القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت ساندوتشات كامله بقلم أماني سيد

 

سكريبت ساندوتشات كامله بقلم أماني سيد 



ساندوتشات


أنا من زمان متعودة أحضر لانش بوكس لجوزي عشان هو ما بيحبش يفطر الصبح بدري، فبعمله ويفطر بيه في الشغل. زميل جوزي في الشغل راجل ما عندهوش ذوـق وطفـ ـس، جوزي قالي أزود في محتوى اللانش بوكس عشان زميله ده بيفطر معاه، رغم إن زميله ده مبسوط مادياً بس ولا يوم جاب معاه فطار في الشغل، ولا حتى عزم عليه بكوباية شاي.


جوزي من النوع اللي مش بيحب يحرج حد، وأنا مضـ ـايقاني قوي حوار إنه زميله اتعود، والفضل يرجع لجوزي طبعاً لأن هو من البداية اللي عوده على كده. وأنا بصراحة شايفه إنه كده حرام وغلـ ـط، والأولى بالأكل والشرب ده أنا وولادي، لأن هو مرتاح مادياً وعنده زوجة قادرة تعمله أكل. وجوزي بنفسه اشتكى لي منه كذا مرة إنه ما عندهوش ذوـق وطفـ.ـس، بس جوزي مش قادر يقوله، وكمان زميله ده قاله كذا مرة خلي مراتك تنوع وتفنن في الأكل، يعني بدل ما بعمل سندوتشات جبنة ولانشون خليها تعمل بانيه أو بوفتيك وكده يعني، وأنا بصراحة متغـ ـاظة منه ومن بروده وقلـ ـة أدبه.


من يومين وأنا بحضر اللانش بوكس لجوزي، عملت حساب جوزي في الأكل وبس، وقفلت اللانش وحطيته له في شنطته، فلما راح الشغل وجي يفطر هو وزميله، جوزي اتفاجئ إن الأكل معمول لشخص واحد مش لشخصين. المهم إنه لما رجع البيت قالي اللانش بوكس ما كانش فيه غير أكل لشخص واحد، فبقوله أيوه ده صحيح وأنا عملت كده عشان زميلك ده يحـ ـس على دمه ويفهم إن كفاية طـ ـفاسة واتعود.


قام جوزي ضـ ـربني بالقلم وبعدين ضـ ـربني على ظهـ ـري وبقى يضـ ـرب فيا بالأقـ.ـلام على وشي لحد ما سنـ ـاني لقدام اتكـ ـسرت بالنص.


بصي بقى، الصدمة ما وقفتش لحد هنا! أنا كنت قاعدة في الصالة وسناني مكسورة، ودموعي مش راضية تقف، والوجع في جسمي وفي قلبي كوم، واللي حصل بعد كده كوم تاني خالص.


بعد ما نزل وسابني في حالتي دي، قعدت أفكر هو إزاي اتمادي معايا بالشكل ده؟ ده أنا مراته وأم عياله، وعملت كده غيرة عليه وعلى شقانا وعلى قرشنا اللي أولى بيه ولادنا. قعدت أجمع في نفسي وفي كرامتي اللي اتهانت، وقلت لازم أدور ورا الحكاية دي، مش ممكن يكون رد الفعل المرعب ده عشان خاطر مجرد “زميل طفس” في الشغل! في حاجة غلط، وفي حلقة مفقودة في الموضوع كله.


نزلت رحت الشغل عنده وأنا حاطة طرحة ومخبية وشي وسناني المكسورة، وسألت بطريقة غير مباشرة من غير ما يحس. وهناك كانت المفاجأة اللي نزلت عليا زي الصاعقة، المفاجأة اللي خلفت ركبي مش شايلاني..



طلع ما فيش “زميل” طفس ولا حاجة! طلع “زميلته”!


