اخت باعت دهبها لاخوها كانله حكايات مني السيد
اخت باعت دهبها لاخوها ج1
حكايات مني السيد
لما بنتـي اتجـوزت، جـبنالها شبكـة عبـارة عن حـلق وسلسلـة وغويشـة دهـب، ووقـتها كلفتـنا مبـلغ كبيـر…
السنة اللي فاتت، ابني الكبير وقع في ضيقة، وكان محتاج فلوس ضروري، وملاقاش حد يسلفه. راح لأخته، فبدون تردد وقفت جنبه، وادته الحلق الدهب بتاعها، وكان وزنه حوالي 6 جرام. باعه بـ36 ألف جنيه، وهي كمان زودتله المبلغ بـ4 آلاف جنيه من تحويشتها.
عدت الشهور، وربنا فتحها على ابني، واشتغل وبقى معاه فلوس. افتكرت إنه أول ما يقف على رجليه هيجري يرد الجميل لأخته، ويشتريلها حلق بنفس الوزن، ويمكن أحسن كمان. لكن اللي حصل كان عكس كل توقعاتي.
طلبت منه يرجعلها حقها، بصلي ببرود وقال:
“هو أنا أخدت حاجة غريبة؟ الدهب ده أصلاً إنتوا اللي جايبينهولها، يعني من فلوسكم. مالهاش عندي حاجة.”
وقتها، من غير ما أفكر، لقيت نفسي برد عليه وبقول لبنتي:
“أخوكي عنده حق… ما إحنا اللي اشتريناه.”
#حكايـات_منـي_السيـد
الكلمة خرجت مني في ثانية… لكن أثرها كان أكبر بكتير مما تخيلت…حصري على صفحة روايات و اقتباسات….
بنتي سكتت تمامًا، لا صرخت ولا اتخانقت ولا حتى ردت عليا. بصتلنا بصّة عمري ما هنساها، فيها وجع وانكسار وخذلان. قامت من مكانها، ومشيت من غير ولا كلمة.
افتكرت إنها زعلت شوية وهتهدى، لكن بعدها بيوم رجعت البيت وهي ماسكة علبة صغيرة.
فتحتها قدامي، وطلعت منها السلسلة والغويشة.
حطتهم على الترابيزة بهدوء وقالت:
“طالما الدهب بتاعكم… اتفضلوا خدوه كله. أنا كنت فاكرة إن اللي بيساعد أخوه وقت الضيق بيتشكر، مش بيتقاله إن ملوش حق.”
حاول أبوها يكلمها، لكنها وقفته بإشارة من إيدها، وكملت وهي بتحاول تمنع دموعها:
“أنا كنت بعتبر أخويا سندي، وكنت فاكرة إنكم هتكونوا أول ناس يرجعولي حقي. لكن واضح إني كنت غلطانة.”
بعدها قالت جملة هزت البيت كله:
“حسبي الله ونعم الوكيل.”
وأخدت شنطتها، وخرجت…من يومها، الدنيا اتغيرت.
لا بقت تيجي تزورنا، ولا ترد على مكالماتنا، ولا حتى على الرسائل. كل مرة نحاول نوصلها، الباب يفضل مقفول، والتليفون صامت. حصري على صفحة روايات و اقتباسات
في الأول قلنا: يومين وهتهدى…بعدها قولنا: أسبوع.
وبعدين شهر…لحد ما بقوا شهور طويلة، وكأن بنتنا اختفت من حياتنا.الغريب إن من بعد اليوم ده، حياتنا كلها اتقلبت.
ابني اللي رفض يرجع حق أخته دخل في شغل وخسر كل فلوسه، وبعدها اتعرض للنصب، وكأن كل باب كان بيفتحله اتقفل مرة واحدة. ومن كتر الصدمة، عرف إنه بقى مريض سكر… حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
وأنا كمان، صحتي بقت في النازل يوم بعد يوم، وبقيت أقضي أغلب وقتي بين التحاليل والدكاترة، وكل ليلة أنام وأنا بفكر في بنتي… يا ترى بتعمل إيه؟ يا ترى سامحتنا ولا لأ؟
عدى ١٠ شهور كاملة، من غير ما أشوف وشها.
وفجأة، النهارده، واحدة من الجيران قابلتني وقالتلي وهي مبتسمة:
“مبروك… بنتك جابت ولد.”
وقفت مكاني، قلبي دق بسرعة، ومكنتش عارفة أفرح ولا أعيط.
جريت مسكت التليفون واتصلت بجوزها، وأنا متخيلة إنه هيقولي عنوان المستشفى أو حتى يسمحلي أشوف حفيدي.
لكن أول جملة قالها كانت:
“أنا ماليش دعوة بالمشكلة اللي بينكم… القرار قرارها هي.”
قفلت المكالمة، وأنا حاسة إن آخر باب كان ممكن يدخلني لحياة بنتي اتقفل في وشي.
لكن بعد أقل من ساعة… حصل شيء ما كنتش أتخيله أبدًا، حاجة خلتني أعرف إن اللي جاي هيغير كل حاجة… وإن المواجهة اللي هتحصل بيني وبين بنتي، ممكن تكون آخر فرصة لرجوعها… أو النهاية اللي مفيش بعدها رجوع
#حكايـات_منـي_السيـد
بصيت للتليفون في إيدي والدموع محبوسة في عيني، الكلمة اللي قالها جوزها كانت زي خبطة الرصاص، باردة ومباشرة. قعدت على الكرسي وبدأت أسترجع شريط العشر شهور اللي فاتوا. العشر شهور اللي قضيناهم في بيتنا وكأننا في سجن، الحيطان بقت بتنطق بكلمة بنتي الأخيرة “حسبي الله ونعم الوكيل”.
أبوها كان قاعد جنبي، عيونه مكسورة، باصص للفراغ، ومن ساعة ما عرف خبر الولادة وهو مبيتحركش من مكانه. حالته الصحية بقت أصعب من حالتي، دكاترة القلب قالوا إن الزعل سد شريان في قلبه، وبقى بيعيش بالأدوية. وابني اللي كان فاكر إن الدنيا دانت له، قاعد في أوضته مبيخرجش منها، بعد ما خسر كل شروعاته وبعد ما السكر هده وخلت جسمه نحلان وعيونه غايرة.
