في غياب الام كامله حكايات مني السيد
الفصل الأول
أنا عمري ما كنت أتخيل إن فيه أم ممكن تيجي عليها لحظة وتسيب ولادها بالشكل ده. لحد النهارده، كل ما أبص في وشوش عيالي وهم نايمين، أسأل نفسي نفس السؤال… هو إيه اللي يخلي أم تسيب ضناها وتمشي؟ أنا راجل بسيط، بشتغل من الصبح لآخر النهار عشان أوفر لقمة عيش حلال. يمكن مش غني، ويمكن حياتنا كانت فيها ضغوط كتير، لكن عمري ما قصرت في بيتي على قد استطاعتي. في يوم، حصل بيني وبين مراتي خناقة زي أي خناقة بتحصل بين أي اتنين متجوزين. زعلت… وقالت إنها رايحة عند أهلها كام يوم. افتكرت إنها هتهدى وترجع. لكن اليوم بقى أسبوع… والأسبوع بقى شهر… والشهر بقى خمسة شهور كاملة. خمسة شهور وأنا داخل خارج على بيت أهلها، مرة أترجاها، ومرة أكلم أبوها، ومرة أكلم أمها، ومرة أخواتها. كل مرة نفس الرد… “هي مش عايزة ترجع.” كنت راجع كل مرة مكسور. لكن اللي كان بيكسرني أكتر… عيالي. بنتي الكبيرة كانت كل يوم قبل ما تنام تسألني: “بابا… ماما هترجع إمتى؟” وأنا أكدب عليها وأقول: “قريب يا حبيبتي.” وأدخل أوضتي أعيط لوحدي. الدنيا اتقلبت فوق دماغي. شغلي… البيت… الأكل… الغسيل… المذاكرة… كل حاجة بقيت بعملها لوحدي. بنتين من عيالي بدأوا يغيبوا عن المدرسة. كنت أحاول ألحق كل حاجة، لكن الإنسان له طاقة. الغياب زاد… وجت الامتحانات. دخلوا الامتحان وهم نفسيتهم محطمة. والنتيجة… سقطوا. اليوم اللي استلمت فيه النتيجة، بنتي فضلت تبكي وهي بتقول: “لو ماما كانت موجودة… ماكنتش هسقط.” الكلمة دي كسرت قلبي. أما ابني الصغير… فكان محتاج جلسات علاج بشكل مستمر. كل أسبوع ألف على المستشفيات والمراكز. وأرجع شايله على كتفي وهو تعبان. ولا مرة سألت عليه. ولا مرة اتصلت تعرف أخباره. ورغم كل ده… مكنتش عايز أطلق. كنت بقول لنفسي: “يمكن ترجع… يمكن الأولاد يعيشوا وسط أمهم وأبوهم.” فضلت أحاول. وأحاول. وأحاول. لحد ما أهل الخير دخلوا بينا. وقعدوا معانا ساعات طويلة. وفي الآخر… وافقت ترجع. أنا وقتها حسيت إن ربنا استجاب لدعائي. قلت خلاص… البيت هيلم نفسه. ولادي هيفرحوا. فعلاً أول يوم رجعت فيه… العيال حضنوها بطريقة تقطع القلب. ابني الصغير فضل متعلق في رقبتها. وبنتي الكبيرة كانت بتبوس إيديها وهي بتقول: “خلاص يا ماما… ماتسبيناش تاني.” وقتها دموعي نزلت غصب عني. قلت لنفسي: “انسى اللي فات.” عشان أثبتلها حسن نيتي… روحت اشتريت لها موبايل جديد. وكان معايا مبلغ محوشه بالعافية. لكن صرفته كله. وجبت كمان خاتم دهب. مش لأنها طلبت. لكن كنت عايز أفرحها. كنت بقول يمكن تحس إني مقدرها. يمكن تبدأ صفحة جديدة. يمكن البيت يرجع زي الأول. أنا حتى كنت باجي على نفسي. وأوفر من أكلي وشربي. بس عشان البيت يستقر. مر أسبوع. كنت فاكر إن الدنيا بدأت تضحك لنا. وفجأة… قالتلي: “أنا مش هقعد هنا.” استغربت. قلت: “ليه؟” قالت: “هاتلي شقة لوحدي بعيد عن أهلك.” مع إننا أصلًا ماكنّاش عايشين مع حد. لكن قلت يمكن ده اللي مضايقها. لفيت لحد ما لقيت شقة إيجار. دفعت مقدم. وأثثتها باللي أقدر عليه. ونقلنا. قلت الحمد لله. خلاص المشاكل انتهت. لكن أول ما دخلنا الشقة… بدأت المشاكل من أول يوم. كل يوم طلب جديد. كل يوم خناقة جديدة. ولا أي حاجة تعجبها. وبعد أقل من شهرين… قالتلي وهي واقفة قدامي بكل برود: “أنا عايزة أطلق.” افتكرت إنها بتقولها وقت عصبية. لكن بعدها بيوم… تليفوني رن. كان أبوها. قاللي: “تعالى.” روحت وأنا قلبي بيخبط. دخلت البيت. لقيت أهلها كلهم قاعدين. بصلي أبوها وقال بمنتهى البرود: “خد عيالك.” استغربت. قلت: “يعني إيه؟” قال: “هي مش عايزاهم.” افتكرت إني سمعت غلط. بصيت عليها. كانت قاعدة ساكتة. قلت: “إيه الكلام ده؟” ردت بكل هدوء: “أنا مش هربي حد.” في اللحظة دي… العيال كانوا واقفين جنبها. أول ما فهموا إنها بتمشي وتسيبهم… بنتي الكبيرة حضنت رجلها وهي بتعيط. وقالت: “ماما… والنبي ماتسبيناش.” وأختها الصغيرة مسكت إيدها. وابني فضل يصرخ. لكن اللي حصل بعدها… أنا مستحيل أنساه طول عمري. زقت بنتها بإيديها. وقالت بعصبية: “امشوا مع أبوكم.” البنت وقعت على الأرض وهي بتعيط. وأختها جريت عليها. أما ابني… ففضل يمد إيده ناحية أمه وهي بتبعده عنها. وقفت مكاني… مش قادر أستوعب. إزاي؟ إزاي قلبها استحمل المنظر ده؟ خرجت من بيت أهلها… وأنا ماسك إيد عيالي التلاتة. كل واحد فيهم بيبكي بطريقة مختلفة. ومن اليوم ده… بقالي شهرين. أنا الأب… وأنا الأم… وأنا اللي بصحيهم. وأنا اللي بعمل لهم الأكل. وأنا اللي بذاكر. وأنا اللي باخد ابني جلساته. ولا مرة… ولا مرة واحدة… تليفون. ولا رسالة. ولا سؤال. كأن العيال دول عمرهم ما كانوا ولادها. لكن من كام يوم… سمعت خبر خلاني أقف مكاني. في ناس أكدولي إن فيه راجل متقدملها. وإنه موافق يتجوزها بسرعة. ومش طالب منها غير إنها تيجي بشنطة هدومها… بس مستني الطلاق الرسمي. ساعتها حسيت إن فيه حاجة أكبر بكتير أنا مش فاهمها. هو معقول كل اللي حصل كان عشان الجوازة دي؟ ولا فيه سر تاني لسه مستخبي… ولو السر ده طلع حقيقي… يبقى حياتي كلها كانت كذبة من أول يوم؟
الفصل التاني
عدى أسبوع على الخبر ده، وأنا بقيت عايش زي المسحور. بنزل الصبح أجر رجلي لشغلي بالعافية، وكل تفكيري محصور في السؤال اللي عمال ينهش في دماغي: هي ليه عملت كل ده؟ وليه ولادي هما اللي دفعوا التمن؟
في البيت، الحياة بقت ماشية بنظام “الآليين”. بصحى قبل الفجر، بحضر اللانش بوكس للبنات، بجهز لبسهم، وبحاول ألملم شتات نفسي قبل ما يبدأ يومي الطويل. بنتي الكبيرة، “نور”، كبرت فجأة عشر سنين في الشهرين اللي فاتوا. بقت بتصحي أختها الصغيرة، وتساعدني في ترويق البيت، وعنيها دايماً بتبص على باب الشقة وهي فاكرة إن أمها ممكن ترجع فجأة.
