الصدمه كامله حكايات صافي هاني
الصدمه 1حكايات صافي هاني
فوقت في العيادة بتاعة الشركة بعد ما هبطت وضغطي وطي، عشان أسمع السكرتيرة وهي بتوشوش وبتقول: “إنت متأكد إنها شربته كله؟” ساعتها جوزي ضحك وقال لها: “اهدي خالص، على بكرة الصبح كل حاجة هتبقى ملكنا.” في اللحظة دي مديت إيدي ومسكت موبايلي وبعت رسالة للمحامي بتاعي: “نفذ الخطة. فوراً.”
صحيت على ريحة ديتول ومطهر وزنة تكييف عيادة الشركة.
لمدة تلات ثواني، مكنتش مجمعة أنا فين. بعدين بدأت أركز في السقف المعلق اللي فوقي، وكان في بوقي طعم مر زي المعدن، والذاكرة بدأت ترجعلي حتة حتة: شربنا عصير وساقع في قاعة الاجتماعات (أ)، وإيد جوزي سانداني، والسكرتيرة بتبتسم بصفار وهي بتقدم لي الكوباية.
وبعدها الدنيا اسودت.
#حصري
فضلت مواربة عيني أول ما سمعت صوت وشوشة ورا الباب اللي كان مفتوح حتة صغيرة.
”إنت متأكد إنها شربته كله؟” دي كانت وشوشة فاتن.
جوزي، طارق، ضحك ضحكة مكتومة وقال: “اهدي خالص. على بكرة الصبح، كل حاجة هتبقى ملكنا.”
كل حاجة.
شركتي. براءات الاختراع بتاعتي. فلوس أمي اللي شقيت فيها. أسهم الإدارة اللي رفضت تماماً أكتبهاله. وصفقة الاندماج الجديدة اللي بـ 80 مليون جنيه.
ضربات قلبي زادت وبقت سريعة وقوية لدرجة خفت إن الجهاز اللي جمبي يفضحني، بس مكنش متوصل أصلاً. مطلعوش بيا على مستشفى ولا طلبوا إسعاف. هما جابوني هنا عشان محتاجيني صاحية بس مهدودة ومش قادرة أتحرك.#حصري
فاتن اتكلمت تاني: “طب وافرض صحيت؟”
”مش هتبقى في وعيها ولا هتفهم حاجة. الورق جاهز، هتمضي على توكيل إدارة طوارئ، ومجلس الإدارة هيوافق عليه فوراً، وعلى ما المحامي بتاعها يشم خبر، هيكون كل شيء خلص.”
بصيت على الموبايل اللي كان محطوط على الكرسي جمب السرير.
طارق غلط غلطة عمره.
فاكرني لسه بموت فيه وواثقة فيه عمياني.
من تلات شهور، لما المدير المالي بتاعي لقى تحويلات غريبة مستخبية تحت بند “استشارات”، عينت متحري خاص. وبعد أسبوعين، عرفت إن طارق بيقابل فاتن في فندق في التجمع. وبعدها بأسبوع، المحامية بتاعتي، أستاذة رضوى، جهزت خطة طوارئ محكمة.
لو جرى لي أي حاجة صحية في ظروف تشكك، طارق بيفقد كل صلاحياته المؤقتة فوراً. ولو ظهرت أي ورقة طوارئ عليها إمضائي، بيترفع قض..ية مستعجلة ووقف للتنفيذ. ولو موبايلي بعت جملة واحدة محددة، رضوى هتحرك المحاضر والقضايا في ثانية.
إيدي كانت بترتعش وأنا بمدها للكرسي.
ورا الباب، طارق قال: “هاخدها البيت الليلة. وف الصبح، هتبقى تعبانة ومتبهدلة لدرجة مش هتخليها تسأل أصلاً مجلس الإدارة اجتمع وصوت على إيه.”
