خطأ في الأتصال بقلم مايا خالد
خطأ في الأتصال بقلم مايا خالد حصري
“أنا جيت يا حلوة.. افتحي عشان نشوف هنعمل إيه في ابننا”
سلمى كانت قاعدة في الصالة، والبيت فاضي وهادي لدرجة تخنق. الملل كان واكل دماغها، والشيطان بدأ يوزها تعمل أي حوار تضيع بيه وقتها. مسكت الموبايل، وبدأت تكتب أرقام عشوائية، أرقام عمرها ما شافتها ولا تعرف أصحابها، مجرد لعبة سخيفة عشان تسمع رد فعل الناس وتضحك.
طلبت رقم آخره أصفار كتير، وانتظرت. الخط فتح، بس مفيش “ألو”، كان فيه صوت أنفاس تقيلة وهادية، كأن اللي بيرد ده مستنيها تتكلم. سلمى ضحكت بـ لؤم، وقربت الموبايل من شفايفها وهمست بصوت واطي: “أنا حامل منك”.
كانت مستنية شتيمة، أو قفلة سكة، أو حتى واحد يسايرها في الهزار. بس الصمت اللي جه من الناحية التانية كان تقيل لدرجة إنها حست ببرودة في ودنها. وبعد ثانيتين، جه الرد بصوت هادي، بارد، وخالي من أي مشاعر، صوت كأنه طالع من سرداب تحت الأرض: “أوه.. اعتني بطفلنا جيدًا، واستني موعد قدومي يا حلوة”.
جسمها اتنفض، وقفلت الخط فوراً. رمت الموبايل بعيد عنها وفضلت باصة له بخوف. “ده أكيد واحد بيحب يرعبني مش أكتر”، حاولت تطمن نفسها، بس كلمة “يا حلوة” كانت بترن في دماغها.. هو عرف منين إنها حلوة؟
قامت عشان تقفل باب الأوضة، وفجأة الموبايل نور برسالة من غير رقم، مكتوب فيها: “البيجامة الزرقا اللي أنتي لابساها دي جميلة، بس وسعيها شوية عشان الحمل”. سلمى بصت لهدومها بصدمة، كانت فعلاً لابسة بيجامة زرقا! بدأت تبص حواليها في الأركان، ورا الستاير.. مفيش حد، بس الإحساس بإن فيه عين باصة عليها كان بيزيد.
دخلت تحت اللحاف وحاولت تغمض عينيها، وفجأة الشاشة بتاعته بتنور وتطفي بجملة واحدة: “الرقم الذي طلبته.. أصبح ملكي الآن”.
سلمى كانت بتترعش تحت اللحاف، أنفاسها مسموعة والهدوء اللي كان خنقها في الأول اتحول لمرعب، كأن الحيطان ليها ودان وعيون. فجأة، نور الموبايل ض*رب في سقف الأوضة، المرة دي مش رسالة، ده كان اتصال فيديو “Video Call”.
إيديها كانت بتترعش وهي بتدوس “رد” غصب عنها، كأن الموبايل هو اللي بيتحكم في صوابعها. الشاشة كانت سودة في أول ثانية، وبعدين ظهرت أوضة مكتب فخمة جداً، ورا المكتب كان قاعد راجل لابس بدلة سودة شيك، ملامحه حادة زي السكينة، وفي إيده خاتم ذهب عليه شعار “جمجمة وجناحين”.
الراجل مرفعش عينه من على ورق قدامه، وقال بصوت هادي يقطع القلب من الخوف: “لعبة حامل منك دي قديمة قوي يا سلمى.. بس حظك السيئ وقعك في رقم (الجنرال). أنتي عارفة المكالمة اللي أنتي قطعتيها دي كانت صفقة بكام؟ كانت صفقة سلاح بـ ٤٠ مليون دولار، وبسبب هزارك، السيستم هنج والعملية اتعطلت.”
سلمى لسانها اتعقد، كانت عايزة تصرخ بس صوتها مكنش طالع. الراجل رفع عينه وبص للكاميرا ببرود مرعب وكمل: “المافيا مابتهزرش.. وأي حد بيدخل دايرة (الجنرال) بالصدفة، قدامه طريقين: إما يشتغل معانا عشان يسدد تمن غلطته، أو يختفي من الوجود وكأنه مكنش.”