أما ابني الصغير، “حمزة”، فده قصة تانية خالص. الجلسات بتاعته محتاجة مجهود بدني ونفسي، وكنت بحس بالخذلان كل ما أدخل بيه المركز وأشوف باقي الأمهات قاعدين مع ولادهم. كنت بداري عيني عشان ما يلمحوش الدمعة اللي بتنزل غصب عني، وأقول للدكتور: “أنا هنا يا دكتور، أنا الأب والأم، هعمل كل اللي يرضي ربنا عشان ابني يبقى أحسن.”
في يوم، وأنا راجع من الشغل، لقيت تليفوني بيرن برقم غريب. قلبي نغزني. رديت بصوت مخنوق: “ألو؟”
جالي صوت ست، صوت هادي بس فيه نبرة غريبة: “أنت زوج فلانة؟”
اتسمرت في مكاني. قلت: “أيوه، مين معايا؟”
قالت: “أنا جارة أهلها القديمة. مش هقدر أقول اسمي، بس اللي بيحصل ده حرام. البنت دي مش هي اللي أنت فاكرها، ولا هي اللي اتجوزتها من سنين. اللي بتعمله ده مش مجرد رغبة في الطلاق، دي خطة بقالها فترة طويلة بتترسم.”
صوت الأرض حسيت إنه بيميد بيا. سألتها بسرعة: “خطة إيه؟ إنتي بتقولي إيه؟”
قالت: “الراجل اللي هي عايزة تتجوزه ده مش جديد في حياتها. ده كان بيتردد على بيتهم من قبل ما تطلب الطلاق التاني. كان بيجي يزور أبوها، وبيتقابلوا في أماكن بعيدة عن عينك. أنا شوفتهم بعيني أكتر من مرة، ولما حاولت أتكلم مع أبوها، طردني وقالي ماليش دعوة. البيت ده فيه سر أكبر من مجرد خلافات زوجية.”
قفلت الخط. مكنتش قادر أصدق. قعدت على الرصيف في نص الشارع، والناس رايحة جاية، وأنا مش حاسس بحاجة. كل كلمة قالتها كانت زي السكي..نة في قلبي. يعني أنا كنت مخدوع؟ كنت عايش مع حد بيمثل دور الزوجة والأم، وهو في الحقيقة بيجهز لحياة تانية خالص، حياة مافيش فيها لا أنا ولا ولادي؟
رجعت البيت، ودخلت من غير ما حد يحس بيا. لقيت البنات نايمين، ونور كانت لسه صاحية بتذاكر. بصت لي بعنيها الدبلانة وقالت: “بابا، أنت شكلك تعبان، عملت إيه النهاردة؟”
بصيت لها وابتسمت ابتسامة باهتة: “مفيش يا حبيبتي، شوية ضغوط في الشغل.”
دخلت أوضتي، وطلعت الصور القديمة اللي كنت مخبيها. دورت في كل وشوشها في الصور، حاولت ألاقي أي علامة، أي نظرة غدر كنت غفلان عنها. كل الصور كانت بتبينها أم مثالية، زوجة مطيعة. لكن دلوقتي، لما ببص، بشوف حاجة تانية.. بشوف نظرة استعلاء، نظرة واحدة مش شبعانة، واحدة دايماً بتبص على اللي ناقصها بدل ما تشوف النعمة اللي في إيدها.
قررت إني لازم أعرف الحقيقة. مش عشان أرجعها، خلاص كرامتي وكرامة ولادي ما تسمحش، بس عشان أقطع الشك باليقين، وعشان أعرف أنا كنت عايش مع مين طول السنين اللي فاتت.
