حبيت واحد متجوز كامله بقلم زهره الربيع
حبيت واحد متجوز كامله بقلم زهره الربيع
انا حبيت واحد متجوز ومخلف بس فضلت وراه وبعد تعب خليته طلق مراته وساب ابنه واتجوزني ،كنا عايشين مع بعض احلى حياه لمدة ٣ سنين لحد ما رجعت طليقته بمفاجأه غيرت حياتنا واللي حصل بعدها عمري ما اتخيلته !!!!
بعد ما بابا اتوفى.. الدنيا اسودت في وشنا أنا وماما، ومبقاش لينا قعدة في شقتنا الجديده ، فاضطرينا نرجع لبيتنا القديم في الحي الهادي اللي عشت فيه طفولتي. كنت حاسة بكسرة نفس واكتئاب شديد ..، لحد ما شفته..
كان نازل من عمارة جنبا، لابس بدلة الطيران الكحلي الكياد، النجوم بتلمع على كتافه، وطاقيته في إيده، وريحة برفانه قلبت الشارع قبل ما يمشي.. مكنش مجرد راجل وسيم، ده كان زي الممثلين السينما، طويل، ضحكته بتنور وشه، وأسلوبه في الكلام يدوّخ.. سألت وعرفت إن اسمه شريف. من أول نظرة، قلبي دق دقّة غريبة، وحسيت بانجذاب سريع ومجنون ناحيته، قولت لنفسي: “هو ده الراجل اللي بحلم بيه”.
بس الصدمة جت سريعة أوي.. عرفت إنه متجوز، ومش بس متجوز، ده عنده ولد صغير، وبيحب مراته حب أعمى! الناس في المنطقة كانوا بيحلفوا بأدبهم وجمال علاقتهم.. هنا بقى، الشيطان شاطر، وبدل ما أرجع لورا، اتغاظت! حسيت بنار الغيرة بتاكل فيا.. غيرة غريبة ومالهاش مبرر، كنت ببص لمراته وأقول في سري: “دي متستاهلوش.. دي أخدته مني أنا، هو مكانه معايا أنا مش معاها”.
قررت ألعبها صح، وبذكاء.. بدأت أقرب من مراته، عملت نفسي الجارة الجديدة الغلبانة اللي مالهاش حد، وصاحبتها.. بقيت أدخل بيتهم، أتردد عليهم بحجة إني طهقانة أو محتاجة مساعدة وهيه كانت غلبانه جدا كانت ترحب بيا وتقعد تهون عليا….. اما انا كنت بقعد معاها وعيني عليه هو.. بدرس حركاته، وتفاصيله، ونقاط ضعفه واللي بيحبه واللي بيكرهه.
وبدأت الخطة.. كنت بستغل أي فرصة تكون مراته مش واخدة بالها فيها، أو بتعمل حاجة في المطبخ، وأبدأ أرمي شباكي.. نظرة طويلة فيها اعجاب صريح، ضحكة دلع على نكتة قالها، لمسة إيد “بالغلط” وأنا بمده حاجة.. كنت بظهر قدامه بأجمل صورة، وأبين له إني البنت الرقيقة اللي محتجاة يحميها ويدلعها، عكس مراته اللي كانت مطحونة في طلبات البيت وابنهم الصغير.
فضلت وراه.. موقف ورا موقف، إغراء ورا إغراء.. كنت زي المية اللي بتهد الصخر. لحد ما جه اليوم اللي كنت مستنياه، كنا واقفين في البلكونة ومراته جوة، وبص في عيني وعينه كانت مليانة رغبة وتوهة، واعترف لي.. اعترف إنه مبقاش يشوف غيري، وإنه معجب بيا
كان متلخبط وكانه مش فاهم نفسه بس انا مدتهوش فرصه يفهم
حطيت شروطي بدم بارد: “أنا متجوزش في السر.. لو عايزني، طلق مراتك”.
اتبدلت ملامحه والحيره ظهرت على وشع اكتر بس انا فضلت وراه لحد ما قدرت اغيره من ناحيتها .
ومن هنا، بدأت حياتهم تتحول لجهنم.. بقيت أنا المحرك الخفي لكل مشاكله.. شريف بقى بيتلكك لمراته على الهوا الطاير، يرجع من الشغل يعمل مشكلة من مفيش، الأكل ملوش طعم، البيت مش نظيف، صوتك عالي.. والمسكينة مكانتش فاهمة في إيه! كانت تبكي وتموت في جلدها وتدور وراه وهي مش فاهمة إن السك*ينة جاية لها من صاحبتها وجارتها.
لحد ما جاب آخره مع طاقتي وضغطي عليه، وطلقها .
ممرش شهر واحد، شهر واحد بس، وكنت أنا العروسة الجديدة اللي قاعدة في بيته، ولابسة الفستان الأبيض.. حققت انتصاري، وأخدت الراجل اللي هز قلبي.
عشنا مع بعض تلت سنين.. يااااه على الجمال.. كانت عيشة ولا في الأحلام، دلع، وسفر، وخروج، وحب مبيخلصش.. شريف كان شايلني من على الأرض شيل.. أما طليقته، فأخدت ابنها وسافرت تقعد عند أهلها برة القاهرة، وهو كان بيبعت لها فلوس النفقة والمصاريف شهرياً في المعاد
ولما كان يحاول يروح يزورها هيه وابنها كنت باعطله باي حجه ومخلتوش يروح يزورها ولا مرة، ولا حتى يشوف ابنه.. كل حاجة في حياتنا كانت كاملة، ومفيش غلطة، وكنت بحس إني ملكت الدنيا وعملت اللي اتمنيته..
لحد ما في يوم الدنيا كانت هسّس، وشريف نايم جوة تعبان من رحلة طيران طويلة.. وفجأة، الجرس رن. قمت بكسل ودلع، فتحت الباب وأنا ببتسم.. بس الابتسامة اتمحت فورا، واتجمدت في مكاني..
طليقته كانت واقفة في وشي!
مظاهرها كانت متغيرة تماماً، بس مش هي دي القض*ية.. الصدمة إنها مجاتش لوحدها.. جات و معاها مفاجأةهدت سقف البيت فوق راسي، ودمرت حياتنا ونسفت التلت سنين حب في ثانية واحدة!!!!
طليقته كانت واقفة في وشي، لابسة أسود في أسود، وشها شاحب وزي ما تكون كبرت عشر سنين، بس عينيها كانت بتلمع بنظرة غريبة.. نظرة فيها تشفي وكسرة في نفس الوقت. ما لحقتش أنطق ولا كلمة، ولا أسألها إيه اللي جابك، لما لفت وشها وشاورت لراجل واقف وراها في الممر.
