ابن الشغاله
ابن الشغاله
المليونير كان على بعد ثواني من إنه يقع في الفخ اللي معمول له لولا إن ابن الخدامة همسله بكلمتين غيّروا كل حاجة.
ما تتحركش وتعالى ورايا.
صوت الولد كان واطي جدًا، بالكاد أعلى من صوت الهوا وهو بيحرك شجر الورد في الجنينة.
لكن الكلمات دي وقفت كريم المنشاوي في نص الممر المؤدي للفيلا بتاعته كأنه اتجمد مكانه.
كان واقف تحت شمس الصبح.
في إيده شنطة جلد فيها أوراق الشغل.
وفي الإيد التانية موبايله اللي مليان إيميلات لسه ما قراهاش.
قدامه بعشرين متر تقريبًا كانت عربية سودا واقفة عند البوابة.
السواق مستنيه كعادته كل يوم الساعة 8 ونص.
كل حاجة كانت طبيعية.
النافورة شغالة.
الجنينة متشقلبة ومترتبة.
والعربية في مكانها المعتاد.
لكن ولد صغير لابس قميص أزرق باهت خرج من بين الشجر ومسك كم قميصه بإيد بترتعش.
كريم بصله باستغراب.
كان عنده حوالي عشر سنين.
رفيع.
شعره أسود.
وحذاؤه مهلوك من كتر الاستعمال.
افتكره بصعوبة.
ده يوسف ابن أمينة، الخدامة اللي شغالة عندهم بقالها سنين.
شافه قبل كده كذا مرة بيلعب في الجنينة أو بيساعد أمه.
لكن عمره ما فكر حتى يسأله عن اسمه.
قاله
إنت قلت إيه؟
الولد بلع ريقه وقال
ما تتحركش أرجوك يا باشا. تعالى ورايا وما تخليش الراجل اللي عند البوابة يشوفك.
كريم بص ناحية العربية.
السواق ما رفعش عينه.
فقال
أنا متأخر على اجتماع مهم.
يوسف قرب أكتر وهمس
لو ركبت العربية دي مش هترجع تاني.
الجملة نزلت عليه كأنها تلج.
كريم
كان راجل أعمال معروف.
بنى شركته من الصفر.
وقابل ناس أخطر من كتير.
وعمره ما كان من النوع اللي يخاف من كلام طفل.
لكن نظرة يوسف ما كانتش نظرة ولد بيهزر.
كانت نظرة حد ما نامش طول الليل.
قاله كريم بهدوء
إنت تعرف إيه؟
شد على هدومه أكتر وقال
سمعتهم امبارح بالليل.
مين؟
بص ناحية الفيلا بسرعة وبعدين رجع بصله.
وقال
هانم ومدام رانيا.
رانيا.
مراته.
في اللحظة دي كريم حس إن قلبه وقف ثانية كاملة.
لكن ملامحه ما اتغيرتش.
الولد كمل
كانوا بيتكلموا في الجنينة. قالوا إن السواق اتغير. وقالوا إن نص الفلوس اتدفعت والباقي هيتدفع بعد ما كل حاجة تخلص.
النافورة فضلت شغالة.
وصوت العصافير كان لسه مسموع.
لكن بالنسبة لكريم
الدنيا كلها بقت صامتة.
بص ناحية السواق مرة تانية.
نفس الطول.
نفس اللبس.
لكن في حاجة غلط.
السواق الحقيقي، عم سعيد، كان دايمًا لابس خاتم فضة في إيده الشمال.
هدية من أبوه الله يرحمه.
أما الراجل اللي واقف دلوقتي
ما كانش لابس أي خاتم.
وقتها بس عرف إن يوسف ما كانش بيتخيل.
قال للولد بهدوء
امشي جنبي وما تبصش ناحيته.
لفوا من جنب الفيلا لحد ما اختفوا ورا صف شجر طويل.
وهناك نزل كريم لمستوى يوسف وقال
اسمك إيه؟
يوسف.
هز كريم راسه وقال
احكيلي كل اللي سمعته من الأول.
يوسف أخد نفس طويل وقال
كنت نازل أشرب مية بالليل. لقيت باب الجنينة مفتوح شوية. سمعت مدام رانيا بتقول كل حاجة جاهزة للصبح. كريم هيركب العربية زي كل يوم.
