مع سقوط آخر حبة تراب فوق قبر جوزي
مع سقوط آخر حبة تراب فوق قبر جوزي، وبينما كانوا ولادي الاتنين واقفين جنبي بيعيطوا قدام المعزيين، الموبايل في إيدي اتهز بإشعار من رقم مجهول
أنا عايش... أوعي تثقي فيهم.
اتسمرت في مكاني.
قلت دي أكيد هرتلة أو قسوة قلب من حد معندوش رحمة، استغل يوم جنازته عشان يعمل مقلب بايخ.
لكن بعد ثواني وصلت الرسالة التانية ومعاها صورة لمكتب جوزي، ومكتوب فيها
الوصية الحقيقية مخبية هناك.
الموبايل اتهز في إيدي في نفس اللحظة اللي الشيخ كان بيرفع فيها إيده بالدعاء الأخير قبل ما الناس تسيب المقابر وتمشي.
وقفت قدام قبر جوزي محمود، شريك عمري لأكتر من تلاتة وأربعين سنة، والأسود لاففني من راسي لرجلي، ورجليا مش شايلاني من الصدمة والحزن.
ولادي، أحمد ومصطفى، كانوا واقفين على بعد خطوات مني.
هاديين زيادة عن اللزوم.
متماسكين زيادة عن اللزوم.
وباردين لدرجة تخوف، وماتبانش على شابين لسه دافنين أبوهم من دقايق.
الرسالة كانت من رقم مجهول.
أم أحمد... ما تعيطيش على الجثة دي. ده مش أنا.
حسيت إن نفسي اتكتم.
ورفعت عيني ببطء وبصيت ناحية القبر.
في اللحظة دي، حسيت الدنيا بتلف بيا.
اضطريت أسند على دراع ست كانت واقفة جنبي عشان ما أقعش.
وبأصابع بترتعش كتبت
أنت مين؟
ما فاتتش ثواني وجالي الرد.
أنا محمود. أوعي تثقي في ولادنا.
الموبايل كان هيقع من إيدي.
أحمد لفت وشه ليا بسرعة.
وقال
أمي... أنتِ كويسة؟
داريت الموبايل بسرعة ورا عبايتي.
وقلت
آه... شوية دوخة بسيطة.
ابتسم لي.
بس ما كانتش ابتسامة ابن بيطمن على أمه.
كانت ابتسامة واحد بيتأكد إن كل حاجة ماشية بالملي زي ما هو عايز.
قرب مصطفى هو كمان ومسكني من دراعي.
يلا بينا على البيت يا أمي. مش هينفع تقعدي لوحدك.
ما كانش اقتراح.
ده كان أمر، بس متغلف بحنية مزيفة.
طول وقت العزاء في السرادق، الناس كانت ورا بعضها بتعزيني.
البقاء لله يا أم أحمد.
شدي حيلك.. أنتِ ست
قوية.
ولادك رجالة وهيوقفوا في ضهرك.
كنت بهز راسي في صمت.
بس عقلي ما كانش سامع غير جملة واحدة
أوعي تثقي في ولادنا.
على حسب كلامهم ليا، محمود مات بأزمة قلبية مفاجئة وهو في مكتبه.
أنا ما كنتش موجودة وقتها.
أحمد هو اللي كلمني على نص الليل.
وقال وصوته مخنوق بالدموع
أمي... أبويا مات.
ولما وصلت، كانت عربية الإسعاف واقفة تحت البيت.
ومعظم الأوراق كانت خلاص اتمضت.
وكل الإجراءات بدأت في ثواني.
حتى ترتيبات الدفن والمقابر كانت جاهزة وكأنهم مرتبين لها من قبلها.
كل حاجة حصلت بسرعة غريبة.
أسرع من الطبيعي.
ومترتبة أكتر من اللازم.
والدلوقتي...
في حد بيبعت لي رسائل وبيقول إنه محمود.
في الليلة دي، بعد ما العزاء خلص وكل الناس مشيت، رجعت بيتنا الكبير في المعادي.
بس البيت ما بقاش يحسسني بالأمان.
كان هادي هدوء يقلق.
الأنوار خافتة.
وصورة محمود لسه متعلقة في الصالة.
ونضارته على التربيزة.
وكوباية الشاي اللي شرب منها إمبارح الصبح لسه في مكانها.
أحمد ومصطفى قعدوا شوية.
