القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 طفل ينقذ حياة المليونير



طفل ينقذ حياة المليونير

الجزء الأول همس الموت في الفجر

ما تركبش العربية دي يا باشا… العربية دي مش هتوصلك الاجتماع، دي هتوصلك للمقابر.

الجملة خرجت من فم يوسف، ابن الخدامة اللي شغالة في البيت بقالها 7 سنين. الولد عنده 10 سنين، واقف لابس يونيفورم المدرسة مكركب، وعينيه مفتوحة على آخرها وجاحظة كأنه شاف شيطان حقيقي واقف ورا البوابة الحديدية للقصر. الحاج إسماعيل وقف مكانه في نص الجنينة الواسعة، جسمه اتجمد كأنه اتحول لتمثال من حجر. هو راجل عنده 58 سنة، صاحب شركة نقل بري عملاقة ليها مخازن وأساطيل تريلات في أكتر من محافظة، راجل عركته الأيام وشاف من الدنيا كتير، وما كانش من السهل أبدًا إن كلمة تهزه أو تخل بوقاره. لكن في الصباح ده بالذات، كلام طفل صغير وبسيط خلّى الدم يتجمد في عروقه تمامًا. المرسيدس السودا الفخمة كانت دايرة قدام مدخل القصر، صوت موتورها الهادي والمنتظم بيملا المكان بالنفوذ والرفاهية، والسواق واقف بكل أدب وهدوء فاتح الباب الخلفي ومستنيه يركب، ورجال الأمن بتوع القصر واقفين في أماكنهم المعتادة عند البوابات. كل حاجة كانت باينة طبيعية ومثالية لأبعد حد، مفيش أي ثغرة توحي بوجود خطر.

بس إسماعيل، بقوة ملاحظته اللي بنى بيها ثروته، لقط تفصيلة واحدة غريبة خلت قلبه ينقبض. سواقه القديم والمخلص عوض، الراجل اللي شغال معاه بقاله 15 سنة، كان عنده طقس غريب عمره ما بيبطله؛ مكنش بيقلع أبدًا إسورة خيط حمرا تافهه عليها ميدالية نحاس صغيرة في إيده اليمين، وكان دايمًا بيقول إنها بركة من ريحة أمه وبتحميه في السفر والترحال. أما الراجل اللي واقف جنب العربية دلوقتي، ببدلة عوض ونفس طوله وبنيته، ماكانش لابس الإسورة دي في إيده. إسماعيل


بلع ريقه ببطء، وبص للولد الصغير بحدة ممزوجة بقلق مكتوم وقال بصوت واطي ومبحوح قولي بالظبط… سمعت إيه يا يوسف؟ الولد بص ناحية البيت بخوف ورعب حقيقي، كأنه خايف إن الشبابيك والأزاز بتاع القصر يفضحوه أو يكون فيه عين بتراقبه من ورا الستائر، وقال بصوت بيترعش امبارح بالليل متأخر نزلت أجيب كراسة الرسم بتاعتي من طرقة الخدمة تحت عشان نسيتها. ماما كانت في المطبخ بترتب الأطباق الكبيرة، وأنا عديت من الممر الضلمة اللي بيطل على التراس. الست الهانم الكبيرة كانت قاعدة في التراس مع راجل غريب، مكنتش قايدة النور وكانوا بيتكلموا بصوت واطي أوي كأنهم بيهمسوا… بس أنا خوفت وشغلت تسجيل الموبايل وسجلت كل حاجة يا باشا.

في اللحظة دي، إسماعيل حس كأن مطرقة حديد خبطته في نص صدره، الأكسجين فجأة اختفى من الجو ومبقاش قادر يتنفس. مراته شيرين، الست اللي عاشت معاه 24 سنة كاملة، شريكة الكفاح والرحلة، الست اللي كان بيأتمنها على ماله وعرضه واسمه، قاعدة في الضلمة بتخطط مع راجل غريب؟ الولد يوسف طلع من جيب بنطلونه موبايل قديم وصغير، شاشته مكسورة مية حتة ومتلزق بشريط لاصق أسود من الجوانب، وضغط على زرار التشغيل. الولد قال وهو بيمد إيده بالموبايل كانوا بيقولوا إنك بتخرج كل يوم الساعة 820 بالدقيقة، وإنك بمجرد ما بتركب بتبقى مركز في الموبايل بتاعك وبتتابع البورصة ومش بتبص لوش السواق أبدًا. وقالوا إن العربية هتعمل حادثة رهيبة في طريق السفر وتخبط في السور الخرساني، وكله هيبان في الآخر إنه حادثة طريق عادية وقضاء وقدر. إسماعيل مكنش عارف ياخد نفسه، ودانه بدأت تصفر وصوت الهوا في الجنينة اتحول لوشيش مرعب.

الولد شغل التسجيل، وفي الأول مكنش فيه غير صوت هوا ووش ومطرقة بعيدة، وبعدها ظهر صوت شيرين؛ كان هادي جدًا ونقي، كأنها بتتكلم في موضوع تافه أو بتنظم ديكور البيت، مكنش فيه أي نبرة توتر أو خوف وهي بتقول لازم يبان إنه ركب العربية بكامل إرادته وبمزاحه وبدون أي ضغط. لو حد حس إن فيه حاجة مش طبيعية، التحقيقات بتاعة النيابة وتفتيش شركة التأمين هتبدأ ومش هنخلص. هو أصلاً غبي وعمره ما بيبص لوش السواق، بيركب ويدفن راسه في الأوراق والموبايل لحد ما يوصل. بعد ثواني، اتكلم راجل تاني بصوت خشن ونبرة قاسية فيها غدر صريح الخبطة على السرعة دي مع المادة اللي حطيناها في الموتور هتعمل انفجار فوري، وخزان البنزين هيولع في ثواني. التأمين على الحياة والشحن هيصرف مبلغ ضخم جداً، وساعتها هتبقى أرملة وغنية والشركة كلها تحت إيدك ومفيش أي مشاكل قانونية تواجهنا. شيرين ردت عليه من غير تردد وبصوت بارد كالتلج أنا دفعت نص المبلغ المتفق عليه للسواق الجديد وللناس بتوعك. والباقي هيتحول لحسابك أول ما أستلم جثته وأتأكد إنه مات ودخل القبر فعلاً. إسماعيل بص للولد الصغير، وكان شايف الرعب الحقيقي بيبرق في عينيه البريئة. وفجأة، في نفس اللحظة، الموبايل اللي في جيب إسماعيل رن بنغمتها المخصصة.

كانت هي… شيرين.

إسماعيل رفع الموبايل ب إيد بتترعش وضغط على زرار الرد، وحاول يظبط نبرة صوته عشان متلقطش أي تغيير، وجاله صوتها الناعم والمصطنع من الناحية التانية حبيبي… السواق واقف برّه وبيقول إنك لسه واقف في الجنينة وبتتكلم مع ابن الشغالة. هتطلع إمتى؟ الاجتماع بتاع مجلس الإدارة مهم ومش عايزة تتأخر عليه، طمني عليك. إسماعيل رفع عينه ببطء ناحية الدور التاني للقصر، وبص للستارة البيضا التقيلة بتاعة غرفة نومهم الكبيرة. الستارة كانت مواربة خفيف، وشيرين كانت واقفة وراها، لقط ملامحها المبتسمة وهي بتراقبه بنظرات ثعبانية من فوق، مستنية اللحظة اللي هيمشي فيها ل حتفه وموته.

الجزء الثاني قناع الغدر

إسماعيل نزل الموبايل من على ودنه وبص للأرض، عقله كان شغال بأقصى سرعة ممكنة كأنه موتور تريلا في مطلع جبل. الأفكار كانت بتخبط في دماغه زي الشظايا؛ 24 سنة جواز، العمر كله، الفلوس والشركات والاسم اللي بناه، كل ده مكنش كفاية ليها؟ كانت عايزة تموته محروق جوه عربيته عشان تاخد كل حاجة وتعيش مع عشيقها أو شريكها في الجريمة؟ إسماعيل التفت للولد يوسف وحط إيده على كتفه براحة وضغط ضغطة خفيفة وقال بصوت واطي جداً يوسف.. تاخد الموبايل ده وتحطه في جيبك، وتدخل عند أمك في المطبخ ومتقولش مخلوق على الأرض باللي سمعته أو عملته، فاهم يا ابني؟ وحياة شقايا لأحميك وأحمي أمك، بس اتمسح دلوقتي وم تظهرش برّه تماماً. الولد هز راسه بسرعة وجرى على طرقة الخدمة واختفى في ثواني.