فجأة، سمعت صوت “تكة” باب شقتها بيتفتح بالراحة. بصت ناحية باب الأوضة وهي مرعوبة، لقت الموبايل بيتبعت عليه رسالة تانية: “الرجالة بتوعي وصلوا، افتحي الباب بدل ما يكسروه.. وبلاش تحاولي تطلبي البوليس، عشان اللي بيرد على نجدة منطقتك دلوقتى.. شغال عندنا.”
سلمى اتنفضت من مكانها، لقت نفسها محاصرة بين شاشة موبايل فيها زعيم مافيا دولية، وبين خطوات تقيلة بدأت تقرب من باب أوضتها، وصوت حد بيخبط تلات خبطات هاديين ومنتظمين، ونفس الصوت البارد اللي سمعته في أول مكالمة بيقول من ورا الباب: “أنا جيت يا حلوة.. افتحي عشان نشوف هنعمل إيه في ابننا.”
سلمى اتسمرت مكانها، والدم هرب من عروقها وهي شايفه أكرة الباب بتتحرك ببطء.. ببطء شديد يوتر الأعصاب. الباب اتفتح بصرير يوجع الودن، ودخل طول بعرض، راجل لابس بالطو أسود ونضارة غامقة رغم إننا بالليل. مكنش شايل سلاح في إيده، بس هيبته كانت كفيلة تخلي قلبها يقف.
الراجل قرب من السرير بخطوات واثقة، وسلمى رجعت لورا لحد ما لزقت في الحيطة، وشدت اللحاف عليها كأنه ه يحميها. الراجل وقف قدامها، قلع النضارة وبان عينيه اللي لونها زي التلج، وقال بابتسامة صفرا: “قومي البسي حاجة تقيلة، الجنرال مبيحبش يتأخر على مواعيده، والعربية مستنية تحت.”
سلمى حاولت تستجمع شجاعتها وقالت بصوت مهزوز: “أنا.. أنا كنت بهزر، والله مكنت أعرف.. أنا ماليش دعوة بيكوا، سيبوني في حالي.” الراجل ضحك ضحكة مكتومة وبص للموبايل اللي لسه منور بصورة المكتب الفخم، وقال لها: “الهزار خلص من اللحظة اللي دوستي فيها اتصال. أنتي دلوقتي بقيتي ‘صندوق بريد’ بشري. فيه شريحة معلومات لازم تخرج من البلد، ومحدش هيشك في بنت زيك وهي بتعدي من المطار.”
وفجأة، سحب موبايلها من إيدها وبدله بموبايل تاني خالص، لونه غريب وتقيل، وقال لها بصيغة أمر: “الموبايل ده هيفضل في إيدك، لو حاولتي تفتحي غيره، أو تكلمي حد، أو حتى تمسحي الرسائل.. القنبلة الصغيرة اللي مزروعة في بطارية الموبايل ده هتنفجر في وشك.”
سلمى قامت وهي دايخة، لبست جاكت فوق بيجامتها وهي بتبكي من غير صوت. نزلت معاه، ولقت قدام البيت تلات عربيات سودا “جيب” واقفين في صمت مرعب. ركبت في الكنبة اللي ورا، ولقت جنبه شنطة جلد سودة، الراجل فتح الشنطة وطلع منها باسبور جديد تماماً، فتحه قدام عينيها، لقت صورتها مكتوب جنبها اسم تاني خالص وجنسية تانية.
العربيات بدأت تتحرك بسرعة جنونية في شوارع القاهرة الفاضية، وسلمى بتبص من الشباك على بيتها وهو بيبعد، حاسة إنها بتودع حياتها القديمة للأبد. فجأة، الموبايل الجديد اللي في إيدها نور، وجات لها رسالة من رقم مجهول: “الجنرال بيراقبك من الكاميرا اللي في الزرار بتاع الجاكت.. اضحكي، عشان ميبانش إنك مخطوفة وتعملي لنا مشاكل في أول كمين.”