رايحين جايين بين الأوض.
بيفتحوا الأدراج.
تليفوناتهم مش بتفصل.
وبيتوشوشوا كل ما يحسوا إني بعيدة عنهم.
ولما عديت من جنب المطبخ ومخدوش بالهم مني، سمعت مصطفى بيقول
لازم نخلص الموضوع ده قبل ما تبدأ تسأل وتنبش ورا رئيس المباحث.
أحمد رد عليه
أنا هجيب الدكتور بكرة. مع سنها وحالتها النفسية دلوقتي، الموضوع مش هياخد في إيدنا غلوة.
حسيت ببرودة ورعشة في جسمي كله.
ما فهمتش كل التفاصيل.
بس فهمت الكفاية اللي يخليني أموت من الرعب.
رعب ما عشتوش طول حياتي.
ولما مشيوا أخيرًا، قفلت باب الشقة بالترباس وقفلته بالمفتاح.
وطلعت السلم ببطء.
ودخلت مكتب محمود.
المكان كان غرقان في السكون.
ريحة الخشب القديم...
وريحة برفانه اللي لسه ماراحتش من المكان.
وأول ما خطيت عتبة المكتب، الموبايل اتهز في إيدي تاني.
كانت صورة.
صورة لمكتب محمود.
المكتب
الخشبي الأنتيك المصنوع من خشب الجوز، اللي كان دايماً بيشيل فيه العقود المهمة، وعقود البيع، ورسايله القديمة.
في الصورة كان في دايرة حمراء حولين الزاوية اللي تحت من المكتب.
وتحتها رسالة قصيرة
اضغطي على الزاوية الشمال. وإياكي تفتحي أي حاجة قدامهم.
جسمي كله قشعر.
نزلت على ركبي ببطء.
ومديت إيدي اللي بترتعش وبدأت أتحسس الخشب.
مشيت صوابعي على الحافة التحتانية.
وبعدين ضغطت.
وفجأة...
سمعت صوت تكة خفيفة.
المكتب اتفتح منه درج سري عمري ما عرفت بوجوده طول السنين اللي عشتها معاه.
بصيت جواه.
ما لقتش فلوس.
ولا لقت دهب.
أنا لقت ورقة متطبقة.
وفلاشة صغيرة.
وظرف أصفر مكتوب عليه اسمي بخط محمود.
مسكت الورقة الأول.
وأول ما عيني جت على أول سطر، حسيت إن قلبي وقف.
إلى أم أحمد...
عرفت خطه في ثانية.
الخط اللي كتب لي بيه مئات الرسايل طول عمرنا.
الخط اللي أعرفه وسط مليون خط.
وكملت قراية
لو بتقري الكلام ده، يبقى هم بدأوا ينفذوا اللي في دماغهم فعلاً.
الدم اتجمد في عروقي.
وكملت
أحمد ومصطفى مش ولادنا اللي نعرفهم. أنا سمعتهم بنفسي بيتكلموا عن شركات التأمين، والعقارات، والدكاترة. وسمعتهم بيسألوا محامي إزاي يرفعوا عليكي قضية حجر ويثبتوا إنك مش بكامل قواكي العقلية عشان يمسكوا الأملاك لو أنا جرا لي حاجة.
حطيت إيدي على بوقي عشان أكتم صرخة طلعت مني غصب عني.
وكملت قراية
أوعي تمضي على أي ورقة.
أوعي تاكلي أو تشربي أو تاخدي دوا من إيدهم.
وما تصدقيش أي وصية هيوروهالك.
الوصية الحقيقية شيلتها في المكان الوحيد اللي عارف إنك أول ما هتدوري، هتروحي عليه.
وفي نفس اللحظة...
سمعت صوت حركة برة البيت.
اتسمرت في مكاني.
وجريت على الشباك.
وربت الستارة شوية.
عربية سودا وقفت قدام بوابة الفيلا.
نفسي بدأ يعلى وينزل بسرعة.
رجعوا تاني.
أحمد كان نازل من العربية ومعاه أكياس أكل.
ومصطفى كان شايل علبة دواء كبيرة.
بس الراجل الثالث اللي نزل معاهم هو اللي خلا الدم يهرب من وشي.
راجل لابس بالطو أبيض بتاع دكاترة.
قَفَلت إيدي على الرسالة جامد لدرجة كانت هتقطع في إيدي.