قلت لنفسي: “لا، مش هسكت.”
قمت من مكاني، لبست طرحتي وأنا إيدي بتترعش. جوزي بصلي وسأل بصوت واهن:
* رايحة فين يا ست الناس؟
* رايحة لبنتي. رايحة أشوف حفيدي، وأشوف بنتي اللي كسرنا بخاطرها، ولو كلفني الأمر أبوس رجليها، مش هسيبها.
نزلت الشارع، كانت الدنيا مغيمة وكأنها حاسة بوجع قلبي. ركبت تاكسي، واديت السواق العنوان اللي كنت عارفاه بصعوبة من الجيران. طول الطريق وأنا بكلم نفسي، براجع الكلمة الغبية اللي طلعت مني. “ما إحنا اللي اشتريناه”.. إيه الخيبة دي؟ إزاي لساني طاوعني أقول كدة؟ هو ده جزاء اللي شالت أخوها من الضيقة؟ اللي باعت دهبها عشان ميتذلش، ردينا عليها بالذل!
وصلت قدام بيتها، عمارة هادية في منطقة راقية، قلبي كان بيدق بسرعة جنونية. وقفت قدام الباب، رفعت إيدي عشان أخبط، بس خوفي منعني. خفت تفتحلي الباب وتطردني، خفت أشوف في عينيها نظرة استحقار ليا. خدت نفس عميق وقلت: “يا رب، أنت اللي عالم بالحال، هي بنتي ومفيش أغلى منها.”
خبطت… مرة، اتنين، تلاتة.
مفيش رد. بدأت أطمن نفسي إنها ممكن تكون نايمة أو جوزها لسه مرجعش. وفجأة، سمعت صوت “تكة” الباب.
فتحت الباب بالراحة، وبانت هي… كانت ملامحها متغيرة، وشها شاحب، بس في عينيها نظرة قوة ما عرفتهاش قبل كدة. كانت شايلة في إيدها “لفة” صغيرة، ضامّـاها لصدرها بحنان الدنيا.
أول ما شافتني، اتجمدت في مكانها. ملامح الوش سكنت، والابتسامة اللي كانت لسه مرسومة على وشها وهي بتلعب مع اللي في إيدها اختفت تماماً.
* ماما؟
كلمة “ماما” طلعت منها تقيلة، كأنها خارجة من قلب مليان عتاب. حاولت أتكلم، صوتي كان طالع زي الهمس:
* مبروك يا ضنايا.. مبروك.
بصتلي بصة طويلة، حسيت إنها بتشوفني من جوه، بتشوف الندم اللي مالي روحي. مدت إيدها التانية، كانت هتقفل الباب في وشي، بس أنا حطيت إيدي بسرعة على حرف الباب:
* بالله عليكي يا بنتي، بلاش تقفلي الباب. أنا جيت عشان أطمن عليكي، وجيت أقولك إني غلطت. غلطت غلطة عمري، والندم بياكل في قلبي أكل.
اتنهدت هي بعمق، دموعها بدأت تنزل بصمت.
* جيتي دلوقتي يا ماما؟ بعد ما الوجع بقى أضعاف؟ بعد ما اتعلمت إني أعتمد على نفسي، وأشوف الدنيا وش تاني غير اللي كنت فاكراه؟
* عارفة إني اتأخرت، وعارفة إن الكلمة اللي قلتها جرحت كرامتك.. بس كنت عميا، كنت فاكرة إني بدافع عن ابني، ومعرفتش إني بدبح بنتي.
فضلت ساكتة فترة، والهدوء اللي في السلم كان بيخنقني. كان فيه خناقة جواها، بين قلبها اللي لسه بيحبني، وبين عقلها اللي لسه مش ناسي القسوة. فجأة، سمعت صوت عياط “البيبي” جوه اللفة. ملامحها اتغيرت فوراً، ورجعت للحنان اللي هي متعودة عليه.
* ادخلي.
قالتها بصوت واطي ومكسور. دخلت البيت، كان بيتها بسيط ومرتب، كان فيه ريحة نظافة وراحة نفسية غريبة. قعدت على أقرب كرسي، وهي راحت حطت الولد في سريره الصغير. رجعت وقفت قدامي، ومسحت دموعها بطرف طرحتها.
* كنت فاكرة إني مش هشوف وشكم تاني، وكنت بدعي ربنا ينسيني الوجع.
* أنا عارفة، وأنا استاهل أكتر من كدة. بس قوليلي، ابني… أخوكي، عارف؟
ضحكت ضحكة مريرة:
* أخويا؟ أخويا اللي باع دهبي عشان “سند” نفسه ومسألش في أخته؟ ده مش أخويا اللي أنا أعرفه. ده شخص تاني أنا مش عاوزة أعرفه.
حسيت بوجع في قلبي، كان لازم أسمع ده، كان لازم أواجه الحقيقة.
* يا بنتي، هو ندمان، هو تعبان..
قاطعتني بسرعة:
* ندمان عشان خسر فلوسه؟ ولا عشان السكر مبهدله؟ هو مبيفتكرش غير نفسه يا ماما.
بدأت أحكيلها كل حاجة.. حكيتلها عن حال أبوها، عن حالة أخوها، عن الدكاترة والتحاليل، مش عشان أشحت شفقة، بس عشان أقولها إن الدنيا دي دوّارة، وإن اللي حصل فينا ده كان قرصة ودن من ربنا عشان نفوق.
قعدت جنبي، بدأت تتكلم، تحكي عن معاناتها في الفترة اللي فاتت، إزاي اضطرت تشتغل في ظروف صعبة عشان تأمن حياة ابنها، وإزاي جوزها كان ساندها في كل خطوة، في الوقت اللي كانت فاكرة إن أهلها هما اللي هيكونوا السند.
* كنت محتاجة كلمة “حقك عليا” مش كلمة “دهبكم”. كنت محتاجة أحس إني بنتكم، مش مجرد “حاجة” اشتريتوها وليكم الحق فيها.
في اللحظة دي، نزلت على ركبي قدامها، ومسكت إيديها وبستها:
* حقك عليا، حقك عليا يا بنتي. أنا أمك، وأنا اللي غلطت، والندم اللي أنا فيه مش هيخلص إلا لو سامحتيني.
بصت للسقف، وبعدين ليا، والدموع مالية عينيها:
* أنا مسامحاكي يا ماما، لأن الأم مفيش بعدها، ولأني مش عاوزة ابني يتربى على كره، مش عاوزاه يعرف إن في يوم من الأيام حصل جفاء بيني وبين أهلي. بس…
سكتت، وعرفت إن فيه “بس” كبيرة.
* بس إيه يا بنتي؟
* بس، أنا وأخويا… صفحة واتقفلت. مش عاوزة أشوفه، ومش عاوزة أسمع صوته. كرامتي اللي اتكسرت في اليوم ده، محتاجة وقت كتير عشان تتبني من جديد.
حسيت إن دي بداية الطريق، بداية رجوع بنتي لحياتي، حتى لو كان التمن خسارة ابني أو قطيعته ليها. قعدت معاها ساعات، حكيتلها عن كل حاجة، وشفت حفيدي، اللي كان نسخة منها في صغره.
لما جيت أمشي، ودعتني وهي باردة، مفيش حضن زي زمان، بس كان في باب مفتوح. ده في حد ذاته كان معجزة. رجعت البيت، لقيت أبوها وأخوها مستنيين، وبصت في عينهم وعرفت إني لازم أقولهم الحقيقة المرة.. إن الباب اللي اتفتح مش للكل، وإن الجروح اللي سيبناها مش هتلم في يوم وليلة.
دخلت أوضتي، فضلت أفكر في اللي جاي. المواجهة ما خلصتش، دي لسه بتبدأ، وكل خطوة هتحصل بعد كدة هي اللي هتقرر هل هنقدر نرجع عيلة تاني، ولا الوجع اللي زرعناه بكلمة واحدة، هيفضل يحصد معانا سنين طويلة من الغربة؟
اخت باعت دهبها لاخوها ج2
حكايات مني السيد
رجعت البيت وأنا حاسة إن جسمي كله مهدود، كأن العمر كله هرب مني في الساعات اللي قضيتها عندها. لقيت جوزي قاعد في الصالة، النور مطفي، وشعاع ضوء خافت جاي من التليفزيون المنور على الفاضي. أول ما شافني، قام بلهفة، عيونه بتسأل قبل لسانه.
* شوفتيها؟ طمنيني يا أم العيال.. شوفتي حفيدنا؟
قعدت جنبه، مسكت إيده اللي كانت بتترعش، وحسيت بوجع قلبه اللي بياكله.
* شوفتها يا حاج.. شوفت بنتك، وشوفت فيها كبرياء يهد جبال. شفت حفيدك، الولد نسخة منها، بس عيونه فيها لمحة حزن مش عارفة جايباها منين، يمكن من وجع قلب أمه وهي شايلة همومها لوحدها.
سكت شوية، كأني بجمع شجاعتي عشان أقول اللي جاي، لأن اللي جاي هو اللي هيقلب الموازين في بيتنا.
* سامحتني يا حاج.. سامحتني كأم، بس قلبها مقفول.. مقفول أوي من ناحية أخوها.
ابني كان واقف في طرقة الأوضة، سمع كلامي وخرج، وشه أصفر وجسمه نحلان، باصص للأرض ومكنش قادر يرفع عينه في عيني.
* يعني مش عايزاني يا أمه؟ قالت إيه؟
بصيتله بجمود، لأول مرة في حياتي مش قادرة أطبطب عليه وأبررله غلطه.
* قالت إن الصفحة بينها وبينك اتقفلت يا بني. قالت إنها مش عايزة تشوفك ولا تسمع صوتك. الكلمة اللي قلتها يا ابني مش بس جرحت كرامتها، دي ق/تلت الثقة اللي كانت في قلبها ناحيتك. هي شالتك وهي في عز ضيقتها، وأنت رديت الجميل بكسرة خاطر.
انفجر ابني في العياط، مش عياط ندم بس، كان عياط واحد حاسس إن الدنيا قفلت أبوابها في وشه، وإن ذنبه كبر عليه.
* أنا مكنتش أقصد.. والله يا أمي مكنت أقصد! الفلوس عمت عيني، كنت فاكر إني لما أقف على رجلي هرجعهم، بس الشيطان لعب في دماغي.
قمت وقفت بضعف، وبصيتلهم الاتنين.
* الشيطان ملوش دعوة باللي حصل. إحنا اللي سمحنا للطمع يخلّينا ننسى الأصول، وإحنا اللي اتكبرنا لما الدنيا ضحكتلنا. دلوقتي، أنا اللي دفعت تمن الكلمة دي، وأبوك دفع تمنها في صحته، وأنت دفعت تمنها في رزقك وفي سمعتك.
دخلت أوضتي، قفلت الباب، ووقعت على السجادة. صليت ركعتين، وبكيت لحد ما حسيت إن دموعي خلصت. نمت وصحيت على صوت تليفوني بيرن، كانت مكالمة من رقم غريب. قلبي نغزني، رديت بسرعة.
* الو؟
* يا طنط.. أنا جوزها.
اتسمرت في مكاني.
* أيوة يا بني، في حاجة؟ بنتي كويسة؟ الحفيد كويس؟
* بنتك تعبانة يا طنط.. من ساعة ما مشيتي وهي مش على بعضها. دخلت في حالة انهيار عصبي، والولد بيعيط بقاله ساعات وهي مش قادرة تشيله. أنا مش عارف أعمل إيه، ومش عايز أكلم حد غيرك.
