صاحبة خطيبتي كامله
صاحبة خطيبتي بقلم زيزي
أنا اتقدمت لبنت عن طريق والدتها اللي كانت صاحبة أمي من زمان. أمي كانت دايمًا تمدح في أخلاقها وتقول إنها مؤدبة ومحترمة ومتربية أحسن تربية، وكنت كل مرة أسمع الكلام ده أقول لنفسي يمكن ربنا كاتب لي الخير على إيديها.
بعد فترة وافقت أروح أشوفها في الرؤية الشرعية، ومن أول لحظة شفتها فيها حسيت براحة غريبة. كانت هادية، كلامها موزون، وشخصيتها فيها احترام كبير. مش من النوع اللي بيحب يلفت الانتباه أو يتكلم كتير، بالعكس كانت بسيطة جدًا، وده شدني ليها أكتر.
رجعت البيت يومها وأنا حاسس إن قلبي مطمن، وبعد أيام قليلة اتفقنا واتخطبنا. في البداية كانت الأمور جميلة جدًا، نتكلم عن تجهيزات الجواز، ونخطط لمستقبلنا، وكل يوم كنت أقتنع أكتر إني اخترت الإنسانة الصح.
لكن مع الوقت بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
كان عندها صاحبة مقربة جدًا، صاحبة عمرها تقريبًا. في الأول ما اهتمتش بالموضوع، لكن لاحظت إن البنت دي دايمًا موجودة في كل تفصيلة تخصنا. تعرف أخبارنا كلها، وتعرف مواعيدنا، وحتى تفاصيل تجهيزات الشقة.
مرة سألت خطيبتي بهزار
هي صاحبتك دي معاها نسخة من حياتنا ولا إيه؟
ضحكت وقالت
دي زي أختي، بحكيلها كل حاجة.
ما علقتش وقتها، لكن جوايا كان في إحساس إن البنت دي مش مرتاحة لخطيبتي زي ما بتبين.
بعدها بفترة بسيطة، لقيتها باعتة لي طلب صداقة على فيسبوك. قبلته عادي من باب الأدب، وبعدها بدأت تبعت رسائل متفرقة، كلها أسئلة عن الجواز والفرح والتجهيزات.
كنت برد باختصار شديد.
وفجأة في يوم، وصلتني منها رسالة غريبة جدًا.
لازم تشوف حاجة مهمة قبل ما تكمل الجوازة دي.
قلبي انقبض.
فتحت الرسالة، لقيتها باعتة مجموعة صور لخطيبتي مع شاب مجهول.
الصور كانت باينة حقيقية جدًا، لدرجة إني في أول لحظة اتصدمت.
سألتها
مين ده؟
ردت بسرعة
أنا بعمل كده لمصلحتك. في حاجات لازم تعرفها.
وبدأت تبعت كلام
كتير وتحاول تخليني أشك وألغي الجوازة.
لكن كل ما كنت أقرأ رسائلها، كنت أحس إن في حاجة مش راكبة.
الصور نفسها كان فيها تفاصيل غريبة.
الإضاءة مختلفة، والزوايا مش طبيعية، وبعض الأجزاء في الصور كانت باينة كأنها متعدلة بطريقة احترافية.
ساعتها قررت ما أواجهش خطيبتي ولا أتهمها بأي حاجة.
بدل كده أخدت الصور وروحت لشخص قريب مني جدًا، شخص شغله الأساسي تحليل الصور الرقمية واكتشاف التلاعب فيها.
بعد ساعات قليلة كلمني وقال
الصور دي متفبركة بالكامل.
وقتها حسيت بصدمة أكبر من صدمة الصور نفسها.
لو الصور مزورة... يبقى ليه صاحبتها عملت كده؟
وليه مصممة تبوظ الجوازة؟
بدأت أراقب الموضوع بهدوء، وخلال أيام اكتشفت حاجة أغرب بكتير.
اكتشفت إن صاحبتها كانت بتخفي سر كبير عن الجميع، سر مرتبط بخطيبتي شخصيًا، وسر هو السبب الحقيقي وراء محاولتها المستميتة إنها تفرق بينا.
المفاجأة إن السر ده ما كانش يعرفه لا أهل خطيبتي ولا حتى أقرب الناس ليها.
ولما حددت موعد أقابل فيه صاحبتها وأسألها عن الحقيقة، دخلت المقابلة وأنا فاكر إني عرفت كل حاجة...
لكن أول جملة قالتها لي خلتني أكتشف إن الحقيقة أكبر بكتير مما كنت متخيل...دخلت أقابل صاحبة خطيبتي وأنا مجهز عشرات الأسئلة في دماغي.
كنت متأكد إن الصور متفبركة، ومتأكد إنها بتحاول توقع بيني وبين خطيبتي لسبب ما، لكن ماكنتش عارف السبب الحقيقي.
أول ما قعدت قدامي، لاحظت إنها مش واثقة من نفسها زي كل مرة.
كانت متوترة بشكل واضح.
حطيت الموبايل قدامها وفتحت الصور.
وقلت بهدوء
الصور دي متفبركة.
سكتت.
بصيت في عينيها منتظر أي رد.
لكن الغريب إنها ما أنكرتش.
ولا حتى حاولت تدافع عن نفسها.
فضلت ساكتة كام ثانية، وبعدها قالت
أنا كنت عارفة إنك هتكتشف.
الجملة دي خلتني أتجمد مكاني.
لأن الشخص اللي بيكذب عادة بيحاول يبرر أو يهرب، لكنها كانت كأنها مستنية
اللحظة دي.
