القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

نهاية كل ظالم بقلم نورهان العشري كامله

 


نهاية كل ظالم بقلم نورهان العشري كامله 





نهاية كل ظالم ج١ بقلم نورهان العشري


 


البيت كان هادي، بس هدوء ما قبل العاصفة. راوية كانت لسه منيمة بناتها بالعافية بعد يوم طويل من شغل البيت والطلبات اللي مابتخلصش. فجأة سمعت صوت هيام أخت جوزها وهي واقفة قدام باب شقة أمها “سعاد” في الدور الأرضي وبتزعق بأعلى صوتها لراوية اللي ساكنة فوقيها.


هيام بزعيق وقرف:


ـ أنتِ يا هانم! مش هتنزلي تشوفي البيت اللي يضرب يقلب ده؟ ولا أنتِ فالحة بس في القعدة فوق؟”


راوية فتحت الباب ووقفت على السلم و قالت ببرود:


“البيت تحت فيه اتنين ستات يا هيام.. يشوفوه هما شغل بيتهم أنا مش ملاحقة على شقتي وبناتي.”


 


هيام بشهقة استنكار:


“نعم ياختي؟ أنتِ عايزاني أنا أنضفلك البيت؟ ولا أمي الست الكبيرة هي اللي تقوم تتعجز و تنضفلك البيت!”


راوية بغضب:


“قصدك تنضفي البيت اللي قاعدة أنتِ وأمك فيه دا لو خايفة على امك و مش عيزاها تتعب، وبعدين متنضفيش ليه ؟ مش ست زي كل الستات ولا على راسك ريشة؟”


 


هيام بصت لضوافرها بتكبر:


“قصدك ستك وتاج راسك.. لا يا عنيا، أنا مابنفضش و مش بمسك مقشة حتى ، أنا عندي في بيتي خدامين بيخدموني أنضف منك.”


راوية بضحكة استهزاء:


“مصدقاكي والله.. مش بيقولوا إدي الحلق للي ماله ودان؟ العبرة مش بالشغالين، العبرة بالست اللي تعرف تملى مكانها و تملى مركزها.”


 


هيام وشها احمر وصوتها علي أكتر:


“ده أنتِ لسانك طول قوي! باين الدلع اللي أخويا مدلعهولك نساكي أنتِ جاية منين.. ده أنتِ لولا محمود أخويا كان زمانك بتلفي في الشوارع، وجاية كمان تتنططي عليا؟ أنا هيام مرات الباشمهندش عمر الرافعي اللي معيشني في عز ماشفتيهوش في أحلامك تقوليلي كدا”


 


راوية بسخرية:


“جوزك ده ربنا يعينه عليكي والله.. وبعدين محمود جوزي مش مخليني محتاجة حاجة، و لو فاكرة إني شغالة عندك أنتِ أو الست والدتك تبقى غلطانة، و كفاية قر ونبر بقى في حياتنا عشان المركب تمشي.”


 


سعاد طلعت من باب الشقة فجأة كأنها كانت مستنية اللحظة دي:


“بتقولي لمين كفاية قرّ يا قليلة الأصل؟ بقى أنا بقرّ عليكي أنا و بنتي؟ على إيه يا حسرة؟ على بناتك اللي زي الهم على القلب ولا على فقرِك ! حيلتك ايه حلو غير اسم النبي حارصه محمود ابني ؟”


هيام بخبث: “سبيها يا ماما، بكرة لما محمود يعرف إنها بتغلط فيكي وفيا هيربيها من أول وجديد.. والبيت ده اللي مستكتره تنزل تنضفه هتتمنى ترجع تمسح بلاطه”


 


راوية بثبات مهزوز من جواها:


“أعلى ما في خيلكم اركبوه.. محمود عارفني وعارف طبعي، وعمره ما هيصدق سمكم ده.”


 


سعاد بضحكة ساخرة:


“هنشوف يا راوية.. بكرة تشوفي مين اللي كلامه هيمشي ومين اللي هيضحك في الآخر.”


 


*****


 


راوية كانت قاعدة طول اليوم مرعوبة ليملوا دماغ محمود من ناحيتها و يخلوه يتخانق معاها، وهي من جواها بتحاول ترضيه على قد ما تقدر، ونفسها كمان يتعاملوا معاها كويس وهي هتشيل حماتها من على الأرض شيل بس مشكلتها معاهم أنها دايمًا بيتعمدوا يهينوها و يقللوا منها عشان ملهاش أهل و دا كان بيوجعها أوي ، و فجأة وهي قاعدة بتفكر و عماله تدعي ربنا أن الموضوع يعدي على خير دخل محمود البيت، وشه مقلوب وعينه بتطلع شرار ماهو اللي حصل تحت مكنش شوية!



كان لسه بيحط مفتاحه، لقى أمه سعاد قاعدة على الكنبة بتمثل العياط وهيام أخته عمالة تطبطب عليها وتولع في النار أكتر.


محمود بفزع:


“في إيه يا جماعة؟ مالك يا أمي؟ حد جراله حاجة؟”


هيام بشهقة مكتومة:


“تعال شوف اللي حصل لأمك يا محمود.. تعال شوف الهانم اللي أنت مأمنها على بيتك واسمك، عملت إيه في أمك النهاردة. شتمتها بأبشع الألفاظ ووقفتها على السلم فرجت عليها الجيران!”


 


سعاد بصوت مخنوق وهي بتتمسكن:


“مراتك بهدلتني يا محمود.. دي بتقولي إن البيت ده بيتها هي، وإحنا ضيوف تقال على قلبها و كل دا عشان بقولها اكنسي السلم قالتلي مش كانسة حاجة لو مش عاجبك انزلي اكنسيه أنتِ!”


محمود عروق وشه برزت:


“راوية! راوية قالت كده؟ دي كانت لسه الصبح واقفه معاكي و محضرة الفطار !”


 


هيام بمكر:


“ده الوش التاني يا أخويا.. أصلها فاكرة إنها خلاص صاحبة البيت وامك الغلبانه ضيفة تقيلة على قلبها. وقال أيه بتقولي خسارة فيكي ولادك و مستكترة عليا ولادي. دي بتقولي في وشي أنتِ ليه يا هيام تجيبي ولاد و أنا أجيب بنات. هو مش كله رزق يا محمود ولا ايه؟


 


محمود محبش يسمع كلمة البنات دي، كأنها داست له على الوجع. طلع الشقة فوق زي الطور الهايج، رزع الباب وراه لدرجة إن البنات الصغيرين صحيوا مفزوعين.


محمود (بزعيق):


“أنتِ يا هانم! يا اللي فاكرة نفسك بقيتي ست البيت بجد!”


 


راوية طلعت من المطبخ مخضوضة:


“في إيه يا محمود؟ داخل بزعابيبك كده ليه؟ البنات صحيوا!”


محمود قرب منها وعينه في عينها بقسوة:


“يصحوا ولا يتفلقوا! أنتِ إزاي تتجرأي تطولي لسانك على أمي؟ إزاي تقولي لها انها ضيفة تقيلة هنا وتفرجي عليها الناس؟”


راوية بصدمة:


“أنا؟ أنا قلت كده؟ والله ما حصل. دي هي و هيام بهدلوني وهما اللي بدأوا يا محمود، هيام جاية تشغلني خدامة عندهم تحت وأنا…”


 


محمود قاطعها بضربة قوية على التربيزة:


” لما تخدمي أمي الست الكبيرة تبقي كدا بتشتغلي خدامة! دول أمي وأختي عارفة يعني إيه أمي و أختي! أنتِ حتة بت جاية من الشارع لا ليكي أصل ولا فصل، لولا إني سترت عليكي واتجوزتك كان زمانك بتشحتي. وبعدين مستكترة الرزق على أختي ليه؟ أنتِ بترمي خيبتك على هيام إنك مش عارفة تجيبلي حتة عيل يشيل اسمي؟”


 


راوية دموعها نزلت غصب عنها من شدة القهر:


“بناتي هما رزقي ورزقك يا محمود.. و دي إرادة ربنا مش ذنبي.”


محمود (بسخرية):


“لأ ذنبك.. ذنبك إنك مش وش نعمة. من النهاردة مفيش خروج، ومفيش كلمة تتقال قدام أمي غير حاضر ونعم. ولو سمعت إنك كشرتِ في وشهم، قسماً بالله لهرميكي في الشارع باللي عليكي.”


 


راوية (بكسرة نفس):


“للدرجة دي يا محمود؟ بتهيني بالطريقة دي و بتصدق عليا كلام هما مألفينه عشان يكرهوك فيا؟”


 


محمود وهو داخل ينام وسابها واقفة لوحدها:


“أمي مابتكذبش. ولا أختي كمان دول عايزة مصلحتي، ومصلحتي باين إنها بعيد عنك وعن نكدك و قرفك اللي مبينتهيش”


 


*****


 


عمر كان لسه واصل من شغله في الشركة، مهندس شاطر وهادي، وسيم ، وطبعه بعيد تماماً عن دوشة مراته وأمها. وهو طالع على السلم، شاف راوية واقفة بتمسح قدام باب شقتها ودموعها في عينيها.


عمر بأدب وهدوء:


” السلام عليكم. خير يا أم سما؟ في حاجة حصلت؟ محمود فيه حاجة؟”


راوية مسحت دموعها بسرعة وبصت للأرض:


“أهلاً يا بشمهندس عمر.. حمد لله على سلامتك. محمود كويس بس ..


عمر باستفهام:


ـ بس ايه؟


راوية بقهر:


ـ هيام و ماما سعاد شادين حيلهم عليا شوية، وكنت عايزة أقولك يا بشمهندس تهدي هيام عليا أنا والله ما قصرت معاهم في حاجة، بس هي بتفهمني غلط وتطلعني وحشة قدام محمود.”


 


حس عمر بلأسف عليها عشان عارف مراته و أمها:


“حقك عليا يا راوية، أنتِ ست محترمة و كلك ذوق و واحب.. أنا هكلمها وهخليها تصلح الدنيا”


 


راوية دخلت شقتها وهي حاسة ان في حد لسه عنده ضمير، لكن عمر أول ما فتح باب شقة حماته، لقى هيام مستنياه بوش عليه غضب ربنا


هيام بحزن مصطنع:


“كنت واقف مع البت دي بتقولك إيه؟ أكيد بتتمسكن وبترسم عليك بدموع التماسيح بتاعتها!”


عمر بنرفزة مكتومة:


“جرى إيه يا هيام؟ دي مرات أخوكي وست محترمة، كانت بتشتكي من معاملتكم ليها.. ليه كدة؟ دي يتيمة وملهاش حد.”


هيام ضحكت بسخرية ولفت حواليه:


“محترمة؟ أنت غلبان قوي يا عمر وبتتغش في المظاهر. الست دي مش بس لسانها طويل، دي مهملة ومعفنة في نفسها وفي بيتها، ريحة شقتها تقلب المعدة، ومحمود يا عيني صابر عليها عشان العيال.”


 


عمر باستنكار:


“مش ممكن! أنا بشوف بناتها زي الفل وهي دايماً شايلة شغل البيت كله و مخلياه زي الفل.”


 


هيام قربت منه وبصوت واطي وخبث:


“ده اللي أنت شايفه من بره.. لكن الحقيقة اوحش من كدة بكتير. رواية دي مشيها مش تمام يا عمر! محمود شاكك فيها، وساعات بتغيب بالساعات وتقول كنت بجيب طلبات، وهي الله أعلم بتبقى فين ومع مين! دي ست مش مظبوطة و هتخرب بيتها و بيت أخويا بعمايلها دي.


عمر بصدمة:


“أنتِ واعية للي بتقوليه ده؟ دي أعراض يا هيام! اتقي الله!”


هيام بثقة مزيفة:


“والله ده اللي بيحصل، وأمي شافتها بعينيها واقفة مع واحد غريب ورا البيت. إحنا ساكتين بس عشان خاطر أخويا ما يتفضحش، بس خلاص، محمود بدأ يشوف وشها الحقيقي و بكرة يتجوز ست ستها اللي تشيل اسمه وتصون عرضه، والبيت ده ينضف منها ومن قرفها.”


 


عمر سكت وهو مش مصدق، قلبه بيقوله إن راوية مظلومة، بس كلام هيام كان مسموم لدرجة إنه بدأ يقلق من وجود الست دي في البيت.. حكايات نورهان العشري


 


******


 


محمود دخل الشقة، رزع الباب وراه لدرجة إن البرواز اللي على الحيطة وقع اتكسر. راوية كانت بتغسل مواعين المطبخ، طلعت مخضوضة و الصابون لسه على إيدها.


محمود بصوت يزلزل الحيطان:


“أنتِ يا هانم! يا اللي مابتحرميش! بقى تروحي تقفي مع جوز أختي على السلم وتشتكي له؟ أنتِ عايزة تفضحيني قدام الغريب والقريب؟”



 


راوية بصدمة:


“غريب مين يا محمود؟ ده جوز أختك، وأنا ماشكيتش، أنا بس…”


محمود قاطعها بقلم نزل على وشها:


“أخرسي! مش عايز أسمع صوتك! هيام قالتلي إنك وقفتي تدلعي وتتمسكني قدامه وتقولي له إلحقني من مراتك وأمها. أنتِ عايزة توصلي لإيه؟ عايزة تخربي بيت أختي كمان؟ ولا عايزة تصغريني قدام جوزها؟”


 


راوية بصرخة ووجع وهي ماسكة وشها:


“أعوذ بالله من تفكيرك يا محمود! أنت بتتهمني بالشكل الفظيع دا عشان خاطر كلام أختك الحرباية؟ دي هي اللي قالت له عليا كلام مايطلعش من واحدة كافرة! قالت له إني مش نظيفة ومشيي وحش! وأنت بدل ما تجيبلي حقي، جاي تمد إيدك عليا؟”


 


محمود (بجنون): “هيام أحسن منك ومن عشرة زيك! هيام بتخاف على بيتي واسمي، لكن أنتِ؟ أنتِ مابتفكريش غير في نفسك وبس. أمي قالتلي إنك بتلفي وتدوري وعمرك ما هتتغيري.. والظاهر إنها كان عندها حق لما قالتلي إن اللي زيك ماينفعش يشيل اسمي.”


 


راوية بإصرار وقوة غريبة طلعت منها:


“أنا وحشة و منفعش أشيل اسمك؟ أنا اللي صانتك وصانت بيتك في غيابك؟ أنا اللي شايلة قرف أمك وأختك بقالي سنين وساكتة عشان خاطر البيت؟ لو البيت ده مش هيحترمني، يبقى مايلزمنيش يا محمود!


 


محمود ضحك بسخرية :


ـ مايلزمكيش؟ طب وريني بقى هتروحي فين ! بشنطة هدومك اللي جيتي بيها؟ البيت ده بتاع أمي، والشقة دي عند الحكومة بتاعتها يعني مش هتقعدي فيها حتى بالحضانة.. أنتِ هنا مجرد ضيفة تقيلة، وبناتك دول بكرة هرميهم في رقبة أول ناس تدق بابهم و اخلص منك


 


كان بيهددها بأكتر حاجة هتوجعها و دا خلى رواية تنهار: “حرام عليك.. دول بناتك! لحمك ودمك!”


 


محمود وهو خارج ورايح ناحية الباب:


ـ أنا عايز اللي يشيل اسمي و يمد نسلي. عايز واحدة ترفعني مش اللي توطي راسي قدام الناس وتقف تشتكي للرجالة على السلالم. من النهاردة، حسابك معايا هيبقى تقيل قوي يا راوية.. قابلي بقى!


 


رزع الباب وخرج، وساب راوية واقعة على الأرض بتبكي بحرقة، وهي مش عارفة إن في اللحظة دي، هيام وسعاد كانوا قاعدين تحت بيخططوا و بيقرروا مين العروسة الجديدة اللي هيقهروا بيها قلبها.


 


 


****


 


 


بعد شهر من العذاب النفسي و الجحود في المعاملة، راوية كانت قاعدة في الصالة، وبناتها نايمين في حضنها، وفجأة موبايلها رن بصوت رسالة واتساب. فتحت الرسالة، وكان الرقم غريب، بس المحتوى كان سكين تلمة بتد..بح في قلبها.


فيديو لمحمود لابس بدلة وفرحان، وجنبه عروسة لابسة فستان أبيض، ووراهم سعاد وهيام عمالين يزغرطوا ويرقصوا. الدم اتجمد في عروق راوية، وقامت وقفت وهي مش شايفة قدامها، وطلعت تجري على السلم وخبطت على شقة حماتها بهستيريا.


راوية بصراخ:


ـ افتحي يا سعاد! افتحي يا حرباية يا اللي خربتي بيتي! بقى محمود يتجوز عليا؟ بقى دي اخرة صبري معاه؟”



الباب اتفتح ببطء، وطلعت هيام وعلى وشها ابتسامة شماتة.


هيام ببرود مستفز:


“إيه يا جربوعة؟ الصور وصلتك؟ مبروك جوزك اتجوز عليكي.. أصل أخويا راجل ومحتاج اللي تجيب له الولد اللي يرفع راسه، مش اللي تجيب له خيبة تقعد تندب جنبها.”


راوية دخلت الشقة زي القطر:


“فين محمود؟ خليه يواجهني! أنا عايزة أطلق! مش هقعدلكوا فيها ثانية واحدة.. أنا هطلع ألم هدومي وهدوم بناتي وغوري أنتِ وأخوكي في داهية!


 


سعاد طلعت من الأوضة بضحكة كريهة:


“تلمي إيه يا روح أمك؟ أنتِ فاكرة إن ليكي حاجة هنا؟ البيت ده بيتي، والشقة اللي فوق دي شقة ابني وعروسته الجديدة، هيدخلوا فيها بكرة بعد ما يرجعوا من شهر العسل


راوية بذهول:


” يعني إيه ماليش حاجة هنا؟ وهدومي؟ ودهبي؟ ودهب البنات اللي شقيت فيه؟


 


هيام قربت منها وزقتها في كتفها:


“دهبك؟ دهب إيه يا شحاتة؟ ده أخويا هو اللي جابه من عرق جبينه، أنتِ جيتي بشنطة مقطوعة، وهتمشي باللي عليكي بس! مفيش فتلة واحدة هتطلعي بيها من البيت ده.”


 


راوية (طلعت تجري لفوق):


لا.. حاجتي وحاجة بناتي مش هسيبها!


 


لكن هيام وسعاد طلعوا وراها، وأول ما دخلت الشقة، هيام مسكتها من شعرها ورمتها على الأرض وسط صراخ البنات اللي صحيوا مفزوعين.