الراجل ده كان ماسك إيد ولد صغير.. الولد ده كان سيف، ابن شريف. بس الصدمة اللي شلت حركتي وخلت الدم يتجمد في عروقي، إن سيف كان قاعد على كرسي متحرك، ورجليه الاتنين متجبسين وفيها أجهزة حديد، ووشه فيه آثار حروق وجروح لسه بتلتئم.
قبل ما أستوعب المنظر، طليقته زقت الباب بقوة ودخلت الصالة، وقالت بصوت عالي وهستيري هز حيطان الشقة: “يا شريف! اخرج يا كابتن يا محترم! اخرج شوف ابنك اللي هان عليك، شوف لحمك ودمك اللي رمتهم عشان نزوة!”.
الصوت صحى شريف. خرج من الأوضة يجري وهو متبهدل من التعب، وعينه مشققة من النوم، بس أول ما شاف طليقته وابنه بالمنظر ده، رجله خانته وقعد على ركبته في الأرض. ملامحه اتقلبت لذهول ورعب، وبدأ يزحف ناحية ابنه وهو مش مصدق: “سيف؟ ابني؟ إيه اللي حصلك؟ إيه المأساة دي؟”.
طليقته ضحكت ضحكة تقطع القلب وقالتله: “لسه فاكر تسأل؟ بقالك تلت سنين مكلفتش نفسك تيجي تبص في وشه.. تلت سنين والمحروسة بتاعتك بتتحجج وتمنعك، وأنت ماشي وراها مغمي عينيك! ابنك عمل حادثة عربية كبيرة من ست شهور مع جده.. جده مات، وسيف عاش بعد ما عمل خمس عمليات، وكان بيموت في المستشفى وهو بينطق اسمك، وأنت كنت فين يا كابتن؟ كنت بتتفسح وبتدلع!”.
شريف بصلي بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة كلها غل وكره واحتقار، وكأنه أول مرة يشوفني على حقيقتي. قام وقف ودموعه نازلة زي المطر، ومسكني من كتفي وهزني بعنف وهو بيصرخ: “أنتي! أنتي السبب! كل ما أقولها عايز أسافر أشوف ابني، تقوليلي تعبانة، تقوليلي الشقة بتغرق، تقوليلي أمي عيانة! أنتي خربتي بيتي وحرمتيني من ابني وهو بيموت!”.
طليقته مأكتفتش بكده، طلعت من شنطتها ظرف كبير ورامته في وش شريف وقالتله: “ودا بقى الحساب القديم اللي جيت أقفله.. فاكر المشاكل اللي كانت بينا؟ فاكر الأكل اللي كنت بتقول ملوش طعم والبيت اللي مش نضيف وصوتي اللي بقيت تشوفه عالي؟ اسأل هانم زمانها اللي واقفة دي، كانت بتقولي إيه في المطبخ وتخليني أعمل إيه! كانت بتوزني عليك وتفهمني إنك مبقتش تحبني عشان تخليني أنكد عليك.. دي مكانتش جارة، دي كانت حية دخلت بيتي عشان تسرق جوزي!”.
الدنيا لفت بيا، وحسيت إن السقف بيقع عليا فعلاً. شريف مبقاش سامعني ولا شايفني، فتح الظرف ولقى فيه تقارير طبية وصور لسيف وهو في العناية المركزة، ولقى كمان فلاشة. طليقته قالتله: “الفلاشة دي عليها تسجيلات لكاميرا البيت القديم، لما كانت المحروسة بتدخل شقتي بغيابي وتفتش في حاجتي، وتصور أسرارنا عشان تستغلها ضدنا”.
شريف لفت ناحيتي وعينه حمرا زي الدم، وجرني من إيدي و رماني في الصالة وقال بصوت مرعب: “برا.. مش عايز أشوف وشك في بيتي تاني”. حاول يلمس ابنه، بس الولد خاف واستخبى في حضن أمه وهو بيعيط ويقول: “أنا بخاف من بابا.. بابا سابني ومش بيحبني”. الكلمة دي قطعت شريف حتت، وبدأ يكسر في عفش الصالة وزقني ناحية الباب وهو بيصرخ: “أنتي طالق! طالق بالتلاتة! خدي هدومك واغوري من هنا، أنتي دمرتيني!”.
وقفت في الشارع بشنطة هدومي، في نفس الحي الهادي اللي بدأت فيه الحكاية.. الدنيا اسودت في وشي تاني، والانتصار اللي عشته تلت سنين اتمحى في ثانية، وحسيت لأول مرة بطعم الكسرة والذنب اللي دوقتهم لغيري.. بس اللي فات كان كوم، واللي بدأ يحصل معايا بعد الطلاق ده كان كوم تاني خالص، حاجة مكنتش تخطر على بال بشر!
نزلت السلالم وأنا مش شايفة قدامي، دموعي مغرقة وشي، وصوت صراخ شريف لسه بيرن في ودني، وكلمة “طالق” بتعيد نفسها في دماغي زي الطلقات. خرجت للشارع بشنطة هدومي، والناس في الحتة اللي كانت بتحلف بأدب شريف وطليقته واقفين يبصوا عليا بنظرات همس ولمز؛ الخبر اتنشر في الدقايق دي زي النار في الهشيم.
رجعت لبيت أمي القديم، دخلت وأنا كلي كسرة، رميت نفسي في حضنها وأنا بنهار. أمي مكانتش عارفة تواسيني ولا تلومني، كانت تبصلي بحزن وتقول: “يا بنتي ياما نصحتك، قولتلك البيوت اللي بتتبني على خراب بيوت تانية مابتكملش، والظلم ظلمات.. ذنب البنت الغلبانة وابنها جه لحد عندك”.
فات أول أسبوع وأنا حابسة نفسي في الأوضة، مابكلش ولا بشرب، ومستنية تليفون من شريف، كنت بقول لنفسي: “أكيد هيهدا.. أكيد الحب اللي بينا في التلت سنين مش هيهون عليه وهيحنلي”. بس الصدمة التانية كانت أشد. في اليوم الثامن، الباب رن، جريت بلهفة أفتكرته هو، بس لقيت محضر باعتلي إعلان بدعوى طلاق رسمي، وشريف مش بس طلقني غيابي، ده كمان عملي “منع من دخول الشقة” ورفع قض*ية استرداد لكل الدهب والمؤخر بحجة التدليس والغش بناءً على الفلاشة والتسجيلات اللي طليقته ادهاله!