فاتن ضحكت ضحكة سهوكة: “وبعدين؟”
”بعدين يا حبيبتي، إيمان دي هتبقى صفحة وانطوت من حياتنا.”
#حصري
فتحت الموبايل ببصمة الوش، وكنت بدعي ربنا إضاءة الأوضة الخافتة تكفي. الموبايل فتح. جبت شات رضوى.
صباعي اتهز ثانية، وبعدين ثبت.
نفذ الخطة. فوراً.
الرسالة اتبعتت.
سمعت صوت كعب فاتن وهو بيبعد. طارق زق الباب ودخل، ورسم على وشه وش الزوج الخايف والقلقان اللي بيمثله بقاله سنين.
”إيمان،” قالها بصوت حنين ومخضوض. “خضيتيني عليكي.”
بصيت في عينه وابتسمت.
”يا راجل؟ لحقت تتخض؟”
#حكايات_صافي_هاني
وبما اني طول الوقت عندي حظر تعليقات لو مالقتوش اللينك ع الجروبات هاتلاقوو اللينك ع الصفحه الاساسيه الي منزله بيها القصه الي هي دي. عالم السطور ر اضغط عليها وهتلااقي القصه هناك وهناك وبالمره اعملي متابعه عشان يوصلك كل جديد مني بما اني كل قصصي حصريا
@أبرز المعجبين
وجدت ملامحه تتصلب في جزء من الثانية، والابتسامة الزائفة التي كانت ترتسم على شفتيه تلاشت ببطء ليحل محلها قناع من التوجس الشديد. طارق لم يكن غبيًا، كان ثعلبًا يراقب فريسته بحذر، ونبرة صوتي الهادئة، الخالية من أي وهن أو انكسار، لم تكن هي النبرة التي توقع أن يسمعها من زوجة مخدوعة، من المفترض أنها تتجرع الآن سمًا يربك حواسها ويسلبها إرادتها.
تراجع خطوة صغيرة إلى الوراء، وعيناه تضيقان وهما تتفحصان وجهي، وكأنه يحاول قراءة ما يدور خلف جفوني، ثم تنقلت نظرته بسرعة البرق نحو يدي، التي كانت ما تزال تقبض على الهاتف المخبأ تحت غطاء السرير الخفيف. حاول استعادة قناعه المهتز، فبلع ريقه واقترب مجددًا وهو يمد يده ليلمس جبيني بتمثيلية رخيصة، وقال بنبرة مرتجفة مصطنعة: “إيمان حبيبتي.. إنتي أكيد لسه تعبانة والمفعول.. أقصد الهبوط لسه مأثر عليكي، إنتي مش دريانة إنتي بتقولي إيه، أنا كنت هتموت من القلق عليكي لما وقعتي في وسط الاجتماع.”
ضحكت بصوت مسموع، ضحكة رنت في أرجاء غرفة العيادة الصامتة، زادت من توتره وجعلت عروق عنقه تبرز بشكل واضح. رفعت جسدي ببطء وسندت ظهري على الوسادة، متجاهلة تمامًا ذلك الثقل اللعين الذي كان يحاول شل أطرافي، ونظرت إليه بقوة جعلته يتراجع خطوة أخرى.
قلت له وعيني تتحديان عينيه: “أنا دريانة بكل كلمة وبكل نفس اتنفس اتقال ورا الباب ده يا طارق. دريانة بالعصير الساقع وبفاتن، ودريانة بالتوكيل وبمجلس الإدارة اللي مستني إمضائي على ورق الطوارئ عشان صفقة الـ 80 مليون، ودريانة كمان بإن إيمان المفروض من بكرة الصبح تبقى صفحة وانطوت من حياتكم.”