سلمى بصت لزرار الجاكت بتاعها برعب، ولقت فعلاً فيه نقطة حمرا صغيرة جداً بتنور وتطفي. وفي اللحظة دي، العربيات وقفت فجأة قدام ممر ضلم تحت كوبري، وظهرت موتوسيكلات كتير محاوطاهم من كل ناحية، والراجل اللي جنبها سحب مسدسه من جنبه وفك الأمان وهو بيقول: “شكلك نحس يا سلمى.. البوليس الدولي ورانا، اجهزي عشان العرض هيبدأ.”
صوت ض*رب النار بدأ فجأة زي الرعد، الرصاص كان بيخبط في جسم العربيات المصفحة وبيعمل شرار في الضلمة. سلمى رمت نفسها في أرضية العربية وهي حاطة إيديها على راسها وبتصرخ، بس صوتها كان ضايع وسط ض*رب الرصاص المتبادل بين المافيا والبوليس الدولي.
الراجل اللي جنبها كان بيض*رب نار باحترافية من الشباك، وفجأة العربية لفت لفة حادة خلت سلمى تتخبط في الباب. الراجل زعق وهو بيبدل خزنة المسدس: “انزلي تحت الكرسي ومتحركيش! لو حد فتح الباب غيري.. اقت*ليه.” رمى في حضنها طبنجة صغيرة لونها فضي، سلمى بصت للسلاح برعب، دي عمرها ما مسكت حتى مسدس مية!
وفجأة، انفجار قذر حصل وراهم، عربية من العربيات السودا طارت في الجو واتقلبت. العربية اللي سلمى فيها فرملت فرملة خلت راسها تخبط في الكرسي اللي قدامها وفقدت توازنها لثواني. الراجل فتح الباب وخرج وسط الدخان، وبدأ يشتبك مع ناس لابسين قناعات سودة وعساكر قواة خاصة.
سلمى لقت باب العربية اللي ناحيتها اتفتح، كان واحد من المهاجمين، لابس لبس عسكري بس مفيش عليه رتب، مد إيده ليها وقال بسرعة: “سلمى؟ أنا من المخابرات.. تعالي معايا بسرعة قبل ما الجنرال يبعت الدعم، أنتي في خطر أكبر مما تتخيلي!” سلمى بصت له بتردد، لقت الموبايل اللي في إيدها نور برسالة جديدة من (الجنرال): “اللي قدامك ده مش بوليس، ده قاتل مأجور من عصابة تانية.. لو نزلتي معاه، مو*تك هيكون بطيء.”ماياخالد
سلمى بقت في نص نارين، مابقتش عارفة تصدق مين. الراجل العسكري مد إيده أكتر وقال لها: “مفيش وقت، الموبايل ده متفخخ، ارميه وانزلي!” في اللحظة دي، سلمى شافت الراجل اللي كان معاها في العربية واقع على الأرض وبينزف، بس لسه ماسك سلاحه وموجهه على العسكري.
بدون تفكير، سلمى لقت نفسها بتفتح باب العربية التاني وبتجري في وسط الملاحقة، دخلت بين العربيات المركونة والممرات الضيقة تحت الكوبري، والاتنين بدأوا يجروا وراها. وهي بتجري، الموبايل في إيدها بدأ يعمل صوت “بييب” سريع ومنتظم.. صوت عد تنازلي.
سلمى لقت نفسها قدام طريق مسدود، حيطة عالية ومفيش مخرج، وصوت الخطوات بتقرب منها. بصت للموبايل، كان فاضل ٥ ثواني والعد يخلص. في آخر لحظة، رميت الموبايل بأقصى قوتها ناحية الشخص اللي كان بيطاردها، واترمت هي ورا صندوق زبالة حديد.
انفجار الموبايل عمل هزة في المكان ودخان كثيف، سلمى استغلت اللحظة وقامت تجري وهي مش شايفة قدامها، لحد ما خبطت في شخص واقف في الضلمة، لابس كاب ومنزل وشه. رفع راسه وبص لها ببرود، كان هو.. نفس الراجل اللي كلمته فيديو، “الجنرال” بشحمه ولحمه.