سألتها
ليه عملتي كده؟
نزلت عينيها للأرض وقالت
عشان أمنع الجوازة.
وليه تمنعيها؟
رفعت رأسها وبصت لي نظرة غريبة جدًا وقالت
لأنك ما تعرفش الحقيقة.
وقبل ما أتكلم، طلعت من شنطتها ظرف قديم أصفر اللون.
كان واضح عليه آثار الزمن.
حطته قدامي على الترابيزة وقالت
الظرف ده السبب في كل اللي حصل.
فتحت الظرف بحذر.
لقيت جواه مجموعة أوراق قديمة وصورة باهتة جدًا.
الصورة كانت لخطيبتي وهي طفلة صغيرة، واقفة جنب رجل كبير في السن ماعرفتوش.
لكن الغريب إن على ظهر الصورة مكتوب تاريخ قديم جدًا، وكلمات قليلة بخط يد مهزوز.
سألتها
إيه أهمية الصورة دي؟
قالت
اقلب الورقة اللي تحتها.
قلبت الورقة.
وكانت الصدمة.
الورقة كانت عبارة عن خطاب قديم مكتوب بخط اليد، وفي آخره توقيع شخص أعرف اسمه كويس جدًا.
اسم سمعته من والدتي عشرات المرات طول حياتي.
لدرجة إني وقفت أقرأ التوقيع أكتر من مرة عشان أتأكد إني مش بتوهم.
رفعت عيني ناحيتها وأنا مصدوم.
وقلت
مستحيل...
هزت رأسها وقالت
للأسف... حقيقي.
في اللحظة دي بدأت عشرات الذكريات تربط نفسها ببعضها جوه دماغي.
كلام قديم كنت بسمعه وأنا صغير.
مواقف غريبة بين أمي ووالدة خطيبتي.
أسرار عمرها ما اتفسرت.
وفجأة حسيت إن الجوازة كلها مبنية على حاجة مخفية من سنين طويلة.
لكن قبل ما أسأل أي سؤال، رن موبايلها.
بصت للشاشة واتغير لون وشها بالكامل.
وقفت بسرعة وقالت
لازم أمشي حالًا.
قلت
مش هتمشي قبل ما أفهم.
ردت وهي بتجمع أوراقها بسرعة
صدقني... لو عرفت الحقيقة كلها دلوقتي، ممكن الجوازة دي تنتهي قبل ما تبدأ.
ثم سابتني ومشيت.
لكنها نسيت حاجة مهمة جدًا على الترابيزة.
ورقة صغيرة كانت واقعة من الظرف.
ولما فتحتها بعدها بدقائق...
اكتشفت اسم شخص ماكانش المفروض يظهر في القصة أصلًا.
شخص لو كان موجود فعلًا، يبقى كل اللي عرفته لحد دلوقتي مجرد بداية.
..إيدي كانت بتترعش وأنا ببص للاسم المكتوب في الورقة.
الاسم ده ماكنش غريب عليا.
بالعكس...
كان اسم شخص موجود في حياتنا كلنا، وبنشوفه بشكل شبه يومي.
شخص عمره ما لفت انتباه حد.
لكن وجود اسمه وسط الأوراق القديمة دي معناه إن فيه رابط خفي بين الماضي والحاضر.
حطيت الورقة في جيبي وقررت ما أتكلمش مع أي حد.
لا مع أمي.
ولا مع خطيبتي.
ولا حتى مع صاحبتها.
كنت محتاج أفهم الصورة كاملة الأول.
في الليلة دي تقريبًا ما نمتش.
قعدت أراجع كل حاجة حصلت من أول يوم اتقدمت فيه.
كل كلمة.
كل موقف.
كل نظرة.
وأول ما طلع النهار، أخدت قرار أروح للمكان المذكور في واحدة من الأوراق القديمة.
كان عنوان بيت قديم في حي بعيد شوية عن منطقتنا.
وصلت هناك بعد ساعتين.
البيت كان مهجور تقريبًا.
شبابيك مكسورة.
وواجهة باهتة من الزمن.
لكن الغريب إن الباب كان مقفول بقفل جديد.
وده معناه إن حد لسه بيستخدم المكان.
وأنا واقف قدامه محتار، سمعت صوت عربية وقفت ورايا.
لفيت بسرعة.
واتفاجئت.
صاحبة خطيبتي.
نزلت من العربية وهي متوترة جدًا.
أول ما شافتني قالت بغضب
إنت جيت هنا ليه؟!
قلت
لأنك مخبية حاجة.
بصت حواليها كأنها خايفة حد يسمعنا.
وبعدين قالت بصوت واطي
امشي من هنا حالًا.
مش قبل ما أفهم.
إنت مش فاهم الخطر.
أول مرة أسمع الكلمة دي.
الخطر.
مش السر.
ولا الحقيقة.
الخطر.
قبل ما أسألها تقصد إيه، سمعنا صوت باب البيت بيتفتح من جوه.
ببطء شديد.
كلنا بصينا ناحية الباب.
وخرج راجل كبير في السن.
أول ما شاف صاحبة خطيبتي، اتغيرت ملامحه.
وأول ما شافني أنا...
وقع اللي كان شايله من إيده على الأرض.
كأنه شاف شبح.
فضل يبصلي ثواني طويلة من غير كلام.
وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
مستحيل... إنت شبهه بالضبط.
قلبي بدأ يدق بعنف.
قلت
شبه مين؟
لكن الراجل ما ردش.
فضل يبصلي بصدمة.
وفجأة مسك صدره واتكعبل.
جريت أنا وصاحبة خطيبتي عليه قبل ما يقع.