الألوان هربت من وجهه تمامًا، وأصبح شاحبًا كالموتى. التفت بذعر نحو الباب الموارب وكأنه يخشى أن يكون هناك من يستمع إلينا، ثم عاد بنظره إليّ، ملامحه تحولت فجأة من القلق المصطنع إلى غل دفين وشرس، وظهر وجهه الحقيقي الذي طالما أخفاه وراء قناع الحب والاهتمام. اقترب من السرير بسرعة وضغط على حافته بيدين ترتعشان من الغضب، وقال بفحيح يشبه فحيح الأفاعي: “أعلى ما في خيلك اركبيه يا إيمان. إنتي هنا لوحدك، في شركتي، وسط ناسي، والكل بره مستني إشارتي أنا. الورق اللي معايا يوديكي ورا الشمس، ومفيش مخلوق هيصدق إنك في وعيك، والتوكيل ده هيمضي هيمضي، برضاكي أو غصب عنك، ومحدش هيلحق ينجدك مني الليلة دي.”
في تلك اللحظة بالذات، وقبل أن ينتهي من جملته، اهتز هاتفه الشخصي في جيب جاكيتته بعنف. لم يكن اهتزازًا لرسالة عادية، بل كان سيلًا متتابعًا من الإشعارات والاتصالات التي لا تتوقف. في نفس الوقت، دوى صوت صراخ مكتوم وجلجلة أقدام متسارعة في الممر الخارجي للعيادة، متبوعًا بصوت كعب فاتن وهو يركض بذعر وهي تصرخ باسمه: “طارق! الحقنا يا طارق!”
تصلب جسد طارق في مكانه، ويده امتدت بآلية مرعوبة نحو جيبه ليخرج هاتفه. نظرت إليه ببرود وثبات وأنا أقول بابتسامة منتصرة: “رد يا طارق.. رد وشوف المحامية بتاعتي رضوى بعتت لك إيه، وشوف المستندات اللي اتقدمت حالا للنيابة وهيئة الرقابة المالية بخصوص التحويلات السرية لـ ‘بند الاستشارات’ في فندق التجمع.. اللعبة انتهت.”
فتح شاشة هاتفه، وعيناه اتسعتا بجنون وهو يرى صورًا ومستندات وأوامر استدعاء رسمية، مع تجميد فوري لجميع أرصدته وصلاحياته الإدارية بناءً على دعوى مستعجلة، وفي تلك الثواني المرعبة، انفتح باب العيادة بقوة، ودخلت فاتن ووجهها خالٍ من مساحيق التجميل ومن التكبر، يكسوه الرعب الخالص وهي تصيح: “طارق! الأمن بره، ومعاهم الشرطة والمحامية بتاعتها.. قالبين الشركة وعايزينك فورًا بقرار ضبط وإحضار!”
التفت طارق إليّ وعيناه تشعان بالجنون والغل، وتقدم نحوي بغضب أعمى وهو يرفع يده وكأنه سيفعل شيئًا متهورًا، لكنني لم أتحرك شعرة واحدة، بل نظرت إلى الباب وخلفه رجال الأمن والمحامية، ثم نظرت في عينيه مباشرة وقلت بنبرة حادة كالشفرة: “خطوة واحدة كمان يا طارق.. وهتكون قض..ية شروع في قتل بـ ‘السم’ جاهزة ومثبتة بتقرير المعمل الجنائي اللي مستني بره ياخد عينة دم واحدة مني!”
الصدمه 2
تراجع طارق خطوة إلى الوراء وكأن الكلمات ضربته في صدره. يده التي كانت مرفوعة في الهواء تجمدت، ثم هبطت ببطء وهو ينظر إليّ برعب خالص، وعيناه تلتفتان بجنون بيني وبين الباب الذي كان يقف وراءه رجال الأمن والمحامية رضوى التي دخلت الغرفة بثقة وثبات، تتبعها نظرات فاتن المنهارة وهي تستند إلى الحائط وتبكي بهستيرية.