ابتسم لها ببرود وقال: “أنتي فاكرة إن الهروب مننا سهل؟ أنتي دلوقتي معاكي أهم حاجة المافيا بتدور عليها.” سلمى بصت لإيدها وهي مذهولة، لقت إنها وهي بترمى الموبايل، “الشريحة” كانت لزقت في عرق إيدها من التوتر والخوف، الشريحة اللي عليها أسرار دولية بقت جزء من جسمها.الجنرال مد إيده ومسك معصم سلمى بقوة، عينه كانت بتلمع بانتصار وهو شايف الشريحة لزقت في جلدها. “دي ميزتك يا سلمى، الحاجة اللي بنموت عشانها بقت حرفياً تحت جلدك، وده معناه إنك بقيتي أغلى قطعة في مجموعتي.”
سلمى كانت بتنهج، وعينيها رايحة جاية في المكان بتدور على مخرج، بس فجأة سمعت صوت طيارة “هليكوبتر” بتقرب من فوقهم، وكشافات النور خلت المكان كأنه عز الظهر. الجنرال مسكها من رقبتها بالراحة بس بتهديد واضح وقال: “الطيارة دي مش لينا، دي لقوات التحالف الدولية.. لو اتمسكتي معاهم هيشرحوكي عشان ياخدوا الشريحة، لكن معايا.. هتعيشي ملكة.”
سحبها وراه ودخلوا في نفق ضلم تحت الكوبري، والرجالة بتوعه بدأوا يرموا قنابل دخان عشان يغطوا على هروبهم. سلمى لقت نفسها جوة عربية مصفحة تانية كانت مستنية في الضلمة، الجنرال قعد قدامها وطلع جهاز صغير وبدأ يمرره على إيدها، الشريحة بدأت تنور من تحت الجلد بلون أزرق غريب.
”دلوقتي إحنا خارجين من الحدود،” الجنرال قالها وهو بيفتح لاب توب، “الشريحة دي فيها أكواد البنوك المركزية لـ ٣ دول، وبما إنها اتفعلت بحرارة جسمك، فلو قلبك وقف.. الأكواد دي هتتمسح، يعني حياتك بقت هي الضمان الوحيد لثروتي.”
سلمى ضحكت بمرارة وسط دموعها: “يعني أنا دلوقتي بقيت خزنة ماشية؟”
الجنرال بصلها ببرود: “بالظبط، ومن اللحظة دي مفيش نوم، مفيش هزار، ومفيش رجوع. أنتي بقيتي أهم واحدة في المافيا.”
فجأة العربية وقفت قدام طيارة خاصة في مطار سري، والجنرال نزل وشدها وراه، بس قبل ما يطلعوا السلم، سلمى لفت وشها وشافت “القناص” اللي كان بيراقبهم من بعيد، النقطة الحمرا كانت على صدر الجنرال نفسه.
سلمى مكنتش عارفة تصرخ وتحذره عشان تعيش، ولا تسكت وتسيبه يمو*ت وتخلص منه، بس لو مات.. رجالته هيخلصوا عليها في ثانية. في لحظة من الجنون، سلمى زقت الجنرال بكل قوتها، والرصاصة جت في كتفه هو بدل قلبه.
الجنرال وقع على الأرض وهو بينزف، وبص لسلمى بذهول، وهي واقفة فوقه وماسكة الطبنجة الفضية اللي كانت معاها، وقالت له بصوت مشروخ بس قوي: “أنا مش خزنة لحد.. أنا اللي هحط الشروط من هنا ورايح، يا إما نخرج سوا بصفقة أنا اللي أكتبها، يا إما هخلص على نفسي والشريحة تضيع منك للأبد.”ماياخالد
الجنرال رغم الوجع، ضحك ضحكة عالية هزت المطار: “برافو يا حلوة.. المكالمة الغلط طلعت أحسن حاجة حصلت لي، أهلاً بيكي في العالم السفلي.”الجنرال وهو ماسك كتفه والدم مغرق إيده، بص لسلمى بنظرة إعجاب مرعبة، كأنه كان مستني اللحظة اللي تتحول فيها البنت الهبلة اللي بتهزر لـ “وحش” زيهم. شاور لرجالة المافيا اللي كانوا هيفرغوا الرصاص في دماغها إنهم ينزلوا سلاحهم، وقال وهو بيقوم بصعوبة: “اتعلمتي بسرعة يا سلمى.. بس الشروط هنا أنا اللي بكتبها بدم أعدائي، مش بدموع البنات.”