ولما سندناه، مد إيده المرتعشة ناحية جيب الجاكيت بتاعه.
طلع مفتاح صغير جدًا.
وحطه في إيدي.
وقال بصعوبة
الصندوق... قبل ما
يوصلوله.
ثم أغمي عليه.
أنا وصاحبة خطيبتي بصينا لبعض.
ولا واحد فينا فاهم حاجة.
لكن الواضح إن فيه حد تاني بيدور على الصندوق ده.
وإن الوقت بيجري.
بعد دقائق وصلت الإسعاف.
وأثناء الزحمة، لاحظت حاجة غريبة.
عربية سوداء كانت واقفة آخر الشارع.
من ساعة ما وصلنا وهي ما تحركتش.
ولما بصيت ناحيتها...
السواق شغل العربية ومشى بسرعة.
كأنه كان بيراقبنا.
ساعتها صاحبة خطيبتي قربت مني وقالت لأول مرة بصدق
أنا غلطت لما زورت الصور... لكن صدقني، اللي جاي أخطر بكتير من اللي تعرفه.
تقصدي إيه؟
بلعت ريقها وقالت
لأن الشخص اللي بيدور على الصندوق ده... عرف إنك وصلت له.
في اللحظة دي بالضبط، رن موبايلي.
رقم مجهول.
رديت.
وما إن حطيت الموبايل على ودني حتى سمعت صوت رجل غريب يقول بهدوء مرعب
معاك ساعتين بس... لو فتحت الصندوق قبل ما نوصل، هتندم طول عمرك.
ثم قفل الخط.
لكن اللي رعبني فعلًا...
إن المتصل نطق اسمي كاملًا.
واسم خطيبتي.
واسم والدتي.
وكأنه عارف عني كل حاجة...وقفت مكاني بعد المكالمة كأني اتجمدت.
الصوت كان هادي جدًا...
هادئ زيادة عن اللزوم.
وده اللي كان مرعب أكتر من أي تهديد.
بصت لي صاحبة خطيبتي وقالت
قالك إيه؟
حكيت لها اللي حصل.
ولأول مرة شفت الرعب الحقيقي في عينيها.
قالت بسرعة
لازم نمشي حالًا.
على فين؟
على الصندوق.
ركبنا العربية وانطلقنا.
طول الطريق كنت حاسس إن حد بيراقبنا.
كل عربية ورايا كنت أبص عليها.
كل موتوسيكل يعدي جنبي كنت أشك فيه.
وبعد حوالي نصف ساعة وصلنا لمخزن قديم ورا البيت المهجور.
المفتاح الصغير اللي الراجل إداهولي فتح باب جانبي صدئ.
دخلنا بحذر.
المكان كان مليان تراب وصناديق خشب قديمة.
لكن في آخر المخزن كان فيه دولاب حديدي صغير.
جربت المفتاح.
لف بصعوبة.
ثم فتح الباب.
ورا الباب كان فيه صندوق خشبي صغير جدًا.
أصغر مما تخيلت.
حملته بإيدي.
كان تقيل بشكل غريب.
كأن جواه حاجة معدنية.
أنا وصاحبة خطيبتي بصينا لبعض.
ثم فتحنا الصندوق.
وفي اللحظة دي...
كل توقعاتنا انهارت.
لأن الصندوق ماكانش فيه فلوس.
ولا مجوهرات.
ولا أوراق ملكية.
كان فيه ملف قديم.
وصورة.
وشريط تسجيل صغير جدًا.
الصورة كانت السبب في الصدمة الأولى.
لأنها كانت تجمع أربع أشخاص.
أمي.
ووالدة خطيبتي.
والرجل العجوز.
وشخص رابع.
الشخص الرابع ده كان هو نفس الراجل اللي شفت اسمه في الورقة.
لكن الغريب إن الصورة كانت متصورة من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
ومع ذلك...
الملامح كانت واضحة جدًا.
وقبل ما أتكلم، صاحبة خطيبتي شهقت.
مستحيل...
إيه؟
أشارت بإصبعها للصورة.
بص كويس.
بصيت.
واكتشفت حاجة خلت قلبي يقع.
الشخص الرابع كان ماسك طفل صغير على إيده.
والطفل ده...
كان أنا.
رجعت خطوة لورا من شدة الصدمة.
إزاي؟!
أنا عمري ما شفت الراجل ده في حياتي.
ولا أمي عمرها جابت سيرته.
فتحت الملف بسرعة.
كانت جواه أوراق كتير ورسائل قديمة.
لكن قبل ما ألحق أقرأ أي حاجة، سمعنا صوت ارتطام قوي خارج المخزن.
ثم صوت باب بيتقفل.
حد دخل.
أنا وصاحبة خطيبتي اتجمدنا.
وبعد ثواني سمعنا خطوات.
بطيئة.
منتظمة.
بتقرب ناحيتنا.
خطوة...
خطوة...
خطوة...
المخزن كله كان ساكت بشكل مخيف.
قفلت الصندوق بسرعة.
والخطوات فضلت تقرب.
لحد ما وقفت بالضبط قدام باب الغرفة اللي إحنا فيها.
ثم سمعنا صوت رجل يقول
عارف إنكم جوه.
سكت ثانية.
ثم أكمل
وأعرف إن الصندوق معاكم.
بصيت لصاحبة خطيبتي.
وشفت الرعب في عينيها.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بثانية واحدة.
لما رن موبايلها.
وظهر على الشاشة اسم المتصل.
اسم الشخص الواقف برا الباب نفسه.
لكن المستحيل...
إن الاسم كان لشخص متوفي من أكتر من عشر سنين بحسب كل اللي موجود في الأوراق!