آه والله، طلعت واحدة معاه في المكتب، وهي اللي كانت بتاكل من أكل بيتي اللي بعمله بعرقي وتعبى وصحيانى بدرى ، وهي اللي كانت بتتنطط وتتشرط وتقول “خلي مراتك تفنن وتعمل بانيه وبوفتيك”! وجوزي، البيه اللي “ما بيحبش يحرج حد” ويخاف على مشاعر الغرب، كان بياخد الأكل عشان يظبط بيه شكله قدامها ويعمل فيها الجنتل الكريم على حسابي وحساب صحتي ووقتي!


وقفت في نص الممر وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا، وشريط الأيام اللي فاتت كله بيتعاد قدام عيني.. ضربه ليا، وإهانته، وكسرة سِنتي، كل ده ما كانش عشان صاحبه.. كل ده كان عشان اتمسخر قدام “الست هانم” وكسفت شكله لما لقى السندوتشات على قده بس!


المصيبة إني وأنا واقفة مذهولة في ممر الشركة، لَمحتهم من بعيد.. قاعدين في الكافتيريا، البيه منور بضحكته اللي ما بشوفهاش في البيت، وهي قاعدة قدامه بتدلع ولابسة على السنقة عشرة، وماسكة كوباية النسكافيه اللي طبعاً هو دافع تمنها من شقانا! نسيت وجع سناني ووجع ضهري، وحسيت بنار قايدة في صدري بتاكل الأخضر واليابس.


كان نفسي أدخل أوجعها زي ما اتوجعت، وأفرّج عليهم الشركة كلها وأفضحهم، بس حطيت إيدي على وشي وقلت لنفسي: “لا.. اللي اتكسر جوة مش هيرجعه خناقة شوارع، أنا لازم أكسر عينه وأجيب حقي تالت ومتلت زي ما كسر سنتي وهان كرامتي”. لفيت ورجعت البيت، والدموع اللي في عيني نشفت وبقت شرار.


قعدت في الصالة مستنياه.. الساعات كانت بتمر كأنها سنين. كنت ببص في المراية على وشي المتبهدل وسنتي المكسورة بالنص وأضحك بوجع وقهر، وأقول لنفسي: وربنا ما هعديهالك.


أول ما الباب اتفتح ودخل في الميعاد بتاعه، بصلّي بطرف عينه بنظرة كلها كبرياء وافترا، وكأنه لسه مأدبني وشايف نفسه راجل عليا، وقال ببرود يقهر: “لسه على حالتك دي؟ قسماً بالله لو قصرتي في لقمة البيت ولا لسانك طول تاني ليكون حسابك أتقل من كده، إنتي فاهمة؟”


وقفت بكل ثبات، ونزلت إيدي من على وشي، وبصيت في عينه مباشرة.. ابتسمت ابتسامة أظهرت سنتي المكسورة والدم المحبوس فيها، وقلت له بصوت واطي وناعم يرعب: “تصدق عندك حق؟ أنا فعلاً غلطانة وقصرت.. كان لازم من الأول أفنن وأعمل بانيه وبوفتيك، عشان الست هانم زميلتك تتبسط والأكل يعجبها وماتقولش على مراتك مابتفهمش!”


أول ما نطقت الكلمة دي، شفت عينه برقت واللون هرب من وشه تماماً، والشنطة اللي كانت في إيده وقعت على الأرض..



لحظة صمت مرعبة قطعت النفس في الصالة.. وبقى **رزق** واقف مبرق، باصص لي ومش قادر ينطق بكلمة واحدة. اللسان الطويل اللي كان لسه شغال تهديد ووعيد، فجأة أكنه أتمسح! حاول يبلع ريقه، وعينه بدأت تروح وتيجي في المكان، بيدور على أي كدبة أو مخرج يلحق بيه نفسه، بس شكله كان يجيب الأرض.. ملامحه اتخطفت تماماً والدم هرب من عروقه.


بدأ يتقدم ناحيتي خطوة وهو بيترعش، ونبرة صوته اتقلبت 180 درجة، من الجبروت والافترا للخوف والارتباك، وقال بتلعثم: “إنتي.. إنتي بتقولي إيه يا **لمار**؟ زميلة إيه وكلام فارغ إيه! إنتي أكيد اتجننتي من خبطة الصبح وجاية تخرفي!”