وفجأة جرس الباب رن.
مرة.
التانية.
التالتة.
وبعدها أحمد زعق من برة
أمي! احنا جينا... جيبنا لك العشا معا those.
ما ردتش.
ما تحركتش.
كنت كاتمة نفسي.
والموبايل اتهز تاني.
رسالة جديدة
أوعي تفتحي الباب.
فضلت واقفة في مكاني مش قادرة أتحرك.
تحت، الرزع على الباب بدأ يبقى أقوى.
وسمعت صوت مصطفى حاد وبيقول
أمي... ما تصعبيش الأمور علينا! الدكتور عايز يطمن على ضغطك وصحتك بس!
وبعدين جه صوت أحمد.
بس المرة دي نبرته ما كانتش حنينة خالص.
ولا فيها أي عطف.
قال
افتحي الباب يا أم أحمد.
سكت ثواني.
وبعدين قال بصوت ناشف ويخوف
افتحي الباب!
الرعب كل حتة فيا.
جريت على أوضة النوم.
وفتحت الخزنة الصغيرة اللي محمود كان بيقفلها.
ولقيت جواها الطبنجة المرخصة بتاعته اللي ماشوفتهاش من سنين.
ما كنتش بعرف أضرب نار.
بس مجرد ما مسكتها في إيدي، حسيت بقوة وشجاعة ما حستهمش من ساعة ما قالوا لي محمود مات.
وفجأة جت رسالة تانية
اخرجي من باب المطبخ اللي ورا.
السواق القديم لسه راجل وأصيل.
عنيا اتسعت من الصدمة.
السواق القديم؟
عم عماد؟
الراجل اللي اشتغل مع محمود أكتر من عشرين سنة؟
اللي أحمد طرده من شهرين من غير سبب واضح؟
في اللحظة دي سمعت خبطة رزع قوية تحت.
وبعدها صوت زجاج بيتكسر.
قلبي سقط في رجليا.
كسروا شباك من الشبابيك.
وما بقوش مستنيين إني أفتح لهم.
جريت ناحية المطبخ.
وعلى التربيزة كانت كوباية الشاي الأخيرة اللي محمود شربها قبل ما يموت لسه في مكانها.
وجنبها بالظبط حاجة ما لمحتهاش قبل كده.
أمبول قزاز صغير وفاضي، كان مستخبي ورا سكرية الشاي.
مسكته في إيدي.
وقربته من مناخيري.
كانت طالعة منه ريحة ممررة.
ريحة كيماويات غريبة ومخيفة.
ريحة تشبه الموت.
الموبايل اتهز.
رسالة جديدة
شوفتي المادة اللي حطوها له؟
دموعي غمت عنيا.
وكتبت بسرعة
أنت فين؟
المرة دي الرد اتأخر.
بس خطوات ولادي كانت خلاص بتتحرك جوة البيت وقربت من السلم.
سمعت مصطفى بيزعق
أمي! احنا مش
عايزين نخوفك، بس أنتِ مش في وعيك وتعبانة!
جريت على باب الخدمة الوراني وفتحته.
في الممر الضلمة ورا الفيلا كانت واقفة عربية شاهين قديمة ومطفية نورها.
السواق نزل الشباك.
كان عم عماد.
قال بسرعة ولهفة
اركبي يا أم أحمد... الحاج محمود الله يرحمه كان موصيني آجي فوراً لو حصل أي حاجة.
حسيت إن الأرض بتميد تحت رجليا.
وسألته وصوتي بيرتعش
عم عماد... أنت عارف جوزي فين؟
بس عم عماد ما ردش.
بص ورايا ووشه اتخطف.
لفيت راسي.
لقيت أحمد يادوب لسه خارج وجري على الجنينة الورانية.
وأول ما شافني زعق بصوت عالي
أمي... اقفي عندك!
طرت جوة العربية.
وداس بنزين وطلعنا بأقصى سرعة بعيد عن البيت.
وبينما كانت أنوار الشارع بتختفي ورا الشباك شوية بشوية...
الموبايل اتهز للمرة الأخيرة في الليلة دي.
بصيت على الشاشة.
كانت رسالة جديدة.
قصيرة جداً... تلات كلمات بس
ما تسأليش دلوقتي.
فضلت متنحة في الكلمات ومش قادرة أنطق.