نزلت للمحامي بتاعي وأنا منهارة، ورأيته الأدلة، بصلي وهز راسه بيأس وقال: “الموقف القانوني صعب.. التسجيلات والفلاشة اللي معاهم تثبت إنك دخلتي البيت بنية إلحاق الضرر وسرقة مستندات خاصة، وشريف جاب شهود من الجيران إنك كنتي بتعطليه عن رؤية ابنه المصاب.. منظرك قدام القاضي هيبقى وحش جداً”.
خرجت من مكتب المحامي والدنيا بتلف بيا، وقررت أروح لشريف الشغل، قولت لازم أقابله في المطار قبل ما يطلع أي رحلة، وأستعطفه. وقفت في المكان اللي بيتجمع فيه الطيارين، ولمحته من بعيد.. لابس بدلت الكحلي، بس مكنش شريف بتاع زمان، وشه كان مطفي، والهم كاسره. جريت عليه ووقفت قدامه وأنا بعيط: “شريف.. أرجوك اسمعني، أنا عملت كده من حبي فيك، مكنتش قادرة أشوفك مع غيري.. سمحني ومتضيعش تلت سنين حب”.
بصلي ببرود وجفاء رعبني، ومشي خطوتين لورا كأنه قرفان يلمسني، وقال بصوت واطي ومسموم: “حب؟ أنتي تعرفي إيه عن الحب؟ أنتي مرض.. أنتي دخلتي بيتي زي السوس اللي نخر فيه لحد ما وقعتيه. أنا خسرت ابني اللي عاجز بسببي، وخسرت نفسي.. تلت سنين كنت عايش مع شيطانة ومخدوع في رقتها المزيفة.. أنا بكرهك يا شيماء، وبكره اليوم اللي شفتك فيه، ولو بايدي أمحي السنين دي من عمري هأمحيكِ معاها”. وسابني ومشي وسط نظرات زمايله المستغربة.
رجعت البيت وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني. وفي نفس الليلة، بدأت الكوابيس.. كنت بنام أشوف نفسي وسط نار قايدة، وسيف ابن شريف قاعد على كرسيه المتحرك وبيشاور عليا ويضحك، وأصحى وأنا عرقانة وبصرخ.
مبقاش في حياتي غير السواد، لحد ما عدا شهرين، وتعبت فجأة.. دوخة مستمرة وترجيع، أمي أخدتني ورحنا للدكتور، وبعد الفحوصات والتحاليل، الدكتور بص في الورقة وبصلي وقال: “مبروك يا مدام.. أنتي حامل في الشهر التاني”.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. حامل؟ حامل من شريف بعد ما كل حاجة انتهت؟ حسيت بأمل غريب نور في قلبي، وقولت: “بس! هو ده المفتاح اللي هيرجعلي شريف.. شريف بيموت في الأطفال، ومستحيل يسيب ابنه التاني يتولد من غير أب”.
مسكت التليفون وبعتله رسالة فوراً: “شريف، أنا حامل في ابنك.. أرجوك بلاش نعمل في الطفل الجديد اللي عملناه في سيف، تعالى ونبدأ صفحة جديدة عشان خاطر اللي في بطني”.
قعدت جمب التليفون مستنية الرد والساعات بتمر كأنها سنين.. وفجأة التليفون رن.. مكنتش رسالة، ده كان اتصال من رقم شريف.. فتحت الخط بلهفة وأنا بصرخ: “شريف! حبيبي!”.. بس الصوت اللي رد عليا مكنش صوت شريف.. كان صوت طليقته، وقالتلي بضحكة كلها شر ملوش آخر: “مبروك يا عروسة.. بس شريف مش هيرد عليكي تاني.. وعايزاكي تسمعي المفاجأة الجديدة دي كويس أوي..”!
صوت ضحكتها كان بيرن في ودني زي الفحيح، جمد الدم في عروقي، وقبل ما أنطق بكلمة، كملت كلامها وثقتها بتهد المتبقي من طولي: “شريف مش هيرد عليكي تاني يا شيماء.. شريف ساب البلد كلها. قدم طلب نقل لشركة طيران دولية في الخليج، وأنا وسيف مسافرين معاه بعد كام يوم عشان سيف يكمل علاجه برة على نفقته.. شريف رمى كل حاجة ورا ظهره، رماكي أنتي والماضي الزبالة بتاعكم، وجاي يبتدئ معايا ومع ابنه من جديد.. ورسالتك دي؟ أنا اللي قريتها، وشريف شافها ومتهزش فيه شعره واحدة، بالعكس.. قالي دي واحدة كدابة ومستعدة تعمل أي حاجة عشان ترجعلي، وحتى لو كان بجد.. فالطفل ده ملوش أب عندي!”.
الخط قطع.. الصوت اختفى بس الدنيا فضلت تلف بيا. التليفون وقع من إيدي واتفرفك على الأرض مية حتة، وزي ما يكون قلبي هو اللي اتفرفك معاه. وقعت على ركبي وأنا بصرخ صرخة مكتومة، حاسة بنار بتغلي جوايا.. شريف رجع لها؟ شريف سابني وأنا في بطني حتة منه ورايح يعوضهم هما عن تلت سنين ظلم؟
أمي جت تجري على صوتي، شافتني بالمنظر ده والموبايل مكسور، فهمت كل حاجة. قعدت جمبي في الأرض وضمتني وهي بتبكي وتقول: “يا بنتي احتسبي.. دا دين وبيتسد، اللي عملتيه في البنت المسكينة بتدوقيه حرف بحرف.. اطلبي الغفران من ربنا لعل وعسى الحمل دا يمر على خير”.
بس أنا مكنتش قادرة أستسلم، الغيرة العميا والغل اللي عموا قلبي زمان رجعوا تاني وبقوة.. قولت مستحيل! مستحيل يسافروا ويسيبوني هنا أموت بالبطيء! نزلت وجريت في الشوارع زي المجنونة، رحت لعمارته القديمة، طلعت السلالم وأنا بنهج وبخبط على الباب بكل قوتي، بصرخ وبقول: “شريف! اخرج يا شريف! متعملش فيا كده! أنا بحبك!”.
الجيران بدأت تفتح الأبواب وبصات القرف والشماتة في عيونهم كانت بتدبحني. خرج بواب العمارة وقالي بحدة: “يا مدام امشي من هنا بدل ما نطلبلك البوليس! البيه الكابتن سلم الشقة لأصحاب الملك ومشي هو والست بتاعته وابنه من أول امبارح، العمارة فضيت عليكي خلاص!”.
رجعت بيتنا القديم وأنا زي الج*ثة الحية.. مفيش أي وسيلة تواصل، مفيش طريق يوصلني ليه، اختفى تماماً كأنه مكنش موجود في حياتي.