إيد كريم اتقبضت.
وكمل يوسف
وقالت كمان إنه مش هياخد باله من حاجة لأنه بيبقى مشغول في الموبايل.
وبعدين طلع من جيبه موبايل قديم شاشته مكسورة.
وقال
أنا سجلت الكلام.
كريم أخد الموبايل.
وداس تشغيل.
ثواني
وطلع صوت مراته بوضوح.
لازم كل حاجة تبان طبيعية. يركب العربية بنفسه.
وبعدين صوت راجل غريب
بعد الملف عند الطريق الصحراوي الباقي هيتم.
رجع صوت مراته تاني
التأمين هيصرف بعد الوفاة بسبع شهور. وكل الأملاك والأسهم هتبقى باسمي.
في اللحظة دي
كريم حس إن حياته كلها كانت كذبة كبيرة.
وقف التسجيل.
وبص ناحية البوابة من بين الشجر.
السواق المزيف ما بقاش ماسك الموبايل.
كان واقف بيدور بعينيه على حاجة.
أو على حد.
طلع كريم موبايله بسرعة.
واتصل بمحاميه القديم.
أول ما رد عليه قال
أنا مش رايح الاجتماع النهاردة.
المحامي سكت ثواني.
وقال
فيه حاجة حصلت؟
كريم بص ليوسف
وبعدين بص للفيلا اللي عاش فيها سنين وهو فاكر إنها أأمن مكان في الدنيا.
وقال
وقال بصوت هادي، بس فيه برودة الموت
أيوه يا محمود فيه حاجة حصلت. مراتي رانيا مأجرة قاتل محترف يستناني في عربيتي بره، ومخططة تقتلني النهاردة على الطريق الصحراوي عشان تصرف التأمين وتورثني.
سكت محمود الناحية التانية ثواني، كأن الكلام وقع عليه زي الصاعقة.
وبعدين قال بصوت مخنوق
كريم إنت متأكد من اللي بتقوله ده؟ إنت فين دلوقتي؟
أنا في الجنينة، متخفي ورا الشجر. السواق المزيف واقف بره مستنيني أركب عشان يكمل المهمة.
اسمعني كويس يا محمود، لأن معنديش وقت. عايزك تتصل باللواء مجدي في مديرية الأمن فوراً. خليه يبعت قوة مسلحة بملكي مش ميري، ويحاوطوا الفيلا من كل الاتجاهات من غير ما يلفتوا الانتباه. والراجل اللي واقف بره ده، عايزهم يمسكوه حي.
حاضر يا كريم حاضر. بس إنت لازم تخرج من هناك فوراً!
مش هينفع أخرج. رانيا جوه الفيلا، ولو حست إن الخطة باظت، ممكن تأذي أي حد. نفذ اللي قلتهولك، وخليك معايا على التليفون.
قفل كريم الخط، ونزل لمستوى يوسف اللي كان واقف بيترعش وماسك الموبايل المكسور في إيده.
خطة الإنقاذ
بص كريم في عينين الولد الصغير اللي أنقذ حياته، وقال له بنبرة كلها حنية وامتنان
إنت بطل يا يوسف. اللي إنت عملته ده أنا عمري ما هنساهولك. بس دلوقتي، إنت ومامتك في خطر، ولازم تمشوا من هنا فوراً.
يوسف بلع ريقه بخوف أمي جوه في المطبخ بتجهز الفطار لمدام رانيا.
اسمعني كويس قالها كريم وهو بيحط إيده على كتف الولد. هتدخل من الباب الخلفي بتاع المطبخ، من غير ما حد يشوفك. تاخد مامتك، وتقولها إن كريم بيه بيقولك تخرجوا فوراً من باب الجنينة الخلفي وتستنوني في كشك الحرس اللي في آخر الشارع. مهما حصل، ماتخليش مامتك تطلع الصالة. مفهوم؟
يوسف هز راسه بسرعة مفهوم يا باشا.
يلا، بسرعة!
جرى يوسف زي السهم من بين الشجر، واختفى من الباب الخلفي.
كريم فضل واقف مكانه، بيراقب العربية السودا. السواق المزيف بدأ يتوتر. بص في ساعته، وبعدين طلع موبايله وبدأ يكتب رسالة.