وفي اللحظة اللي بصينا فيها للشاشة...
اتفتح الباب ببطء شديد...قل كمل وسأدخل في المواجهة المباشرة وكشف أول جزء من السر الكبير، مع استمرار الغموض ومن غير الوصول للنهاية الباب بدأ يفتح ببطء...
صرير الحديد القديم كان كفيل يخلي أي حد يفقد أعصابه.
أنا وصاحبة خطيبتي وقفنا في آخر الغرفة، والصندوق بين إيديا.
ثانية...
واتنين.
..
وتلاتة...
لحد ما الباب اتفتح بالكامل.
لكن الصدمة إن ماحدش دخل.
الغرفة قدامنا كانت فاضية.
الخطوات اختفت.
والصوت اختفى.
كأن الشخص اللي كان برا تبخر في الهوا.
بصيت لصاحبة خطيبتي.
قالت وهي بتتنفس بصعوبة
إحنا لازم نمشي حالًا.
لكن قبل ما نتحرك، لفت انتباهي ظرف صغير كان متزحلق من تحت الباب.
التقطته بسرعة.
كان مكتوب عليه بخط أحمر
لو عايز تعرف الحقيقة... اسمع الشريط.
فتحت الظرف.
لقيت مفتاح ذاكرة صغير متوصل بمحول قديم.
في اللحظة دي فهمت إن الشريط اللي لقيناه مش تسجيل عادي.
كان محتاج جهاز مخصوص.
رجعنا بسرعة للشقة عندي.
قفلت الباب بالمفتاح مرتين.
وسحبت اللابتوب.
وصلت الذاكرة.
والتسجيل اشتغل.
في البداية كان فيه تشويش.
ثم ظهر صوت رجل كبير في السن.
واضح إنه نفس الرجل الموجود في الصورة.
قال
إذا كنت بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود.
أنا وصاحبة خطيبتي بصينا لبعض في صمت.
الصوت كمل
في سنة من السنين حصل اتفاق بين أربع أشخاص. اتفاق كان هدفه حماية أمانة كبيرة جدًا.
توقف التسجيل لثواني.
ثم عاد الصوت
لكن واحد مننا خان العهد.
حسيت بقشعريرة تسري في جسمي.
الصوت أكمل
ومن يومها بقينا عايشين في خوف.
ثم بدأ يذكر أسماء الأشخاص الأربعة الموجودين في الصورة.
أمي.
والدة خطيبتي.
الرجل العجوز.
والشخص الرابع الغامض.
كل حاجة كانت مترابطة.
لكن فجأة التسجيل وقف.
الشاشة جابت رسالة خطأ.
كأن الملف اتلف.
ضربت الطاولة بعصبية.
مش معقول!
لكن صاحبة خطيبتي كانت مركزة في حاجة تانية.
قالت
استنى...
وأشارت للصورة.
لأول مرة لاحظت إن في خلفية الصورة مبنى قديم جدًا.
فوق بابه لافتة صغيرة.
كبرنا الصورة على اللابتوب.
وبعد محاولات طويلة قدرنا نقرأ جزء من الاسم.
كان اسم مكان.
مكان موجود فعلًا.
لكن مقفول من أكتر من عشرين سنة.
وفي نفس اللحظة وصلتنا رسالة من رقم مجهول.
الرسالة كانت عبارة عن صورة فقط.
ولما فتحتها...
حسيت إن قلبي وقف.
الصورة كانت ملتقطة من خارج شقتي.
من الشارع مباشرة.
وتظهر أنا
وصاحبة خطيبتي قاعدين قدام اللابتوب من خلال الشباك.
يعني اللي بيراقبنا عارف إحنا فين.
وعارف إحنا بنعمل إيه.
وتحت الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة
وصلتوا لنص الحقيقة... لكن النصف التاني هيدمر حياة حد بتحبوه.
وفجأة...
رن جرس الباب.
مرة واحدة.
ثم مرتين.
ثم ثلاث مرات متتالية.
ولما بصيت من العين السحرية...
ما شفتش أي حد.
لكن على الأرض قدام الباب...
كان فيه ظرف أسود كبير.
وعليه اسم خطيبتي بالكامل بخط واضح.
والأخطر من كده...
إن تاريخ اليوم كان مكتوب عليه من أكتر من خمسة وعشرين سنة!بصيت للظرف الأسود وأنا حاسس إن عقلي خلاص مش قادر يستوعب اللي بيحصل.
إزاي تاريخ مكتوب من خمسة وعشرين سنة يكون عليه اسم خطيبتي بالكامل؟
خطيبتي أصلًا عمرها أقل من كده!
فتحت الباب بسرعة.
الممر كان فاضي.
مفيش أي أثر لأي شخص.
كأن الظرف ظهر من العدم.
رجعت للشقة وقفلت الباب.
أنا وصاحبة خطيبتي قعدنا قدام الطاولة.
كل واحد فينا متردد يفتح الظرف.
لكن الفضول كان أقوى من الخوف.
فتحت الظرف بحذر.
كان جواه ملف رفيع.
وأول ورقة فيه كانت عبارة عن رسالة قديمة.
مكتوب في أولها
إلى من سيصل إليه هذا الملف بعد سنوات طويلة...
بدأت أقرأ بصوت مسموع.
وكان واضح إن كاتب الرسالة كان متأكد إن حد هيقرأها بعد زمن طويل.
كل كلمة كانت مكتوبة بدقة غريبة.