مرت الأيام والشهور وأنا عايشة في جحيم حقيقي.. بطني بدأت تكبر، وكل ما تكبر، بحس بالذنب والخوف بيزيدوا. الحمل كان صعب جداً ومؤلم، كنت دايماً بنزف والدكاترة يقولوا لي: “حالتك النفسية بتدمر الجنين، لو مهدتيش الطفل هينزل مشوه أو هتموتي معاه”. بس إزاي أهدى؟
كل ما أبص في المراية، بشوف وش طليقته وهي بتضحك، وبسمع صوت سيف وهو بيعيط على كرسيه المتحرك. بقيت أخاف من الضلمة، وبقيت أحس إن في حد قاعد معايا في الأوضة دايماً بيراقبني ويحاسبني على كل لحظة دلع عشتها مع شريف وأنا واخدة مكان مش مكاني.
وفعلاً، في نص الشهر السابع، جالي الطلق فجأة.. مغص رهيب خلاني أصرخ لدرجة إن الجيران اتلمت ونقلوني المستشفى وأنا غرقانة في دمي. دخلت أوضة العمليات وأنا بين الحياة والموت، كنت حاسة إن روحي بتطلع، وبدعي وبقول: “يارب سامحني.. يارب احمي ابني بلاش هو يدفع تمن ذنبي”.
بعد ساعات من العذاب، فقت من البنج، لقيت نفسي في أوضة ضلمة، وأمي قاعدة جمبي ووشها غرقان دموع ومخبية وشها بإيديها. سألتها بصوت مبحوح وخايف: “أمي.. ابني فين؟ شريف الصغير فين؟ هو كويس صح؟”.
أمي مبصتليش، فضلت تبكي بهستيرية، لحد ما دخل الدكتور المسؤول.. ملامحه كانت جادة وحزينة، قرب مني وقال بصوت واطي: “الحمد لله على سلامتك يا مدام.. قدر الله وما شاء فعل، الطفل اتولد قبل معاده بكتير، وعنده عيب خلقي شديد في ضهره ورجليه.. ومحتاج عمليات كتير جداً ونسبة شفائه صعبة.. هو حالياً في الحضانة تحت الأجهزة”.
الكلمة نزلت عليا كأنها خنجر اتغرس في نص قلبي.. عيب في ضهره ورجليه؟ عاجز؟ زي سيف؟! ربنا عاقبني في أعز ما أملك.. نفس الوجع ونفس الكسرة اللي سببتها لسيف، ابني هيعيش فيها!
قمت من على السرير زي المجنونة، بشد الخراطيم من إيدي وأمي بتصرخ وتمسكني، جريت في ممرات المستشفى وأنا بهلوس لحد ما وصلت لأوضة الحضانة.. وقفت ورا الإزاز، وبصيت على الحتة اللحم الحمرا اللي نايمة جوة وسط الأجهزة.. طفل صغير بريء، ملوش أي ذنب، بس شايل ذنب أمه كامل!
وفجأة وأنا واقفة ببكي ورا الإزاز وحاطة إيدي عليه، تليفون أمي اللي كان في جيب جلابيتي رن.. طلعت التليفون وأنا مش شايفة من الدموع، ولقيته رقم دولي غريب.. فتحت الخط وأنا بترعش وجالي صوت شريف.. بس الصوت مكنش فيه لا غضب ولا كره.. كان صوت هادي جداً، بارد لدرجة الموت، وقالي: “سمعت اللي حصل لابنك يا شيماء.. وجيت أقولك كلمتين اتنين بس عشان ترتاحي..”!
حبيبت واحد متجوز 2
زهره الربيع
أنفاس شريف الهادية على الناحية التانية من الخط كانت بتخترق ودني زي تكتكة قنبلة موقوتة، مكنش فيه عصبية ولا زعيق، بالعكس، البرود اللي في صوته كان يجمّد مية نار.
سكت ثانية، تنهد تنهيدة طويلة وقال بلهجة خالية من أي مشاعر: “أنا مكنتش ناوي أكلمك تاني، ولا أعرف عنك حاجة.. بس لما عرفت باللي حصل للطفل، حسيت إنها رسالة من ربنا ولازم توهبلك فوق فووقك. شوفتي يا شيماء؟ شوفتي الديرة دارت إزاي وبسرعة؟ الوجع اللي عيشتيني فيه وأنا شايف ابني سيف حتة حديد مكسورة ومشلول مش قادر يتحرك، ربنا ردهملك في ابنك ومن لحمك.. العدالة الإلهية مابتتأخرش، وكل ساقٍ سيعزل بما سقى”.
دموعي نزلت مغرقة الإزاز اللي بيفصلني عن ابني في الحضانة، صرخت بصوت مبحوح والناس في الممر بتبص عليا: “حرام عليك يا شريف! ده ابنك أنت كمان! لحمك ودمك! ذنبه إيه الطفل ده يدفع تمن غلطتي وغلطتك؟ أنت كمان شاركتني في دمار بيتك الأولاني، ليه بتشيلني الشيلة لوحدي؟!”.
رد عليا بضحكة جافة ومريرة: “ابني؟ أنا قولتلك ماليش ولاد غير سيف.. الطفل ده نتاج غش وتدليس وخطة شيطانية، أنا مش معترف بيه ولا عمري هشوفه، وعشان تريحي نفسك.. أنا برة مصر خلاص، وأوراق الطلاق والبراعة من كل حقوقك هتوصلك مع المحامي بتاعي الأسبوع ده. عيشي بقى يا شيماء.. عيشي دوقي المر اللي دوقتيه لغيرك، واشربيها لوحدك”. قفل السكة في وشي.
الخط قطع، والمرة دي حسيت إن حبل المشنقة هو اللي اتلف حوالين رقبتي. وقعت على أرض المستشفى، سانة ضهري على الحيطة، ببص لـ أمي اللي جت تجري عليا وهي بتعيط وتلطم على وشها من منظر الانهيار اللي أنا فيه.
خرجنا من المستشفى بعد أسبوعين.. رجعت الشقة القديمة، بس المرة دي مكنتش لوحدي، كان معايا “شريف الصغير”.. طفل بريء مكتوب عليه يعيش عاجز، مبيتحركش، صراخه بالليل مبيقفش من الوجع. الشقة اللي كنت بهرب منها زمان عشان أشوف شريف الكبير وهو نازل ببدلته الكحلي، بقت هي السجنبتاعي.