هيام بغل:


” بتمدي إيدك على شقى و تعب أخويا! قولي لعيالك يلبسوا شباشبهم ويغوروا معاكي.. أنتِ اطلقتي يا راوية! محمود طلقك غيابي وزمانه نايم في العسل مع مراته الجديدة ولو ممشيتيش بالذوق هتمشي بالجزمة”


 


سعاد وهي بتفتح الدرج وبتاخد علبة الذهب:


“ودهب العيال ده هيفضل هنا.. أصلهم بنات ابني، والدهب ده هيجهزهم بيه لما ييجي وقت جوازهم غوري بقى يا جربوعة زي ما جيتي.. كفاية عليكي أوي السنين اللي عشتيها في عز ابني و خيره..


 


راوية وهي بتلم بناتها في حضنها والدموع مغرقة وشها:


ـ بترمي بنات أخوكي في الشارع و بتسرقي شقايا يا ظالمة؟ خربتي بيتي و سرقتي حالي و مالي و كمان هترمينا في الشارع ! حرام عليكوا ربنا ينتقم منكوا..


 


هيام فتحت باب الشقة وبدأت تحدف كوتشيات البنات وراهم:


“براااااا! مش عايزة أشوف وشك هنا تاني.. البيت ده نضف خلاص! روحي اشحتي في الشوارع أنتِ وبناتك، يمكن تلاقي حد يحن عليكي بلقمة.”


 


خرجت راوية وهي حافية، شايلة بنت على كتفها وماسكة إيد التانية، والباب اترزع في وشها وهي بتسمع ضحكات هيام وسعاد اللي مالية المكان. وقفت في الشارع تحت المطر، الدنيا ضلمة في عينها، بس النار اللي في قلبها كانت كفيلة تحرق الدنيا كلها.


 


 


*****


 


مرت ست شهور، الدنيا اتقلبت فيها حال غير حال. بعد ما كانت ليها بيت لاممها هي وبناتها في حضنها، بقت شقيانة بتجري طول النهار بين الترابيزات في أحد المطاعم عشان تعرف تأكل بناتها. لبسها بقى بسيط، وشها شاحب من قلة النوم، كرامتها وجعاها و جواها نار مش راضية تطفي.



وفي يوم، باب المطعم اتفتح، ودخل “عمر الرافعي” مع وفد من شركته عشان يتغدوا. راوية كانت ماسكة المنيو وبتمسح ترابيزة جنبه، عينيها جت في عينه.. الصدمة لجمت لسان الاتنين.


عمر قام من مكانه بذهول، نسي زملاءه ونسي الغدا، ومشي ناحية راوية اللي كانت عايزة الأرض تنشق وتبلعها من كتر الاحراج أنه يشوفها بالمنظر دا


 


عمر بصوت واطي ومصدوم:


ـ راوية؟ مش ممكن! أنتِ بتعملي إيه هنا؟ وأزاي واصل بيكي الحال لكدة؟


راوية بحرج:


ـ أهلاً يا بشمهندس عمر. هنعمل ايه في الدنيا بقى، كل شوية في حال وأدينا بنسعى عشان لقمة العيش. نورت المطعم.


 


عمر شد كرسي وقعد بقلب موجوع على حالها:


“نورت إيه بس؟ أنا قلبت الدنيا عليكي! سألت هيام وماما سعاد قالوا لي إنك أخدتِ حقوقك كلها وسافرتي لبلدكم عند أهلك ورفضتي أي حد يوصلك.. معقولة اللي حصل ده؟


 


راوية ضحكت بوجع ومرارة:


ـ حقوقي؟ هما قالوا لك كدة؟ أنا اترميت في الشارع يا بشمهندس باللي عليا أنا وبناتي.. حتى هدومنا ودهبنا أكلوه عليا. قالوا لي أنتِ مجبتيش حاجة عشان تاخديها وسابوني للفجر في الشارع بطولي أنا وبناتي


عمر ضرب بايده على الترابيزة بغل:


“يا ولاد الـ… بقى وصلت بيهم القذارة لكدة؟ وأنا اللي كنت مصدق إن محمود سابلك قرشين تعيشي منهم! طب والبنات؟ فينهم دلوقت؟


 


راوية وعينيها لمعت بالدموع:


“في حضانة قريبة من هنا، بخلص شغلي وأروح أجيبهم.. بنام أنا وهما في أوضة فوق السطوح، بس الحمد لله، أحسن من ذل حماتك و مراتك يا بشمهندس.


 


عمربندم وحزن: “أنا أسف يا راوية.. أسف إني كنت عايش مع ناس بالبشاعة دي ومقدرتش أحميكي منهم ولا وقفت قدام ظلمهم بس انا للأسف صدقت كلامهم.. قولي لي، أساعدك بإيه؟ أي حاجة تطلبيها أنا تحت أمرك عايزة فلوس؟


 


راوية بشموخ رغم الانكسار:


ـ أنا مش شحاته يا بشمهندس أنا بس عايزة أعيش بكرامتي. لو فعلاً عايز تساعدني، شوف لي شغل محترم، شغل في تخصصي أو حتى إداري، المهم أصرف منه على بناتي من غير ما حد يبص لي بنظرة شفقة أو يطمع فيّ.


 


عمر :


“عندك حق.. ومن بكرة كمان. أحنا في الشركة عندنا محتاجين حد أمين في الحسابات والإدارة، وأنا عارف أمانتك وعارف معدنك. هتشتغلي معايا يا راوية، هتقدري تصرفي على بناتك من غير ما تتبهدلي.


 


راوية بصت له بامتنان:


ـ


بجد يا باشمهندس عمر؟ طيب هتقدر تقف قدام هيام وأمها لو عرفوا؟”


عمر بصرامة:


ـ هيام متقدرش تدخل في شغلي ولا تفرض عليا اي شيء والشركة دي أنا شريك فيها، ومحدش له يقرر عني. بكره الصبح هستناكي في العنوان ده.


 



 


عمر مكنش بس بيساعدها، هو كان حاسس إن ده واجبه قدام ربنا عشان يصحح غلطة مراته اللي دمرت حياة ست بريئة خاف يتردله في ولاده فقرر يشغلها في الشركة اللي هو شريك فيها، وبما إن راوية كانت متعلمة ومثقفة، استغل لباقتها وقدرتها على صياغة الكلام وشغلها مترجمة ومنسقة إدارية للمشاريع الدولية.