في اللحظة دي، حسيت إن العالم كله توقف. رميت التليفون، لبست عبايتي وجريت زي المجنونة. مشيت في الشوارع، التاكسي كان ماشي ببطء كأنه بيعاندني. وصلت العمارة، طلعت السلالم جري، خبطت على الباب كأني بكسره.
فتح جوزها، وشه كان مخطوف.
* دخلت في نوبة اكتئاب بعد الولادة، والضغط النفسي اللي هي فيه من ناحيتكم زود عليها الموضوع.
جريت عليها، كانت نايمة على السرير، وشها أبيض كأنه ورقة، والولد بيعيط في السرير الجانبي. ضمتها لصدري، ريحتها اللي كانت وحشاني، ملمس إيديها اللي كان بيطمني. بدأت أقرأ قرآن وأمسح على راسها، وهي بدأت تهدأ وتتنفس بانتظام.
عدت ليلة طويلة، كنت فيها أنا اللي شايلة الولد وأنا اللي بلف بيه في الشقة، وأنا اللي بداري على وجعها. الصبح، لما فتحت عينيها، شافتني قاعدة جنبها، ماسكة إيدها.
* ماما.. أنتِ لسه هنا؟
* مش هسيبك تاني يا بنتي.. مش هسيبك أبداً، حتى لو طردتيني.
بدأت الأيام تعدي، وبدأت العلاقة تتبني حبة حبة، زي الحيطة اللي بتتبني طوبة طوبة. كنت بروح كل يوم، بساعدها في البيت، بشيل الولد، وبحاول أخفف عنها. بس كان فيه حاجة مكسورة، حاجة مش عارفة أصلحها. بنتي بقت إنسانة تانية، بقت أقوى، بس حزينة.
في يوم من الأيام، وأنا قاعدة معاها، دخلت في موضوع مكنتش حابة أفتحه.
* ماما.. أنا قررت أبيع كل الحاجة اللي عندي وأسافر.
اتخضيت كأن س*كينة دخلت في قلبي.
* تسافري؟ تروحي فين وتسيبيني؟ ده أنا لسه مابتديت أشوفك!
* المكان ده يا ماما بيحسسني بالوجع. كل ركن هنا بيفكرني باليوم اللي إنتِ وأخويا كسرتوا فيه بخاطري. محتاجة أبعد، محتاجة أبدأ حياة جديدة، بعيداً عن نظرات الناس، وبعيداً عن الذكريات اللي بتخنقني.
حاولت أقنعها، حاولت أبكي، بس كانت قراراتها حاسمة.
* أنا مش بس بسافر عشان نفسي، أنا بسافر عشان ابني يكبر في بيئة تانية، بيئة مفيش فيها “الدهب بتاعنا” و”حقنا”.
في الوقت ده، كان ابني التاني.. أخوها، بيحاول بشتى الطرق يوصلها. كان بيبعت رسائل، بيبعت هدايا للولد، وهي كانت بترفض كل حاجة. كان بيجي يوقف قدام العمارة، يبص لفوق، ويتمنى نظرة منها.
كنت بشوف عذاب ابني، وبشوف وجع بنتي، وكنت واقفة في النص، لا عارفة أصلح اللي انكسر، ولا عارفة أواسي مين ولا مين.
في يوم، لقيت ابني بيقولي:
* يا أمي، أنا هبعتلها شيك بكل اللي أخدته منها، وهضيف عليه تمن الدهب وقت ما كان غالي، وهعتذرلها قدام الكل.
بصتله بقسوة.
* إنت فاكر إن الدهب هو اللي كسرها؟ يا بني، الكلمة هي اللي بتق/تل، والرجوع في الحق محتاج نفس صافية مش فلوس.
أخدت الشيك منها، وطلعتلها. قعدت معاها، وحكيتلها عن ندم أخوها، عن التغير اللي حصل فيه، وعن إنه بقى إنسان تاني، إنسان بيصلي وبيستغفر ليل نهار.
بصتلي بصة غامضة، وقالت:
* لو كان ندمان بجد يا ماما، مش هيحتاج يبعت فلوس. الندم الحقيقي بيبان في الأفعال، مش في الشيكات.
خرجت من عندها وأنا حاسة إن المشكلة أعقد مما كنت متخيلة. إن الجرح اللي اتفتح مش مجرد جرح دهب، ده جرح كرامة، جرح علاقة كانت مفروض تكون أبدية واتدمرت بكلمة.
عدى أسبوع، وفي ليلة، لقيت جوزي بيقولي:
* بنتك اتصلت بيا.. قالتلي إنها قررت تسافر بكرة.
حسيت إن الدنيا بتنهار حواليا. اتصلت بيها، كان صوتها هادي، هدوء اللي خلاص أخد قراره.
* ماما، مفيش فايدة.. السفر هو الحل الوحيد ليا.
* طب استني يا بنتي، خليني أشوفك مرة أخيرة.
* مش هينفع يا ماما.. لو شفتك هضعف، ومش هسافر، وهفضل في الدايرة دي اللي بتخنقني.
قفلت السكة، وبقيت واقفة في نص الصالة، مش عارفة أعمل إيه. كان ابني قاعد في ركن، بيسمع كل كلمة، دموعه نازلة بصمت.
فجأة، قامت “خناقة” في حياتنا، مش خناقة صوت عالي، لأ، خناقة روحية. كلنا حاسين إن فيه حاجة هتحصل، إن الباب اللي كانت فاتحاه بنتي، خلاص قرب يتقفل، وإن النهاية اللي كنت بخاف منها، بقت قريبة جداً.
سألت نفسي: يا ترى هي دي النهاية؟ هل بنتي هتسافر وتغيب للأبد؟ هل ابني هيفضل طول عمره شايل ذنب أخته؟ وهل أنا هفضل طول عمري عايشة بكلمة “ما إحنا اللي اشتريناه” اللي دمرت حياتنا كلها؟
بصيت لابني وقلتله:
* قوم يا ابني.. قوم، المطار هو الفرصة الأخيرة. لو لحقتها، ممكن تغير قرارها، وممكن تبدأ صفحة جديدة.