كل قرش كان معايا صرفته على الدكاترة والمستشفيات، ومبقاش معانا أنا وأمي حرفياً تمن علبة اللبن الصناعي بتاع الواد. المحامي بتاع شريف جالي لحد البيت، ورمالي ورقة الطلاق الرسمي، وقالي ببرود: “الكابتن شريف تنازل عن الشقة دي لأم والدته، ومفيش ليكي أي نفقة ولا مليم واحد بناءً على حكم المحكمة بسقوط حقوقك للتدليس.. وقدامكم شهر واحد وتخلوا الشقة دي لأنها هتباع!”.
الدنيا اسودت أكتر وأكتر، مبقتش عارفة أأكل ابني منين ولا هروح فين أنا وأمي والطفل المشلول ده بعد شهر؟ الغل اللي كان جوايا اتمحى وبقى مكانه رعب وندم بياكل في ضلوعي.. كنت بقعد بالليل، والضلمة محاوطاني، أسمع أنين ابني وأفتكر طليقة شريف وهي بتبكي وتموت في جلدها وتدور وراه وهي مش فاهمة إن السك*ينة جايلها مني.. كنت بقول لنفسي: “أنا بستاهل.. بس ابني ذنبه إيه؟”.
وفي يوم، وأنا قاعدة على الكنبة والواد على حجري عمال يتلوى من الألم، الباب خبط.. قمت بجر رجلي، فتحت الباب وأنا متوقعة إنه المحضر جاي يطردنا.. بس الصدمة إن اللي واقفة قدام الباب كانت شخصية عمري ما تخيلت إنها هتعبرني أو تسأل فيا، ولما شفتها، اتسمرت في مكاني ونطق لساني باسمها بذهول.. واللي قالتهولي غير كل توقعاتي ودخل حياتي في مرحلة مرعبة تانية خالص!
الشخصية اللي كانت واقفة قدام الباب ومبتسمة ابتسامة غامضة، مكنتش طليقة شريف، ولا كانت أمي، ولا أي حد من الجيران اللي قاطعونا.. دي كانت “نجوى”!
نجوى دي كانت الصديقة المقربة جداً لطليقة شريف، والوحيدة اللي كانت دايماً بتبصلي بنظرات شك من أول يوم دخلت فيه بيتهم زمان، وكانت بتحذر طليقته مني وتقولها: “البنت دي مش مريحة وعينها من جوزك”. أنا وقتها عملت عليها خطة ووقعت بينها وبين طليقة شريف لحد ما قطعت معاها خالص عشان أفضى لشريف.. ودلوقتي، نجوى واقفة على بابي!
اتراجعت لورا بخوف وذهول، وقولت بصوت مرتعش: “نجوى؟! أنتي إيه اللي جابك هنا؟ جاية تشمتي فيا زي الباقيين؟ جاية تقوليلي تستاهلي؟”.
نجوى دخلت الشقة بكل برود من غير ما آذن لها، لفت نظراتها في الصالة المكركبة والقديمة، وبصت للطفل اللي في حضني وهو عمال يصرخ ويتلوى، ملامح وشها اتقلبت من البرود للجدية الشديدة، وقالت بصوت واطي ومسموع: “أنا مش جاية أشمت يا شيماء.. الشماتة في المرض والعيال قلة أصل، وأنا مش قايلة الكلمة دي عشان سواد عيونك.. أنا جاية أقولك إنك مغفلة! وأكاد أقسم إنك لحد اللحظة دي مش فاهمة اللعبة اللي اتلعبت عليكي من تلت سنين لحد النهاردة!”.
سندت ابني على الكنبة وقمت وقفت قدامها وأنا مش فاهمة حاجة، وبطني ببتعصر من القلق: “لعبة إيه؟ بقولك شريف طلقني ورجع لطليقته وسافروا الخليج، وابني اتولد عاجز زي ابنه سيف، ربنا عاقبني.. لعبة إيه اللي بتتكلمي عنها؟!”.
نجوى ضحكت ضحكة صفرا وقعدت على الكرسي وقالت: “ربنا بيعاقب طبعاً والظلم دينه وحش، بس البني آدمين ساعات بيلبسوا ثوب الملائكة وهما شياطين.. أنتي فاكرة إن طليقة شريف كانت غلبانة ومستسلمة؟ تفتكري واحدة جوزها يتغير عليها فجأة ويطلقها عشان جارتها، هتسكت وتنسحب بالبساطة دي وتروح تقعد عند أهلها تلت سنين؟!”.
برقت عيني وقولت لها: “قصدك إيه؟ ما هي رجعت ومعاها سيف والتقارير الطبية والفلاشة!”.
نجوى قربت مني وقالت بفحيح مرعب: “طليقة شريف عرفت بعلاقتك بجوزها من أول شهر.. من قبل ما تطلبي منه الطلاق بكتير! هي اللي سابتلك الملعب فاضي بمزاجها.. التسجيلات والفلاشة اللي واجهتكم بيها؟ دي مكنتش كاميرات البيت القديم بس، دي كاميرات هي اللي زرعتها في غرفتك وشقتك هنا بالاتفاق مع بواب العمارة القديم اللي كانت بتديله فلوس! هي كانت سيباكم تعيشوا أحلى تلت سنين عشان السقطة تبقى قوية والكسرة تهدكم هد.. الحادثة بتاعة سيف حقيقية، بس هي استغلتها في الوقت المناسب عشان تقلب شريف عليكي كلياً وتخليه يشوفك حية!”.
حسيت بنفَسي بيتقطع، وقولت: “طب وشريف؟ شريف كان بيموت فيا.. سافر معاها ورجع لها ليه؟!”.
نجوى قامت وقفت وقالت بثقة: “شريف مسافرش الخليج عشان يرجع لها يا ذكية.. شريف هربان! شريف عليه قضايا واختلاسات وتزوير في تقارير الطيران الطبية عشان يخبي مرضه، وطليقته كانت ماسكة عليه الأدلة دي ومهدداه بيها.. يا إما يطلقك ويرميليك ورقة الطلاق ويحرمك من كل مليم، ويوافق على شروطها، يا إما تسجنه وتضيع مستقبله! هو اختار نفسه، واختار يهرب برة البلد بفلوسه وسابك أنتي هنا تواجهي الفقر والمحاكم والطفل ده لوحدك!”.
وقع كلام نجوى عليا زي الصخر.. شريف مكنش ملاك ضحية لخطيئتي؟ شريف كان حاسبها بالورقة والقلم وباعني عشان يحمي نفسه؟ وطليقته مكانتش المسكينة اللي دمرتها، دي كانت بتخطط لدماري تلت سنين في السر؟!
بصيت لنجوى وأنا ببكي بهستيرية: “وأنتي.. أنتي جاية تقوليلي كل ده ليه دلوقتي؟ مصلحتك إيه تفتحي عيني على الجحيم ده؟!”.