تقدمت رضوى خطوتين، وفتحت حقيبتها الجلدية ببرود شديد، وأخرجت منها حزمة من الأوراق الرسمية المختومة، وقالت بصوت رخيم وهادئ zat صدى قوي في الغرفة: “أستاذ طارق.. بفتاتك التذاكر، وبصفتي الوكيل القانوني للدكتورة إيمان، أحب أبلغك إن النيابة العامة أصدرت قرارًا بتشميع مكتبك ومكتب الأستاذة فاتن فورًا، والتحفظ على كاميرات المراقبة في قاعة الاجتماعات (أ) اللي أثبتت بالصوت والصورة حركة إيدك وأنت بتحط المادة المهددة في كاس العصير.”
التفت طارق نحو فاتن وكأنه يبحث عن طوق نجاة، لكن فاتن صرخت فيه بذعر: “أنا ماليش دعوة! هو اللي خطط لكل حاجة.. هو اللي قالي إيمان لازم تختفي من السوق والشركة تبقى باسمنا!”
في تلك اللحظة، دخل ضابط المباحث الغرفة، وبنظرة واحدة حاسمة أشار لرجاله: “هاتوه.. هو والهانم.”
حاول طارق المقاومة، وصرخ وهو يسحب يده من العسكري: “إيمان! أنتي بتدمريني؟ أنا جوزك! كل ده عشان نزوة؟ أنا ممكن أكتب لك كل حاجة.. إيمان!”
وقفتُ من على السرير، ورغم الوهن الذي كان يطارد جسدي، إلا أنني وقفت بكبرياء ولمحت عيني في مرآة العيادة؛ كانت عينا امرأة ولدت من جديد. نظرت إليه للمرة الأخيرة وقلت بنبرة خالية من أي مشاعر: “أنت دمرت نفسك من يوم ما فكرت إن فلوس أمي وشقايا ممكن يبقوا ملكك بـ ‘كوباية عصير’.. طارق، أنت مش بس خسرت الشركة والفلوس، أنت خسرت حياتك.”
سحبوه خارج الغرفة وسط صراخه وتوسلات فاتن التي كانت تتلاشى تدريجيًا في الممر الطويل، ليحل محلها صمت عميق.. صمت الانتصار.
التفتت إليّ رضوى وابتسمت قائلة: “الحمد لله على سلامتك يا دكتورة. الخطة اتنفذت بالحرف، وحقك رجع في أقل من ساعة.”
تنفسْتُ الصعداء، وشعرت لأول مرة منذ أشهر بقيمة الهواء النقية. أمسكت هاتفي، وفتحت صفحتي الرسمية، وبأصابع ثابتة لا ترتعش، كتبت منشورًا قصيرًا لجمهوري ومتابعيني الذين انتظروا طويلاً: “الخديعة قد تمنحك جولة، ولكن الحق دائمًا يفوز بالمعركة.. انتظروا التفاصيل الكاملة.”
وضعت الهاتف في حقيبتي، ومشيت خطوة نحو الباب وأنا أردد في سري: “الصفحة اللي انطوت هي صفحتكم أنتم.. أما كتاب حياتي، فـ لسه بيبدأ حالا.”
#حكايات_صافي_هاني
خرجتُ من مبنى الشركة وأنا أستند على ذراع رضوى، وكان هواء الليل البارد يلفح وجهي ليوقظ في داخلي بقايا الوعي التي حاول ذلك السم اللعين أن يسلبها مني. في ساحة الانتظار الخارجية، كانت أضواء سيارات الشرطة الزرقاء والحمراء تعكس ظلالاً راقصة ومخيفة على واجهة المبنى الزجاجي الضخم الذي بنيتُه بجهدي وعرقي، وصوت سرينة الإسعاف البعيد يملأ المدى. رأيتُ طارق وهو يُقاد ب wey الأصفاد الحديدية تلمع في يديه، يلتفت خلفه بنظرات ملؤها الغل والإنكسار، بينما كانت فاتن تحاول إخفاء وجهها بشعرها وهي تبكي بهستيرية وتتعثر في خطوتها وكأن الأرض تميد من تحتها. لم أشعر بالشماتة، بل شعرت بنوع من النظافة الفورية، وكأنني أقتلع ورمًا خبيثًا كاد أن ينهي حياتي.