كريم كان عارف إن الرسالة دي رايحة لرانيا.
المواجهة الهادئة
أخد كريم نفس عميق.
كان ممكن يهرب.
كان ممكن يستنى
الشرطة بره.
لكنه قرر يدخل. كان لازم يشوف في عينيها الخيانة، كان لازم يواجهها قبل ما الشرطة تتدخل.
دخل من الباب الرئيسي للفيلا بكل هدوء.
صوت خطواته على الرخام كان بيتردد في المكان.
الصالة كانت هادية، ريحة القهوة ملت المكان، والمزيكا الهادية اللي رانيا بتحب تسمعها الصبح كانت شغالة.
لقاها قاعدة على الكرسي الهزاز بتاعها، لابسة روب حرير، وماسكة فنجان القهوة والموبايل في إيدها التانية. أول ما سمعت خطواته، رفعت عينيها، وملامحها اتغيرت في ثانية. الصدمة كانت واضحة، بس حاولت بسرعة ترسم ابتسامة مزيفة.
كريم؟ إنت لسه هنا؟ قالتها بصوت حاولت تخليه طبيعي، بس الرعشة كانت واضحة فيه. أنا افتكرتك مشيت السواق بره بقاله ربع ساعة.
كريم قعد على الكرسي اللي قدامها، وحط شنطة شغله على الترابيزة ببطء وقال
تصدقي يا رانيا حسيت إني مش عايز أروح الشغل النهاردة. قلت أقعد أفطر معاكي.
وشها جاب ألوان، وعينيها راحت على موبايلها اللي نور برسالة جديدة. أكيد من القاتل اللي بره.
قالت بسرعة وهي بتحاول تقوم
تفطر إيه بس يا حبيبي؟ إنت عندك اجتماع مهم جداً مع الوفد الأجنبي. إنت قايلي امبارح إن الصفقة دي هتغير مسار الشركة! السواق مستنيك، ما يصحش تتأخر.
ابتسم كريم ابتسامة باردة جداً، وبصلها في عينيها وقال
الصفقة؟ تصدقي معاكي حق. بس فجأة حسيت إن الفلوس والشركات دي كلها مالهاش لازمة لو الواحد مش
ضامن عمره. صح ولا إيه؟
رانيا بلعت ريقها بصعوبة، وإيديها اللي ماسكة الفنجان بدأت تترعش لدرجة إن القهوة كادت تدلق.
قصدك إيه يا كريم؟ بعد الشر عنك، إنت بتقول الكلام ده ليه الصبح كده؟
سند كريم ضهره لورا، وكتف إيديه وقال
مجرد إحساس. تخيلي مثلاً إني أركب العربية دلوقتي وتطلع فراملها مقطوعة. أو يطلع السواق مش عم سعيد، ويطلع حد مأجور ياخدني على الطريق الصحراوي يخلص عليا عشان شوية فلوس وتأمين. تخيلي السيناريو ده؟
الفنجان وقع من إيد رانيا واتكسر على الأرض.
القهوة ملت السجادة الغالية اللي كانت لسه شاريها من شهرين.
نفسها بقى سريع، ووقفت مكانها مش قادرة تنطق بحرف.
سقوط الأقنعة
في اللحظة دي، الموبايل بتاعها رن.
كريم مد إيده بسرعة وخطف الموبايل من على الترابيزة قبل ما هي تمسكه.
بص في الشاشة، لقى اسم رقم غير مسجل.
فتح السبيكر، ورد
ألو؟
صوت خشن من الناحية التانية قال بعصبية
يا هانم، الباشا بتاعك ما طلعش لحد دلوقتي، وأنا مش هفضل واقف هنا كتير عشان ما نلفتش الانتباه. لو ما طلعش في خلال دقيقتين، أنا همشي والنص اللي اندفع مش هيرجع.
رانيا صرخت اقفل الخط!
بس كريم فضل باصصلها، وقال في التليفون بهدوء
الباشا بيكلمك بنفسه. ما تتعبش نفسك وتمشي لأنك مش هتلحق.
وفي نفس الثانية، صوت سارينات البوليس شق هدوء المكان.
أربع عربيات شرطة دخلوا من البوابة كأنهم طوفان، وحاوطوا العربية السودا.