قام ابني بسرعة، زي اللي مسك في خيط رفيع من الأمل. جرينا على المطار، وقلبي كان بيدق في ودني، صوت عياط ابني وصوت وجع قلبي كان بيملأ العربية. وصلنا المطار، وكان الزحام خانق، وكأن الدنيا كلها بتمنعنا.
بصيت للساعات، كان باقي ساعة واحدة بس على ميعاد طيارتها. جرينا في الصالة، بندور عليها، بنسأل.. وفجأة، لمحتها. كانت واقفة عند بوابة الخروج، شايلة ابني، ومعاها شنط السفر.
جريت عليها بكل قوتي، وابني ورايا. لما شافتني، اتجمدت، ولما شافت أخوها، ملامحها اتغيرت للغضب.
* جيتوا ليه؟ مش قلتلكم مش عايزة أشوف حد؟
أخوها وقع على رجله، قدام الناس كلها، وبدأ يعيط بوجع حقيقي.. وجع ندم مش تمثيل.
* سامحيني.. سامحيني يا أختي! أنا عارف إني غلطت، وعارف إن مفيش فلوس في الدنيا تعوض الكسرة اللي أنا سببهالك.
بصتله، بصت لدموعه، وبصت ليا.. في اللحظة دي، شفت الصراع في عينيها. بين قلبها اللي عايز يسامح، وعقلها اللي مش قادر ينسى.
كانت لحظة فارقة، لحظة هتحدد مصير عيلتنا كلها. هل هي هتسامح وتفضل؟ ولا هتسيبنا وتمشي، وتفضل الذكرى دي هي آخر حاجة بينا؟
قفت اللحظة في المطار وكأن الزمن اتجمد، الناس حوالينا بيتحركوا في كل حتة، طيارة داخلة وطيارة خارجة، وأنا واقفة في النص بين بنتي اللي شايلة حفيد حفيدها وقلبها مليان جروح، وابني اللي مرمي على الأرض بيطلب السماح. كان مشهد يقطع القلب، مشهد ما يتكتبش في روايات، ده واقع مرير عشناه بكل تفاصيله.
بنتي بصت لأخوها، وبعدين بصتلي، عينيها كانت بتلمع بدموع محبوسة. سحبت نفسها لورا خطوة، وكأنها بتبعد عن النار اللي كانت حارقة روحها.
* “قومت ليه يا أخويا؟ فاكر إن الركوع ده هيمسح اللي حصل؟ فاكر إن دموعك دي هتغسل الكلمة اللي قت/لتني؟ الكلمة دي يا أخويا ماكانتش مجرد حرفين، دي كانت إعلان إن ماليش أمان في بيت أهلي، وإني مجرد ‘عزومة’ تقيلة عليكم.”
ابني رفع راسه، وشه كان مورم من كتر العياط، وصوته طالع مخنوق:
* “والله ما كان قصدي أكسرك! ده أنا كنت ميت من خوفي عليكي لما عرفت إنك مشيتي، أنا اللي كنت غلطان، وأنا اللي عميتني الدنيا والفلوس. أنا مش طالب منك تسامحيني عشان الفلوس، أنا بطلب منك تسامحيني عشان الدم اللي بيجري في عروقنا.. عشان خاطر أمك اللي صحتها بقت في الأرض بسببنا.”
بنتي سكتت، ونظرتها اتحولت من الغضب للحيرة. بصت للولد الصغير اللي في إيديها، حست إنه بدأ يتقلب، فبدأت تهزه بحنان وهي باصة للسقف، كأنها بتستخير ربنا في قرارها.
* “ماما.. قولي له، قولي له إن الدنيا دوّارة، وإن اللي حصل فينا ده كان عقاب من ربنا لينا كلنا عشان نرجع للأصول.”
رديت عليها بصوت متهدج:
* “يا بنتي، أنا مش هبرر، ولا هدافع. أنا جيت هنا عشان أقولك إن البيت من غيرك بقى حيطة وجدران، وإن الوجع اللي عيشناه في الشهور اللي فاتت كان درس قاسي أوي. أخوكي اتغير، ومستعد يعمل أي حاجة عشان ترضي، بس الأهم هو قلبك إنتي.. قلبك اللي أنا كسرته بلساني.”
بنتي اتنهدت تنهيدة طويلة، وكأنها بتطلع كل الهم اللي كان كاتم على نفسها.
* “أنا مشيت عشان أهرب من نظرات الشفقة، وعشان أهرب من صوت أمي وهي بتقولي ‘أخوك عنده حق’. أنا كنت محتاجة أثبت لنفسي إني ليا قيمة، وإني مش محتاجة دهب حد عشان أعيش.”
في اللحظة دي، دخلت واحدة من المضيفات بتبلغ إن الرحلة قربت تقفل بواباتها. النداء ده كان زي صوت الجرس اللي بيصحينا من غفلتنا. بنتي بصت للوحة الرحلات، وبعدين بصتلي وبصت لأخوها.
* “قرار السفر ده مكنش مجرد هروب، كان قرار حياة جديدة. لو قعدت، هل الأمور هترجع زي ما كانت؟ هل هقدر أبص في وش أخويا من غير ما أشوف ‘خيبتي’ فيه؟”
أخوها قام وقف بتعب، ومسح دموعه بكم قميصه:
* “مش هترجع زي ما كانت، هتبقى أحسن. لأني اتعلمت الدرس يا أختي، اتعلمت إن السند مش بالفلوس، وإن الأخوة هي اللي بتفضل لما الدنيا تضيق.”
بنتي أخدت نفس عميق، وقربت مني، مسكت إيدي وبستها:
* “يا ماما، أنا مش هسافر دلوقتي. بس مش عشان خاطر كلامكم، أنا هقعد عشان ابني ميعيشش بعيد عن أهله، وعشان أديكي فرصة تانية.. بس بشرط.”
قلبي دق بسرعة، وكنت مستعدة أوافق على أي شرط.