لكن أكثر جملة أوقفتني كانت
إذا وصلت هذه الأوراق إلى الشاب الذي يظهر في الصورة، فمعنى ذلك أن الخطر عاد من جديد.
شهقت صاحبة خطيبتي.
لأن المقصود بالشاب في الصورة كان أنا.
قلبت الصفحة التالية بسرعة.
فوجدت خريطة مرسومة يدويًا.
الخريطة كانت لمكان خارج المدينة.
وبجانبها عبارة صغيرة
المفتاح الثاني.
رفعت رأسي وسألت
يعني إيه مفتاح تاني؟
لكن صاحبة خطيبتي كانت تنظر لآخر الملف.
وجهها شحب فجأة.
سحبت الورقة من إيدها.
ولما شفتها...
حسيت الدنيا بتلف بيا.
كانت شهادة ميلاد قديمة.
الاسم المكتوب فيها مش اسم خطيبتي.
ولا اسمي.
لكن الاسم كان لشخص آخر تمامًا.
والأغرب...
أن خانة الأب كانت فارغة.
أما خانة الأم فكان مكتوب فيها اسم امرأة أعرفها جيدًا جدًا.
اسم والدتي.
وقبل ما أستوعب اللي بشوفه، رن هاتفي.
المرة دي المتصل كان أمي.
رديت بسرعة.
لكن أول ما سمعت صوتها عرفت إن في مصيبة.
كانت بتبكي.
بكاء عمرها ما بكت زيه قبل كده.
وقالت بصوت متقطع
إنت
فين دلوقتي؟
قلت بقلق
خير يا أمي؟
ردت
ارجع البيت حالًا... في ناس جم يسألوا عليك.
مين؟
سكتت ثواني.
ثم قالت الجملة اللي خلت الدم يهرب من وشي
الراجل اللي في الصورة القديمة... واقف دلوقتي تحت البيت.
اتجمدت.
بصيت للصورة اللي قدامي.
نفس الرجل اللي المفروض إنه اختفى من سنين.
ونفس الرجل اللي كل الأوراق بتدور حواليه.
قلت بصوت مرتعش
يا أمي... إنتِ متأكدة؟
قالت
أنا شايفاه من الشباك دلوقتي.
وفي اللحظة نفسها وصلتني رسالة جديدة من الرقم المجهول.
فتحتها.
كانت صورة حديثة جدًا.
متصورة قبل ثوانٍ.
لأمي وهي واقفة في شرفة البيت.
وتحت الصورة مكتوب
ما ترجعش البيت... لأنه مش جاي لك.
وقبل ما ألحق أقرأ باقي الرسالة...
وصلت الرسالة الثانية.
جملة واحدة فقط
هو جاي ياخد الشخص اللي استخبّى طول خمسة وعشرين سنة...
ثم ظهر اسم واحد فقط.
اسم جعل صاحبة خطيبتي تسقط من فوق الكرسي من شدة الصدمة...
لأنه كان اسمها هي فضلت صاحبة خطيبتي تبص للشاشة وكأنها مش مصدقة اللي شايفاه.
لون وشها اختفى تمامًا.
وإيديها بدأت تترعش.
قلت بسرعة
إيه؟ مالك؟
لكنها ما ردتش.
كل اللي عملته إنها أخدت الموبايل من إيدي وبصت للاسم مرة تانية.
ثم همست
مستحيل يكون عارف...
عارف إيه؟
رفعت عينيها ناحيتي لأول مرة، وكان واضح إنها مخبية حاجة من البداية.
حاجة أكبر من الصور المزورة.
وأكبر من الملف.
وأكبر حتى من الراجل اللي بيطاردنا.
قالت بصوت منخفض
أنا كنت فاكرة إن السر اندفن من زمان.
قلبي بدأ يدق بعنف.
أي سر؟
سكتت.
ثم قالت
أنا ماكنتش صاحبة خطيبتك بالصدفة.
الكلمات نزلت عليا كالصاعقة.
يعني إيه؟
أخذت نفسًا عميقًا وقالت
قبل خمسة وعشرين سنة، حصلت حاجة خلت أربع عائلات حياتهم تتغير للأبد.
إيه اللي حصل؟
لكن قبل ما تجاوب، سمعنا صوت كسر زجاج.
التفتنا ناحية الشباك.
حجر صغير كان مرمي على الأرض.
ومربوط فيه ورقة.
جريت ناحيته بسرعة.
فكيت الورقة.
وكان مكتوب فيها
آخر تحذير... لا تروحوا للمفتاح الثاني.
وفي آخر الورقة كان فيه رسم غريب.
نفس الرمز اللي كان موجود في أحد الأوراق القديمة داخل الصندوق.
بدأت أحس إننا داخلين في شبكة أسرار أكبر بكتير مما تخيلت.
وفجأة رن هاتف صاحبة خطيبتي.
رقم خاص.
ردت بتردد.
وفور ما سمعت الصوت، اتسعت عينيها بشكل مرعب.
إنت؟!
ثم سكتت تستمع.
ثواني مرت.
وبعدها بدأ الدمع ينزل من عينيها.
أول مرة أشوفها بالحالة دي.
قفلت المكالمة ببطء.
قلت
مين كان؟
ردت وهي بتبص قدامها
أبويا.
استغربت.
طيب ما المشكلة؟
ابتلعت ريقها وقالت
المشكلة إن أبويا متوفي من سبع سنين.
شعرت ببرودة تسري في جسمي.
إزاي يعني؟
أخرجت الهاتف ومدته لي.
كان فيه تسجيل للمكالمة.
شغلناه.
وفعلًا...
كان صوت رجل كبير في السن.
واضح جدًا.