بدأت أراقب. مكنتش عارف أراقب إزاي، بس بقيت أسأل ناس في المنطقة اللي كانوا ساكنين فيها. سألت أصحاب المحلات، الناس اللي شغالين في الشارع. في الأول كانوا بيترددوا، بس لما كنت بفتكر ولادي ودموعهم، كنت بضغط عليهم لحد ما بدأوا يتكلموا.
“أيوة يا أستاذ، الراجل ده كان بييجي فعلاً.”
“كنت بشوفها بتخرج معاه في تاكسي وهي لابسة أحسن لبسها، مش زي ما كانت بتطلع معاك.”
الكلام كان زي الرصاص. كل معلومة بتوصلني كانت بتمسح جزء من ذكرياتي الحلوة معاها. اكتشفت إنها كانت بتبيع دهبها اللي جبتهولها وبتقول إني اللي سرقته أو إننا محتاجين فلوسه، بس الحقيقة كانت بتصرفه على لبسها وخروجاتها مع الراجل ده.
في نص الأسبوع ده، لقيت نفسي واقف قدام بيتهم القديم. كان الليل دخل. النور في الصالة كان قايد. وقفت في ركن ضلمة، ولقيت “هو”. الراجل اللي قالوا عليه. نزل من عربية فارهة، ودخل البيت بثقة، كأنه صاحب المكان.
أنا واقف، إيدي بتترعش، مش عارف أعمل إيه. أطلع أهجم عليهم؟ أعمل فضيحة؟ ولا أفضل واقف ساكت، أراقب انهيار حياتي من بعيد؟
فجأة، الباب اتفتح، وخرجت هي. كانت بتضحك، ضحكة مكنتش بشوفها غير نادراً. ضحكة مفيهاش أي وجع، مفيهاش أي أثر لولادها اللي سابتهم. في اللحظة دي، حسيت بنار في قلبي. مش نار غيرة، دي نار حقد على اللي عملته في ولادي.
إزاي؟ إزاي أم تقسى للدرجة دي؟
وقبل ما أتحرك أو أعمل أي رد فعل، لمحت طفل صغير بيطل من الشباك بتاع الشقة، طفل مش ولادي. ده كان ابن الراجل ده. والست اللي كانت مراتي، كانت بتلعب معاه، بتضحك، وبتقبله.
ساعتها وقعت مني الشنطة اللي كنت شايلها. الصوت نبههم. الراجل بص ناحية المكان اللي أنا واقف فيه. أنا جريت.. جريت زي المجنون في الشوارع الضلمة، مش عارف رايح فين. كل اللي كان في عقلي صورة ولادي في البيت نايمين، وصورة “أمي” اللي اختارت حياة تانية ومستقبل تاني، ناسين إن فيه تلات أرواح معلقين في رقبتها.
رجعت البيت، دخلت أوضتي، وقفلت الباب على نفسي. بدأت أكتب كل حاجة، كل اللي عرفته، كل اللي شفته. قررت إني مش هسكت. مش عشان أرجعها، بس عشان أحمي ولادي من أي كدبة تانية ممكن تحصل.
لقيت ورقة مرمية على المكتب. كانت ورقة امتحان بنتي. كانت جايبة درجة نهائية. مسكت الورقة وضميتها لصدري وفضلت أبكي. بكيت مش على فراقها، بكيت على اللحظات اللي ضيعتها معاها، وعلى الوقت اللي كان ممكن نكون فيه أسعد، لو هي كانت قدرت معنى كلمة “أسرة”.
تاني يوم، صحيت بقرار جديد. مش هفضل الضحية. لازم أواجه أبوها، ولازم أطالب بحقوق ولادي. لو هي عايزة تعيش حياتها، تعيشها بعيد عننا، بس مش على حساب كرامة ولادي.