نجوى قربت مني، طلعت من شنطتها ورقة مطوية، وحطتها في إيدي، وقالت بنظرة شريرة وعينين بتلمع بجشع عمري ما شفته فيها: “جاية عشان طليقة شريف بعد ما أخدت كل حاجة وسافرت، غدرت بيا أنا كمان ومادتنيش حقي من الفلوس اللي طلعت بيها من شريف.. وأنا معايا الدليل اللي يخليكي تخربي عليها حياتها هناك في الخليج، وتقدري ترفعي قض*ية دولية على شريف تاخدي بيها نص ثروته وتأمني بيها علاج ابنك.. بس بشرط واحد، النص بالنص في كل مليم هيطلع.. ها؟ قولي موافقة عشان أقولك إيه اللي مكتوب في الورقة دي، واللي هيقلب السحر على الساحر!”.
حبيت واحد متجوز 3
حكايات زهره الربيع
بصيت للورقة اللي في إيدي وأنا بترعش، الدموع جفت في عيني وحل مكانها ذهول ورعب من كمية الغل والتربيطات اللي حواليا. نجوى كانت واقفة حاطة إيدها في وسطها، وعينيها بتلمع بجشع مستني الإشارة عشان ينهش لحم أصحابها القدام.
سألتها بصوت مبحوح: “ورقة إيه دي يا نجوى؟ وإيه اللي يخليني أصدقك وأمشي وراكي بعد كل اللي حصلي؟ أنا ميتة أصلاً، ومش باقي عليا حاجة غير الحتة اللحم اللي بتصرخ جوة دي”.
نجوى مالت عليا وقالت بصوت واطي وزي الفحيح: “الورقة دي فيها أصل التقرير الطبي الحقيقي لـ شريف.. شريف مكنش مريض بمرض عادي يا شيماء، شريف من سنتين جاله مرض في عصب العين والاتزان، ومكنش ينفع يطير نهائي.. طليقته زورتله مع دكتور صاحبهم التقارير عشان يفضل يطير ويجيب فلوس، ولما عرفت بنواياه إنه يستقر معاكي، بدأت تجمع أدلة التزوير دي عشان تذله بيها. والورقة التانية اللي معاها؟ دي عقود حسابات بنكية سرية باسم شريف في سويسرا، محول عليها أكتر من نص مليون دولار، طليقته أخدت التوكيل بتاعها وبتسحب منهم دلوقتي في دبي.. يعني شريف مش مسافر يشتغل طيار برة زي ما فهمك، شريف هربان من قض*ية تزوير جنائية لو اتفتحت هيروح فيها هو وطليقته والدكتور!”.
سندت راسي على الحيطة وحسيت الصدمة لجمت لساني. شريف.. الراجل اللي كنت بشوفه زي الممثلين، اللي النجوم بتلمع على كتافه وريحة برفانه بتقلب الشارع، طلع مزيف؟ طلع بيهرب ويزور في أرواح الناس اللي بتركب معاه الطيارة عشان الفلوس؟ وطليقته اللي كنت فاكراها غلبانة، طلعت شريكة ومبتزة وبتخطط بالمليم؟!
نجوى كملت وضغطت على إيدي: “بالورق ده، المحامي بتاعنا يقدر يقلب الترابيزة في مصر هنا.. نرفع قض*ية حجر على أمواله، ونثبت التدليس والتزوير اللي تم في قض*ية طلاقك، ونطالب بنفقة دولية للطفل ده من حساباته برة.. هما فاكرين إنهم هربوا وضمنوا الفلوس، بس لو وقعتي على الاتفاق ده معايا، هخليهم يتمنوا رضاكي عشان متسجنيهمش برة وجوة!”.
بصيت لابني “شريف الصغير” اللي كان صراخه بدأ يهدى من التعب، ونام ووشه دبلان والدموع معلمة على خدوده البريئة. قولت في سري: “يا رب.. أنا غلطت وأخدت عقابي، بس ابني ملوش ذنب يعيش في الفقر والمرض ده، والفلوس دي حقه وحق علاجه”.
رفعت راسي وبصيت لنجوى وقولت لها بقوة أول مرة أحس بيها من يوم ما اطلقت: “أنا موافقة يا نجوى.. النص بالنص، بس الورق ده يفضل معايا أنا، والمحامي أنا اللي هختاره بنفسي مش تبعك، عشان أضمن إنك متبعين ياش أنا كمان لو طليقته عرضت عليكي قرشين زيادة”.
ملامح نجوى اتغيرت للحظة والضيق ظهر على وشها، بس هزت راسها وقالت: “ماشي يا شيماء.. مصلحتنا واحدة دلوقتي. هاتي الورق وتعالي نروح للمحامي الكبير اللي في وسط البلد ونبدأ الإجراءات فوراً قبل ما يسحبوا بقية الفلوس من برة”.
لبست عبايتي وأمي كانت قاعدة تبصلي بخوف وهي مشلولة مش قادرة تتكلم ولا تمنعني، أخدت ابني في حضني وخرجت مع نجوى.. ركبنا التاكسي والدنيا كانت بدأت تليل، وكنت حاسة إن أنا رايحة في طريق ملوش رجوع، طريق كله تماسيح وديابة بياكلوا في بعض، وأنا بقيت واحدة منهم غصب عني عشان أحمي ابني.
وصلنا مكتب المحامي، ونجوى بدأت تطلع الورق وتشرح له السيرة من الأول.. المحامي لابس نظارته وفضل يقرأ الورق بتمعن شديد، وشه بدأ يتغير وكل شوية يبصلي ويبص للورق.. وفجأة، قلع النظارة ورماها على المكتب وبص لنجوى وبصلي وقال بنبرة صدمتني وصدمت نجوى لدرجة إننا وقفنا من على الكراسي:
“الكلام ده خطير جداً.. بس في مصيبة تانية أنتوا مش واخدين بالكم منها في الورق ده.. المصيبة دي لو اتعرفت، مش بس شريف وطليقته اللي هيروحوا في داهية.. أنتي كمان يا مدام شيماء، وابنك ده، حياتكم هتبقى في خطر حقيقي من اللحظة دي..”!
المحامي كان باصص للورق وعينيه متثبتة على سطر معين، وأنا ونجوى كنا واقفين بننهج وبنبص لبعض والرعب رجع ينبض في عروقنا من تاني. نجوى قربت من مكتبه وقالت بصوت متوتر: “مصيبة إيه يا متر؟ الورق ملوش علاقة بشيماء، دي تقارير وحسابات شريف وطليقته!”.