ضحكت بصوت عالي، ضحكة وجع وقهر طالعة من وسط دموعي، وقلت له: “لأ يا **رزق**، أنا عاقلة قوي والحمد لله.. الخبطة دي هي اللي فوقتني وعرفتني إن الأكل اللي كنت بصحى له من النجمة وأقف أعمله بحب عشان تفطر بيه، كنت بتاخده تظبط بيه نفسك وتعمل فيها الجنتل الكريم قدام الست الهانم، وهي تتشرط وتتأمر على حساب صحتي ومصروف ولادي! ولما جيت في يوم قصرت معاها، جيت تطلع غلك وكسفتك فيها عليا أنا!”


قرب أكتر وعايز يمسك إيدي عشان يهديني وهو بيقول: “طب اهدي بس يا **لمار**.. والله الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة، دي مجرد زميلة في المكتب وبتاكل معايا عادي زي بقية الناس، وأنا…”


قاطعت كلامه وزقيت إيده بكل قوتي، وبصيت له وعيني بتطق شرار: “ماتلمسنيش! إيدك دي اللي اتمدت عليا وكسرت سنتي عشان خاطرها، وربنا ما هشمامها ريحة البيت ده تاني.. إنت تلم حاجتك دلوقتي حالا، وتطلع برة، وتشوف بقى الست هانم بتاعت البانيه والبوفتيك هتعملك إيه وتلمك فين، لأنك من اللحظة دي مالكش زوجة هنا!”


 


رزق وقف مكانه مذهول، ملامحه اتمطت من الصدمة وبقى يبص حواليه كأنه مش مصدق إن “لمار” الهادية، اللي كانت بتستحمل وتعدي، هي اللي واقفة قدامه وبتطردة من بيته. حاول يستجمع قوته الكدابة وزعق بنبرة مهزوزة: “تطرديني من بيتي يا لمار؟ إنتي اتجننتي رسمي! ورجلي فوق رقبتك هقعد هنا، وده بيتي ومحدش يقدر يمشيني منه!”


بصيت له ببرود تام، البرود اللي بيجي بعد قمة الوجع، وشاورت على الباب وقلت له بمنتهى الهدوء: “البيت ده أنا اللي شقيانة فيه معاك، والولاد دول ولادي أنا اللي سهرت وتعبت فيهم، وإيدك اللي اتمدت عليا النهاردة لغت أي حق ليك كزوج أو راجل في المكان ده. لو ما لميتش حاجتك وطلعت بالذوق، قسماً بالله هلم عليك أهلي والمنطقة كلها، وهخلي فضيحتك بجلاجل في شركتك وقدام الست الهانم زميلتك، وهعرفهم كلهم إنك مديت إيدك على مراتك عشان سندوتشين بانيه!”



كلمة الفضيحة والشركة نزلت عليه زي المية الساقعة. رزق راجل يهمه مظهره قدام الناس والستات بالذات أكتر من أي حاجة ثانية. لقى إن الكلام معايا مابقاش فيه فايدة، وإن القناع اللي كان مداري وراه وشه الحقيقي وقع ومبقاش ينفع يتصلح.


بص لي بنظرة كلها غل وكسرة عين، واتحرك ناحية الأوضة وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم. بدأ يفتح الدولاب ويحدف هدومه في الشنطة بعصبية وعشوائية، وأنا واقفة ساندة ضهري على الحيطة، حاطة إيدي على سِنتي المكسورة، وبراقب نهايته في حياتي بكل قوة، وقلبي اللي كان مكسور من شوية، بدأ يتملي بإصرار إني مش هتنازل عن حقي أبداً.


