونها رن، شفتها بتتكلم بمنتهى الثبات والهدوء مع حد بيفهمها إن الإجراءات خلصت. قفلت التليفون وبصت لي ببرود وقالت: “زي ما قلتلك، أنا ما بتهددش، وأنا بالفعل نزلت النهاردة وعملت تمكين للشقة، وكل الإجراءات القانونية بقت في إيدي”.

حسيت بدمي بيجمد في عروقي، حاولت أستوعب كلامها: “تمكين إيه؟ إنتي بتعملي فينا إيه؟”، ردت عليّ وهي بتشرب قهوتها ببرود أعصاب: “أنا عملت اللي يحمي حقوقي وحقوق ولادي، البيت ده بقى بحكم القانون في حيازتي، وأي حركة غلط منك أو من أهلك هتخلي القانون يتدخل بطريقة تانية خالص”.

لأول مرة، الأدوار اتبدلت تماماً. هي اللي بقت تهددني، وهي اللي بقت ماسكة خيوط اللعبة، وأنا اللي بقيت واقف بتهدد بالطرد من بيتي، وبقيت مرعوب من مجرد فكرة إن القانون ممكن يحرمني من وجودي في المكان اللي كنت فاكر إني بملكه.

قعدت على الكرسي مش قادر أتحرك، وهي كملت يومها عادي جداً، كأنها هي اللي بتدير البيت، لا، كأنها هي اللي بتدير حياتي كلها. بقيت أنا دلوقتي اللي ببلع ريقي وبستنى أي إشارة منها، وبدأت أدرك إن تهديدها بالطلاق والنفقة ما كانش مجرد كلام لحظة غضب، دي كانت بداية لواقع جديد أنا اللي بنيته بجهلي وتكبري، والنهاردة أنا بدفع تمنه غالي جداً، تمن “الرجولة” اللي فهمتها غلط.

بعد يومين، لقيت البيت مليان دوشة وضحك، صوت أهلي (أهل مراتي) كان مالى المكان. دخلت من الشغل مصدوم، لقيت السفرة متزينة بأحلى الأكل اللي كنت بحرمها تعمله لهم، وقاعدين معاها بيضحكوا وبيهزروا، وكأنهم في بيتهم مش في بيت “جوز بنتهم” اللي كان مانعهم ييجوا.

بصيت لمراتي، كانت بتتحرك بينهم بمنتهى السعادة، عيونها بتلمع بفرحة حقيقية ما شفتهاش من سنين. أول ما شافتني، ما حستش بأي اهتمام، بالعكس، سلمت ببرود وكملت كلامها مع أبوها وأمها، ولا كأن وجودي فارق في أي حاجة.

بدأت أحس بمرارة إني كنت حارمها منهم زمان، فاكر إني بفرض سيطرتي، وفي الآخر اكتشفت إني كنت بس بزود الفجوة بيننا. قعدت في ركن في الصالة، محدش عبرني، الكل مشغول بمراتي اللي بقت هي “العائل” والمحور لكل اللي بيحصل في البيت.

مراتي بدأت تهمشني تماماً؛ لو اتكلمت في موضوع يخص البيت، بتبص لي بصه وتقولي “أنا وأهلي قررنا كذا، وده الأفضل للعيال”. حياتي اللي كانت ماشية بدماغي وباللي يرضي أهلي، بقت ماشية بدماغي مراتي وأهلها. بقيت “ضيف” في بيتي، باكل وأشرب وأخرج وأدخل من غير ما حد يسألني عن رأيي أو يهتم بوجودي.

أهلي حاولوا يتصلوا بيا، بس مراتي كانت بتشوف تليفوني وتقولي “مش وقت كلام مع حد دلوقتي، الولاد بيذاكروا”، وبمنتهى الهدوء بتسحب الموبايل مني. لقيت نفسي في دايرة مقفولة، بقيت أنا اللي كنت “السيّد” المهان في بيته، والراجل اللي كان فاكر إن كلمته مسموعة، بقى ملوش كلمة خالص، وكل اللي عملته إني بقيت “بصرف” بس، كإني بقيت “ممول” للبيت اللي بيتعمل فيه كل حاجة بعيد عني، ومن غير حتى ما أكون جزء من الصورة.

قعدت في ركن الصالة، براقبهم من بعيد، وشفت في عيون مراتي القوة اللي أنا كنت السبب في صنعها، بس شفت كمان “الكسرة” اللي أنا سببتها لها سنين طويلة. قمت وقفت، وجمعت كل شجاعتي، وطلبت من أهلها دقيقة، ووقفت قدامها قدامهم كلهم.