المحامي رفع عينه وبصلي بنظرة شفقة غريبة، وقال: “الحسابات السويسرية دي يا مدام شيماء.. مش باسم شريف لوحده، ولا طليقته سحبتها باسمها.. الحسابات دي تم تأسيسها تلت سنين فاتوا، يعني في نفس الشهر اللي أنتي اتجوزتي فيه شريف! والتوكيل اللي معمول لسحب الفلوس، معمول باسم شركة وهمية لتجارة الأدوية والمستلزمات الطبية برة مصر.. وعارفة مين اللي مسجل كـ شريك رئيسي وصاحب حق التوقيع في الشركة دي هنا في مصر؟”.
بلعت ريقي بصعوبة وقولت: “مين؟ شريف؟”.
المحامي هز راسه بالرفض وقال: “لأ.. باسمك أنتي! يا مدام شيماء، شريف وطليقته مكانوش بس بيزوروا تقارير طيران.. شريف كان بيهرب سبائك دهب ومبالغ ضخمة لشبكة تهريب دولية مستغلاً وظيفته كطيار، وحط اسمك أنتي في واجهة الشركة الوهمية دي بعقد مصدق ومزور فيه إمضاكِ وبصمتك من تلت سنين! طليقته لما كشفت اللعبة، مهددتوش عشان الفلوس بس.. هي هددته إنها هتبلغ عن الشبكة دي كلها لو مأخدتش نصيبها وسافرت برة.. وشريف هرب عشان الشبكة دي بدأت تدور وراه بعد ما الفلوس اللي في سويسرا اتجمدت من يومين بسبب تحقيقات دولية!”.
وقعت على الكرسي والواد صرخ في حضني كأنه حاسس بنبضات قلبي اللي كانت زي الطبل. نجوى اتراجعت لورا ووشها جاب ألوان، وقالت وهي بتبعد عني: “أنا ماليش دعوة.. أنا كنت فاكراها قض*ية نفقة وتزوير عادية! أنا برة الموضوع ده!”.
المحامي زعق فيها وقال: “اقعدي هنا! مفيش حد برة الموضوع.. الورق ده لو خرج من المكتب ده، أصحاب الشبكة دي -وهما ناس واصلة وتقيلة جداً- لو عرفوا إن الورق ده مع حد أو إن شيماء معاها مستندات الحسابات، مش هيستنوا القانون يحاسبها.. هما هيخلصوا عليها وعلى ابنها في ثانية عشان يدفنوا السر! شريف وطليقته مهربوش من القانون بس.. هما هربانين من ديابة بياكلوا لحم حي!”.
بصيت لنجوى اللي كانت بترتعش، وبصيت للورق اللي بقيت شيفاه كأنه قنبلة موقوتة هتدمر اللي باقي من حياتي وحياة ابني. قولت للمحامي بصوت منهار وعياط مكتوم: “يعني إيه يا متر؟ يعني أنا هتحبس؟ أو هتموت؟ أنا والله ما أعرف حاجة عن الشركات دي! أنا كنت مغمية عيني ومش شايفة غير شريف وبس.. أنا ضيعت نفسي وبضيع ابني معايا!”.
المحامي لّم الورق بسرعة وحطه في الخزنة وراه وقال بقلق: “الورق ده هيفضل هنا في حرز مقفول.. ومحدش ينطق بكلمة برة الأوضة دي. الحل الوحيد قدامنا دلوقتي إننا نلعب على الهادي.. شريف وطليقته حالياً في دبي، والشبكة لسه بتدور عليهم هما الأول ومش عارفين مكانهم.. لو قدرنا نوصل لشريف عن طريق جهة أمنية في مصر هنا ونقدم بلاغ رسمي كـ ‘شاهد ملك’ ونثبت إن إمضاكِ مزورة قبل ما هما يوصلولك، ممكن ننجى برقبتك ونضمن لقمة عيش لابنك.. بس اللعبة دي محتاجة وقت، ومحتاجة إنك تختفي تماماً الكام يوم الجايين دول.. متقعديش في بيتك القديم ولا دقيقة واحدة!”.
خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجلي، نجوى جرت وسابتني في وسط الشارع من غير ما تنطق بكلمة.. الخوف عمى عينيها هي كمان. وقفت في نص البلد، بالليل، الهوا كان ساقع بس جسمي كله كان بيغلي.. ابني في حضني عمال يئن من الوجع، وأنا مبقاش ليا مكان أروح فيه.. بيتي مراقب، وشريف باعني وباع ابنه وبقى مطرود من ديابة، وأنا بقيت في وش المدفع!
أخدت تاكسي ورجعت لبيت أمي وأنا بترعش، دخلت الشقة وكنت بلم حاجتي وحاجة الواد بسرعة وأنا بقول لأمي المذعورة: “لازم نمشي من هنا يا أمي.. لازم نستخبى في أي مكان، الحكاية طلعت أكبر من شريف ومن طليقته.. إحنا في خطر!”.
وفجأة.. وأنا بلم الهدوم في الشنطة.. النور قطع في الشقة كلها! السكون بقى مرعب، ومسمعتش غير صوت خطوات تقيلة وغريبة بتتحرك برة في الممر، ووقفت بالظبط.. قدام باب شقتنا!
حضنت ابني بكل قوتي، وحطيت إيدي على بق أمي عشان متصرخش.. والباب بدأ يتخبط عليه تلات خبطات ورا بعض، خبطات قوية ومنتظمة.. وصوت راجل غريب من ورا الباب قال بنبرة هادية وبترعب: “افتحي يا مدام شيماء.. الكابتن شريف بيمسي عليكي، وجايبلك الأمانة اللي سيبتيها مع المحامي”!
النفس قطع جوايا، والضلمة حوّلت الشقة لقبر مقفول علينا. أمي كانت بتترعش تحت إيدي، وابني “شريف الصغير” وزي ما يكون حس برعب اللحظة، سكت تماماً وكتم أنينه في حضني. الخبطات على الباب رجعت تاني.. تلات خبطات ورا بعض، بنفس الهدوء المرعب والانتظام اللي يقطع الخلف.
الصوت من ورا الباب رجع يتكلم، بس المرة دي كان أقرب، كأنه حاطط بقه في خرم الباب: “أنا عارف إنك جوة يا مدام شيماء، وسامع نفسِك.. افتحي بالذوق وبلاش نعمل شوشرة في الحتة، الأمانة لازم تستلميها يد بيد”.