و مرت شهور قليلة، وراوية في الشركة مكنتش مجرد موظفة، دي بقت شخص أكتيف في المكان جدا و الكل بيحبها و في يوم دخل عمر المكتب الصبح، لقى الموظفين كلهم بيتجمعوا حوالين مكتب راوية، والابتسامة مبروزة وشوشهم.حكايات نورهان العشري


عمر بابتسامة فخر:


“إيه يا جماعة؟ الاجتماع الصباحي بدأ عند مكتب الأستاذة راوية ولا إيه؟”


مدير الحسابات (بضحك):


“والله يا بشمهندس عمر، الأستاذة راوية دي بركة الشركة. ترجمت لنا العقود الإيطالية في وقت قياسي، وفوق ده كله، ذوقها وأدبها بيجبر الكل إنه يحترمها. دي عملت لنا نظام للمواعيد مكنش موجود من سنين.”


راوية (قامت وقفت بوقار وخجل):


“ده من ذوقكم يا جماعة، أنا معملتش غير واجبي. اتفضل يا بشمهندس عمر، دي تقارير الوفد الأجنبي اللي هيوصل بكرة، جاهزة ومترجمة بكل التفاصيل.”


 


عمر أخد منها الورق، بس عينه كانت مثبتة على ملامحها اللي بدأت ترد فيها الروح. راوية بقت تلبس لبس فورمال شيك و أنيق وشها نور، وثقتها في نفسها رجعت لها بفضل شغلها وتقدير الناس ليها.


انصرف الموظفين و بص عمر في الورق بانبهار:


“تسلم إيدك يا راوية.. بجد شرفتينا قدام الشركاء الأجانب الأسبوع اللي فات، لباقتك في الكلام خلتهم يمضوا العقد وهما مرتاحين. أنا مكنتش أعرف إنك لبلب في اللغات كده!”


راوية بصوت هادي:


“أنا اللي بشكرك يا باشمهندس عمر.. أنت اللي خرجتني من الضلمة وادتني فرصة أثبت لنفسي وللناس إني أقدر. بناتي بقوا فخورين بيا، وده عندي بالدنيا كلها.”


عمر سكت لثواني، وهو حاسس بنبضات قلبه بتسرع. مكنش مجرد إعجاب بزميلة شغل، كان فيه حب حقيقي بدأ ينمو جواه ناحية الست الصبورة اللي قدرت تقوم من تحت الأنقاض وتلمع من تاني.


عمر بصوت حنين:


“أنتِ اللي ست الستات يا راوية.. والشركة دي هي اللي كسبت بوجودك. استعدي عشان فيه غدا عمل بكرة، وعايزك تكوني الوجهة الرسمية لينا كالعادة.”


راوية ابتسمت، والابتسامة دي كانت كفيلة تخلي عمر ينسى كل همومه مع هيام ونكدها في البيت. الكل في الشركة كان بيحكي عن أخلاق راوية و عفتها، ومحدش كان يصدق إن الست دي في يوم من الأيام كانت بتتعاير و يتقالها جربوعة من ناس ميسووش ضفرها.


 


******


عمر رجع البيت متأخر وتعبان من الشغل، دخل الشقة لقى الريحة كالعادة وحشة والمطبخ مليان مواعين مش نضيفة من كذا يوم، وهيام قاعدة قدام المراية بتتمكيج ولابسة لبس خروج عشان خارجة مع صاحباتها.


 



عمر بقرف وهو بيبص للمطبخ:


“إيه ده يا هيام؟ هو إحنا عايشين في بنسيون؟ المواعين دي بقالها قد إيه؟ والبيت ريحته تقلب البطن ليه كدة؟


 


هيام وهي بتركب الرموش ببرود:


“يووه يا عمر! أنت كل يوم هتعملي فيها مفتش صحة؟ ما أنت عارف إني ماليش في شغل البيت، والشغالة مجتش بقالها يومين و برن عليها مابتردش اعمل ايه يعني اقطع نفسي؟ وبعدين ما تطلب أكل من بره وتريح دماغك.”


 


عمر افتكر في اللحظة دي “راوية”.. افتكر لما كان بيشوفها في عز تعبها وشقاها مع بناتها، كانت شقتها “فلة” وريحتها بخور ونضافة، كانت بتطبخ بإيديها و ياما كل عندهم أحلى اكل كانت هي عملاه


 


عمر بصوت واطي:


“والله الستات مقامات فعلاً.. فيه ست تعمل من الفسيخ شربات، وست لو ملكت مال قارون هتفضل متنفعش ست أصلًا


هيام بصت له بشك ووقفت: “بتقول إيه يا عمر؟ قصدك مين بكلامك ده؟”


عمر وهو داخل يغير هدومه:


“قصدي إن النضافة دي طبع.. مش مظهر كداب بنرسمه قدام الناس ببرفانات ولبس غالي، والبيت من جوه يضرب يقلب، حتى الخدامين قرفوا منك و طفشوا يا ست هانم.


 


★★★★★★★★


 


الحب لما بيدخل القلب مبيجيش لوحده بيجي ومعاه الغيرة، وعمر اللي كان فاكر إنه مجرد فاعل خير و بيساعد واحدة ست أكل معاها عيش و ملح لقى نفسه بيغرق في تفاصيل راوية.. هدوءها، رقتها، وشطارتها اللي خلت كل اللي شغالين في الشركة يحترموها و يقدروها و في يوم ضغط شغل، كانت راوية واقفة في نص صالة المكتب ومعاها أحمد. مهندس شاب لسه متعين جديد، وكان باين عليه الإعجاب الشديد براوية.. مش بس بشغلها، لا بطلتها وهدوءها.


أحمد بابتسامة عريضة وهو مقرب من راوية:


“بجد يا أستاذة راوية، أنا عمري ما شفت حد بيصيغ العقود بالدقة دي.. أنتِ اكتر شخص أكتيف و بروفيشنال في المكان ده والله. إيه رأيك بعد ما نخلص الملف ده، أعزمك على قهوة في الكافيتريا تحت؟ محتاج أخد رأيك في كذا حاجة.”


 


راوية بأدب وتحفظ:


“شكراً يا بشمهندس أحمد، ده ذوق منك.. بس والله ورايا كذا إيميل لازم يتبعتوا قبل نهاية اليوم.