لبست أحسن لبس عندي، وأخدت ولادي معايا. اه، أخدتهم. كنت عايزها تشوفهم، عايزها تحس بالذنب، لو لسه في قلبها ذرة رحمة. رحت بيت أهلها، وطلبت أقابلها. أبوها رفض في الأول، بس لما شافني واثق من نفسي، ولما شاف ولادي ورايا، اضطر يخليني أدخل.
دخلت الصالة. كانت قاعدة، بتبص في الموبايل بتاعها. أول ما شافتني، وشها اتغير. وبصت للعيال بنظرة باردة، نظرة مفيهاش أي إحساس بالأمومة.
قلت بصوت عالي: “أنا جاي النهاردة، مش عشان أطلب منك ترجعي. أنا جاي أقولك إن ولادي دول هما كل حياتي، وإن اللي عملتيه فيهم عمرهم ما هينسوه. أنا عرفت كل حاجة، عرفت الراجل، وعرفت الخطة.”
ساد صمت طويل في المكان. أبوها كان بيبص لي بصدمة، وهي… هي ما نزلتش دموع، ما حاولت تشرح. بس قامت ووقفت، وقالت جملة خلتني أتجمد في مكاني:
“أنت فاكر إنك عرفت كل حاجة؟ أنت لسه ما تعرفش نص الحقيقة اللي أنا مخبياها عليك من أول يوم.”
كلمتها دي خلتني أحس إن كل اللي عرفته ده كان مجرد قشرة. إيه السر اللي لسه مستخبي؟ وإيه اللي ممكن يكون أصعب من إنها سابت ولادها؟ وقفت أبص لها، وأنا حاسس إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي، والسر اللي هي مخبياه ده ممكن يهد المعبد كله على دماغي.
في غياب الام ج2
الفصل الثالث
الكلمة دي رنت في ودني زي جرس إنذار. “أنت لسه ما تعرفش نص الحقيقة”.. بصيت لها، وشفت في عينيها حاجة غريبة، نظرة مش خوف، ولا حتى ندم، دي كانت نظرة استعلاء، كأنها هي اللي ماسكة خيوط اللعبة من البداية. حسيت إن الأكسجين بدأ يخلص في الأوضة، وبصيت لأبوها، لقيته منزل عينه في الأرض، ملامحه كانت بتقول إنه عارف السر ده، وموافق عليه.
قلت بصوت مرتعش: “انطقي.. إيه اللي مخبياه؟ إيه اللي أكبر من إنك رميتي عيالك في الشارع؟”
اتنهدت ببرود، وقعدت على الكرسي كأنها بتستعد لحكاية عادية، مش حكاية هتهد حياة راجل وبيت كان دافي. قالت: “أنت فاكر إن جوازنا كان نصيب وقسمة؟ فاكر إننا اتجوزنا عشان حبنا لبعض؟ أنت طول عمرك كنت طيب يا فلان، طيب زيادة عن اللزوم، وده كان نقطة ضعفك اللي استغليتها.”
حسيت بوجع في صدري، كملت وهي بتبص في سقف الأوضة: “أنا من قبل ما أتجوزك، كان عندي أحلام تانية خالص. كنت عايزة أسافر، كنت عايزة أعيش حياة تانية، بس أهلي جبروني عليك عشان ظروفك كانت مستقرة وقتها. وافقت عشان أهرب من ضغطي في بيت أبويا، بس من أول يوم دخلت فيه بيتك، وأنا حاسة إني في سجن. ولادك؟ ولادك مكانوش جزء من خطتي.. كانوا مجرد واقع اتفرض عليا.”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. كنت مذهول. يعني كل اللي قدمته، كل التضحيات، كل السنين اللي كنت فاكرها حب، كانت بالنسبة لها سجن؟ سألتها وصوتي طالع بالعافية: “والولاد؟ حمزة وتعب حمزة؟ ده كان واقع برضه؟”
ضحكت ضحكة مستفزة وقالت: “حمزة كان أكتر حاجة بتفكرني بفشلي. كل ما أشوفه محتاج رعاية، كنت بحس إني مربوطة في البيت ده أكتر. أنا مكنتش بكرهم، بس كنت بكرهم لأنهم بيحبسوني معاك.”