* “شرطك مجاب يا بنتي، قولي.”
* “أخويا لازم يرجع لنفسه، لازم يشتغل ويبني حياته تاني بعيداً عن الطمع، وأنا مش عايزة أشوفه غير لما ألاقيه الشخص اللي كنت بفتخر بيه زمان. والشرط التاني.. إننا ننسى كلمة ‘دهب’ و’فلوس’ دي خالص، أنا عايزة أحس إني بنتكم، بنتكم اللي ليها مكان وكرامة في بيتكم.”
ابني هز راسه بسرعة:
* “موافقة، موافقة على كل اللي تطلبيه!”
رجعت بنتي للبيت، بس ما رجعتش لبيتنا، رجعت لبيتها هي، وقالت إنها محتاجة وقت. الشهور اللي بعد كدة كانت مليانة مواقف.. ابني بدأ يشتغل عامل بسيط في ورشة، بيشقى ويتعب، وبطل يدور على ‘الضربة الحظ’ اللي بتيجي بالساهل. بدأ يرجع بالقرش الحلال، وبيحوش عشان يرد لأخته حقها، مش بـ 36 ألف بس، لأ، بضعف المبلغ، وبحاجة أغلى.. بكلمة “آسف” اللي كان بيقولها كل يوم بفعله.
أنا كمان، بدأت أصلح اللي انكسر. بقيت أروح عندها، أساعدها، وألعب مع حفيدي. الحياة بدأت تدب في بيتنا من تاني، بس كان فيه دايماً ‘غصة’ في القلب. الغصة دي هي الذكرى اللي مش بتتمسح.
بس في يوم، وأحنا قاعدين كلنا، اتفاجئنا بموقف قلب الموازين. ابني كان راجع من شغله، ولقى في طريقه ‘محفظة’ مليانة فلوس، من غير بطاقة، من غير أي علامة. في الأول، الشيطان لعب في دماغه.. فكر في ديونه، فكر في اللي ناقصه. بس في لحظة، افتكر نظرة أخته ليه، وافتكر كلمتها “الندم بيبان في الأفعال”.
عمل إيه؟ راح لمركز الشرطة وسلم المحفظة. لما رجع البيت وحكالي، دموعي نزلت. مش عشان الفلوس، بس عشان ابني اللي كان بيجري ورا الفلوس، اتعلم إن ‘الأمانة’ أغلى من أي ذهب.
بنتي كانت حاضرة الموقف، ولأول مرة من 10 شهور، شفت ابتسامة حقيقية على وشها. ابتسامة مش صفاء، ابتسامة فخر.
* “أهو ده الأخ اللي أنا كنت بفتخر بيه.”
دي كانت لحظة الصلح الحقيقي. مش بكلمة، ولا بهدية، بس بموقف يثبت إننا اتعلمنا الدرس. بس هل القصة خلصت هنا؟ طبعاً لأ. لأن اللي جاي كان اختبار أكبر من كل اللي فات. اختبار لقلوبنا كلنا، لما ابني قرر يفتح صفحة جديدة مش بس مع أخته، لأ، مع ‘نفسه’ ومع ‘الناس’ اللي ظلمهم في طمعه القديم.
بدأ يروح لكل حد كان دينه عنده، يردله حقه، ويطلب السماح. كان بيحط كرامته تحت رجله عشان يطهر ذمته. وبنتي كانت معاه، بتشجعه، وبتساعده في توزيع مبالغ للناس اللي مش عارف يوصلهم، صدقة عن نيته في الإصلاح.
حياتنا بقت مليانة ‘سعي’ و’إصلاح’. البيت اللي كان ميت، بقى فيه روح. بس الحكاية لسه فيها خيوط مش متشابكة، لسه فيه ‘سر’ كبير مكنش حد فينا يعرفه، سر ورا ‘الضيق’ اللي حصل لأخوها، وسر ورا اختفاء بنتي في اليوم ده.. سر هيكشفه لنا موقف هيخلينا نعرف إن اللي حصل كان خير لينا، بس بطريقة مكنتش تخطر على بال بشر.
بينما كنا بنبني في علاقتنا من تاني، وفي ليلة شتا باردة، خبط حد على الباب، خبطة غريبة، مش زي خبطة أي حد نعرفه. خبطة قوية، ومريبة.
قمت أفتح، وأنا قلبي مش مطمن. لقيت راجل غريب، باين عليه التعب والبهدلة، وبصته فيها نظرة ‘ندم’ و’كسرة’.
* “أنا كنت شغال مع ابنك.. وجاي عشان أقولكم حقيقة اللي حصل في الشغلانة اللي خسر فيها كل فلوسه.”
بصيت للراجل بدهشة، وابني وقف ورايا وعيونه مفتوحة على الآخر.
* “حقيقة إيه؟ ما هو خسرها عشان كان بيقامر في السوق!”
الراجل بص للأرض وقال:
* “لا يا ابني.. أنت مكنتش مقامر، أنت اتلعب بيك.. اتلعب بيك لعبة أكبر بكتير مما تتخيل، واللعبة دي ليها خيوط بتوصل لناس، مكنتش تتخيل إنها ممكن تكون جزء من حياتكم!”
في اللحظة دي، حسيت إن الأرض بتلف بيا. الحكاية ما كانتش مجرد طمع، الحكاية كانت أكبر بكتير، وكانت بتخبي وراها مفاجآت هتغير مجرى حياتنا للأبد.. وهتخلينا نسأل نفسنا: يا ترى إحنا فعلاً كنا ضحايا، ولا كنا طرف في مؤامرة أكبر مما نتخيل؟
اخت باعت دهبها لاخوها ج3
حكايات مني السيد
دخلت الراجل الصالة وقعدته، كان جسمه بيرتعش والهدوء اللي حوالينا زاد من توتر الموقف. جوزي سنده وقعده، وابني كان واقف بيبصله بذهول. سأله ابني بصوت متقطع:
* “يعني إيه اتلعب بيا؟ يعني إيه خيوط بتوصل لناس تانية؟ أنا دخلت السوق بفلوسي وبدماغي، محدش ضحك عليا غير طمعي!”