ركبتُ السيارة في المقعد الخلفي، وأسندتُ رأسي على الزجاج البارد وأنا أراقب شوارع القاهرة الهادئة في هذه الساعة المتأخرة من الليل. كانت لافتات الإعلانات المضيئة تمر من أمامي كالأشباح، ورضوى بجانبي تتابع الهاتف وتجري اتصالات متتالية مع فريق القانوني لتأمين الحراسة على مقرات الشركة ومنع أي تلاعب بالسجلات حتى الصباح. طمأنتني رضوى بصوتها الدافئ وهي تضع يدها على كتفي قائلة إن كل شيء تحت السيطرة تمامًا، وأن الصيغة التنفيذية لوقف أي قرارات صدرت في الساعات الأخيرة قد فُعّلت بالفعل.
عندما وصلتُ إلى فيلتنا، أو بالأحرى فيلتي التي دفع طارق ثمنها من دمي وجهدي، كان السكون الذي يلف المكان غريبًا ومريبًا. ترجلتُ من السيارة ورفضتُ تمامًا أن تبيت معي رضوى أو أي من الحراس، كنتُ بحاجة ماسة لأن أكون بمفردي، أن أتنفس دون وجود عيون تراقبني أو نوايا خبيثة تحاك ضدي في الظلام. فتحتُ الباب الخارجي، وخطوتُ داخل الصالة الكبيرة التي كانت غارقة في عتمة شديدة، ولم أقم بإضاءة الأنوار العلوية، بل اكتفيت بإضاءة أباجورة صغيرة في زاوية الغرفة لتنشر دفئاً خافتاً يطرد خيالات الماضي القريب.
صعدتُ السلم ببطء، خطوة وراء خطوة، وجسدي ما زال يرتعش بشكل طفيف من أثر المادة المهدئة. دخلتُ غرفة مكتبي الخاصة، المكان الذي كنتُ أهرب إليه دائماً لأخط براءات الاختراع واستراتيجيات العمل. توجهتُ مباشرة نحو اللوحة الزيتية الكبيرة المعلقة وراء المكتي، والتي تمثل مشهدًا للبحر في حالة ثوران. أزحتُ اللوحة ببطء بيدي المرتعشتين لتظهر من خلفها الخزنة الحديدية الرقمية المخفية في الحائط. هذه الخزنة لم يكن يعلم برقمها السري مخلوق في الكون غيري، ولا حتى طارق، وهي تضم أصول عقود براءات الاختراع، وصية أمي، ودفاتر الحسابات السرية في الخارج التي لا تظهر في الميزانيات الرسمية للشركة.
بدأتُ بإدخال الأرقام السرية بحذر، وصوت التكات الإلكترونية الصغير كان يتردد في هدوء الغرفة كأنه ضربات قدر منتظرة. تكة.. اثنتان.. ثلاث.. ثم أومأ الضوء الأخضر الصغير معلنًا انفتاح القفل. سحبتُ الباب الحديدي الثقيل ببطء، وأنا أستعد لإخراج الأوراق التي ستؤمن مستقبلي بالكامل في معركة الغد بمجلس الإدارة.
لكن نظراتي تجمدت، والأنفاس انقطعت تمامًا في صدري، وشعرت بركبتي تكادان عاجزتين عن حملي.
الخزنة كانت فارغة تمامًا.
مفروشة ببطانتها المخملية السوداء، دون وجود ورقة واحدة من براءات الاختراع، ولا عقود الحسابات، ولا وصية أمي. كل شيء اختفى وكأنه لم يكن. وفي منتصف الفراغ المرعب للخزنة، كانت تقبع ورقة واحدة مطوية بعناية، وفوقها قلم حبر جاف أسود اللون.