وبيتكلم باسمها.
وبيحكي تفاصيل محدش يعرفها غير والدها.
وفي آخر التسجيل قال جملة واحدة
لو عايزة تعرفي الحقيقة... روحي للمكان اللي اتولدتِ فيه.
انتهى التسجيل.
ثم وصلت رسالة جديدة على هاتفها.
صورة لمبنى قديم مهجور.
وفي أسفل الصورة عنوان.
نفس العنوان الموجود على الخريطة اللي لقيناها في الملف.
المفتاح الثاني.
أنا وهي بصينا لبعض.
عارفين إننا لو روحنا هناك ممكن نكتشف الحقيقة.
لكن ممكن كمان نقع في فخ.
ومع ذلك، ماكانش عندنا اختيار.
في صباح اليوم التالي انطلقنا للمكان.
كان مبنى قديم خارج المدينة، محاط بأشجار كثيفة وسور حجري متهالك.
كل شيء فيه يوحي إنه مهجور من عشرات السنين.
دخلنا بحذر.
وفي الداخل لقينا غرفة واحدة بابها مقفول.
وفوق الباب لوحة معدنية صدئة.
مسحت التراب عنها.
ولما ظهرت الكلمات...
شعرت أن قلبي توقف للحظة.
لأن المكتوب كان
قسم رعاية الأطفال.
بصيت لصاحبة خطيبتي.
وبصت لي هي.
وفي اللحظة دي بدأنا نفهم لأول مرة إن السر كله قد يكون مرتبط بطفل...
طفل اختفى منذ خمسة وعشرين سنة.
لكن قبل ما نفتح الباب، سمعنا صوت خطوات خلفنا.
بطيئة.
ثقيلة.
تقترب أكثر فأكثر.
ثم جاء صوت رجل من الظلام
أخيرًا وصلتوا...
للجزء اللي ماكانش المفروض حد يعرفه أبدًا تجمدنا في مكاننا.
الصوت كان قريب جدًا.
قريب لدرجة إني حسيت إنه واقف خلفي مباشرة.
استدرت ببطء.
أنا وصاحبة خطيبتي في نفس اللحظة.
ومن بين الظلال خرج رجل في أواخر
الخمسينات من عمره.
ملامحه مألوفة بشكل غريب.
لكنني لم أستطع تحديد من يكون.
كان يحمل مصباحًا صغيرًا ويمشي بهدوء شديد، كأنه كان ينتظر وصولنا منذ سنوات.
قال وهو ينظر إليّ مباشرة
كنت متأكد إنك هتوصل هنا في يوم من الأيام.
سألته بحدة
إنت مين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
أنا الشخص الوحيد اللي لسه عايش ويعرف الحقيقة كاملة.
ثم أشار إلى الباب المغلق.
والحقيقة كلها ورا الباب ده.
تقدمت نحوه خطوة.
يبقى افتحه.
نظر إليّ طويلًا قبل أن يقول
قبل ما نفتحه لازم تعرف حاجة... اللي هتشوفه جوه هيغير نظرتك لكل الناس اللي حواليك.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا قديمًا.
وفتح الباب.
صرير حاد ملأ المكان.
دخلنا بحذر.
الغرفة كانت صغيرة.
لكنها مليئة بالأدراج المعدنية القديمة.
وملفات متراكمة فوق بعضها.
ورائحة الورق القديم كانت تملأ الجو.
توجه الرجل مباشرة إلى خزانة حديدية في آخر الغرفة.
فتحها.
وأخرج ملفًا سميكًا جدًا.
وضعه على الطاولة أمامنا.
ثم قال
الملف ده اتقفل من خمسة وعشرين سنة.
فتحت الملف.
وأول صفحة جعلت أنفاسي تتوقف.
كانت قائمة بأسماء أطفال.
مواليد.
أرقام ملفات.
بيانات أسر.
كل شيء يبدو طبيعيًا.
إلى أن وصلت لآخر الصفحة.
كان هناك اسم عليه دائرة حمراء.
ثم اسم ثانٍ.
ثم اسم ثالث.
تسمرت عيناي على الأسماء.
لأن أحدها كان اسمي.
والثاني...
اسم خطيبتي.
أما الثالث...
فكان اسم صاحبة خطيبتي.
رفعت رأسي بصدمة.
إزاي؟!
الرجل تنهد ببطء.
وقال
لأنكم الثلاثة جزء من نفس القصة.
شعرت أن الأرض تميد بي.
أي قصة؟
لكن قبل أن يجيب، مد يده إلى داخل الملف وأخرج صورة قديمة.
كانت صورة لغرفة أطفال.
وفيها ثلاثة رُضّع نائمين بجوار بعض.
وعلى ظهر الصورة تاريخ قديم جدًا.
وتحت التاريخ مكتوب بخط اليد
الأطفال الثلاثة قبل ليلة الحادث.
صاحبة خطيبتي أمسكت الصورة بسرعة.
كانت ترتجف.
إيه الحادث؟
هنا تغيرت ملامح الرجل.
واختفت الابتسامة من وجهه.
وقال
في الليلة دي حصل حريق.
سكت لحظة.
ثم أكمل
وحسب السجلات الرسمية، مات طفل واحد.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
وحسب الحقيقة؟
نظر إلينا جميعًا.
وقال
ماحدش
مات.
ساد الصمت.
ثوانٍ طويلة.
ثم أكمل
في الليلة دي اختفى طفل.
شعرت بقشعريرة تجتاح جسدي.
اختفى؟
أومأ برأسه.
ومن يومها بدأت الأكاذيب.
ثم أخرج ورقة أخيرة من الملف.