وعقلي ما فيهوش غير سؤال واحد بس بياكل في دماغي...
لو كان محمود هو اللي بيبعت الرسايل دي...
أمال مين اللي احنا لسه دفنينه في المقابر الصبح؟!
العربية كانت بتجري في الشوارع الفاضية، وأم أحمد قاعدة في الكنبة الخلفية، ماسكة الموبايل بإيد، ورسالة ما تسأليش دلوقتي بإيد تانية.
قلبها كان بيدق بعنف.
وكل ما تبص من الشباك تشوف نور بيتها بيبعد أكتر.
بيت عاشت فيه أربعين سنة.
وفجأة بقى مكان بتخاف منه.
بعد حوالي عشرين دقيقة، عم عماد دخل شارع ضيق قديم ووقف قدام بيت صغير.
نزل بسرعة وقال
انزلي يا أم أحمد... هنا محدش هيفكر يدور عليكي.
دخلت البيت وهي تايهة.
المكان بسيط جدًا.
لكن أول ما دخلت الصالة، اتجمدت.
على الحائط كانت صورة كبيرة لمحمود.
حديثة.
متصورة من شهور قليلة بس.
وكأن صاحب البيت كان بيتابعه لحد آخر يوم.
لفت ناحية عم عماد.
البيت ده مين صاحبه؟
عم عماد بلع ريقه.
وبعدين قال
الحاج محمود.
اتسعت عيونها.
إيه؟
اشتراه من تلات سنين.
وليه؟
معرفش.
بس
كان بيجي هنا كل أسبوع تقريبًا.
في اللحظة دي...
الموبايل رن.
رقم مجهول.
أم أحمد ردت فورًا.
لكن المرة دي محدش اتكلم.
كل اللي سمعته كان صوت أنفاس.
وبعدين...
صوت محمود.
واضح.
وحقيقي.
لدرجة إنها شهقت.
أم أحمد...
الدم جمد في عروقها.
محمود؟!
الصوت رد
اسمعيني كويس.
إنت فين؟
مفيش وقت.
إنت عايش؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
اللي اتدفن مش أنا.
أم أحمد حسيت إن الدنيا اسودت قدامها.
لكن قبل ما تسأل...
المكالمة اتقفلت.
فضلت تبص للموبايل كأنها فقدت القدرة على التفكير.
أما عم عماد...
فكان وشه شاحب.
واضح إنه سمع جزء من الكلام.
وقال
أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
لفت له بسرعة.
إنت تعرف إيه؟
تنهد.
وقعد على الكرسي.
وقال
قبل شهر من اختفاء الحاج محمود، طلب مني أجهز المكان ده.
اختفاء؟!
أيوه.
يعني إيه اختفاء؟
عم عماد سكت ثواني.
ثم قال
آخر مرة شفته فيها كان مرعوب.
أكتر ما شفته مرعوب طول عمري.
قال لي
لو جرالي حاجة... أو لو اختفيت فجأة... خلي بالك من أم أحمد.
أم أحمد قعدت ببطء.
وحست إن رجليها مش شايلينها.
اختفى إزاي؟
معرفش.
في اليوم اللي قالوا فيه إنه مات...
أنا أصلًا كنت مستني مكالمة منه.
لكن ماجتش.
البيت غرق في الصمت.
ثم فجأة...
سمعوا صوت حاجة وقعت فوق السطح.
عم عماد انتفض واقف.
مين هناك؟
صوت الخطوات رجع تاني.
أسرع.
أقرب.
كأن حد بيتحرك فوقهم.
أم أحمد قبضت على ذراع الكرسي.
وفي اللحظة دي...
وصلت رسالة جديدة.
لكن المرة دي مش من الرقم المعتاد.
رقم مختلف تمامًا.
فتحتها.
وكان فيها صورة.
صورة التقطت منذ دقائق.
لها هي وعم عماد وهما داخلين البيت.
اتجمد الدم في عروقها.
وتحت الصورة مكتوب
لقيناكم.
عم عماد خطف الموبايل من إيدها.
وشه اصفر.
وقال
لازم نمشي حالًا.
لكن قبل ما يكمل...
اتكسر زجاج الشباك بعنف.
ودخل حجر ملفوف بورقة.
وقع في نص الصالة.
الثنين وقفوا مكانهم.
أم أحمد قربت ببطء.
فتحت الورقة.