إسماعيل أخد نفس طويل، وعدل جاكيت بدلته الفخمة، وبخطوات ثقيلة ومحسوبة كأنها خطوات فهد جريح، اتجه نحو المرسيدس السودا. السواق المزيف اللي واخد مكان عوض كان لسه فاتح الباب ونظراته متوترة ومترقبة تحت النضارة السودا اللي لابسها في عز الصبح عشان يخبي ملامحه. إسماعيل مقربش من الباب الخلفي، بل راح وقف قدام السواق مباشرة، وبص في عينيه من ورا النضارة وقال بنبرة هادية بس مرعبة عوض فين يا.. يا ابني؟ السواق ارتبك وبلع ريقه وصوته طلع متقطع عوض تعب مفاجئ بالليل يا باشا، وجاله مغص كلوي حاد ونقلوه المستشفى، وهو اللي كلمني وقالي أجي مكانه فوراً عشان مأخرش معاليك عن

الاجتماع.

إسماعيل ابتسم ابتسامة صفرا باردة، ضحكة خلت السواق يحس ببرد في ضهره، وقاله سلامته.. طب انزل يا بطل، انزل سيب المفتاح، أنا هسوق بنفسي النهاردة، حابب أسترجع أيام زمان وأنا سايق على الطريق السريع، انزل اخلص. السواق وشه اتقلب ألوان وبدأ يتلعثم بس يا فندم الهانم قايلالي إني لازم أوصلك بنفسي عشان الطريق زحمة وحضرتك بتبقى تعبان وتركز في الشغل.. مش هينفع أسيب العربية. إسماعيل في ثانية واحدة تحول لوحش كاسر، مسك السواق من ياقة قميصه بكل عزم وزقه برّه العربية لحد ما خبط في السور، وطلع مسدسه الشخصي المرخص من جيبه ووجهه لوش السواق وقال من بين سنانه لو نطقت بحرف واحد هفرغ الخزنة دي في دماغك هنا وسط الجنينة، ارمي رخصتك وموبايلك في الأرض واقعد هنا تحت حراسة الأمن، وإلا وحياة دمي ما هترجع ل أهلك حتة واحدة!

الأمن بتوع القصر لما شافوا الحاج إسماعيل ساحب السلاح، جروا بسرعة وحاصروا السواق. إسماعيل صرخ فيهم الكلب ده يتمسك ويتربط في مخزن الجنينة، ومحدش يلمس شعره منه لحد ما أرجع، وموبايله يفضل شغال ومحدش يرد عليه لو رن، فاهمين؟ الأمن نفذوا الأوامر فوراً وسحلوا السواق المرعوب للمخزن. إسماعيل ركب العربية وقفل الأبواب بالسنترال، وبص للستارة فوق؛ لقى شيرين اختفت بسرعة من ورا الشباك بعد ما شافت الحركة الغريبة تحت. عاصفة الغدر بدأت، وإسماعيل مكنش ناوي يهرب، كان ناوي يدير المعركة بطريقته الخاصة.

الجزء الثالث اللعب مع الذئاب

إسماعيل دار الموتور وطلع بالعربية برّه بوابات القصر بسرعة هادية عشان يبان إن الموضوع طبيعي من برّه. أول ما خرج على الطريق العام، ركن على جنب وفتح كبوت العربية بنفسه؛ هو أصلاً في الأساس مهندس ميكانيكا وبدأ حياته بالسواقة وتصليح العربيات قبل ما يبقى صاحب أكبر شركة نقل. بدأ يفحص أجزاء الموتور وخزان الوقود بعناية فائقة، ولأن خبرته متموتش، لقى في ثواني جهاز إلكتروني صغير جداً ملزوق تحت خزان البنزين وموصل بأسلاك رفيعة بنظام الكهرباء والموتور، جهاز تفجير عن بعد بيشتغل بشرارة كهربائية قوية أول ما العربية توصل لسرعة معينة أو يتم ضغط زرار من موبايل خارجي!

إسماعيل ابتسم بسخرية، وفصل الأسلاك بحذر شديد وبخبرة السنين، وشال الجهاز وحطه في جيبه وهو بيقول لنفسه عايزة تولعي فيا يا شيرين؟ ماشي.. وحياة ال 24 سنة اللي ضيعتهم معاكي لأخليكي تولعي بنار غدرك. ركب العربية تاني وطلب تليفون صاحبه المخلص العقيد يحيى، راجل شغال في مباحث أمن الدولة ومفيش بينه وبين إسماعيل غير كل خير وثقة. رد يحيى إسماعيل باشا! صباح الفل، إيه الأخبار؟ إسماعيل قاله بنبرة جادة وصوت زي الحديد يحيى.. أنا في كارثة، مراتي شيرين اتفقت على قتلي والعربية كان محطوط فيها جهاز تفجير والسواق بتاعي اتخطف أو اتقتل وجايبين مجرم مكانه. أنا فكيت الجهاز ومعايا تسجيل صوتي ليها وهي بتدفع تمن دمي. محتاجك تجهزلي قوة سرية وم تظهرش في الصورة تماماً لحد ما أقولك، أنا رايح أقابل الطرف التاني في اللعبة دي.

يحيى اتصدم وصاح يا نهار أسود! شيرين تعمل كده؟ أنت فين دلوقتي يا إسماعيل؟ متتحركش لوحدك ده خطر على حياتك! إسماعيل قاله أنا سايق المرسيدس دلوقتي وطالع على المخزن الرئيسي بتاعي في طريق مصر إسكندرية الصحراوي، الراجل اللي كان معاها في التراس قالي يوسف إنه غريب، بس أنا لقطت نبرة صوته في التسجيل.. الصوت ده مش غريب عليا، ده صوت مدحت المحامي، الشريك القانوني بتاع شركتي اللي ماسك كل العقود والتوكيلات! الكلاب اتجمعوا عليا عشان ياخدوا الشقى كله، خليك مستعد يا يحيى وتابع ال GPS بتاعي، أول ما أديك إشارة التدخل، تدخل وتقلب الدنيا.

إسماعيل قفل الخط، وفي نفس اللحظة تليفونه رن تاني؛ كانت شيرين برضه. رد عليها وقال بنبرة هادية ومصطنعة البرود أهلاً يا حبيبتي، أنا على الطريق اهو، السواق سايق بيا وماشيين بسرعة، بس الشبكة وحشة والخط بيقطع. شيرين قالت بصوت فيه لهفة مكبوتة وتوتر واضح تروح وتوصل بالسلامة يا حبيبي.. طمني أول ما توصل للاجتماع، متنساش كلمني. إسماعيل قفل السكة وهو بيضغط على الدريكسيون بغل، وداس بنزين واتجه للمخزن الكبير، حيث تقع جحور الثعابين.

الجزء الرابع جحر الثعبان

وصل إسماعيل للمخزن الرئيسي لشركة النقل على الطريق الصحراوي؛ المكان عبارة عن مساحة ضخمة فيها عشرات التريلات الكبيرة وورش التصنيع ومكاتب الإدارة الفخمة. دخل بالعربية وركنها في المكان المخصص ليه، ونزل ودخل مبنى الإدارة بخطوات بطيئة هادية كأنه ميعرفش أي حاجة. أول ما دخل مكتبه، طلب السكرتيرة وقاله بنبرة عادية مدحت المحامي جه النهاردة؟ السكرتيرة قالت أيوة يا فندم، مدحت بيه في مكتبه بقاله ساعة ومستني حضرتك عشان تراجعوا عقود الشحن الجديدة قبل الاجتماع.

إسماعيل هز راسه وقالها تمام.. هاتيلي اتنين قهوة سادة على مكتبي، واطلبي من مدحت يجيلي فوراً. قعد إسماعيل ورا مكتبه العريض من الخشب الزان، وطلع مسدسه وحطه في درج المكتب الموارب عشان يكون قريب من إيده، وطلع موبايل يوسف الصغير المكسور وحطه قدامه. بعد دقيقتين، الباب اتفتح ودخل مدحت المحامي؛ راجل في الأربعينات من عمره، شيك جداً، لابس بدلة غالية وراسم على وشه ابتسامة ثقة ووداعة كاذبة مفيش أوسخ منها. مدحت قرب وقاله إسماعيل باشا! حمد الله على السلامة يا فندم، الطريق كان عامل إيه معاك النهاردة؟ السواق الجديد مظبط الدنيا؟

إسماعيل بص لمدحت بنظرة ثاقبة كأنها أشعة إكس تخترق عضمنه، وفضل ساكت لمدة دقيقة كاملة من غير ما ينطق بحرف واحد، السكوت ده خلا مدحت يبدأ يتوتر وابتسامته تختفي بالتدريج، وبدأ يحرك رجله بعصبية وقاله فيه إيه يا باشا؟ بتبصلي كده ليه؟ فيه حاجة في العقود مش عاجباك؟ إسماعيل مد إيده وضغط على زرار التشغيل في الموبايل المكسور اللي على المكتب، وطلع صوت مدحت نفسه وهو بيقول في التسجيل الخبطة على السرعة دي مع المادة اللي حطيتها في الموتور هتعمل انفجار فوري… وسعادتها هتبقي أرملة وغنية ومفيش أي مشاكل.

مدحت أول ما سمع صوته، وشه ابيض تماماً كأنه ميت، وعيونه اتسعت برعب قاتل، ورجع خطوة لورا وحاول يفتح الباب ويهرب، لكن إسماعيل في ثانية كان سحب المسدس من الدرج ووجهه لقلب مدحت وصاح بصوت ك الرعد هز جدران المكتب اقف مكانك يا كلب! لو تحركت سم واحد هفجر قلبك هنا! اقعد على الكرسي ونزل إيدك على المكتب! مدحت وقع على الكرسي وجسمه كله بيترعش وعرقه بينزل شلالات وقاله بصوت مخنوق إسماعيل باشا.. أنا.. أنا ماليش ذنب! شيرين هي اللي أغرتني! هي اللي بدأت كل حاجة وقالتلي إنها بتكرهك وعايزة تخلص منك وتورث الشغل، وهي اللي خططت وجابت السواق! أرجوك متقتلنيش!

الجزء الخامس خيوط المؤامرة الكبرى

إسماعيل قعد مكانه والمسدس لسه موجه لراس مدحت المنهار، وقاله ببرود مخيف احكيلي كل حاجة بالمليم يا مدحت.. من أول يوم حطيتوا إيدكم في إيد بعض لحد الصبح ده، لو حسيت إنك بتكذب في حرف واحد، هنهي حياتك وهرمي

جثتك في وسط الصحرا ومحدش هيعرفلك طريق، اخلص!

مدحت بلع ريقه بصعوبة وبدأ يتكلم وصوته بيترعش الموضوع بدأ من سنة يا فندم.. شيرين كانت بتيجي المكتب عندي كتير عشان تتابع أوراق ممتلكاتها، وبدأنا نتكلم، وقالتلي إنك كبرت في السن وإنها مش طايقة عيشتها معاك، وإنك كاتب كل الأصول والشركات والمخازن باسمك وباسم مؤسسة عائلية مقفولة ومفيش ليها غير نسبة صغيرة لو متّ قضاء وقدر. هي اللي اقترحت نغير العقود والتوكيلات، وأنا زورت توقيعك على توكيل عام رسمي يبيح ليها بيع وشراء كل أملاكك من ورا ضهرك، والتوكيل ده اتسجل في الشهر العقاري بمساعده موظف مرتشي.

مدحت كمل وهو بيبكي بس التوكيل مكنش كفاية لأن البنوك الكبيرة بتطلب حضورك الشخصي في المبالغ الضخمة، ف شيرين قالت مفيش حل غير إنك تموت في حادثة عشان التوكيل يتفعل تلقائي بصفتها الزوجة والوكيلة الوحيدة. اتفقنا مع السواق الجديد وأديناه نص مليون جنيه، وكان المفروض يفجر العربية بالريموت أول ما تدخل طريق السفر السريع ويطير هو منها قبلها، والنهاردة بالليل كنا هننقل كل الأرصدة والفلوس لحساب شركة وهمية أنا وهي عملناها برّه مصر في سويسرا، وهنهرب سوا بعد الجنازة بكام يوم.. دي كل الحقيقة يا إسماعيل باشا وحياة عيالي أنا مجرد أداة في إيدها!

إسماعيل حس بقرف واشمئزاز ملوش مثيل من الراجل الواقف قدامه ومن مراته اللي صانها سنين. طلع تليفونه وطلب العقيد يحيى وقاله يحيى.. اسمع الكلب ده، هو اعترف بكل حاجة وعندي توكيلات وعقود مزورة في مكتبه. ابعت رجالتك يقبضوا عليه في صمت وخدوه على المديرية، وأنا هاخد العقود دي وهطلع على القصر عشان أواجه الأفعى الكبيرة في جحرها. يحيى قاله إسماعيل، أنا باعت قوة معاك للقصر، متدخلش لوحدك الست دي ممكن تكون مسلحة أو معاها حد تاني جوّه! إسماعيل قاله لا يا يحيى.. المواجهة دي بتاعتي أنا، 24 سنة جواز لازم ينتهوا بيني وبينها وجهاً لوجه، ورجالتك يقفوا برّه السور ومحدش يدخل إلا لما أطلبكم.

الجزء السادس العودة إلى وكر الأفعى

رجع إسماعيل للقصر بتاعه، الشمس كانت بقت في نص السما ونورها حامي، بس القصر كان باين من برّه هادي وساكت كأنه مقبرة فخمة. ركن المرسيدس السودا في نفس المكان قدام المدخل، ونزل وهو شايل في إيده الشنطة الجلدية اللي أخدها من مكتب مدحت وفيها كل العقود والتوكيلات المزورة والجهاز الإلكتروني الصغير. دخل من الباب الرئيسي، لقى الأمن واقفين وبصوا له بنظرات ترقب، شاور لهم يسكتوا ويخلوا السواق المزيف مربوط زي ما هو في المخزن.

طلع السلم الرخام الكبير بخطوات ثابتة ومسموعة، ووصل لغرفة النوم الرئيسية. فتح الباب ببطء، لقى شيرين قاعدة قدام سراحتها الكبيرة، لابس فستان أسود أنيق وبتحط مكياج بكل هدوء وهي بتدندن أغنية قديمة وفرحانة. أول ما شافت انعكاس وشه في المراية، اتصدمت والروج وقع من إيدها على الأرض، لفت وشها بسرعة وبصت له وعيونها متسعة بذهول ورعب ملوش آخر وصاحت إسماعيل! أنت.. أنت جيت إمتى؟ الاجتماع خلص بسرعة كده؟ وإزاي رجعت بالعربية دي؟

إسماعيل قفل باب الأوضة بالمفتاح وحطه في جيبه، وقرب منها وقعد على الكرسي المقابل ليها، وحط الشنطة الجلد على التربيزة وفتحها ببطء، وطلع الجهاز الإلكتروني الصغير ورماه قدامها، وقاله بنبرة باردة وساخرة الاجتماع مخلصش يا شيرين.. الاجتماع أصلاً مبدأش، لأن الجهاز الصغير ده فصلت سلكه بإيدي قبل ما أطلع على الطريق السريع. إيه رأيك؟ مهندس ميكانيكا قديم بقا ومفوتش التفصيلة دي، الخبطة م عملتش انفجار، والتأمين مش هيصرف مليم، وأنتِ مش هتبقي أرملة غنية النهاردة.

شيرين وشها اتحول للون الأزرق وبدأت تترعش وحاولت تصنع البراءة وتقول بصوت متقطع جهاز إيه وانفجار إيه يا إسماعيل؟ أنت بتتكلم عن إيه؟ شكلك تعبان وأوهام الشغل مأثرة عليك، أنا بحبك ومستنياك من الصبح! إسماعيل ضحك ضحكة عالية وبشعة هزت أركان الأوضة، وطلع موبايل يوسف الصغير وشغل التسجيل الصوتي تالت مرة، وصوتها وهي بتقول دفعت نص المبلغ.. والباقي أول ما أتأكد إنه مات ملى الأوضة بالخزي والعار.

الجزء السابع سقوط الأقنعة والغل الكفين

شيرين لما لقت صوته مالي المكان وكل حاجة اتكشفت ومعندهاش مفر، ملامح الوداعة والجمال المصطنع اختفت من على وشها تماماً، وتحولت ل ملامح شيطان مليان غل وحقد أسود. وقفت بطولها وبصت له بنظرات حادة وقالت بصوت مليان كراهية وصراخ آه.. أنا اللي عملت كده! أنا اللي اتفقت على قتلك يا إسماعيل! وزهقت من العيشة معاك، زهقت من دور الزوجة المطيعة لراجل مش بيفكر غير في التريلات والمخازن والفلوس والشركات وحارم مراته من المتعة والحياة والحرية! العمر عدا وأنا قاعدة جنبك كأني حتة عفش في القصر ده، وكل ثروتك كاتبها لمؤسسات خيرية وعائلية وسايبلي الفتات!

إسماعيل بص لها باحتقار شديد وقال الفتات؟ القصر ده، العربيات، الأرصدة اللي باسمك في البنوك، المجوهرات والألماظ اللي مالية خزنتك، كل ده فتات؟ أنا حرمتك من إيه يا شيرين؟ أنا وثقت فيكي وسلمتك روحي وعمري وشقايا، وفي الآخر تتفقي مع المحامي بتاعي وتزوري توقيعي عشان تسرقيني وتموتيني محروق؟ الجشع عماكي لدرجة إنك تبيعي 24 سنة جواز عشان شوية فلوس تعيشي بيهم مع مجرم رخيص زي مدحت؟

شيرين ضحكت بجنون وقالت مدحت؟ مدحت ده حشرة وأنا كنت بستخدمه مجرد أداة عشان أخلص منك وأخد العقود، ودلوقتي أنت واقف قدامي ومعاك التسجيل، بس أنت مش هتقدر تعمل حاجة يا إسماعيل، لو بلغت عني الفضيحة هتملى البلد واسم عيلتك وشركتك الكبيرة هينزل الأرض، والكل هيقول إن الحاج إسماعيل الكبير مراته خانته وعايزة تقتله، احسن لك تطلقني بالمعروف وتديني نص الثروة دي وتسبني أمشي برّه مصر، وإلا هتشوف أيام أسود من الليل!

إسماعيل قام وقف وقرب منها وبص في عينيها بثبات مرعب وقاله الفضيحة للمجرم مش للضحية يا شيرين.. وأنا اسمي وشرفي وتاريخي بناه ربي بالحق ومش هيكسره غدر واحدة زيك. أنتِ فاكرة إن مدحت لسه مستنيكي؟ مدحت دلوقتي في مديرية الأمن بيعترف بكل تفصيلة وبكل ورقة زورتوها سوا، ورحلتك انتهت خلاص. شيرين جرت بسرعة على درج السراحة وطلعت منه مسدس صغير كانت مخبياه، ووجهته ل صدر إسماعيل وهي بتصرخ بهستيريا وجنون مش هسيبك تضيعني! لو هموت أو أدخل السجن، هخدك معايا يا إسماعيل!

الجزء الثامن نهاية الأفعى وحكم القانون

شيرين كانت بتترعش والمسدس في إيدها بيلف، وإسماعيل م خافش ولا رجع خطوة لورا، بل بص لها بكل هدوء وثقة وقال اضربي يا شيرين.. اضربي عشان حبل المشنقة يتلف حوالين رقبتك أسرع. وفجأة، الباب بتاع غرفة النوم اتكسر بقوة ودخل العقيد يحيى ومعه رجال العمليات الخاصة والشرطة المسلحين، يحيى صرخ فيها نزلي السلاح فوراً يا شيرين! المكان كله محاصر وكل حاجة مسجلة!

شيرين انهرت تماماً لما شافت القوات والكلبشات، المسدس وقع من إيدها في الأرض وقعدت تعيط وتصرخ وهي بتقول أنا ماليش دعوة! مدحت هو اللي ضحك عليا وهو اللي قالي نعمل كده! رجال الشرطة قربوا منها وكلبشوا إيديها بكل

حزم وقوة، وسحلوها لبرّه الأوضة ونزلوها السلم قدام عيون الخدم والعمال اللي كانوا واقفين في الجنينة مذهولين من الصدمة وبيرددوا سبحان الله.. الست الهانم الكبيرة تطلع مجرمة وعايزة تقتل الحاج!