ورقة كانت مطوية بعناية.
فتحها أمامنا.
وفيها نتائج فحص قديم جدًا.
نتائج نسب.
وأسماء.
وأختام رسمية.
لم أفهم شيئًا في البداية.
لكن صاحبة خطيبتي فهمت فورًا.
شهقت بشدة.
ثم تراجعت للخلف خطوة.
وهي تضع يدها على فمها.
قلت بسرعة
في إيه؟
لكنها لم تستطع الكلام.
الرجل نظر إليّ وقال
السبب الحقيقي اللي خلاها تزور الصور وتحاول تمنع الجوازة...
ثم توقف فجأة.
لأن صوت إطلاق إنذار قوي دوى في المبنى كله.
أضواء حمراء بدأت تومض.
والرجل شحب وجهه فجأة.
وقال بقلق لأول مرة
لا... مستحيل!
في إيه؟
نظر ناحية النافذة.
ثم قال
وصلوا.
اقتربت من النافذة ونظرت للخارج.
فشعرت أن الدم تجمد في عروقي.
لأن عشرات السيارات كانت تحيط بالمبنى من كل الجهات.
وأشخاص مجهولون يقتربون ببطء.
وكأنهم لا يريدون أن يهرب أحد.
أما الرجل فالتفت نحونا وقال جملة واحدة فقط
لو وقع الملف في إيدهم... الحقيقة هتختفي للأبد صوت الإنذار كان بيهز المبنى كله.
الأضواء الحمراء بتلمع وتختفي، وبتحول المكان لكابوس حقيقي.
بصيت من الشباك مرة تانية.
العربيات كانت أكتر مما توقعت.
والأخطر إن الناس اللي نازلة منها كانوا متحركين بثقة.
كأنهم عارفين المكان كويس.
وعارفين إحنا فين بالضبط.
الرجل خطف الملف من فوق الطاولة وحطه في حقيبة جلد قديمة.
ثم قال بسرعة
مفيش وقت.
مين الناس دي؟
ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان السر ده يفضل مدفون.
صاحبة خطيبتي صاحت
قول الحقيقة دلوقتي!
لكن الرجل هز رأسه.
لو وقفت أشرح هيمسكوا بينا كلنا.
ثم فتح بابًا جانبيًا صغيرًا خلف الخزانة الحديدية.
باب ماكناش ملاحظينه أصلًا.
ورا الباب كان فيه ممر ضيق جدًا.
واضح إنه معمول للهروب.
جرينا وراه.
الممر كان مظلم وطويل.
وكل شوية كنا نسمع أصوات أبواب بتتكسر خلفنا.
حد دخل المبنى.
وحد بيدور علينا.
بعد دقائق من الجري وصلنا لغرفة صغيرة تحت الأرض.
الرجل أغلق الباب الحديدي خلفنا.
وأخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة.
ثم قال
اسمعوا كويس... لأن ممكن مايبقاش عندي فرصة أقول الكلام ده تاني.
ساد الصمت.
حتى أنفاسنا كانت مسموعة.
فتح الحقيبة.
وأخرج الصورة القديمة للأطفال الثلاثة.
وأشار إليها.
الطفل الأول أنت.
ثم أشار للثاني.
وخطيبتك.
ثم أشار للثالث.
وصاحبتها.
بصينا لبعض
في ذهول.
ثم أكمل
أنتم الثلاثة اتولدتم في نفس الأسبوع.
وبعدين؟
أخذ نفسًا عميقًا.
وفي ليلة الحريق... حصل خطأ غيّر مصير الجميع.
بدأ قلبي يدق بعنف.
الرجل أكمل
بعد الحريق بساعات، اكتشفوا إن ملفات الأطفال اختلطت ببعض.
يعني إيه اختلطت؟
يعني طفل واحد على الأقل رجع لأسرة غير أسرته الحقيقية.
الصمت خيم على المكان.
شعرت أن عقلي يرفض استيعاب الفكرة.
أما صاحبة خطيبتي فبدأت دموعها تنزل دون كلام.
كأنها كانت تخشى هذه الحقيقة منذ سنوات.
ثم أخرج الرجل ورقة قديمة من الملف.
وقال
في حد عرف الحقيقة من زمان.
مين؟
والدتك.
شعرت كأن أحدهم ضربني في صدري.
أمي؟!
هز رأسه.
ووالدة خطيبتك كمان.
الصدمة كانت تتضاعف.
كل دقيقة.
كل كلمة.
كل سر.
كان يقلب حياتنا رأسًا على عقب.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
لأن الرجل أخرج ظرفًا مغلقًا بالشمع الأحمر.
وقال
جوا الظرف ده النتيجة النهائية.
نتيجة إيه؟
هوية الطفل اللي اتبدلت حياته.
مددت يدي ناحية الظرف.
وفي نفس اللحظة...
دوى انفجار قوي فوقنا.
اهتزت الجدران.
وتساقط التراب من السقف.
وصاحبة خطيبتي صرخت.
أما الرجل فشحب وجهه وقال
لقونا.
ثم سمعنا صوتًا عبر مكبر صوت من الخارج
سلّموا الملف... واخرجوا.
تبادلنا النظرات.
ولا
أحد تحرك.
ثم جاء الصوت مرة أخرى
معاكم دقيقة واحدة فقط.
الرجل نظر إليّ.
ووضع الظرف في يدي.
وقال
لو حصل لي حاجة... افتحه بنفسك.
ثم اقترب من الباب الحديدي.
وكأنه اتخذ قرارًا خطيرًا.
لكن قبل أن يفتحه...