الراجل بص لأيدي ابني اللي كانت بتترعش، وطلع من جيبه ورقة مطوية بخط رديء، رماها على الترابيزة وقال:
* “الطمع كان جزء من اللعبة يا ابني، بس مش اللعبة كلها. اللي ورطك في صفقة الاستيراد دي كان واحد اسمه ‘عزت’. عزت ده مش مجرد شريك، ده كان مراقب كل حركة بتعملها من يوم ما بدأت شغلك. كان عارف إنك محتاج فلوس، وعارف إن أختك باعت دهبها، وكان عارف كمان إنك شخص متهور. هو اللي زقك للقرار ده، وهو اللي سرب معلومات غلط عن البضاعة عشان يوقعك وتخسر كل حاجة.”
بنتي اللي كانت قاعدة في ركن الصالة قامت وقفت، عيونها كانت بتطلع شرار:
* “عزت؟ ده اللي كان زميلك في الجامعة يا محمد؟ اللي كنت بتعتبره أخوك؟”
ابني سكت، وشوشته كانت مليانة بصدمة ما بعدها صدمة.
* “أيوة هو.. بس ليه؟ ليه يعمل كدة؟ كان بياخد مني فلوس ويقولي إني شريك، طلع بيسحب مني عشان يغرقني؟”
الراجل كمل بمرارة:
* “مش بس عشان الفلوس يا ابني، في ‘تار’ قديم بينه وبين أبوك. عزت ده كان ابن واحد أبوك كان شريكه من سنين، ولما حصلت مشاكل في الشركة والشركة اتصفت، أبوك خرج بقرشين، وأبوه خسر كل حاجة وانتحر بعد ما اتسجن في ديون. عزت كبر على الحقد، وكان مستني اللحظة اللي يكسر فيها عيلة أبوك.. وبما إنك كنت الأضعف والأكثر اندفاعاً، كنت أنت هدف الخطة.”
بصيت لجوزي، كان قاعد وشه ميت.. شاحب جداً. ماقدرش يتكلم، كان بيبص في الفراغ وكأن شريط حياته كله بيعيد قدامه.
* “يا حاج.. الكلام ده صح؟ إنت خبيت علينا إيه؟”
جوزي هز راسه ببطء، صوته كان زي خروشة ورق الشجر:
* “كنت فاكر إني قفلت الصفحة دي.. كنت فاكر إني سددت ديون الدنيا لأبوه، بس الظاهر إن الحقد مبيتشبعش.”
في اللحظة دي، البيت كله اتحول لمكان تاني خالص. كل غصة وكل وجع عشناهم، كل خسارة، وكل “كلمة وحشة” قلناها لبعض، اتضح إنها كانت “وقيعة” مدروسة. عزت ما كسرش ابني بس، ده كسر البيت كله، كسر العلاقة بيني وبين بنتي، كسر صحتي وصحة أبوها.
بنتي بصت للراجل وسألته بحدة:
* “وأنت؟ إنت كنت بتعمل إيه معاه؟ وليه جاي دلوقتي تتكلم؟”
الراجل نزل راسه في الأرض:
* “لأني بدأت أشوف ولادي في وشوشكم. شفت الأم اللي بتموت بالبطيء، وشفت البنت اللي خسرت أخوها، وشفت الشاب اللي بقى مريض بالسكر من كتر الهم. عزت دلوقتي بيخطط لحاجة تانية، عايز يشتري البيت ده، البيت اللي أنتم ساكنين فيه، عشان يطردكم منه ويذلكم في الأرض.”
حسيت ببرودة في جسمي كله. “يطردنا من بيتنا؟”
قمت وقفت، وبقيت حاسة بقوة غريبة، قوة الأم اللي بتحمي بيتها.
* “مش هيحصل.. طالما فينا نفس، مش هيحصل.”
ابني قام وقف، مسح دموعه، وبص لعزت اللي في خياله:
* “خلاص، كفاية لحد كدة. أنا كنت بلوم نفسي، بس دلوقتي عرفت إن العدو كان جنبي ومكنتش شايفه. يا جماعة، مفيش وقت للندم، لازم نتحرك.”
بنتي مسكت إيدي وقالت:
* “يا ماما، إحنا محتاجين نكون أقوى من كدة. عزت عايز يشوفنا مكسورين، عايز يشوفنا بننهش في بعض، بس إحنا مش هنعطيه الفرصة دي.”
بدأنا نخطط، بس كان تخطيط من نوع تاني. مش تخطيط انتقام، لأ، تخطيط “كشف”. ابني بدأ يجمع كل الإيصالات، كل الرسائل، كل دليل كان مخليه يثق في عزت. وبنتي، بذكائها اللي مكنتش أعرفه، بدأت تتواصل مع ناس كانوا شغالين مع عزت، وبدأت تجمع شهادات عن طريقته في النصب.
حياتنا في الأسبوع ده كانت زي الجمر. كنا بنصحى وننام على ريحة الخوف، بس كان معاها ريحة “الأمل”. لأول مرة من سنين، بقينا “عيلة” بجد، بنحارب مع بعض، بنخطط مع بعض، بنسند بعض. حتى أبوهم، قام من سريره، وبدأ يلملم قوته عشان يقف معانا.
في يوم، عزت اتصل بابني. كان صوته فيه نبرة انتصار مستفزة.
* “ها يا محمد.. سمعت إن الدنيا ضاقت عليك. لو عايز مساعدة، أنا موجود.. البيت اللي إنت ساكن فيه ده مكانه جميل، وفكرت أشتريه منك عشان أساعدك تسدد اللي عليك.”
ابني بصلي، ابتسمتله وغمزتله.
* “أكيد يا عزت.. تعالي البيت بكرة، ونقعد ونتفق على السعر.”