قفل الشنطة بعنف لدرجة إن السوستة كانت هتتقطع في إيده، وسحبها وراه وهو بيمشي في الطرقة وعينه مش قادرة تيجي في عيني. وقف عند الباب ثانية واحدة، وبص لي بغل وهو بيحاول يسترجع جزء من هيبته الضايعة وقال: “أنا ماشي يا لمار.. ماشي وسيبك لخيالك المريض ده، بس افتكري إنك إنتي اللي خربتي بيتك بإيدك، وبكرة لما تيجي تبكي وتتمني أرجع، مش هتلاقيني.”


رديت عليه بابتسامة باردة زلزلته: “الباب يفوت جمل يا رزق.. والبيت اللي يتخرب عشان لقمة بتتشال من بق ولادك عشان تظاهر بيها قدام واحدة تانية، يبقى قفله أكرم لي بمراحل. مع السلامة.”


رزق رزع الباب وراه بكل قوته، رزعة هزت الحيطان وكأنها بتعلن نهاية حياتي معاه. أول ما الباب اتقفل، رجلي مشالتنيش.. قعدت على الأرض في الصالة، وسندت راسي لورا. فجأة حسيت بهدوء غريب في الشقة، هدوء ما عشتهوش من سنين، بس الوجع اللي في وشي وظهري فكرني بالثمن الغالي اللي دفعته عشان أفوق.


حطيت إيدي على سِنتي المكسورة، ودموعي نزلت تاني، بس المرة دي ما كانتش دموع ضعف.. كانت دموع قهر على السنين اللي ضاعت مع بني آدم ما يستاهلش. قمت من مكاني، دخلت الحمام وغسلت وشي، وبصيت لنفسي في المراية بتمعن. شكل سنتي المكسورة كان بيوجع قلبي، بس نظرة عيني كانت قوية ومصممة.


قلت لنفسي: “أنا مش هقعد أعيط على اللبن المسكوب، رزق خلاص خرج من حياتي، بس حقي وحق ولادي مش هسيبه. بكرة الصبح أول حاجة هعملها هي إني هروح لدكتور السنان أصلح اللي انكسر، وبعدها على طول هطلع على المحامي.. القض*ية دي مش هتبقى مجرد طلاق، دي هتبقى قض*ية رد شرف.”


تاني يوم الصبح، صحيت من النجمة، النجمة اللي كنت متعودة أصحى فيها عشان أقف في المطبخ وأحضر له اللانش بوكس! بس المرة دي صحيت لنفسي، وولادي. بصيت عليهم وهم نايمين في سريرهم بسلام، وحسيت بغصة في قلبي بس معاها قوة عمري ما حسيت بيها قبل كده.



لبست ونزلت، ورحت لدكتور السنان. وأنا قاعدة على الكرسي والدكتور بيكشف ومخضوض من منظر السِنة المكسورة والورم اللي في وشي، سألني باهتمام: “يا مدام لمار، إيه اللي عمل فيكي كده؟ دي خبطة جامدة جداً!”


بصيت له بثبات وقلت له: “وقعت يا دكتور.. وقعت فوقعت قناع كنت مخدوعة فيه لسنين. المهم قولي، هتعرف تظبطها وترجع زي الأول؟”


الدكتور هز رأسه وقال: “هنعمل لها بناء وتجميل وهترجع أحسن من الأول كمان، متقلقيش.”


وأنا قاعدة تحت إيد الدكتور، كنت بطلع تليفوني وبكلم أستاذ فريد المحامي، حكيت له الخطوط العريضة في الكلمتين، وقالي: “جبتي تقرير طبي يا مدام لمار؟”


هنا اتنفضت وقلت له: “تقرير طبي؟ لأ أنا جيت على دكتور السنان على طول من صدمتي.”


قالي: “طيب اطلبي من دكتور السنان يكتب لك تقرير مفصل بحالة السِنة والكسر والكدام اللي في الوش، واطلعي على أقرب مستشفى حكومي اعملي تقرير طبي بالضرب اللي في ضهرك، عشان نثبت حالة الاعتداء دي في المحضر، وده اللي هيربي رزق ويخليه يجي راكع.”


بالفعل، أخدت التقرير من الدكتور بعد ما صلح لي سنتي المؤقتة، وطلعت على المستشفى وعملت التقرير الطبي، ومن هناك على قسم الشرطة. وأنا واقفة قدام أمين الشرطة بكتب المحضر، ما نزلتش مني دمعة واحدة. كنت بتكلم بمنتهى القوة وبأعلى صوت: “أنا المحضر ده مش هتنازل عنه، وجوزي رزق طردته من البيت بعد ما مد إيده عليا وكسر سنتي وسرق شقايا وشقى ولادي.”


خلصت المحضر ورجعت البيت وأنا حاسة إني بدأت أتنفس بجد. قعدت مع ولادي، وفهمتهم بالراحة إن بابا مسافر شوية، ومش عايزة أدخلهم في تفاصيل تقرفهم، بس عهدت نفسي إني هكون لهم الأب والأم.


على المغرب، لقيت تليفوني بيرن.. برقم غريب. فتحت الخط وجالي صوت واحدة ست، ناعم وفي سيزق ومياعة، وقالت لي: “ألو.. مدام لمار معايا؟”


قلبي دق وعرفت الصوت من غير ما تنطق اسمها، فقلت ببرود: “أيوا أنا.. مين معايا؟”


قالت لي بضحكة صفرا مستفزة: “أنا جيهان.. زميلة رزق في الشغل. رزق معايا هنا في الكافيه برة ومتبهدل قوي وزعلان، وجيت أصلح النفوس بينكم، وأقولك يا حبيبتي إنك فهمتي غلط، ورزق راجل محترم وما بيفوتش لقمة من غير ما يعزم عليا، والموضوع كله زمالة مش أكتر، فبلاش تخربي بيتك على كلام فارغ وتطردي جوزك بالشكل ده!”


 


الدم غلي في عروقي وأنا سامعة صوتها البارد والمسهوك وهو طالع من سماعة التليفون، والغل اللي جوايا اتقلب لضحكة سخرية عالية هزت الأوضة. مسكت التليفون وقربته من بوقي وقلت لها بنبرة حادة زي الموس:



“يا أهلاً يا جيهان هانم! ولما هو راجل محترم قوي وبتاع واجب وما بيفوتش لقمة، ماعلمكيش الأصول والذوق؟ ماعلمكيش إن الست اللي عندها دم وبتحترم نفسها ما تمدش إيدها على لانش بوكس راجل متجوز كل يوم؟ ولما إنتي قلبك حنين قوي عليه ومقمعة من زعله ومقعداه معاكي في الكافيه، ما عملتيلوش أنتِ البانيه والبوفتيك اللي كنتِ بتتأهري وتتشرطي عليهم وتطلبي من البيه يخليني أفننلك فيهم؟”



ساندويتش ٢

أمانى سيد


سمعت نفسها اتكتم على الناحية التانية والضحكة الصفرا اختفت فجأة، فكملت كلامي ومنحتهاش فرصة تنطق:

“اسمعي يا شاطرة.. رزق اللي قاعد معاكي ده، مديت إيدي عليه وطردته برة بيتي وبقسيمة رجولته اللي سقطت من نظري. وإيده اللي اتمدت عليا عشان خاطر سواد عيون الشغل والمظاهر الكدابة قدامك، أنا لسه راجعة حالا من القسم وعملت له بيها محضر اعتداء وتقرير طبي بكسر سنتي، وهجرجره في المحاكم وأخليه يلف حوالين نفسه. فلو هو صعبان عليكي قوي كملي جميلك واكفليه، لأن البيت ده عتبته حرمت عليه ليوم الدين!”

وقبل ما تنطق بكلمة واحدة، رزعت الخط في وشها وقفلته خالص. حسيت بنشوة انتصار غريبة، أكن الرد ده رجع لي نص حقي منها ومن برودها وقصر رقبتها هي وهو.