وقعت عيناي على شيء صغير مكتوب بالقلم على ظهر الظرف.
شيء لم ينتبه له أحد.
ثلاث كلمات فقط.
لكنها كانت كافية لتجعل الدم يتجمد في عروقي
لا تتزوجوا أبدًا.
وفي اللحظة نفسها...
بدأ مقبض الباب الحديدي يتحرك من الجهة الأخرى ببطء...مقبض الباب الحديدي كان بيتحرك ببطء...
وأنا واقف ماسك الظرف، وعيني ثابتة على الجملة المكتوبة عليه
لا تتزوجوا أبدًا.
في اللحظة دي حسيت إن كل الأسرار اللي جرينا وراها بتتقفل حوالينا من كل ناحية.
الرجل العجوز بص لي وقال
افتح الظرف... دلوقتي.
بإيد مرتعشة فضيت الشمع الأحمر وفتحت الورق اللي جواه.
كانت مجموعة مستندات قديمة وحديثة.
تقارير.
شهادات.
ومراسلات بين أشخاص كتير.
لكن أهم ورقة فيهم كانت نتيجة تحقيق رسمي اتعمل سرًا من سنين طويلة.
بدأت أقرأ.
وكل سطر كان بيقربنا من الحقيقة.
الحقيقة ما كانتش إن حد أخفى جريمة.
ولا إن فيه ثروة ضاعت.
ولا إن حد اتقتل.
الحقيقة كانت أبسط وأقسى من كل ده.
بعد حريق المستشفى بسنوات، اكتشفوا
فعلًا إن ملفات بعض الأطفال اتبدلت.
وبدأ تحقيق هادئ لمعرفة الحقيقة.
التحقيق أثبت إن طفلًا واحدًا فقط اتربى مع أسرة غير أسرته البيولوجية.
لكن قبل إعلان النتيجة، اتفق الكبار إن السر يفضل مدفون حفاظًا على استقرار الأسر والأطفال.
ومن وقتها عاش الجميع على هذا السر.
وصلت للصفحة الأخيرة.
وقرأت الاسم.
ثم الاسم الثاني.
وشعرت أن الدنيا كلها سكتت.
رفعت رأسي ببطء ناحية الرجل العجوز.
وهو أومأ برأسه.
ثم بصيت لصاحبة خطيبتي.
كانت دموعها نازلة في صمت.
لأنها عرفت الحقيقة قبلي بثوانٍ.
الحقيقة كانت أن الطفل الذي تبدلت حياته لم يكن أنا.
ولم تكن خطيبتي.
بل كانت صاحبة خطيبتي نفسها.
هي التي تربت مع أسرة ليست أسرتها البيولوجية.
وهي التي عرفت جزءًا من الحقيقة منذ سنوات.
ولما بدأت خيوط الماضي تظهر من جديد، خافت أن تنكشف القصة كلها.
وخافت أكثر أن تؤدي التحقيقات الجديدة إلى تدمير الأسرة التي ربتها وأحبتها.
لذلك حاولت إيقاف الجوازة بأي طريقة.
وزورت الصور.
وأخطأت.
لكن دافعها لم يكن الحقد.
ولا الغيرة.
بل الخوف.
الخوف من أن يؤدي البحث في الماضي إلى كشف السر الذي عاش الجميع يحرسه لسنوات طويلة.
في تلك اللحظة انفتح الباب الحديدي أخيرًا.
ودخل الأشخاص الذين كانوا
يطاردوننا.
لكن المفاجأة أنهم لم يكونوا مجرمين كما تخيلنا.
بل فريق قانوني ومحققون خاصون كانوا مكلفين بإغلاق الملف نهائيًا بعد ظهور نسخ من المستندات القديمة.
أخذوا الملفات.
وتأكدوا من توثيق الحقيقة.
ثم تركوا القرار لأصحاب الشأن.
بعد أيام طويلة من الاجتماعات والكلام والدموع، اجتمعت الأسر كلها.
أمي.
ووالدة خطيبتي.
وصاحبة خطيبتي.
والرجل العجوز.
ولأول مرة منذ خمسة وعشرين عامًا قيلت الحقيقة كاملة.
كانت ليلة صعبة.
لكنها كانت أيضًا نهاية الخوف.
أما صاحبة خطيبتي فوجدت أسرتها البيولوجية أخيرًا.
ولم تخسر الأسرة التي ربتها.
بل كسبت عائلة أخرى.
وخطيبتي وقفت يومها وقالت
الأسر مش بس دم... الأسر حب وتربية وعشرة.
وكانت الجملة دي كفيلة تنهي سنوات من الألم.
وبعد شهور...
تم زفافنا وسط فرحة الجميع.
حتى صاحبة خطيبتي كانت أول من بارك لنا.
واعترفت بخطئها وطلبت السماح.
وأدركت أن الحقيقة مهما تأخرت، أفضل ألف مرة من العيش داخل الخوف.
أما الظرف الذي كُتب عليه
لا تتزوجوا أبدًا
فاكتشفنا لاحقًا أنه مجرد تحذير قديم كُتب قبل ظهور نتائج التحقيق، حين كان البعض يعتقد خطأً أن تبديل الأطفال ربما جعل بين بعض الأطراف صلة قرابة مجهولة.
لكن الحقيقة النهائية أثبتت أن ذلك لم يكن صحيحًا.
وهكذا انتهت القصة...
ليس بكشف سر فقط.
بل بعودة كل شخص إلى مكانه الحقيقي، وبداية حياة جديدة بعد خمسة وعشرين عامًا من الأسئلة.


تعليقات
إرسال تعليق