بصيت لنور، بنتي الكبيرة، لقيتها واقفة جنب الباب، وشها أبيض كالثلج، كانت سامعة كل كلمة. قلبي وجعني عليها أكتر من أي حاجة. هي كبرت وشافت حقيقة أمها قبل أوانها.
السر الحقيقي اللي كانت مخبياه بدأ يتكشف. الموضوع مكنش بس راجل جديد، الموضوع كان “رغبة في التحرر التام”، كانت عايزة تبدأ من الصفر، من غير “شوائب” الماضي، والشوائب دول كانوا إحنا.
قلت لها: “أنتِ شيطانة.. إنتي مش إنسانة طبيعية. أنا كنت بقطع من لحمي عشان أسعدك، كنت بأمن مستقبلك ومستقبل ولادك، وأنتِ كنتِ بتخططي ليوم خروجي من حياتك؟”
قالت ببرود: “أنا كنت صريحة مع نفسي، وده اللي أنت ما قدرتش تعمله. الراجل اللي أنت شفته.. هو مش بس جوازة جديدة، ده كان طريقي الوحيد عشان أخرج من حياتك ومن ديونك ومن كل الهم اللي عشته معاك. هو اللي ساعدني إني أقدر أتخلص من كل حاجة.”
ساعتها فهمت. ديون؟ أي ديون؟ أنا عمري ما كان عليا ديون! سألتها بتعجب: “ديون إيه؟ أنا ما علياش جنيه لحد!”
هنا بدأت الابتسامة الماكرة تظهر على وشها: “أنت ما تعرفش الحقيقة اللي مخبياها عليك من أول يوم يا فلان. الفلوس اللي كنت بتديها لي عشان “تأمين المستقبل”، والفلوس اللي كنت بتشيلها عشان “علاج حمزة”.. أنت كنت فاكر إنها بتتشال؟ أنا كنت ببعتها لأبويا عشان يسدد ديون قديمة عليه، ديون كانت تهددنا بالسجن. أنا كنت ببيع حياتك عشان أنقذ حياة أهلي، وأنت كنت فاكرني الزوجة المخلصة.”
وقعت في الأرض. حسيت إن كل ذكرياتي معها بتتمسح. كل لحظة حنان، كل كلمة حلوة، كانت مجرد تمثيلية عشان أديها الفلوس وأنا مطمن. الفلوس اللي كنت بحوشها من أكلي وشربي، كانت بتروح لأهلها عشان يسدوا ديونهم، وأنا كنت باكل عيش حاف عشان ولادي يعيشوا مستورين.
بصيت لأبوها، اللي كان ساكت تماماً، وفهمت إن المؤامرة كانت عائلية من الدرجة الأولى. هما كانوا بيستغلوني، ولما حسوا إني بدأت أفوق، أو لما لقت الراجل التاني اللي “أغنى”، قرروا يرموني أنا والعيال زي كيس الزبالة.
قمت وقفت، مسحت دموعي، وحسيت بقوة غريبة جوايا. قوة الانتقام؟ لا، قوة “البداية الجديدة”. بصيت لها وقالت: “خلاص، أنا عرفت الحقيقة. وعرفت إنتي مين. دلوقتي، ماليش غير طلب واحد.”
استغربت وقالت: “طلب إيه؟”
قلت: “ورقة الطلاق، بكل التنازلات. مش عايز منك حاجة، ولا عايز أعرف طريقك. بس فيه حاجة واحدة، الولاد مش هيشوفوا وشك تاني، ولا هيسمعوا اسمك. أنا هبدأ معاهم حياة جديدة، حياة مفيهاش “أسرار” ولا “كذب”.”
بصت لأبوها، لقته بيهز راسه بالموافقة، كان عايز يخلص مني بأي تمن. قالت: “موافق، هبعتلك الورقة البيت. بس انسانا، اعتبرنا ممتنا بالنسبة لك.”