وكان مكتوب بخط كبير
الملف الأزرق معاكم؟
لأننا هنرجع
ناخده.
وفي آخر السطر...
كانت جملة خلت قلب أم أحمد يقف للحظة
واسألي محمود بنفسك لما تشوفيه.
رفعت رأسها ببطء.
وبصت لعم عماد.
ولأول مرة من بداية الكابوس كله...
بدأت تصدق إن محمود فعلًا قد يكون حيًا.
لكن السؤال المرعب كان
إذا كان محمود حيًا...
فلماذا اختفى؟
ومن الشخص الذي دُفن بدلًا منه؟!أم أحمد فضلت ماسكة الورقة بإيد مرتعشة.
كل الأسئلة كانت بتدور في دماغها في نفس الوقت.
محمود حي؟
طيب فين؟
وليه مستخبي؟
ومين الشخص اللي اتدفن مكانه؟
وقبل ما تقدر تستوعب أي حاجة، عم عماد شدها من إيدها وقال
لازم نتحرك حالًا.
ونروح فين؟
للمكان اللي الحاج محمود قال عليه.
فيه مكان تاني؟
عم عماد هز رأسه.
وبعدين طلع مفتاح صغير من جيبه.
كان مديهولي من سنة تقريبًا.
وقال ما افتحوش إلا لو حصلت مصيبة كبيرة.
أم أحمد بصت للمفتاح.
وقلبها دق أسرع.
واضح إن محمود كان مجهز لكل حاجة من زمان.
خرجوا من البيت الخلفي بسرعة.
وركبوا العربية.
لكن قبل ما يتحركوا...
لمحت أم أحمد عربية سودا واقفة آخر الشارع.
مطفية نورها.
لكنها كانت واضحة.
والأخطر...
إنها بدأت تتحرك أول ما تحركوا.
عم عماد شافها في المراية.
ووشه اتغير.
مسكونا.
مين؟
معرفش... بس بقالهم يومين بيراقبوا المنطقة.
ضغط على البنزين.
والعربية انطلقت في الشوارع الجانبية.
العربية السودا وراهم.
لف يمين.
لفت وراه.
لف شمال.
لفت وراه برضه.
ما بقاش فيه شك.
حد بيتعقبهم.
أم أحمد كانت ماسكة الموبايل بقوة.
وفجأة وصلتها رسالة جديدة.
متخافيش.
خلي عم عماد يروح للمخزن 12.
شهقت.
الرسالة جات.
عم عماد خطف نظرة للموبايل.
وفجأة ابتسم لأول مرة.
يبقى الحاج محمود لسه متابع.
بعد حوالي نص ساعة...
وصلوا لمنطقة مخازن قديمة على أطراف المدينة.
المكان مهجور.
ومظلم.
والهواء فيه ريحة تراب وحديد قديم.
وقفوا قدام باب كبير عليه رقم 12.
عم عماد طلع المفتاح.
وأدخله في القفل.
القفل اتفتح.
بصعوبة.
صوت صرير الباب دوى في المكان كله.
دخلوا.
والغريب إن المخزن كان فاضي تقريبًا.
إلا من مكتب واحد قديم في المنتصف.
وفوق المكتب...
كان فيه جهاز لابتوب.
شغال.
رغم إن المكان مهجور.
أم أحمد قربت ببطء.
الشاشة كانت مفتوحة على فيديو متوقف.
وفوقه رسالة
أم أحمد... لو وصلتي هنا، يبقى لسه عندنا أمل.
دموعها نزلت فورًا.
ده أسلوب محمود.
طريقته في الكلام.
ضغطت تشغيل.
وظهر محمود على الشاشة.
لكن المرة دي شكله مختلف.
مرهق.
وعينيه مليانة خوف.
قال
لو بتشوفي الفيديو ده... يبقى أنا اختفيت بالفعل.
أم أحمد حطت إيدها على قلبها.
ومحمود كمل
أنا ما هربتش.
أنا كنت بحاول أحميكم.
فجأة...
انفتح باب المخزن بعنف من الخلف.
الجميع لف بسرعة.
ودخل شخص واحد.
واقف في الضلمة.
ملامحه مش واضحة.
لكن صوته كان واضح جدًا.
صوت مألوف.
صوت تعرفه أم أحمد كويس.
كويس جدًا.
لدرجة إنها شهقت.