كنت بين خيارين؛ إما أموت من الرعب وأستنى الباب يتكسر علينا، أو أقف على رجلي عشان الحتة اللحم اللي متعلقة في رقبتي. شيلت إيدي من على بق أمي وهمست في ودها: “ادخلي الأوضة جوة واقفلي على نفسك.. متخرجيش مهما حصل”. زقيت أمي بالراحة، وأخدت نفسي، وقربت من الباب وأنا حاطة ابني على دراعي الشمال، وإيدي اليمين بترتعش على الترباس.
سألت بصوت حاولت أخليه قوي بس كان مخنوق: “أمانة إيه؟ ومين الكابتن شريف ده؟ أنا معرفش حد بالاسم ده، والبيت ملوش رجالة.. امشي من هنا وإلا هصوت وألم عليك الشارع!”.
الراجل ورا الباب ضحك ضحكة واطية، ضحكة خلت شعري يقف، وقال: “تلمي الشارع؟ الشارع كله نايم يا مدام، والبواب تحت نايم نومة مش هيصحى منها قبل بكره العصر.. افتحي، المحامي بتاعك باعك في أول محطة عشان يشتري روحه، والورق اللي كان في الخزنة بقى في جيبنا.. افتحي عشان نخلص”.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. المحامي باعني! الورق اللي كان المفروض يحميني بقى معاهم! في اللحظة دي، عرفت إن مفيش مفر، وإن شريف وطليقته والشبكة دي مش هيسيبوني أعيش. الشيطان اللي كان بيحرّكني زمان عشان أخرب بيت جارتي وأسرق جوزها، اختفى، وحل محله غريزة أم بتدافع عن ابنها العاجز.
لمحت في الضلمة، على الترابيزة اللي جمب الباب، مقص حديد كبير بتاع أمي.. مديت إيدي وأخدته بالراحة واستخبيته ورا ضهر ابني. فتحت القفل، ونزلت الترباس، وفتحت الباب مواربة.
الضوء الضعيف اللي جاي من السلم نور وش الراجل.. كان طويل، لابس قميص أسود، وعينيه باردة زي عيون التماسيح، مفيش فيها أي رحمة. أول ما الباب اتفتح، زقه بركبته ودخل الشقة، وقفل الباب وراه بظهره. بص للواد اللي في حضني بنظرة قرف، وطلع من جيبه ظرف أسود كبير، ورماه على الترابيزة.
وقال بنبرة خالية من أي مشاعر: “دي أمانتك.. عقود الشركة الوهمية اللي إمضاكِ عليها، وشيكات على بياض ببصمتك.. الشبكة قررت تقفل الملف ده خالص. شريف وطليقته اتجابوا من دبي من تلت ساعات، وحالياً بيتحقق معاهم في مكان ملوش عنوان.. والدور عليكي، بس إحنا مبنوسخش إيدينا بدم حريم وعيال صغيرة”.
بصيت له برعب وقولت: “أمال.. أمال عايز مني إيه؟”.
طلع من جيبه التاني علبة دواء صغيرة، وحطها جمب الظرف وقال: “العلبة دي فيها حبوب.. هتاخدي منها شريط، وتدوبي حباية واحدة في بق الواد ده.. الصبح الجيران هيلاقوكم ميتين من الغاز أو سكتة قلبية بسبب الحزن على طلاقك.. وبكده السر يموت معاكم، ومحدش هيدور ورا واحدة مطرودة ومفلسة انتحرت هي وابنها”.
النار قادت في دمي.. يبيدوني أنا وابني؟ يقتلوا الحتة اللحم دي عشان يداروا على وساختهم ووساخة شريف؟! بصيت للعلبة، وبصيت لوشه البارد، وقولتله بصوت هادي وعينيا بتلمع بدموع القهر: “ماشي.. بس خليني أبوس ابني لآخر مرة”.
الراجل هز راسه بملل وبص الناحية التانية كأنه مستعجل.. وفي جزء من الثانية، وبكل قوة وحقد وندم تراكموا في قلبي على مدار تلت سنين، رفعت إيدي بالمقص الحديد وغرسته بكل عزمي في رقبته!
الراجل برّق عينيه بذهول، مكنش متوقع إن واحدة مكسورة ومطلقة تعمل كده.. طلع صوت حشرجة من زوره، وحاول يمد إيده عشان يخنقني، بس أنا زقيته بكل قوتي.. وقع على الأرض وهو بينازع والدم بيسيل منه بغزارة في ضلمة الصالة.
مستنتش ثانية واحدة.. صرخت في أمي: “أمييي! هاتي الشنطة واجري!”. أمي خرجت بتترعش، أخدت الشنطة، وفتحنا الباب وجرينا على السلم زي المجانين، بنعدي من فوق البواب اللي كان مغمي عليه في المدخل زي ما الراجل قال.
خرجنا للشارع والوقت كان متأخر، فضلت أجري وأجري وأنا شايسة ابني على كتفي لحد ما وصلنا للموقف.. ركبنا أول عربية ميكروباص متجهة للصعيد.. لـ “أسيوط”.. مسقط رأسي، المكان اللي كان لازم مسبهوش من الأول.
عدت سنة كاملة على الليلة دي.. سنة كاملة وإحنا عايشين في بيت طين صغير في أطراف قرية معزولة في أسيوط، بأسماء مزيفة، وشكل متغير.. قصيت شعري، وبقيت بشتغل في البيوت والأراضي عشان أأكل أمي وأجيب علاج ابني.
شريف الكبير وطليقته؟ عرفت من الأخبار بعد شهور إنهم اتمسكوا في قض*ية تهريب كبرى وتزوير جنائي، وأخدوا أحكام بالسجن المؤبد، وكل ثروتهم وفلوسهم بره وجوه اتصادرت.. البيوت اللي اتبنت على الظلم، اتهدت فوق دماغ أصحابها في الآخر، وشريف اللي باعني وباع ابنه، بقوا الحيطان الأربعة هما كل دنيته.
أما أنا.. فقاعدة دلوقتي في ضل حيطة الطين، وبصالي “شريف الصغير” اللي بدأ يقعد على الأرض ويتحرك ببطء بعد رحلة علاج طويلة باللي كنت بكسبه من عرق جبيني.. عاجز اه، بس عايش في حضني.
ببص للسما والدموع في عيني.. خسرت شريف، وخسرت الفلوس، وخسرت حياتي القديمة كلها.. ودوقت الكسرة والفقر والخوف أضعاف اللي عملته في غيري.. بس وأنا ببص لوش ابني البريء، بعرف إن ربنا رحمني بالوجع ده عشان يفوقني، وإن العقاب الحقيقي مكنش الموت.. العقاب الحقيقي كان إني أعيش وأفتكر كل يوم.. إن اللي يزرع شوك، مستحيل يحصد ورد.


تعليقات
إرسال تعليق