خرجت من بيتهم، وأنا حاسس إن الحمل اللي كان على كتافي اتشال. اه، قلبي مكسور، وأحلامي اتحطمت، بس عرفت الحقيقة. الحقيقة بتوجع، بس بتريح.
في الطريق، نور مسكت إيدي، وقالتلي بصوت واطي: “بابا، أنا مش عايزة ماما تاني. أنا عايزة أعيش معاك، وأنا هساعدك في حمزة، وهنذاكر سوا، وهنكون أحسن عيلة في الدنيا.”
حضنتها، ونزلت دموعي أخيراً. الدموع دي ما كانتش ضعف، كانت غسيل لروحي. دخلت البيت، لقيت حمزة نايم في سريره، شكله ملاك مش فاهم أي حاجة من اللي بتحصل.
قفلت باب شقتي، وحسيت إني قفلت باب حياتي القديمة. من اللحظة دي، مفيش “منى”، مفيش “أهلها”، مفيش “أسرار”. فيه بس “أنا” و”ولادي”.
بكره الصبح، هبدأ أدور على شغل تاني، وهبني حياتنا من جديد. الحياة مش بتنتهي عند خيانة، الحياة بتبدأ لما نعرف الحقيقة ونقرر نكمل.
لكن.. قبل ما أنام، كان فيه سؤال لسه بيطاردني. الراجل اللي هي هتتجوزه ده، هل يعرف الحقيقة؟ هل يعرف إنها ست باعت ولادها وخدعت جوزها سنين عشان ديون أهلها؟ هل هو كمان ضحية جديدة بيتم استدراجها في فخ مشابه؟
فكرت إني لازم أعمل حاجة. مش عشان أرجعها، بس عشان أحذر الراجل ده. مفيش إنسان يستحق يعيش في كذبة زي اللي أنا عشتها. لكن.. هل ده دوري؟ ولا كفاية عليا اللي شفته؟
أخدت القلم والورقة، وبدأت أكتب كل حاجة، كل تفصيلة، كل كذبة. وقررت إن الورقة دي هتكون رسالة.. رسالة مش لها، بس لكل حد ممكن يقع في طريقها.
القصة لسه ما انتهتش، بس الفصل اللي جاي هيكون بداية “حياتي أنا”، بعيداً عن ألاعيبهم. قفلت النور، ولقيت في عيني نور جديد، نور الأمل اللي بيطلع بعد عتمة الليل الطويل.
الفصل الأخير
عدت شهور، وبدأت حياتي مع ولادي تاخد شكل جديد. نور بقت سندي في البيت، وحمزة حالته بتتحسن بفضل الله واهتمامي بيه. الصدمة خفت، والوجع بقى مجرد ذكرى بعيدة. عرفت إن الراجل اللي كانت هتتجوزه سابها بمجرد ما عرف الحقيقة من الرسالة اللي بعتها له، وطلعت هي خسرانة كل حاجة.
وقفت قدام المراية، بصيت لنفسي، شوفت راجل كبر بسرعة، بس عرف يلم شتات بيته. مش ندمان على أي تضحية عملتها، لأنها كانت لولادي. مابقاش يفرق معايا هي فين، ولا بتعمل إيه، كأنها كانت صفحة في كتاب واتقطعت.
النهاردة، ولادي بيضحكوا، البيت دافي بيهم، وده عندي بالدنيا كلها. اتعلمت إن العيلة مش بالأسماء والأوراق، العيلة باللي بيشيلك وقت الشدة. خرجت من المحنة دي بدرس كبير: الحقيقة وإن كانت مُرة، فهي النور اللي بيوريك الطريق الحقيقي وسط الضلمة. أنا دلوقتي أب.. وأنا الأم.. وأنا الأمان اللي ولادي محتاجينه، والحمد لله، بدأت حياتي من جديد.


تعليقات
إرسال تعليق