السواق حاول يجري، بس القوات نزلت عليه وكتفوه في ثواني.
رانيا رجعت لورا لحد ما خبطت في الحيطة، وبدأت تعيط وتشهق
كريم كريم اسمعني إنت فاهم غلط! ده ده حد عايز يوقع بينا! أنا مستحيل أعمل فيك كده!
كريم طلّع موبايل يوسف المكسور من جيبه.
داس على زرار التشغيل.
وصوت رانيا ملى الصالة
التأمين هيصرف بعد الوفاة بسبع شهور. وكل الأملاك والأسهم هتبقى باسمي.
الصوت كان كفيل إنه يخرسها تماماً.
نزلت على ركبها في الأرض وسط إزاز الفنجان المكسور، وحطت إيديها على وشها وبدأت تصرخ.
ليه يا رانيا؟ قالها كريم بصوت مليان قهر. أنا قصرت معاكي في إيه؟ عيشتك في قصر، خليتك ملكة. طلبتي إيه وما جاش؟ عشان الفلوس؟ ده أنا كنت كاتبلك نص ثروتي باسمك أصلاً في وصيتي!
رفعت وشها اللي باظ من الدموع وقالت بانهيار
نص ثروتك؟ وأنا أستنى ليه لحد ما تعجز وتموت؟ أنا كنت عايزة أعيش حياتي دلوقتي! إنت طول الوقت في الشغل، طول الوقت اجتماعات وسفر، أنا كنت مجرد تحفة في البيت ده!
هز كريم راسه باشمئزاز. المبرر كان أبشع من الجريمة نفسها.
العدالة والنهاية
دخل ظابط المباحث من الباب الرئيسي ومعه قوة من العساكر.
كريم بيه، إحنا قبضنا على العنصر اللي بره، واعترف بكل حاجة أول ما لقى نفسه متكتف. فين المدام؟
أشار كريم لرانيا اللي كانت منهارة على الأرض
هي دي خدوها من وشي.
كلبشوا إيديها، وهي بتجرجر رجليها وبتصرخ وبتترجاه
يسامحها، بس كريم ما بصلهاش ولا نظرة واحدة. فضل واقف باصص للفراغ لحد ما صوت عربيات البوليس اختفى تماماً.
بعدها بساعة.
كان كريم قاعد في مكتبه في الفيلا.
الباب خبط براحة، ودخل يوسف ماسك في إيد أمه أمينة اللي كانت بتبكي ومش فاهمة إيه اللي بيحصل في البيت.
كريم قام من مكانه، وراح ناحيتهم.
بص لأمينة وقال
ابنك ده بطل يا أم أمينة. لولا تربيتك ليه، أنا كان زماني ميت دلوقتي.
أمينة شهقت يا لهوي! ميت؟ اسم الله عليك يا باشا، ده إنت خيرك مغرقنا.
كريم نزل على ركبته قدام يوسف، وطلع الموبايل المكسور من جيبه، وحطه في إيد الولد.
الموبايل ده هيتغير النهاردة بأحدث موبايل نزل في السوق. بس ده مش كل حاجة
كريم بص لأمينة وقال بجدية
إنتو مش هتبقوا خدامين في البيت ده تاني. يوسف من النهاردة مسؤوليتي. تعليمه، لبسه، مستقبله، كله عليا لحد ما يتخرج من أحسن جامعة. وهشتريلكم شقة تمليك باسمكم تعيشوا فيها بكرامتكم، ومرتبك هيفضل يوصلك كل شهر أضعاف مضاعفة وإنتِ معززة مكرمة في بيتك.
يوسف بص لكريم وعينيه بتلمع من الفرحة بجد يا باشا؟
ابتسم كريم لأول مرة من الصبح، وحضن الولد الصغير اللي غير مجرى حياته وقال
بجد يا يوسف إنت أنقذت حياتي، وأنا هغيرلك حياتك.
الدرس اللي اتعلمه كريم المنشاوي في اليوم ده، كان أغلى من كل ثروته. عرف إن الخيانة ممكن تيجي من أقرب الناس اللي بتنام في حضنك، وإن النجاة والأمان ممكن يجوا من
أضعف وأصغر شخص عمرك ما فكرت حتى تسأله عن اسمه.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق