القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 اوضة حمايا كاملة 





اوضة حمايا كاملة 


وأنا بنضف أوضة حمايا أخدت صدمة عمري لما لقيته عامل فتحة صغيرة في الحيط بتطل على أوضة نومنا أنا وابنه.. ولما قولت لجوزي رد فعله كان أغرب من إن عقل يتخيله !!!!!

​بصوا.. أنا عمري ما تخيلت في يوم إني هكون البطلة لقصة من القصص اللي بنسمعها ونقول عليها "دي أكيد تأليف أفلام". أنا اسمي مروة، بقالي تلات سنين متجوزة من كريم. جوازنا ده كان عامل زي الحلم، كريم راجل حنين، محترم، بيحبني وبيتقي ربنا فيا بكل خطوة. أول سنتين من جوازنا كانوا عبارة عن هدوء وراحة بال مفيش بعد كده، كنا عايشين في شقتنا الصغيرة دي وكأننا في كوكب لوحدنا، لحد ما جه اليوم اللي شقلب حياتنا كلها، اليوم اللي ماتت فيه حماتي.

​موت حماتي كان صدمة كاسرة لعمي، حمايا "الحاج توفيق". الراجل ده كان بيحب مراته حب مش طبيعي، كانوا عايشين مع بعض عمر بحاله. لما ماتت، حمايا انطفى تماماً، صحته تدهورت في أيام، وبقى زي خيال المآتة، لا بياكل ولا بيشرب ولا بينطق. كريم ابنه الوحيد، وطبيعي قلبه اتقطع على أبوه، وفي يوم جاني ودموعه في عينه وقال لي: "يا مروة، أنا مش قادر أشوف أبويا بيموت قدامي بالبطء ده في شقته لوحده، أنا لازم أجيبه يعيش معانا هنا، ماليش بركة إلا هو". أنا طبعاً وافقت من كل قلبي، ده في مقام أبويا، وقولت أهو نكسب فيه ثواب ونراعيه في كبره وسنه.

​​حمايا جه عاش معانا، بس من أول يوم دخل فيه الشقة، طبعته كانت غريبة جداً وتخوف. الراجل مكنش بيتكلم نهائي، حرفياً مبينطقش ولا كلمة. لما كنت أدخل أحط له الأكل، ميرفعش عينه فيا، يفضل باصص في الأرض أو في الفراغ. السكوت بتاعه مكنش سكوت عادي، كان سكوت مرعب، سكوت مليان غموض.

​والأغرب من كده، إنه كان دايماً قافل باب أوضته عليه بالترباس من جوه. مكنش بيخرج إلا للحمام وبسرعة ويرجع يقفل تاني. حتى الأكل، كان ساعات كريم ياخده ويدخل يقعد معاه، وحمايا برضه ميتكلمش، مجرد يبتسم ابتسامة باهتة وخلاص. الغريب كمان إنه مكنش بيسمحلي أبداً أدخل أنضف الأوضة، كان كل يوم الصبح يصحى يرتب سريره ويمسح مكتبه بنفسه، ويقفل الباب وراه لو خرج للصالة ثواني. الموضوع بدأ يخليني أحس بقبضة في قلبي، بس كنت دايماً أقول لنفسي: "معلش يا مروة، الراجل حزين على مراته، والصدمة مأثرة على عقله ونفسيته، بكره يتعود علينا ويرجع لطبيعته".

​​مرت شهور على الوضع ده، لحد ما جه اليوم المشئوم. حمايا صحي الصبح وكان مضطر يخرج عشان يجدد بطاقته الشخصية اللي انتهت، ودي كانت أول مرة يخرج فيها من البيت من يوم ما جه يعيش معانا. كريم كان في شغله، وحمايا نزل، . قولت في نفسي: "الراجل كبر في السن ومستحيل هينضف الأوضة زي الستات، أكيد التراب مالي المكان تحت السرير وورا الدواليب، خليني أدخل أعمله مفاجأة وتنضيفة حلوة من بتاعة زمان، يرجع يلاقي أوضته بتبرق وريحتها حلوة ونفسيته ترتاح".

​فتحت الباب ودخلت. الأوضة كانت مترتبة . بدأت بالكنس والمسح، ولمعت الخشب، وكنت مبسوطة إني بعمل حاجة تسعده. لحد ما وصلت للحيطة المشتركة بين أوضته وبين أوضة نومي أنا وكريم. حمايا كان معلق برواز قديم وكبير لصورة حماتي في نص الحيطة دي بالظبط. وأنا بمسح التراب من حوالين البرواز، أيدي لمسته، فمال شوية.

​جيت أعدله، لقيت وراه فراغ.. حاجة مش مظبوطة. فضولي خدني، شيلت البرواز بالراحة وحطيته على السرير، وبصيت على الحيطة.

​​لحظتها، جسمي كله اتنفض، وحسيت بركب سايبة ومشلتنيش. في نص الحيطة، ورا البرواز بالظبط، كان فيه فتحة صغيرة جداً، معمولة بدقة مخترقة الحيطة بالكامل.. ولما قربت عيني منها وبصيت وبأنفاس مكتومة، شوفت سرير أوضة نومي أنا وجوزي!

​الفتحة كانت بتكشف أوضتنا بالملّي، بتطل على السرير وعلى الدولاب وعلى كل حتة بنتحرك فيها. أنا ومكاني، جالي ذهول شل تفكيري. دموعي نزلت من الصدمة والرعب. حمايا؟ معقوله كان بيراقبنا؟ يتجسس علينا في أدق تفاصيل حياتنا وأسرار بيتنا؟!

​الأفكار بدأت تضرب في دماغي زي المطارق. بقيت مش قادرة أصدق إن ده يحصل من راجل في سنه، ومن مين؟ حمايا اللي في مقام أبويا! رجعت البرواز مكانه بسرعة وجريت على أوضتي، قفلت الباب وقعدت على السرير بصدمه. كنت في حيرة تاكل الأخضر واليابس. أقول لكريم؟ طب هقوله إيه؟ أقوله أبوك بيتجسس علينا؟ كريم بيحب ابوه جدا وممكن يتهمني أو يقول عليا مجنونة وبتبلي على الراجل الغلبان. بس في نفس الوقت، مستحيل هقدر أعيش في البيت ده ثانية واحدة والحيطة دي مكشوفة كدة.

​فضلت مستنية كريم على نار، وكل دقيقة بتعدي عليا كانت كأنها سنة. أخيراً سمعت صوت مفتاحه في الباب. أول ما دخل وشاف منظري والدموع في عيني، جري عليا وهو مخضوض: "في إيه يا مروة؟ مالك؟ إيه اللي حصل؟".

​أنا مكنتش قادرة أتكلم، كنت بترعش بجد. أخدت نفس طويل، وجمعت كل شجاعتي، وبصوت مخنوق حكيت له كل حاجة.. قولتله على الأوضة، والبرواز، والفتحة اللي بتبص على سريرنا.

​أول ما قولتله سكت بشكل رهيب ووشه كان خالي من أي تعبير وبعدها وقف وطلع من الأوضه وقفل عليا الباب من بره من غير ما ينطق حرف واحد واللي عمله بعدها عمري ما اتوقعته ولا يجي في بال أي بشر !!!!!


صلي على حبيب الله



قعدت على السرير وجسمي كله بيتنفض، قفل عليا الباب من بره! السمع عندي بقى حاد لدرجة إني كنت سامعة دقات قلبي وهي بتضرب في صدري زي الطبل. طب هو قفل عليا ليه؟ هل مصدقنيش وطالع يتأكد وهيجي يطلقني أو يضربني؟ ولا هل الصدمة شلت تفكيره؟ سمعت خطوات كريم وهي بتتحرك في الصالة، بخطوات تقيلة وموزونة، مفيش فيها أي اندفاع أو عصبية، وده اللي رعبني أكتر. الخطوات اتجهت لأوضة حمايا، سمعت صوت الباب وهو بيفتح، وبعدها ساد هدوء

تام.. هدوء قاتل استمر لحوالي عشر دقايق، كنت بموت فيهم في المرة مية مرة، والأفكار السودا بتروح وتيجي في دماغي، لحد ما سمعت صوت الباب الخارجي للشقة بيفتح، وصوت حمايا وهو داخل من بره، بيكح كحته العجوزة التعبانة.
• لحظتها روحي سابتني، قولت خلاص، كريم هيواجه أبوه، وهتحصل مجزرة في الصالة، أو فضيحة تنهي البيت ده باللي فيه. كتمت نفسي وفضلت حاطة ودني على باب الأوضة المقفول، مستنية اسمع صوت زعير كريم، أو عتاب،
أو حتى صوت عياط.. بس الغريب، والمخيف، إن مفيش أي صوت طلع! الصمت كان سيد الموقف، صمت مريب يخلي العقل يشت. مرت ساعة كاملة وأنا محبوسة، لحد ما سمعت تكة المفتاح في باب أوضتي. الباب اتفتح، ودخل كريم ووشه كان أصفر زي الليمونة، وعينيه دبلانة وفيها نظرة حزن وكسرة عمري ما شوفتها فيه من يوم ما عرفته. قفل الباب وراه بالراحة، وجه قعد جنبي على السرير، مسك إيد الساقعة زي التلج، وبص في الأرض وقال بصوت واطي ومبحوح:مروة.
. أنا عايزك تروحي تقعدي عند والدتك كام يوم."تهدي اعصابك وتنسي اللي شوفتيه خالص 
أنا اتجننت، الصدمة لجمت لساني لثواني، وبعدين صرخت فيه بصوت مكتوم:
• "أروح عند أمي؟ أنت بتقول إيه يا كريم؟ أنا اللي أمشي؟ بدل ما تواجه أبوك باللي عمله؟ بدل ما تقولي إيه القرف والمهزلة اللي بتحصل في بيتنا دي؟ أنت بتقفل عليا الباب وتطلع تلم الموضوع معاه وعايز تمشيني أنا؟ أنت مصدق اللي هو عامله؟ أنت شوفت الفتحة بنفسك؟"