ما مرتش نص ساعة، ولقيت التليفون عمال يرن ورا بعضه.. المرة دي رقم رزق. فتحت الخط من غير ما أتكلم، فجالي صوته المرعوب، المهزوز، اللي ضاعت منه كل نبرة الجبروت بتاعة امبارح، وقال بتلعثم وخوف حقيقي:

“لمار.. إنتي عملتي محضر بجد؟ إنتي اتجننتي يا لمار؟ عايزة تخربي بيتي ومستقبلي وتفضحيني في الشغل وتضيعي وظيفتي عشان خاطر خناقة؟”

رديت عليه بمنتهى الثبات والهدوء القاتل: “إنت اللي خربت كل حاجة يا رزق يوم ما نسيت إن عندك زوجة وأولاد، ويوم ما فكرت إن كرامتي سهلة أو إني هفوت لك الإهانة والضرب. المحضر خلاص اتعمل، ومحاميتي هتبدأ إجراءات النفقة والطلاق، والست جيهان بتاعتك خليها تنفعك وتدور لك على محامي شاطر، لأن أيامك الجاية معايا مش هتشوف فيها غير الوش اللي عمرك ما تخيلت إن لمار ممكن تلبسه!”

رزق قفل السكة وهو بيشتم ويسب، وأنا رميت التليفون على الكنبة وبدأت أتحرك في الشقة وأنا حاسة بروح جديدة بتدب فيا. الولاد كانوا ناموا، ودخلت قعدت في البلكونة ومعايا كوباية القهوة السخنة بتاعتي، وبصيت للسما وقلت: “يا رب، أنا ما ظلمتوش، هو اللي ظلم نفسه وظلمنا معاه، فقويني على اللي جاي عشان خاطر ولادي”.

تاني يوم الصبح، نزلت قابلت أستاذ فريد المحامي في مكتبه. أول ما دخلت وشاف التقرير الطبي ومحضر الشرطة، ابتسم وقال لي: “برافو عليكي يا مدام لمار، إنتي كده حطيتيه في خانة اليك. المحضر ده هيمشي في مساره الجنائي، وده كفيل يخليه يدور عليكي يطلب الرضا عشان ما يتفصلش من شغله أو يتحبس. ودلوقتي إحنا هنرفع قضايا النفقة، ونفقة المتعة، ومؤخر الصداق، وتمكين من شقة الزوجية”.

وأنا خارجة من مكتب المحامي، تليفوني رن تاني.. المرة دي كانت حماتي!

حماتي اللي عمرها ما كلمتني بكلمة طيبة، واللي دايماً كانت شايفاني مقصرة في حق ابنها. فتحت الخط وجالي صوتها اللي متحول فجأة لـ حنية مزيفة: “إزيك يا لمار يا بنتي؟ عاملة إيه وعيالك عاملين إيه؟”

رديت برسمية شديدة: “الحمد لله يا طنط، خير في حاجة؟”

قالت لي بلؤم: “جرى إيه يا بنتي؟ رزق جالي امبارح بالليل متبهدل وشنطته في إيده، وحكالي على الشوشرة اللي حصلت. معلش يا لمار، يا بنتي البيوت أسرار، والراجل مهما غلط ملوش غير بيته ومراته، والست العاقلة تلم جوزها وما تفضحوش في وسط الناس وعشان خاطر عيالك بلاش موضوع المحاكم والمحاضر ده، ده ابن حلال ومبيفوتش فرض، ودي نزوة وشيطان ودخل بينكم!”