الشخص قال بهدوء
للأسف يا أمي... وصلتي أبعد مما كان لازم توصلي.
النور وقع على وشه.
وأم أحمد حست إن قلبها وقف.
لأن الشخص اللي واقف قدامها...
ماكانش غريب.
وماكانش عدو.
كان ابنها...
أحمد.
لكن الصدمة الأكبر...
إنه ماكانش لوحده.
خلفه مباشرة...
كان واقف رجل كبير في السن.
رجل لم تره أم أحمد منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة.
رجل كانت العائلة كلها تظنه ميتًا.
وأول ما وقعت عينها عليه...
همست بصوت مخنوق
مستحيل...
أنت؟!أم أحمد رجعت خطوة لورا.
إيديها كانت بتترعش.
وعينيها مثبتة على الراجل الكبير الواقف ورا أحمد.
ملامحه اتغيرت بفعل السنين...
لكنها عرفته.
عرفته من أول نظرة.
همست
عادل؟!
الراجل رفع عينه ناحيتها ببطء.
وكانت نظراته مليانة حزن أكتر من أي حاجة تانية.
عادل...
أخو محمود الأكبر.
الراجل اللي اختفى من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
والكل اقتنع وقتها إنه مات في حادث سفر.
أحمد بص لأمه وقال
أرجوكي اسمعينا للآخر.
لكن أم أحمد كانت في حالة صدمة.
إزاي؟!
إنت مشيت من عمر!
وإحنا عملنالك عزاء!
عادل تنهد.
وقال
لأن ده كان المطلوب وقتها.
الغرفة كلها سكتت.
حتى عم عماد كان مصدوم.
أحمد قرب خطوة.
يا أمي... الموضوع أكبر بكتير مما تتخيلي.
لكن أم أحمد كانت تبص حواليها بجنون.
فين أبوك؟
قولولي فين محمود!
في اللحظة دي...
شاشة اللابتوب اللي كانت شغالة اتغيرت لوحدها.
والفيديو رجع يشتغل.
وظهر محمود.
قال
لو وصلتي للمرحلة دي يا أم أحمد... يبقى
قابلتي عادل.
أم أحمد شهقت.
أما عادل فخفض رأسه.
ومحمود كمل
أعرف إنك دلوقتي مش فاهمة حاجة.
بس لازم تعرفي إن عادل ما خاناش.
ولا هرب.
ولا مات.
هو ضحى بحياته القديمة كلها عشان يحمي ناس كتير.
أم أحمد كانت بتسمع وقلبها بيخبط بقوة.
والأهم...
أحمد ومصطفى مش أعدائي.
الجملة نزلت كالصاعقة.
أم أحمد بصت ناحية أحمد.
وأحمد نزل عينه للأرض.
أما محمود فأكمل
أنا اللي طلبت منهم يمثلوا عليكي.
الصمت ضرب المكان.
أم أحمد حسّت إن الأرض بتسحبها.
إيه؟!
الفيديو كمل
عارف إنك هتزعلي مني.
لكن لو كنت عرفتك الحقيقة من الأول... كنتِ هتبقي في خطر.
دموع أم أحمد بدأت تنزل.
ومحمود قال
في ناس كانت بتراقب البيت والشركة وكل تحركاتنا.
وكان لازم الكل يصدق إني مت.
حتى أقرب الناس ليا.
عم عماد همس
يعني...
يعني الحاج محمود عايش فعلًا؟
لكن الفيديو توقف قبل الإجابة مباشرة.
واتحولت الشاشة لسواد.
الجميع اتجمد.
أم أحمد كانت على وشك الانهيار.
صرخت
كمل!
كمل يا محمود!
لكن الشاشة فضلت سوداء.
وفجأة...
رن تليفون أحمد.
بص للشاشة.
ولونه اتغير.
أم أحمد لاحظت ده فورًا.
مين؟
أحمد ردش.
بس إيده كانت بتترعش.
مصطفى اللي كان داخل المخزن للتو بعده بدقائق خطف التليفون من إيده.
وأول ما قرأ الاسم...
اتجمد هو كمان.
أم أحمد صاحت
حد يفهمني!
عادل مد إيده ببطء.
وأخذ الهاتف.
ثم نظر لأم أحمد.
وقال بهدوء غريب
المكالمة دي...
إحنا مستنينها من سنين.
مين اللي بيتصل؟
عادل ابتسم لأول مرة.