ركبوا الطيارة الخاصة والجو كان مشحون بالتوتر. أول ما الطيارة طارت، الجنرال فتح خزانة صغيرة وطلع منها جهاز طبي متطور، وقعد قدام سلمى وهو بينهج: “الشريحة اللي تحت جلدك دي مش بس أكواد بنوك.. دي “مفتاح” لبرنامج تجسس عالمي. أنتي دلوقتي تقدري تفتحي أي كاميرا في العالم، وتسمعي أي مكالمة، وتدمري أي اقتصاد.. بمجرد ما نوصل لمقرنا في الجبل.”
سلمى كانت بتبص لإيدها اللي الشريحة بتنور فيها بانتظام، وحست بكهرباء خفيفة ماشية في عروقها. وفجأة، الشاشة اللي في الطيارة نورت لوحدها، وظهرت عليها صورة “صالة بيتها” الهادية اللي كانت قاعدة فيها من كام ساعة. شافت البوليس وهم بيكسروا باب شقتها، وشافت مامتها وهي بتصرخ وبتمسح دموعها وهي ماسكة صورتها.
قلبها اتعصر، بس الجنرال همس في ودنها: “انسي العالم ده.. أنتي متي بالنسبة لهم خلاص. اللي قدامك دلوقتي هو القوة المطلقة.”
سلمى بصت له وعينيها بقت باردة زيه، وقالت بجمود: “لو عايزني أشتغل معاك، أول شرط.. أهلي محدش يلمسهم، وتتأكد إن البوليس يبطل يدور ورايا.”
الجنرال ابتسم: “اعتبريه حصل، بس المقابل إنك دلوقتي هتنفذي أول عملية ليكي. فيه طيارة شحن تابعة للجيش فوق المحيط الأطلنطي دلوقتي، عايزك تستخدمي الشريحة اللي في إيدك وتعطلي نظام الملاحة بتاعهم.. عايزهم يقعوا من غير ما نطلق رصاصة واحدة.”
سلمى لقت نفسها قدام كيبورد غريب متصل بجهاز أشعة، حطت إيدها عليه، وفجأة حست إن عقلها اتصل بالإنترنت كله. شافت خطوط الطيران، وشفرات الأقمار الصناعية، وحست إن العالم بقى عبارة عن “لعبة فيديو” بين إيديها.
بصت للجنرال، وبعدين بصت للشاشة، وبدل ما تعطل نظام الملاحة للطيارة، عملت حاجة خلت الجنرال يبرق بعينه برعب.. سلمى بعتت “إشارة استغاثة” مشفرة لكل أجهزة المخابرات في العالم، مكتوب فيها إحداثيات طيارة الجنرال دلوقتي!
الجنرال هجم عليها وهو بيزعق: “أنتي عملتي إيه يا مجنونة؟”ماياخالد
سلمى زقته وهي ماسكة المسدس الفضي في إيده التانية وقالت بضحكة جنان: “مش قلت لك أنا اللي هحط الشروط؟ دلوقتى قدامنا ١٠ دقايق قبل ما طيارات الـ (F-16) تحاوطنا.. يا إما تديني طيارة هروب خاصة وتسيبني أختفي، يا إما هنقع كلنا في المحيط والشريحة اللي حيلتك تروح في قاع البحر.”ماياخالد
الجنرال سكت للحظة، وبعدين بدأ يضحك بهستيريا وهو شايف الصواريخ بدأت تظهر كقطات على رادار الطيارة: “والله وطلعتي مابتخافيش يا بنت الـ… اجهزوا لعملية الإنزال السريع!”
الجنرال سحب ذراع في أرضية الطيارة، وفجأة اتفتح باب سري في الأرض وصوت الريح كان مرعب والطيارة على ارتفاع آلاف الأقدام. بص لسلمى ونظرة الاحترام في عينه اتحولت لغل مخلوط بذهول: “لو عيشتي يا سلمى، هتبقى أنتي الكابوس اللي هيطاردني.. ولو مو*تي، فأنتم أول حد يكسر كبرياء الجنرال.”
الجنرال لبس “باراشوت” ونط من الطيارة قبل ما الصواريخ توصل، وساب سلمى لوحدها في طيارة قيد الانفجار. سلمى بصت حواليها، لقت شنطة سودا مربوطة في الكرسي، فتحتها لقت “بدلة طيران شراعي” وجهاز لوحي صغير. مكنش قدامها ثانية للتفكير، لبست البدلة وهي بتسمع صوت إنذار الصواريخ بيصفر في ودنها زي صرخة الم*ت.
غمضت عينيها ونطت في الفراغ!
الهوا كان بيخبط في وشها بقوة لدرجة إنها مكنتش قادرة تتنفس، وفي اللحظة دي، الطيارة وراها اتحولت لكتلة نار ضخمة نورت السما كلها. الانفجار دفعها في الجو مسافة بعيدة، وبدأت تتحكم في حركتها زي ما شافت في الأفلام. شافت تحتها غابة كثيفة وسواد ملوش آخر.
فتحت الباراشوت في آخر لحظة، ونزلت وسط الشجر، الهدوم اتفتحت وجسمها اتخربش، بس لسه عايشة. أول ما رجليها لمست الأرض، الشريحة اللي تحت جلدها بدأت “تصفر” وتطلع حرارة عالية جداً.. لدرجة إنها صرخت من الوجع.
فتحت الجهاز اللوحي اللي كان في الشنطة، لقت رسالة متسجلة من الجنرال: “لو قريتي دي، تبقي نجيتي من الانفجار. الشريحة دلوقتي دخلت مرحلة التدمير الذاتي لأنها بعدت عن جهازي الأم. قدامك ٦٠ دقيقة والسم اللي في الشريحة هيدخل دمك.. إلا لو وصلتي للعنوان اللي باعتلك إحداثياته دلوقتي.”ماياخالد
سلمى بصت للمكان، كانت في وسط غابات “ألبانيا”، والمكان اللي الجنرال باعت إحداثياته كان عبارة عن قلعة قديمة مهجورة فوق الجبل. كانت لعبة “قط وفار” جديدة، بس المرة دي الرهان هو حياتها بالثانية.
بدأت تجري وسط الغابة، وفجأة سمعت صوت خطوات وراها، خطوات منتظمة وسريعة. استخبت ورا شجرة وطلعت الطبنجة الفضية، وبمجرد ما الخيال قرب، لفت ووجهت السلاح لراسه.. بس اتصدمت!
كان هو نفس “العسكري” اللي حاول ينقذها عند الكوبري في مصر! بص لها وهو بينهج وقال: “نزل السلاح يا سلمى.. أنا مش تبع المخابرات، ولا تبع الجنرال. أنا أخو البنت اللي ماتت بسببه السنة اللي فاتت، وكنت بستخدمك عشان أوصله.. ودلوقتي، أنا الوحيد اللي يقدر يشيل الشريحة دي من غير ما تم*وتك.”
سلمى بصت له بشك، وبصت لإيدها اللي بدأت تزرق وتورم، وقالت له: “ولو طلعت بتضحك عليا زي الباقي؟”
رد بابتسابمة مكسورة: “ما تفرقش.. الم*وت بالسم أو المو*ت بالرصاص، كدة كدة أنتي ميتة. جربي حظك معايا، يمكن المكالمة الغلط دي تنتهي صح لمرة واحدة.”سلمى بصت للعسكري وخدت قرارها في ثانية، مكنش فيه وقت للشك والسم بدأ يسري في عروقها ويخلي رؤيتها مشوشة. “اتفضل.. شيل القرف ده من جسمي، بس لو غدرت بيا، الطلقة دي هتكون في دماغك قبل ما أمو*ت.”
العسكري فتح حقيبة طبية صغيرة كانت معاه، وطلع مشرط وجهاز ليزر دقيق. “استحملي يا سلمى، مفيش بنج، والسم مخلي الجلد حساس جداً.” سلمى عضت على شال كان معاها، وحست بنار بتكوي إيدها والمشرط بيفتح جلدها ببطء، لحد ما طلع الشريحة اللي كانت بتنور بضوء أحمر سريع.. خلاص كانت هتنفجر.