بأصابع ترتجف بعنف وكأنني ألمس جمرة من النار، امتدت يدي والتقطت الورقة. فتحتها ببطء تحت ضوء الأباجورة الخافت، لتقع عيناي على كلمات مكتوبة بخط يد أعرفه أكثر من خط يدي.. خط يد لم يكن لطارق، ولا لفاتن، بل كان لشخص صدمتي فيه زلزلت الأرض من تحت قدمي، شخص كان يدير معركتي بالكامل من وراء الستار. كانت الرسالة تقول بالحبر الأسود القاطع:
”شكراً ليكي يا إيمان.. طارق وفاتن كانوا مجرد العرائس الماريونيت اللي حركتهم بذكاء عشان يشغلوا تفكيرك، وعشان ينفذوا الجزء القذر من الخطة ويقعوا هما في الوش. الصفقة الـ 80 مليون اتوقعت باسمي أنا من تلات ساعات، وبراءات الاختراع بقت في طريقي لبرة مصر. نتقابل في المرة الجاية.. لو فضل معاكي فلوس للمحاميين.”
وفي نهاية الورقة، كانت التوقيع الصادم الذي جعل عقلي يتوقف عن التفكير، وشعرت ببرودة الموت تسري في عروقي وأنا أقرأ الاسم.
#حكايات_صافي_هاني
الاسم الذي كان يزين أسفل الورقة بحبره الأسود القاتم لم يكن سوى: أستاذة رضوى.. المحامية.
لمدة دقيقة كاملة، تجمدت في مكاني كتمثال من ثلج. لم أكن أسمع سوى صوت أنفاسي المتلاحقة وصوت دقات قلبي التي تحولت إلى طبول تقرع في رأسي بجنون. رضوى؟ رضوى التي كانت تسندني منذ دقائق؟ رضوى التي وثقت بها وأعطيتها مفاتيح حياتي وأسراري القانونية؟ رضوى التي صممت خطة الطوارئ من البداية؟
فجأة، بدأت خيوط اللعبة تتشابك في عقلي بطريقة مرعبة. خطة الطوارئ لم تكن لحمايتي، بل كانت مصيدة مصممة بدقة لتجريد طارق وفاتن وإبعادهما عن الساحة في اللحظة الحاسمة، لتبقوا هي الوحيدة في الملعب! الرسالة التي أرسلتها لها من العيادة: “نفذ الخطة. فوراً” لم تكن إشارة لإنقاذي، بل كانت الضوء الأخضر لها لتبدأ هي في جني الثمار ونقل كل شيء باسمها والهروب بملف براءات الاختراع. طارق وفاتن لم يكونا سوى طُعم، وأنا كنت الضحية المغفلة التي ظنت أنها تدير اللعبة.
استجمعتُ بقايا قوتي، وأغلقتُ الخزنة بعنف، والدموع التي تجمعت في عيني لم تكن دموع انكسار، بل كانت دموع غيظ وغل ولدت من رحم صدمة لا تحتمل. هبطتُ درجات السلم بسرعة لم أعهدها في جسدي المنهك، وتوجهتُ مباشرة نحو الباب الخارجي. ركبتُ سيارتي وقمتُ بتشغيل المحرك، وضغطتُ على دواسة البنزين بأقصى سرعة متجهًا نحو مكتب رضوى في الشيخ زايد. لم أكن أفكر في العواقب، كنتُ أريد فقط ملاحقتها قبل أن تغادر البلاد وتطير ببراءات اختراعي وشقى عمري.