وقال
محمود.
سقط الصمت على المخزن كله.
وأم أحمد شعرت أن قلبها سيتوقف فعلًا هذه المرة.
لأن بعد أيام من الجنازة...
وبعد القبر...
والعزاء...
والرسائل...
والأسرار...
كان محمود نفسه على الطرف الآخر من الخط.
لكن
السؤال الذي أخاف الجميع أكثر من أي شيء آخر لم يكن
هل محمود حي؟
بل كان
لماذا قرر الظهور الآن بالذات؟.الصمت في المخزن كان تقيل لدرجة إن أي نفس كان بيتسمع كأنه صرخة.
التليفون في إيد عادل كان بيرن وبيرن.
وأم أحمد واقفة مش قادرة تقرر تصدق ولا تنهار.
أحمد بص لها وقال بهدوء متوتر
أمي لو سمحتي اهدي.
لكنها صرخت فجأة
أهدي إزاي؟! أبوك كان في القبر من كام يوم!
عادل رفع إيده.
دي مش مكالمة عادية دي خط الأمان.
يعني إيه؟
يعني محمود مش بيتصل عشان يتكلم بيتصل عشان يفتح باب.
مصطفى قرب بسرعة
باب إيه؟
قبل ما يرد، المكالمة اترد عليها تلقائيًا.
وصوت محمود رجع تاني
لكن المرة دي كان أهدى.
وأعمق.
وكأنه جاي من مكان بعيد جدًا.
وصلتوا للمخزن.
أم أحمد غمضت عينها
يا رب يكون كابوس
لكن الصوت كمل
لو بتسمعوني دلوقتي يبقى الخطة بدأت تكتمل.
أحمد بلع ريقه
يا بابا إحنا هنا.
لحظة صمت.
وبعدين محمود قال
أحمد مصطفى أنا عارف إنكم مضطرين تكملوا التمثيل لحد دلوقتي.
أم أحمد بصت لهم بسرعة.
تمثيل؟!
مصطفى نزل عينه للأرض.
وده كان اعتراف من غير كلام.
سقطت الصدمة عليها زي حجر تقيل.
محمود كمل
أم أحمد سامحيني.
أنا ما متش فعلاً.
أنا اختفيت بإرادتي.
صرخة خرجت منها غصب عنها
ليه؟!
الصوت على التليفون ارتج لحظة.
وبعدين قال
لأن اللي بيطاردنا مش شخص واحد.
دي شبكة كاملة جوه البلد وجوه الشركة.
عادل شد نفس عميق
بدأنا نوصل للجزء اللي كان مخبي عنه الحقيقة سنين.
محمود كمل
الراجل اللي اتدفن بدل مني كان شاهد.
أم أحمد جمدت
شاهد على إيه؟
الصوت هدي جدًا
على جريمة قديمة لو اتكشفت، هتوقع ناس كتير جدًا حتى أقرب الأقربين.
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت أم أحمد تحس إن الأرض بتفتح
تحتها
ومن ضمنهم واحد من ولادي.
الهواء اتسحب من المكان.
أحمد بص بسرعة
بابا لا
لكن المكالمة بدأت تضعف.
كأن حد بيقطعها.
محمود بسرعة قال
اسمعوني كويس.
الليلة دي أخطر ليلة.
اللي معاكم في المخزن مش كل الحقيقة ده بداية بس.
فجأة صوت تشويش عالي.
والخط بدأ يقطع.
أم أحمد صرخت
محمود!
لكن الصوت قال آخر جملة بسرعة
الملف الأزرق الحقيقي في المكان اللي ماحدش هيخطر على باله.
وبعدها
الخط فصل.
سكون.
كأن الدنيا انطفت.
عم عماد بص حواليه بخوف
إحنا كده اتكشفنا.
لكن عادل قال بهدوء مخيف
لا
إحنا كده ابتدينا.
فجأة باب المخزن اتقفل لوحده من الخارج بقوة.
تِك!
وبعدها صوت خطوات كتير جدًا بدأت تقرب.
أحمد بص لأمه
أمي لازم نمشي دلوقتي.
لكنها ما اتحركتش.
كانت ماسكة التليفون وبتهمس
هو قال واحد من ولادي
مصطفى قال بسرعة
مفيش وقت!
لكن عادل كان أبصت عينه على الباب وقال
اتأخرنا.
وفجأة
نور المخزن كله انطفى.
في الظلام
صوت واحد بس اتسمع من برا الباب
الملف الأزرق مش هيخرج من هنا.
وبعدها
خبطات قوية بدأت تضرب الباب.
واحدة ورا التانية.
أم أحمد أخدت خطوة لورا.
وأول مرة من بداية القصة كلها
حست إن الحقيقة اللي كانت بتدور عليها مش بس مرعبة
دي أخطر مما كانت تتخيل بكتير الخبطات على باب المخزن كانت بتزيد لحد ما الحديد نفسه بدأ يصرخ.
أم أحمد واقفة في النص، مش قادرة تفرق بين الحقيقة والكابوس.
أحمد بص لها بصوت مكسور
مفيش وقت للصدمة يا أمي لازم نخرج.
مصطفى كان بيبص لعادل
في مخرج تاني؟
عادل هز راسه ببطء.
فيه بس مش للجميع.
سكت لحظة.
وبعدين كمل
في نفق قديم تحت المخزن بيوصل لحد البيت القديم بتاع محمود.
أم أحمد رفعت رأسها بسرعة
البيت القديم؟
عادل قال
المكان اللي اتبنى
عليه كل حاجة واللي بدأ منه كل السر.
في نفس اللحظة
الباب الحديدي اتكسر جزء منه.
إيد مسلحة دخلت من الفتحة.
صرخة من بره
افتحوا!
أحمد مسك إيد أمه
نمشي دلوقتي!
بدأوا يتحركوا بسرعة ناحية أرضية المخزن.
عم عماد كان بيزق صندوق كبير ناحية جنب الحيطة.
وفجأة ظهر غطاء حديدي تحت الأرض.
مصطفى فتحه بسرعة.
نفق مظلم.
رائحة تراب قديم.
وصمت مخيف.
عادل قال بسرعة
انزلوا واحد واحد.
لكن قبل ما حد ينزل
صوت محمود رجع تاني.
لكن مش من التليفون.
من سماعة صغيرة كانت في المخزن.
صوته كان واضح جدًا
لو بتسمعوني دلوقتي يبقى اتأخرتم شوية.
أم أحمد جمدت
محمود؟!
الصوت كمل
أم أحمد أنا مش عايزك تخافي.
أنا كنت عارف إنهم هيوصلوا هنا في النهاية.
أحمد بص للسقف
بابا فين أنت؟!
الصوت هدي لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل اللي حصل قبل كده
أنا فوقكم دلوقتي.
في نفس اللحظة
صوت إطلاق نار اتسمع بره المخزن.
والباب الحديدي اتفتح بالكامل.
ضوء قوي دخل المكان.
وظهروا رجال كتير مسلحين.
لكن اللي في النص
ماكانش عدو.
ولا صديق.
كان شخص واحد واقف بهدوء.
لابس بدلة غامقة.
وشه مألوف جدًا.
أم أحمد همست
ده
الشخص ابتسم وقال
مساء الخير يا أم أحمد.
وحشتك الحقيقة؟
أحمد اتجمد
مستحيل
لأن اللي واقف قدامهم
كان الشخص اللي الكل قال إنه مات من الأول.
لكن اللي كان مفاجأة أكتر
إن محمود خرج من الظل بنفسه.
حي.
بس مش نفس الرجل اللي كانت تعرفه.
عيونه كانت فيها حاجة تانية.
حاجة أبرد.
وأخطر.
قال بهدوء
أنا ما متش أنا كنت ببني النهاية.
أم أحمد صرخت
ليه؟!
محمود بص لها مباشرة
عشان أقرب واحد ليكي
هو اللي كان بيبيع كل حاجة من ورا ضهرك.
لف ببطء ناحية أحمد ومصطفى.
الصمت كان بيقتل المكان.
وقال جملة واحدة
واحد فيهم هو اللي سلّم المفتاح للعدو.
في اللحظة دي
الهواء اتجمد.
أحمد بص لأخوه.
مصطفى بص لأحمد.
وأم أحمد وقفت في النص
وهي لأول مرة في حياتها
مش عارفة تصدق مين فيهم ابنها الحقيقي ومين فيهم الخطر الحقيقي.
والظلام ابتدى يقفل على كل حاجة
قبل ما الحقيقة الأخيرة تبدأ.


تعليقات
إرسال تعليق