العسكري رمى الشريحة بعيد، وفجأة انفجرت وعملت حفرة في الأرض. سلمى اتنفست الصعداء، بس لسه التعب هادد حيلها. “دلوقتي لازم نتحرك، الجنرال مش بعيد، والقلعة دي فيها مركز التحكم الرئيسي اللي لو سيطرنا عليه، هننهي إمبراطوريته للأبد.”
وصلوا للقلعة مع طلوع الفجر، كانت محصنة برجالة مدججين بالسلاح. سلمى مكنتش خايفة، بالعكس، حست ببرود غريب، كأن الخوف مات جواها مع أول رصاصة. العسكري اداها قنبلة دخان وجهاز تشويش، وقالها: “أنتي هتدخلي من ممر التكييف، وأنا هعمل دوشة من الباب الرئيسي.. نتقابل في غرفة السيرفرات.”
سلمى اتسللت زي القطة، الملل اللي كان واكل دماغها في صالة بيتهم اتحول لآدرينالين مخلّي حواسها حديدية. دخلت غرفة التحكم، ولقت الجنرال واقف مدي ضهره للباب، بيبص على شاشات عملاقة بتعرض خريطة العالم ونقط حمراء بتنور في كل عاصمة.
”كنت عارف إنك هتيجي يا سلمى،” الجنرال قالها من غير ما يلف، “الغريزة اللي عندك دي مش عند حد من رجالتي.. أنتي مولودة عشان تبقي زعيمة، مش مجرد بنت بتلعب بالموبايل.”
سلمى رفعت مسدسها وثبتته على قفاه: “اللعبة خلصت يا جنرال.. شيل إيدك عن الكيبورد، وأمر رجالتك يسلموا نفسهم.”
الجنرال لف وبص لها بابتسامة خبيثة، وكان ماسك في إيده ريموت صغير: “لو ضغطت هنا، نص البنوك اللي في الشاشة دي هتتمسح، والعالم هيدخل في فوضى مفيش حد هيخرج منها سليم.. أنتي مستعدة تشيلي ذنب ملايين البشر عشان تنتقمي مني؟”
سلمى قربت منه لحد ما المسدس لمس جبهته، وقالت ببرود مرعب: “أنا مابيهمنيش العالم.. أنا بس عايزة أقفل الخط اللي فتحته بالغلط.”
وفجأة، الباب اتكسر ودخل العسكري وهو مصاب، وصرخ: “سلمى! ما تخليهوش يضغط!”
في اللحظة دي، سلمى مش بس ض*ربت نار، دي داسِت على الكيبورد بذكاء وهي بتض*رب، واستخدمت كود كانت شافته وهي في الطيارة، كود بيعمل “Loop” أو دائرة مغلقة بتمسح بيانات الريموت نفسه قبل ما يبعت الإشارة.
الرصاصة اخترقت كتف الجنرال التاني، والريموت وقع من إيده ملوش لازمة. الجنرال وقع على ركبه وهو مش مصدق إن بنت صغيرة قدرت تغلبه في ملعبه. سلمى بصت له وقالت: “الرقم الذي طلبته.. أصبح خارج الخدمة للأبد.”
البوليس الدولي (الإنتربول) اقتحم المكان بعد ثواني بناءً على الإشارة اللي سلمى بعتتها من الطيارة. سلمى وقفت وسط الدخان والدمار، سلمت المسدس للعسكري، وبصت للسما وهي بتشم هوا الفجر.
بعد شهر..
سلمى قاعدة في صالة بيتهم، البيت هادي بس المرة دي الهدوء مريح مش بيخنق. مامتها دخلت عليها بصينية شاي وقالت لها: “يا بنتي سيبي الموبايل ده وقومي كلي لقمة، أنتي مابطلتيش تمسكيه من ساعة ما رجعتي من الرحلة اللي قلتي عليها.”
سلمى ابتسمت لـ مامتها، وبصت لشاشة الموبايل اللي جالها عليه رسالة من رقم مخفي: “المركز شاغر يا حلوة.. والكرسي مستنيكي.”
سلمى قفلت الموبايل، ورمته في الزبالة وهي بتقول: “لا.. أنا المرة دي هنام بدري.”سلمى رمت الموبايل في الزبالة فعلاً، بس وهي قايمة تدخل أوضتها، سمعت صوت “تكة” جاية من جوة سلة الزبالة.. صوت رسالة تانية وصلت. الفضول كان أقوى منها، رجعت وسحبت الموبايل، وفتحت الرسالة وهي إيدها بتترعش.
الرسالة كانت صورة.. صورة ليها وهي واقفة حالاً في الصالة، ومتصورة من شباك الجيران اللي قدامهم! وتحت الصورة مكتوب: “انتي فاكرة إن الجنرال هو الراس الكبيرة؟ الجنرال كان مجرد موظف عندنا.. والشركة مابتقبلش استقالة حد بذكائك.”
سلمى جريت على الشباك وقفلت الستائر وهي بتنهج، وفجأة شافت انعكاس حد وراها في مراية الصالة.. لفت بسرعة، لقت “العسكري” اللي أنقذها في ألبانيا واقف بكل برود في ضلمة الطرقة، ولابس بدلة غالية جداً، ومفيش على وشه أي أثر للجروح اللي كانت فيه.
سلمى اتصدمت وقالت بصوت مبهوح: “أنت؟! أنت قلت لي إنك بتنتقم لأختك.. قلت لي إنك ضد الجنرال!”
العسكري ضحك ضحكة هادية وباردة، وطلع من جيبه “سيجار” وولعه وقال: “دي كانت القصة اللي انتي محتاجة تسمعيها عشان تثقي فيا.. مكنش ينفع تروحي للقلعة وتخلصي على الجنرال غير وانتي مصدقة إنك بتعملي عمل بطولي. احنا كنا عايزين نتخلص من الجنرال لأنه بدأ “يخرف” ويطمع في الورثة.. وانتي كنتي الأداة المثالية.”
سلمى استوعبت الكارثة، المافيا مكنتش بتطاردها بس، دي كانت “بتصنعها” عشان تكون القائد الجديد اللي ملوش سجل جنائي ولا حد يعرفه. العسكري كمل كلامه وهو بيقرب منها:
”الرسالة دي مبعوتة من (المجلس).. الـ 12 راجل اللي بيحكموا اقتصاد العالم من الضلمة. هما اختاروا ‘سلمى’، البنت اللي هزمت الجنرال بمكالمة تليفون، عشان تكون هي الوجه الجديد للإمبراطورية.”
سلمى بصت له بتحدي: “ولو رفضت؟”
العسكري شاور بصابعه لبرة، فجأة ليزر أحمر ظهر على صدر مامتها اللي كانت نايمة في الأوضة اللي جنبها، وقال لها: “المافيا مابتقدمش عروض شغل يا سلمى.. المافيا بتقدم أوامر. وبما إنك بقيتي ‘دماغ’ وبقيتي بتعرفي في الأكواد.. فـ إحنا محتاجينك تفتحي لنا ملفات المخابرات اللي الشريحة حملتها في عقلك من غير ما تحسي قبل ما تتمسح.”
سلمى فهمت إن الهروب كان وهم، وإن المكالمة اللي بدأت بهزار، انتهت بإنها بقت “ملكة” في عالم الدم، ملكة غصب عنها. العسكري حدف لها موبايل جديد تماماً، لونه دهبي، وقال لها: “أول اجتماع للمجلس بكرة في باريس.. الطيارة مستنية، يا حلوة.”
سلمى مسكت الموبايل، وبصت لمراية الصالة، وشافت في عينيها نظرة تانية خالص.. نظرة مابقاش فيها خوف، بقى فيها “شر” هادي. مسحت دموعها وقالت ببرود: “قولهم يجهزوا الطيارة.. بس باريس مش عجباني، الاجتماع هيكون في القاهرة.. وعلى شروطي أنا.”دي كانت النهاية الحقيقية.. سلمى مابقتش ضحية، سلمى بقت هي “الخطر”.


تعليقات
إرسال تعليق