ضحكت بسخرية وقلت لها: “نزوة وشيطان يا طنط؟ ابنك المحترم المحافظ على فرضه مد إيده عليا وكسر سنتي بالنص وبهدل ضهري عشان خاطر لقمة بياكلها من ورايا مع زميلته في الشغل! ابنك كان بياخد شقايا وتعب فجري عشان يظهر بيه قدام الهانم، ولما جيت في يوم عملت أكل على قده، ضربني وأهانني في بيتي! فين بقى الأصول اللي بتتكلمي عنها؟”

حماتي سكتت لحظة وصوتها اتقلب وظهرت على حقيقتها وقالت بعصبية: “وجرى إيه يعني لما يمد إيده؟ ما ياما ستات انضربت وبيوتها عمرت! وإنتي أصلاً نكدية وما بتستحمليش، وعايزة تخربي بيتك وتفضحي ابني وتضيعي مستقبله عشان حتة سنة؟”

قلت لها بمنتهى البرود: “ابنك مستقبله ضاع بإيده هو مش بإيدي أنا، والمحكمة هي اللي هتحكم بيننا. وفرّي كلامك يا طنط، وابنك مش هيدخل البيت ده تاني إلا على نقالة!” وقمت قفلة السكة في وشها هي كمان.

مرت الأيام، ورزق حاول يبعت لي ناس من قرايبه يتوسطوا، وحاول يكلمني ويعيط ويقولي إنه ندمان وإن جيهان دي اتقطعت علاقتها بيه تماماً بعد ما المحضر سمع في الشركة والكل عرف الفضيحة، بس أنا كنت زي الصخر.

لحد ما جه يوم الجلسة الأولى في المحكمة.. وأول ما دخلت القاعة وعيني جت في عينه، شفت رزق بشكل تاني خالص. مكنش رزق الفرعون اللي كان واقف في الصالة بيهددني ويضربني.. كان واقف كش الميت، عينه مكسورة، وشه باهت، وباصص لي بنظرة رجاء وتوسل أكنه بيشحت مني نظرة رضا واحدة.

وقفت في نص القاعة بكل شموخ، رافعة راسي وابتسامتي مرسومة على وشي بسنتي اللي رجعت أحسن من الأول بفضل دكتور التجميل. كان أستاذ فريد واقف جنبي ومجهز كل الأوراق؛ محضر الاعتداء، والتقرير الطبي، وقضايا النفقة والتمكين.

رزق أول ما شافني، حاول يتحرك ناحيتي وخطواته كانت بتترعش، نادى عليا بصوت مخنوق ومكسور: “لمار.. عشان خاطر ولادنا، بلاش نوصل لحيطة سد، أنا مستعد أعملك كل اللي أنتِ عايزاه، بس اتنازلي عن المحضر الجنائي.. دي فيها حبس وفصل من الشغل وخراب مستقبلي!”

بصيت له من فوق لتحت ونظرتي كانت كفيلة تخليه يصغر في مكانه، وقلت له بنبرة واضحة ومسموعة لكل اللي واقفين: “مستقبلك أنت اللي ضيعته بإيدك يوم ما هانت عليك أم ولادك وصانت بيتك وشقاك. ولادنا هيربوا بعيد عن أب ملوش أمان، أب يبيع مراته وبيته عشان لقمة يتمنظر بيها قدام الغرب”.

دخلنا قدام القاضي، وأستاذ فريد بدأ يتكلم ويشرح المأساة اللي عشتها، وقدم التقارير الطبية اللي بتثبت وحشية الاعتداء، ومعاها شهادة المحضر. محامي رزق حاول يلف ويدور ويقول إنها خلافات زوجية عادية وإن الزوج كان في حالة عصبية، بس القاضي بصلّه بنظرة حازمة وسكته تماماً.

القاضي وجه كلامه لـ رزق وسأله: “الكلام اللي في التقرير الطبي ده صحيح؟ أنت ضربت زوجتك لدرجة كسر أسنانها؟”

رزق وقف وشه في الأرض، عاجز عن النطق، ودموعه بدأت تنزل من الخوف والكسرة.. الدموع اللي عمري ما شفتها منه وهو عايش دور الفرعون عليا في البيت. أومأ براسه وهو بيقول بصوت مش مسموع: “حصل يا فندم.. بس كنت غضبان”.