كريم رفع عينه في عيني، ودمعة سخنة نزلت على خده، وهز رأسه وقال:
• "شوفتها يا مروة.. شوفتها."
• "وطالما شوفتها ساكت ليه؟ متكلمتش ليه؟" صرخت فيه وأنا بنهار.
كريم خد نفس طويل،مروة.. أنا عايزك تهدي وتسمعيني كويس. أنا أول ما أنتِ حكيتي لي عن الفتحة، فهمت كل حاجة في ثانية واحدة، عقلي رجع بيا لورا يجي عشرين سنة."
بصيت له باستغراب ودموعي على خدي، فكمل وهو بيبكي: "أنا وأنا صغير جالي مرض نادر في القلب، نوع من أنواع السكتات المفاجئة اللي بتيجي للشخص وهو نايم من غير أي مقدمات. في السن ده، دخلت في غيبوبة كاملة وأنا نايم في أوضتي، ومحدش حس بيا، ولولا إن أبويا دخل بالصدفة يغطيني ولقى وشي أزرق ونبضي واقف، وعملي إنعاش، كنت موت. من يومها وأبويا جاله هوس وخوف مرعب عليا، كان بيقعد في ضلمة أوضته في بيتنا القديم، وعمل فتحة ورا الدولاب

بتطل على سريري عشان يفضل عينه عليا طول الليل يطمن إني بتنفس من غير ما يحسسني إنه كاتم على نفسي. المرض ده اختفى لما كبرت، بس لما أمي ماتت فجأة وهي نايمة جمبه من كام شهر، الصدمة رجعت له كل الهوس القديم بتاع زمان، بس المرة دي أشرس بمليون مرة. هو وافق ييجي يعيش معانا مش عشان تعبان، هو وافق عشان خايف الموت يخطفني أنا كمان وأنا نايم بعيد عنه!"
كريم خد نفس طويل وكمل: "أنا أول ما طلعت من عندك، روحت أوضته وشيلت البرواز وشوفت الفتحة بنفسي، ولقيت الكشكول اللي كاتب فيه مواعيد تقلباتي وأنا نايم بالدقيقة والثانية. ولما أبويا رجع من بره، أنا واجهته.. دخلت معاه الأوضة وقعدت قدامه وقولتله: يا بابا، أنا مقدر خوفك عليا ومقدر إنك بتعمل كده علشان بتحميني، بس أنا دلوقتي راجل متجوز ومش هينفع تراقبني بالطريقة دي ولا ينفع تعمل فتحة تبص
علينا في أوضتنا حتى لو كنت خايف عليا، دي ليها حرمة وحياتي مبقتش لوحدي." كريم مسح دموعه وبص لي وقال: "أبويا انهار من الخجل والعياط، وحس إنه اتمسك في وضع مهين وضايقنا، وقالي إنه مكنش بيقصد أي سوء بس خوفه عما عينه. عشان كده يا مروة، أبويا هيمشي الصبح، هيرجع شقته، هو كان قاعد هنا بس علشان يراقبني لتحصلي حاجة، وطالما أمره اتكشف هو مش هيتحمل يقعد دقيقة واحدة والكسرة في عينيه."
كلام كريم وجع قلبي، الراجل الغلبان المكسور ده كان بيعصر شبابه وصحته في ضلمة الأوضة عشان يطمن إن ابنه لسه عايش، والشيطان كان بيخليني أظن فيه أبشع ظن! منمتش طول الليل وأنا بفكر، لحد ما الصبح جه. سمعت صوت حركة في الصالة، قومت بسرعة وخرجت، لقيت حمايا واقف ولمم هدومه في الشنطة، ووشه في الأرض وعينيه حمرا، وكريم واقف قدامه بقلب مكسور مش عارف يعمل إيه.

قربت منهم وبسرعة أخدت الشنطة من إيد حمايا وحطيتها في الأرض، وبصيت له بكل حنان واحترام وقولتله: "أنت رايح فين يا بابا؟ أنت مش هتمشي من هنا، أنت هتفضل قاعد معانا وفي وسطنا علطول." حمايا رفع عينه في عيني بذهول وخوف، فكملت وقولتله: "يا بابا أنت مش مضطر تعمل فتحات في الحيطة ولا تسهر تعذب نفسك طول الليل في الضلمة.. أنا موجودة يا حبيبي، أنا علطول جنب كريم وفي حضنه، وهخلي بالي عليه وهاخد بالي من نفسه وقلبه ومش هسيبه ثانية واحدة. نام أنت وارتاح واطمن، ابنك في أمان، وإحنا ملناش بركة إلا أنت."
لحظتها حمايا ساب الشنطة وقعد على الكرسي وبدأ يبكي بحرقة، بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان مش دموع خزي. كريم بص لي بنظرة امتنان وعينيه مليانة دموع، وعرف إن البيت ده اتقفل على سرنا وحبنا، وإننا قدرنا نحمي الراجل الطيب ده من وجعه وخوفه.

تمت 
 

تعليقات

close