 


في اللحظة دي، خرج عمر من مكتبه، وعينه جت عليهم.. شاف أحمد وهو بيضحك ومقرب بزيادة، وشاف نظرة الإعجاب في عينه. فجأة، حس بنار قادت في صدره، كأن حد سحب منه الأكسجين.


عمر بصوت حاد :


“بشمهندس أحمد! مش المفروض إنك بتراجع الرسومات الهندسية لمشروع التجمع؟ واقف هنا بتعمل إيه؟”


أحمد اتخض ورجع خطوة لورا:


“أهلاً يا بشمهندس عمر.. كنت بس بستفسر من الأستاذة راوية عن ترجمة بند في العقد.”


 


عمر وهو بيبص لراوية بنظرة عتاب وغيرة واضحة: “الاستفسارات دي تتم في المكتب الرسمي، مش وانتوا واقفين جنب الشباك كدا.. اتفضل على مكتبك يا أحمد، مش عايز تضييع وقت.”


أحمد مشي وهو مستغرب من حدة عمر، أما راوية فوقفت مذهولة.. عمر عمره ما كلمها بالأسلوب ده.



راوية بدهشة:


“في حاجة يا بشمهندس عمر؟ أنا عملت حاجة غلط؟”


عمر قرب منها وبصوت واطي بس فيه انفعال مكتوم: “مفيش يا راوية.. بس مش كل واحد يجي يضحك بكلمتين توقفي معاه وتضيعي وقتك و وقت الشركة. المكان هنا للشغل وبس مش عشان نتساير مع زمايلنا.


 


راوية بصت له بذكاء، وحست إن فيه حاجة تانية ورا الزعيق ده:


“أنا عارفة حدودي كويس يا بشمهندس عمر، وعمري ما سمحت لحد يتعداها.. و أحمد زميل محترم وكان بيشكر في الشغل مش أكتر. أنت ليه متعصب كدة؟”


 


عمر بص في عينيها وهدي فجأة، صوته بقى حنين ومرتبك:


“أنا مش متعصب.. أنا بس.. أنا بخاف عليكي يا راوية. بخاف حد يفتكر إن سكوتك وأدبك ده ضعف ويحاول يضايقك. أنا مش عايز أشوف حد قريب منك كدة تاني.”


سكت عمر وهو مش عارف يداري لمعة عينه، وراوية قلبها دق دقة غريبة.. عرفت إن اللي بينهم مبقاش مجرد شغل ولا شفقة.. ده شيء أكبر من كدا بيكبر مع مرور الوقت


تاني يوم في الشركة، عمر كان قاعد في مكتبه وراوية دخلت تحط له القهوة والتقرير. كانت ريحتها جميلة و ملامحها هادية كالعادة ولبسها مكوي ومرتب، و شكلها يخلي العين تفرح لما تشوفه


عمر بابتسامة:


“تسلم إيدك يا راوية.. بجد الواحد بيحس إنه بني آدم وهو بيتعامل مع حد منظم زيك.”


 


في اللحظة دي، تليفون عمر رن.. كانت هيام.


هيام بصوت فيه شك:


“أنت فين يا عمر؟ قلبت عليك الشركة السكرتيرة قالتلي إنك في اجتماع و مانع اي تليفونات. اقدر اعرف في ايه؟


 


عمر بحدة:


ـ في شغل يا هيام، هيكون فيه إيه يعني؟ ورايا ميتينج مهم، سلام دلوقت.


 


قفل عمر السكة، بس هيام مقتنعتش. شكت في نبرة صوته، وشكت في النفور اللي بقى فيه فجأة من ناحيتها. دا كمان بقى طول الوقت ينتقدها بطريقة تضايق فقررت تروح الشركة من غير ما تقوله وتراقب الوضع من بعيد.. وهناك، شافت اللي مكنتش تتوقعه.


 


شافت عمر واقف مع راوية في الممر، وبيضحك معاها ضحكة مبيضحكهاش في البيت، وبيمسك الورق منها بمنتهى الرقة.


هيام من بعيد وهي بتبرطم بغل:


” يا نهار مش فايت! ايه اللي جاب الجربوعة دي هنا. وانا اللي قولت طردناها و ارتاحنا منها؟ بقى هي دي اللي شاغلة عقلك يا عمر؟ وحياة أمي ما هسيبكم، وهخربها على دماغكم كلكم.”


 


*******


 


بعد يوم طويل في الشركة، والموظفين كلهم مشيوا، فضل عمر وراوية بيراجعوا آخر ملف. الهدوء كان سيد المكان، وصوت دقات قلب عمر كانت مسموعة من كتر التوتر. راوية كانت بتلم ورقها عشان تمشي، فجأة عمر وقف قدام مكتبها ومنعها تتحرك.


عمر بصوت خافت:


“راوية.. أنا مش قادر أسيبك تمشي النهاردة قبل ما أقول اللي في قلبي. أنا تعبت من التمثيل وتعبت من إني أبين إني بس مديرك وبس.


 


راوية بصت للأرض بكسوف ولخبطة:


“يا بشمهندس عمر.. أنت فضلك عليا مغرقني، وكفاية اللي عملته معايا ومع بناتي..


 



عمر قاطعها ومسك إيدها بحنان لأول مرة:


“متقوليش فضلي! أنا اللي مدين ليكي.. أنتِ نورتي حياتي ورجعتيلي الإحساس بالدنيا. راوية، أنا مش عايز أكون بس الشخص اللي بيقف جنبك و يساعدك. أنا عايز أكون الشخص اللي يحميكي، اللي يشيل عنك همومك، اللي يربي معاكي بناتك ويكون ليهم أب بجد.”


 


راوية دموعها نزلت غصب عنها من كتر ما اتأثرت بكلامه:


“بس يا عمر.. أنت عارف ظروفي، وعارف هيام و أهلها و كمان محمود . أنا مش عايزة أسببلك مشاكل في حياتك دول صعبين اوي أنا ما صدقت بعدت عنهم.


 


عمر بثبات وقوة:


ـ هيام ميفرقليش رأيها و أصلّا أنا عمري ما كنت مرتاح معاها ودلوقتي أنا اخترت طريقي.. وطريقي هو أنتِ. أنا مش خايف من حد، أنا خايف بس إنك ترفضي تدي لنفسك وليا فرصة تانية. راوية.. تقبلي تتجوزيني؟ تقبلي نبدأ صفحة جديدة ونبني بيت ملوهوش علاقة بكل السواد اللي فات؟”


 


راوية رفعت راسها وبصت في عينه، شافت فيها صدق وأمان ملمستهوش مع محمود ولا يوم واحد. ابتسمت وسط دموعها وهزت راسها بالموافقة.