طوال الطريق، كنت أحاول الاتصال بهاتفها، لكن الخط كان مغلقًا تمامًا، مما أكد لي شكوكي. بعد نصف ساعة من القيادة الجنونية، وصلتُ إلى مبنى مكتبها. كان المبنى شبه مظلم باستثناء إضاءة خافتة تأتي من الطابق الثالث.. طابق مكتبها. ترجلتُ من السيارة وأنا أشعر بأن الأدرينالين يتدفق في عروقي ويسري كالنار. صعدتُ في المصعد، وبمجرد أن انفتح الباب، توجهتُ نحو باب مكتبها الخشبي الضخم، ووجدتُه مواربًا بشكل مريب.
دفعتُ الباب ببطء وبخطوات صامتة. كانت المكاتب الخارجية فارغة، لكن صوت تمزيق أوراق وصوت حقائب تُغلق كان يأتي من مكتبها الخاص في الداخل. تقدمتُ بخطوات ثابتة، ودخلتُ المكتب فجأة دون مقدمات.
توقفت رضوى عن الحركة تمامًا. كانت تقف خلف مكتبها، وأمامها حقيبة سفر ديبلوماسية مفتوحة تمتلئ بملفات براءات الاختراع الخاصة بي، وفي يدها تذاكر طيران. نظرت إليّ، ولم تظهر على وجهها أي علامة من علامات المفاجأة أو الرعب، بل على العكس، ارتسمت على شفتيها ذات الابتسامة الهادئة والباردة التي طالما طمأنتني بها.
”كنت عارفة إنك ذكية وهتوصلي هنا بسرعة يا إيمان،” قالتها رضوى وهي تغلق الحقيبة ببرود شديد وتضغط على قفلها الرقمي، “بس للأسف.. جيتي متأخرة. الطيارة بتاعتي بعد ساعتين، وكل الأوراق اتنقلت قانونياً لشركة واجهة برة مصر، ومفيش ورقة واحدة تثبت إنك تملكي شيء هنا.”
نظرتُ إليها، وشعرتُ فجأة برغبة في الابتسام، رغبة نابعة من ثقة مطلقة لم تتوقعها هي. تراجعتُ خطوتين إلى الوراء، وسندتُ ظهري على إطار الباب، ورفعتُ يدي اليمنى التي كانت تقبض على هاتف الصغير.
قلت لها بصوت حاد وواثق هز أركان المكتب: “أنا فعلاً ذكية يا رضوى.. وعشان أنا ذكية، عمري ما وثقت في مخلوق بعد خيانة طارق. الخزنة اللي في بيتي دي مكنش فيها براءات الاختراع الأصلية.. دي كانت النسخ المزورة اللي سبتها مخصوص عشان أعرف مين الحية التانية اللي بتلعب ورايا. الأوراق الأصلية في مكان أبعد بكتير من خيالك.. والرسالة اللي بعتها لك من العيادة؟ مكنتش موبايلي الشخصي.. دي كانت رسالة متبرمجة تتبعت أوتوماتيك من سيرفر الشركة للشرطة وأنتي واقفة جمبي، واللوكيشن بتاع موبايلك دلوقتي متبوع للنيابة بتهمة السرقة وخيانة الأمانة.”
وفي تلك اللحظة بالذات، دوى صوت سرينات الشرطة وهي تحاصر مبنى المكتب من الأسفل، لتتحول ابتسامة رضوى الباردة إلى رعب خالص وهي تسمع خطوات الأقدام المتسارعة تصعد السلم.
#حكايات_صافي_هاني
تلاشت الألوان من وجه رضوى تمامًا، وسقطت حقيبة المستندات من يدها على المكتب لتحدث دويًا جافًا كسر حدة الصمت. نظرتْ إليّ بعينين متسعتين بجنون، يمتزج فيهما الذهول بالغل، ولم تعد تلك المحامية الرزينة ذات النبرة الواثقة؛ بل ظهرت على حقيقتها كـ لصة حوصرت في جحرها الأخير.