بعد المداولة، صدر الحكم اللي برد لي اعتباري وشفى غليلي. المحكمة حكمت بحبس رزق ست شهور مع الشغل والنفاذ في القض*ية الجنائية، مع إلزامه بكافة النفقات الشرعية من نفقة عدة ومتعة ومؤخر، وتمكيني الكامل من شقة الزوجية أنا وولادي.

أول ما النطق بالحكم طلع، حسيت كأن جبل انزاح من فوق صدري. رزق انهار وبقى يصرخ ويبكي وهو بيترجاني قدام العساكر وهم بياخدوه عشان يتكلبش: “سامحيني يا لمار! بلاش تحبسيني.. هضيع!”

لفيت ضهري ليه ومشتيت، مالتفتش ورايا ولا للحظة واحدة.

خرجت من باب المحكمة، والنفس اللي أخدته كان بطعم الحرية والانتصار. ركبت عربيتي ورحت على ولادي، أخدتهم في حضني وأنا ببتسم وبقول لنفسي: “النهاردة بس، لمار بدأت تعيش بجد.. واللانش بوكس مش هيتعمل تاني غير للناس اللي تستاهل وتصون”.



مرت الشهور الستة وكأنها حلم طويل فوقت منه على حقيقة جديدة تماماً. شقتي رجعت لي، وبقت مملكتي الصغير أنا وولادي، مفيهاش صوت زعيق، ولا تهديـ ـد، ولا خوف من بكرة. نزلت شغلي وركزت فيه وبقى كل همي إني أأمن مستقبل ولادي وأعوضهم عن أي نقص أو كسر عاشوه.

أما رزق، فبعد ما قضى عقوبته وطبعاً اتفصل من شركته بسبب الحبس والفضيحة اللي سمعت في كل مكان، خرج بني آدم تاني خالص.. مكسور، مطأطأ الرأس، والغرور اللي كان سايقه اتمحى تماماً. جيهان طبعاً نفضت إيدها منه أول ما لقت المركب بتغرق، ودورت على مصلحتها في مكان تاني، وسابته بطوله يدوق من نفس الكأس اللي سقاني منه.

في يوم وأنا راجعة من بره ومعايا ولادي، لقيت واقف جنب باب العمارة.. خاسس، ومبهدل، وهدومه دبلانة. أول ما شافني، جري عليا ودموعه في عينه، ووطى على إيدي عايز يبوسها قدام الناس وهو بيترجاني: “سامحيني يا لمار.. أنا اتعاقبت ودوقت الويل، والكل اتخلى عني ومبقاش ليا حد في الدنيا دي غيرك أنتِ وولادي.. ارجعيلي ونبدأ من جديد وأبوس رجلك بلاش تضيعينا.”

بصيت له بمنتهى الشفقة.. مش شفقة حب أو حنين، لأ، شفقة على بني آدم ضيع نفسه بإيده. زقيت إيده بالراحة ووقفت ولادي ورا ضهري وقلت له بكلمات حاسمة وقاطعة:

“رزق.. لمار اللي كانت بتصحى من النجمة عشان تعمل لك اللانش بوكس وتدور على رضاك ماتت يوم ما اتمت إيدك عليها وهنت كرامتها. إحنا خلاص مابقاش بيننا غير الولاد دول، هتشوفهم في حدود القانون والشرع، وتدفع نفقتهم وإنت ساكت. غير كده، أنت مالكش وجود في حياتي.. اللي يتكسر في القلوب مبيصلحوش دكتور تجميل يا رزق.”

أخدت ولادي في إيدي، وطلعت السلم وأنا سامعة صوت عياطه في الشارع، بس قلبي ما تحركش فيه سم واحد. فتحت باب شقتي، ودخلنا في الدفا والأمان. بصيت للمطبخ وابتسمت، وبقيت عارفة ومكتفية وبقول لنفسي: “الحكاية مش حكاية سندوتش بانيه أو بوفتيك.. الحكاية حكاية أصل وصون عشرة، واللي ما يصونش النعمة.. يستاهل تزول من وشّه.”


 



أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close