 


 


******


 


عمر كان قاعد في مكتبه، وراوية واقفة جنبه بتراجعه في ميزانية مشروع جديد، والضحكة صافية على وشوشهم وهما بيناقشوا نجاح الشغل. فجأة، الباب اتفتح بركلة قوية، ودخلت هيام زي الإعصار، وشها محتقن و عينيها بتطلع شرار.


هيام بصريخ هز أرجان المكتب:


” بقى هو دا الشغل يا بشمهندس عمر! سايب الهانم في البيت وجاي تتدلع مع الخدامة دي في المكتب؟ بقى القذرة هي دي اللي شاغلة وقتك و مكرهاك فيا”


 


الموظفين كلهم وقفوا ورا الباب بيسمعوا، وعمر قام وقف ببرود يحسد عليه، لكن عينه كانت مليانة قرف.


عمر بصوت هادي ومرعب:


“وطي صوتك يا هيام.. أنتِ في شركة محترمة، مش في حارة. وبعدين الست اللي أنتِ بتغلطي فيها دي الأدب يمشي على الأرض. دي ست الستات اياكي تتجرأي عليها مرة تانية!


هيام راحت ناحية راوية وعايزة تمد إيدها عليها من شدة الغيظ لما سمعت عمر بيمدح فيها:


“أدب إيه يا عنيا دي ست شمال ومطرودة من بيت أخويا حافية! أنتِ يا بت يا جربوعة، فاكرة إنك لما تلبسي نضيف وتتمسكني قدام جوزي هتساوي نفسك بيا؟ ده أنتِ هتفضلي طول عمرك خدامة تحت رجلينا!”


 


راوية وقفت بثبات وبصت في عين هيام بقوة:


” والله في خدامين كتير بيشتغلوا بشرف عشان لقمة عيشهم. دا شيء ميعبش حد. لكن اللي يعيب بقى لما تبقى الست حرباية و دا لقب ينطبق عليكي أوي على اللي بتخرب بيوت الناس بالغل والكدب. أنا هنا بتشغل بكرامتي وبعرقي، والحمد لله إن ربنا كشفك قدام جوزك وعرف الفرق بين الدهب والنحاس.”


 


هيام بجنون وهي بتبص لعمر:


“أنت سامعها بتقول إيه؟ أنت ساكت لها ليه؟ ارميها بره يا عمر! ارميها دلوقت وإلا هفضحك في العيلة كلها وأقول إنك ماشي مع طليقة أخويا!”


راوية شاورت لعمر وقالت برجاء:


ـ استنى يا عمر لو سمحت، محروقة يا هيام! مش قادرة تصدقي أن مرات أخوكي اللي خربتي بيتها دونًا عن ستات الدنيا كلهم حليت في عين جوزك و هتبقى ضرتك!


 


هيام بصدمة:


بتقولي ايه اخرسي.


 


راوية بتشفي:


ـ فاتت عليكي دي صح! يا حرام تلاقيكي و أنتِ بتخربي بيت أخوكي متخيلتيش ان مراته دي ست بردو و تقدر تخرب بيتك في يوم من الأيام!


 


هيام بجنون:


ـ مش هسكتلك. يا راوية أنا هفضحك أنتِ وهو في كل مكان


عمر قرب من هيام وبص في عينيها باحتقار:


“افضحي اللي تفضحيه.. الحقيقة إنك أنتِ اللي مطرودة من حياتي يا هيام. الست دي أنضف منك ومن اللي خلفوكي. وعشان تبقي عارفة، أنا مش بس بحترمها و بقدرها، أنا بحبها.. وهتجوزها.


 


هيام بصدمة ولطمت على صدرها:


“تتجوزها؟ تتجوز عليا؟ و مين؟ دي؟ أنت اتجننت؟”


عمر فتح باب المكتب وشاور لها تخرج:


“أيوة، وهطلقك.. لأن البيت اللي فيه ست زيك ميبقاش بيت. خدي شنطة هدومك وروحي لأمك و أخوكي خليهم يشبعوا بيكي و بقرفك. برااااا!


 


هيام خرجت تجري وهي بتصوت وبتهدد، والشركة كلها بقت تتوشوش. عمر بص لراوية اللي كانت بتترعش من الموقف، ومسك إيدها قدام الكل.


عمر:


“متخافيش يا راوية.. خلاص، زمن الخوف انتهى. أنتِ من النهاردة في حمايتي، والكل لازم يعرف إنك هتبقي “مدام عمر الرافعي ”


 


*******


 


ـ شوفت يا محمود اللي الجربوعة طليقتك عملته فيا؟ حرقت قلبي و خربت بيتي و خدت جوزي مني!


 


دا كان صوت هيام وهي بتصرخ في قلب بيتهم قصاد عمر اللي كان هيتجنن و مش قادر يتخيل أن راوية تروح منه لمحمود مكنش حب فيها بس كان تملك و غيرة من محمود


اللي وشه كان أسود من شدة الغضب و خصوصا لما صرخت هيام وهي بتلطم


“عمر هيتجوز راوية يا محمود أنت سامعني! طليقتك سرقت مني كل حاجة حتى جوزي. أنت واقف ساكت ليه؟


محمود وعينيه بتطلع شرار:


“على جث..تي الكلام دا يحصل دا أنا هحرق قلبها و قلبه لو فعلًا اتجوزها. هخسرها أغلى ما تملك في الدنيا ، والمرة دي مش هكتفي بالكلام، المرة دي الفعل هيكون بالدم.”


 


راوية كانت خارجة من الشركة وفرحتها مش سيعاها، رايحة تجيب بناتها من الحضانة فجأة عربية ميكروباص بزجاج فاميه وقفت قدام باب الحضانة.. نزل منها اتنين ملثمين، وفي ثواني خطفوا البنات من إيد المشرفة وركبوا العربية و جريوا. راوية وصلت، لقت الدنيا مقلوبة والمشرفة بتصرخ و بتقولها


ـ البنات اتخطفوا.