بصيت لها ونزلت راسي، وقلت بصوت مش طالع من كبريائي القديم، ده صوت ندم حقيقي: “أنا عارف إني غلطت في حقك كتير، وعارف إن اللي وصلتي له ده كان نتيجة ظُلمي ليكي وتهميشي لمشاعرك. أنا اتعلمت الدرس، والدرس ده كان قاسي أوي لما لقيت نفسي غريب في بيتي”.

خدت نفس طويل وكملت: “أنا بوعدك، قدام أهلك، إني هغير كل حاجة. أهلي من هنا ورايح مالهمش أي كلمة في بيتي ولا في تفاصيل حياتنا، ولا هيسمح لهم حد يزعلك أو يتدخل في خصوصيتك تاني. ولو حبيت أعزمهم، الأكل هييجي جاهز، ومش هسمح ليكي تتحملي تعب أو إهانة أو خدمة حد في بيتك. البيت ده ليكي إنتي، والقرار فيه ليكي إنتي، وأنا هكون السند مش العبء”.

سكتت مستني رد فعلها، لقيت أهلها بيبصوا لبعض، ومراتي بصت لي بنظرة طويلة، كان فيها عتاب ولسه بقايا جروح، بس لأول مرة من فترة طويلة، شفت فيها لمحة “لين” صغيرة. قالتلي بصوت هادي: “الكلام سهل يا ابن الناس، بس الأفعال هي اللي بتأكد.. أنا مش طالبه غير حقي في الاحترام والخصوصية، والبيت ده لازم يرجع هادي لينا ولولادنا”.

حسيت في اللحظة دي إنها بدأت تفتح باب صغير للرجوع، وإن الطريق مش هيكون مفروش ورد، بس على الأقل، لأول مرة بقيت أنا وهي في نفس الصف، بنبني بدل ما كنا بنهدم. أختي حاولت تتصل تاني، بس المرة دي، شلت الموبايل، وبعتلها رسالة واضحة: “حياتي وتفاصيل بيتي خط أحمر، وأي تدخل مش هيكون مقبول نهائياً”، وقفلته وحطيته على جنب. قعدت معاهم، ولأول مرة، حسيت بجد إني “راجل البيت” اللي بيحمي بيته مش اللي بيهده بجهله.

من يومها، بدأت رحلة طويلة وصعبة عشان أصلح اللي انكسر. أول حاجة عملتها إني أخدت موقف حازم مع أختي، ووضحت لها إن بيتي ليه حرمته، وإن زياراتها بقت بمواعيد وبأدب، ومن غير أي تدخل في خصوصياتنا. في البداية قاومت وهاجمت، بس لما لقتني واقف في صف مراتي ومتمسك بقراري، بدأت تتراجع وتفهم إن اللعبة اللي كانت بتلعبها انتهت للأبد.

بدأت أهتم بمراتي وبطلباتها، وأقدر كل حاجة بتعملها في البيت، مش بصفتها واجب مفروض عليها، لكن بصفتها شريكة حياة لها كل الحق في التقدير. بقيت أشيل عنها أعباء كتير، ولما بييجوا أهلي أو حتى أهلي يزورونا، كل حاجة بتيجي جاهزة عشان محدش يضغط عليها أو يطلب منها خدمة.

مراتي، بالتدريج، بدأت ترجع لحيويتها وابتسامتها اللي كانت وحشاني، والبيت اللي كان دايماً مشحون بالتوتر والشد، رجع بيت دافي وهادي. صحيح الجروح اللي سببتها مش هتلم في يوم وليلة، ومحتاج مني صبر ومجهود كبير عشان أكسب ثقتها من تاني، بس أنا قررت إني مش هرجع لورا.

اتعلمت إن الرجولة مش بالصوت العالي ولا بالسيطرة والتحكم، ولا بإنك تدوس على كرامة شريكتك عشان ترضي أهلك. الرجولة هي إنك تكون “عائل” حقيقي، يعني سند، وأمان، وشريك بيحمي بيته من بره ومن جوه. قعدت مع نفسي في يوم، لقيت البيت هادي والولاد بيلعبوا ومراتي قاعدة بتقرأ كتابها، وبصيت لنفسي في المراية، وحسيت إني لأول مرة بقيت راجل فعلاً، مش مجرد “عائل” بيصرف ومستني الطاعة. الطريق لسه طويل، بس أنا عرفت إني كسبت أعظم حاجة: كسبت بيتي، وكسبت مراتي، والأهم.. كسبت نفسي.

حتى اهلى بطلت احكيلهم حاجه عن بيتى ولما يحاولوا يفتحوا اى كلام ببدأ بالهجوم وهما بطلوا يتدخلوا لما لاقوا إن مافيش امل

تمت


تعليقات

close