بدأتْ تتنفس بسرعة، وتراجعتْ خطوة إلى الوراء وعينها تلتفت بقلة حيلة نحو شرفة المكتب الكبيرة، وكأنها تفكر في الهروب منها، لكن أصوات أقدام رجال الشرطة وهي تقتحم الممر الخارجي للمكتب حسمت الأمر.
”أنتي.. أنتي عملتي كل ده؟” تمتمتْ رضوى بنبرة مخنوقة وصوت مرتعش وهي تشير إليّ بأصابع مهتزة، “من إمتى؟ من إمتى وأنتي عارفة؟”
ابتسمتُ بمرارة وأنا أتقدم نحو مكتبها بخطوات بطيئة وحاسمة، وقبل أن أجيبها، انفتح باب المكتب بقوة ودخل ضابط المباحث ومعه ثلاثة من رجاله. التفت الضابط إليّ بإيماءة احترام ثم نظر إلى رضوى والحقيبة المفتوحة أمامه وقال بلهجة قاطعة: “أستاذة رضوى.. أنتي مقبوض عليكي بتهمة خيانة الأمانة، وتزوير أوراق رسمية، والشروع في سرقة براءات اختراع ومستندات تخص الدكتورة إيمان.”
اقترب أحد العساكر وكلبش يديها خلف ظهرها. في تلك اللحظة، نظرتُ في عينيها مباشرة وقلت بصوت هادئ هز كيانها: “من يوم ما طارق عرف مكان الفندق اللي بيقابل فيه فاتن يا رضوى. طارق غبي، ومكنش هيعرف يداري حساباته السرية في ‘بند الاستشارات’ لوحده.. أنتي اللي كنتي بتديريله حساباته وتخفيها، ولما حسيتي إن أمره هيكتشف، قررتي تضحّي بيه وتخليه يخلص مني بالسم عشان تاخدي أنتي الجمل بما حمل. أنا عينت متحري خاص لطارق.. بس عينت متحري تاني خالص عشان يراقبك أنتي.”
صرختْ رضوى وهي تُساق إلى الخارج بعنف: “مش هتلحقي تفرحي يا إيمان! الصفقة الـ 80 مليون مضيتها باسم شركتي برة.. مش هتعرفي توقفيها!”
التفتُ إليها عند الباب وقلت ببرود قتل آخر أمل لديها: “الشركة اللي أنتي مضيتي معاها برة.. أنا اشتريت 51% من أسهمها من أسبوع عن طريق وسيط صيدناوي.. يعني أنتي مضيتي الصفقة معايا أنا برضه يا رضوى.”
انهارت تمامًا وسحبها رجال الأمن وهي تصرخ وتكيل الشتائم، ليخيم الهدوء التام على المكتب الفاخر الذي شهد على تخطيط نهايتي.. فصار شاهدًا على نهايتهم جميعًا.
التفتُ إلى ضابط المباحث وشكرته، ثم أخذتُ حقيبة المستندات المزورة ونزلتُ إلى الشارع. كان الفجر قد بدأ يتنفس، وخيوط الشمس الأولى تشق عتمة ليل القاهرة الطويل والمؤلم. ركبتُ سيارتي، وأمسكتُ بهاتفي لأغلق تلك الصفحة تمامًا أمام العالم.
فتحتُ حسابي، ونشرتُ الكلمات الأخيرة التي سيسدل بها الستار على هذه المعركة:
“عندما تظن الحيايا أنها أحكمت الحصار حول فريستها، تكتشف متأخرة أن الصياد كان يراقبها من الأعلى.. شكرًا لكل من ساندني، غدًا تشرق الشمس على عهد جديد لشركتي.. بمفردي.”
أغلقتُ الهاتف، وضغطتُ على دواسة البنزين متجهة نحو بيتي، وأنا أشعر لأول مرة منذ سنوات طويلة، بنقاء الكون، وبأنني أخيرًا.. حرة.


تعليقات
إرسال تعليق