 


راوية وقعت في الأرض وصوتها راح من الصدمة في اللحظة دي، تليفونها رن و كان محمود.


محمود بصوت بارد ومرعب:


“سمعت إن فيه بنتين اتخطفوا يا راوية؟ عندك علم بالموضوع دا؟ بدل ساكتة و مكبوسة كدا يبقى عرفتي. بس متخافيش، البنات في أمان، مؤقتاً!


 


راوية قلبها كان في نار من الخوف والخضة على بناتها و دا خلاها تصرخ بانهيار:


“يا كافر! دول بناتك! هتعمل فيهم ايه؟



محمود بسخرية:


ـ هعمل فيهم ايه يعني ؟ هيعيشوا في حضن أبوهم بعيد عن أمهم الخاينة .


راوية بانهيار:


ـ حرام عليك. رجعلي بناتي يا محمود، خد كل حاجة بس رجعهم!”


محمود بخسة:


ـ تصدقي صعبتي عليا والله. ما أنتِ بردو كنتي مراتي حبيبتي. وعشان كده طلبي بسيط أنا مش طماع. تروحي للكلب اللي اسمه عمردلوقتي، وتقولي له إنك مش عايزاه، وإنك كنتِ بتلعبي بيه عشان الفلوس، وتختفي من حياته تماماً. لو لمحته جنبك أو عرفت إنك بلغتِ البوليس، مش هتشوفي وش بناتك تاني ..


 


 


******


 


راوية مفكرتش للأسف وجريت على عمر و دخلت المكتب وهي بتموت. ملامحها كانت شاحبة زي الأموات.


عمر اول ما شافها قام من مكانه بخوف و هتف بلهفة: “راوية! مالك؟ البنات فيهم حاجة؟”


 


راوية افتكرت تهديد محمود، لسانها كان تقيل، وبدأت تمثل الدور بوجع:


“عمر.. أنا مش هقدر أكمل. أنا كنت غلطانة لما فكرت إني أنفع لك. أنا عمري ما حبيت غير لمحمود، هو أبو بناتي وهو حب حياتي.


 


عمر بصدمة:


“أنتِ بتقولي إيه؟ محمود اللي ضربك وطردك و بهدلك بقى حب حياتك! راوية، بصي في عيني، هو هددك بإيه؟


 


راوية بغضب مزيف:


“محدش هددني! أنا اللي وحشة.. أنا اللي طمعت في فلوسك و خيرك و كنت عايزة اقهر هيام. سيبني في حالي بقى!”


 


خرجت تجري وهي بتعيط، وعمر وقف مكانه، مذهول لكنه كان متأكد أنها بتكذب ذكائه مسمحش له يصدق الكلمتين دول. هو عارف راوية كويس، وعارف إن “سما” و”ليلى” هما نقطة ضعفها الوحيدة.


عمر مسبهاش تمشي لوحدها، بدأ يراقبها من بعيد، واستعان بصديق ليه شغال في “مباحث الاتصالات”. قدروا يحددوا مكان المكالمة اللي جات لراوية.. كانت من مخزن قديم يخص شغل قديم لمحمود على أطراف القاهرة.


محمود وهيام كانوا قاعدين في المخزن، والبنات مربوطين في أوضة جوه وبيصرخوا.


هيام بغل:


ـ راجل يا أخويا يا حبيبي.. كدا أنت ربيتها صح. بكرة عمر يرميها وتيجي تتوسل لك ترجعها من تاني خدامة تحت رجليك ”


محمود بحقد:


“أنا مش بس هرجعها خدامة و بس، أنا هخليها تتمنى الموت و متطولوش هخليها وتعيش تمسح جزمنا العمر كله. بعد اللي حصلي من بنت الكلب التانية اللي سرقت فلوسي و شقا عمري و هربت مش هآمن لواحدة تاني”


 


هيام بارتباك لأنها هي اللي كانت جايباله العروسة دي بالرغم من أنها كانت عارفة مشيها البطال لكن مهمهاش كانت عايزة تقهر راوية وبس:


ـ دي بت كلب و مسيرك بتلاقيها و تاخد حقك منها. خلينا دلوقتي في راوية.


 


فجأة، النور اتقطع عن المخزن كله. صمت رهيب ساد المكان محمود طلع طبنجة من جيبه وهو بيترعش:


“مين هناك؟”


صوت عمر طلع من الضلمة، بس المرة دي مكنش صوت المهندس الهادي العاقل الرزين، كان صوت واحد مستعد يقت..ل عشان يحمي اللي بيحبهم.


عمر بحدة:


“اللعبة خلصت يا محمود. الشرطة محاصرة المكان، وكل كلمة سجلتها وأنت بتبتز راوية بقت معاهم.”



محمود لما سمع كلام عمر اترعب و بسرعة جري ناحية الأوضة اللي فيها البنات عشان ياخدهم رهينة، بس عمر كان أسرع منه، هجم عليه بضربة قوية وقعت السلا..ح من إيده. دخلوا في شجار عنيف، غل محمود في كفة، وحق عمر وراوية في كفة تانية.


في اللحظة دي، البوليس دخل المكان ومعاهم راوية اللي كانت بتصرخ باسم بناتها.


عمر قدر يسيطر على محمود وكتفه، والبوليس قبض على هيام اللي كانت بتحاول تهرب من الباب الخلفي وهي بتصوت و تصرخ إن ملهاش دعوة.


راوية دخلت الأوضة، فكت البنات وخدتهم في حضنها وهي مش مصدقة إن الكابوس انتهى.


 


عمر قرب من راوية وهي حاضنة بناتها، نزل لمستواها ومسح دموعها قدام الكل.


عمر:


“قولتلك طول ما أنا موجود، مفيش حد يقدر يلمس شعرة منك أو منهم.


 


راوية بامتنان:


“أنا مديونة لك بعمري يا عمر.. أنت مش بس أنقذت بناتي، أنت رديت لي روحي.”


محمود وهيام اتحطوا في الكلبشات بتهمة الخطف والاب


تزاز وسعاد وقعت اتشلت وهي شايفة بنتها وابنها بيترموا في الحبس و خصوصا لما حللوا لمحمود و لقوه شارب مخد..رات، وكدا التهمة اتضاعفت و في اللحظة دي اتأكدت إن لكل ظلم نهاية


 


تمت لكل ظالم نهاية بقلم نورهان العشري

تعليقات

close