إسماعيل نزل وراهم ووقف في نص الجنينة، وبص للمرسيدس السودا اللي كانت سبب في نجاته بفضل ربنا ثم بفضل تفصيلة الإسورة الحمرا وكلام الولد الصغير يوسف. العقيد يحيى قرب منه وحط إيده على كتفه وقال بأسف واحترام الحمد لله على سلامتك يا إسماعيل باشا.. الأدلة اللي معانا قاطعة؛ اعتراف مدحت الكامل، واعتراف السواق المزيف اللي في المخزن، والتوكيلات المزورة، والتسجيل الصوتي اللي سجله ابن الشغالة، كل ده هيخلي القضية تخلص في أول جلسة ومفيش أي ثغرة ليهم، حقك هيجيلك بالكامل والقانون هياخد مجراه.

إسماعيل أخذ نفس طويل وبص للسما وقال الحمد لله يا يحيى.. ربنا نجاني عشان فيه ناس غلابة عايشين على خير الشغل ده، ونجاني عشان نيتي كانت دايماً خير.. خد المحضر واقفل الملف ده، وأنا محتاج أقعد لوحدي شوية. القوات أخدت شيرين وعربيات الشرطة مشيت وصوت السرينات بدأ يبعد عن القصر بالتدريج ليعود الهدوء من تاني، بس المرة دي هدوء نظيف ومطهر من الغدر والشرور.

الجزء التاسع رد الجميل وصناعة العدالة

مرت الأسابيع والشهور، وقضية الحاج إسماعيل السيوفي شغلت الرأي العام ومحاكم الجنايات بسبب نفوذ إسماعيل وبشاعة المؤامرة اللي دبرتها زوجته مع شريكه القانوني. التحقيقات كشفت بلاوي تانية؛ مدحت المحامي كان مختلس ملايين من حسابات الشركة ومزور عقود شحن وهمية بالتعاون مع شركات تانية برّه مصر، وشيرين كانت بتساعده وتديله المعلومات الحساسة عن حركة النقل والأسطول. المحكمة أصدرت حكمها التاريخي والعادل بعد تفنيد كل الأدلة؛ حكمت على شيرين وعلى مدحت المحامي بالسجن المشدد لمدة 15 سنة بتهمة الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير في أوراق رسمية واستغلال النفوذ والنصب والاحتيال، وتم مصادرة كل الأموال والأرصدة الوهمية وإعادتها لحساب الحاج إسماعيل.

أما السواق القديم والمخلص عوض، فالشرطة لقت جثته مرمية في ترعة مهجورة على طريق السفر بعد ما السواق المزيف ورجال مدحت خنقوه وقتلوه ليلة الحادثة عشان ياخدوا مكانه وعربيته وم يظهرش في الصورة. إسماعيل حزن على عوض حزن شديد جداً كأنه أخوه، وقرر يعمل له صدقة جارية ضخمة؛ بنى مسجد كبير باسم المرحوم عوض في قريته، واشترى شقة فخمة ل زوجة عوض وعياله وكتب لهم مرتب شهري ثابت وكبير من أرباح الشركة مدى الحياة عشان يضمن إنهم مش هيحتاجوا لمخلوق بعد موت أبوهم المخلص.

وبعد ما خلص من تفاصيل المحاكمة، إسماعيل طلب الخدامة أم يوسف وابنها الصغير يوسف يجيوا لمكتبه في القصر. الست دخلت وهي خايفة ومتوترة، بس إسماعيل وقف واستقبلهم بابتسامة صافية وحضن الولد يوسف وقاله وعيونه مليانة دموع يوسف.. إنت مش ابن الخدامة من النهاردة، إنت ابني أنا، وإنت الراجل الصغير اللي ربنا بعتهولي في الفجر ده عشان ينقذ عمري وشقايا من الموت الحتمي. وحياة دموعي دي لأخليك أحسن بني آدم في الدنيا.

إسماعيل كتب عقود رسمية موثقة نقل بيها ملكية فيلا أنيقة وصغيرة في أرقى حتة في القاهرة باسم يوسف وأمه، وحط حساب بنكي ضخم باسم يوسف عشان يكمل تعليمه في أكبر وأغلى المدارس والجامعات الدولية برّه وجوّه مصر، وعين أمه مديرة ومسؤولة أولى عن إدارة شؤون القصر الداخلي بمرتب خيالي يضمن لها العيشة الهانمة المحترمة.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close