لما قفل، البيت كله كان في حالة استنفار. كلنا عارفين إن بكرة ده هيكون “اليوم الفاصل”. مش بس عشان البيت، بس عشان نسترد كرامتنا، عشان نكشف الحقيقة، وعشان نقفل صفحة الحقد دي مرة واحدة وللأبد.
الليل كان طويل، طويل أوي. كنت قاعدة في الصالة، بصيت للصور المعلقة على الحيطة.. صورة فرح بنتي، صورة تخرج ابني، صورنا واحنا صغيرين.
* “يا رب.. أنت عارف نيتنا. مش عايزين نؤذي حد، بس عايزين نعيش في بيتنا بكرامة، وعايزين نستر بنتنا ونرجع لبيتنا الأمان.”
بنتي دخلت عليا، قعدت جنبي، حطت راسها على كتفي.
* “ماما.. أنا مش خايفة. حتى لو خسرنا البيت، إحنا كسبنا بعض. ده أغلى من أي حيطان.”
بصيت لها، وبستها من راسها.
* “إنتِ أغلى ما عندي يا بنتي. كفاية إنك رجعتيلي، ده عندي بالدنيا وما فيها.”
الساعة بقت 3 الفجر، وما حدش فينا عرف ينام. كل واحد فينا كان بيراجع في عقله “مشهد المواجهة”. عزت داخل البيت، واثق في نفسه، فاكر إنه هيشوفنا بنتحايل عليه عشان يرحمنا. بس اللي ما يعرفوش إننا بقينا “قلب واحد”.
الصبح طلع، نور الشمس دخل من الشباك وكأنه بيوعدنا ببداية جديدة. سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت، صوت باب العربية بيتقفل بقوة. عرفت إنه وصل.
بصيت لعيلتي، شفت في عيونهم قوة ما شوفتهاش قبل كدة.
* “جاهزين؟”
كلهم بصوت واحد:
* “جاهزين.”
فتحنا الباب، ولقينا عزت واقف قدامنا، ببدلته الغالية وابتسامته الصفرا المسمومة. دخل البيت ببرود، وكأنه صاحب المكان. قعد على الكرسي، وبدأ يتكلم كأنه بيمضي حكم إعدام علينا.
* “ها يا جماعة.. قررتوا إيه؟ أنا عارف إن الظروف صعبة، وممكن أساعدكم تطلعوا من هنا وتعيشوا في مكان أصغر..”
ابني قاطعه، صوته كان هادي وثابت بطريقة خلته يترعب:
* “قبل ما نتكلم في البيت يا عزت.. عندي شوية ورق عايزك تبص عليهم.”
عزت ضحك بسخرية:
* “ورق إيه ده؟ ديونك؟”
ابني طلع ملف تقيل، رماه على الترابيزة. عزت بص للملف، ووجهه اتغير فوراً. الألوان بدأت تهرب من وشه، إيديه بدأت تترعش.
* “إيه ده؟”
بنتي وقفت قدامه وقالت بصوت قوي:
* “ده تاريخك يا عزت.. كل تلاعباتك، كل اللي سرقته، والراجل اللي فضح كل حاجة. والبوليس عارف كل خطوة بتعملها.”
البيت ساد فيه صمت رهيب، صمت مكنش فيه غير صوت نَفَس عزت اللي بقى سريع ومضطرب. دي كانت اللحظة اللي كنا مستنيينها، لحظة الحقيقة، لحظة المواجهة.. المواجهة اللي مكنتش بس عشان البيت، كانت عشان نسترد روحنا اللي اتسرقت.
عزت حاول يهرب، قام وقف، بس جوزي وقف قدام الباب بصلابة.
* “محدش هيخرج من هنا إلا لما كل حاجة تنتهي.. والعدل يا عزت، العدل له رجالة، والبيت ده مش للبيع.. البيت ده، هو اللي هيدفن حقدك!”
في اللحظة دي، حسيت إن التاريخ بيكتب قصة جديدة لينا. قصة عيلة اتكسرت، بس قدرت تقوم وتقف على رجليها. لسه فيه الفصل الأخير، لسه فيه “المواجهة النهائية” اللي هتحسم كل حاجة، وهتقول للدنيا كلها.. إن الأصل مبيتموتش، وإن الحق بيرجع لأصحابه، لو بعد حين.
عزت كان واقف في نص الصالة، وشوشته بقت ألوان، والملف اللي رماه ابني قدامه كان كأنه قنبلة موقوتة. فجأة، ضحك ضحكة هستيرية، ضحكة واحد مفيش قدامه غير إنه يواجه المصير اللي هو نفسه صنعه.
* “فاكرين إن الورق ده هيعمل حاجة؟ القضاء بياخد سنين، وأنا ورايا اللي يسندني. أنتم ناس غلابة، فاكرين إنكم بكلمتين هتكسروا هيبتي؟”
بنتي، اللي كانت واقفة زي الملكة، طلعت تليفونها وفتحت تسجيل صوتي. صوت عزت كان واضح وهو بيعترف بكل حاجة لواحد من شركائه في المكالمة، بيشرح له إزاي “دمر عيلة” وأخد فلوسهم، وبيضحك على “الوقيعة” اللي عملها بيني وبين بنتي.
* “سمعت يا عزت؟ ده مش بس ورق، ده صوتك، واعترافك، والشهود اللي مستنيين بره مع ظابط المباحث اللي كان بيسمعنا دلوقتي.”
عزت اتجمد في مكانه. الخوف بدأ ينهش في ملامحه. حاول يندفع ناحية التليفون عشان يخطفه، بس جوزي وأخوها كانوا أسرع منه. ابني مسكه من قميصه، صوته كان هادي بس مليان نار:
* “إنت ما دمرتش بس فلوسي، إنت دمرت بيتي، دمرت علاقتي بأختي، وحاولت تذل أبويا وامي. إنت كنت فاكر إنك بتلعب بينا، بس الحقيقة إنك كنت بتلعب بالنار.. والنار دي دلوقتي هي اللي هتحرقك.”
في اللحظة دي، سمعنا خبط على الباب. كانت الشرطة اللي بنتي اتفقت معاهم. دخلوا، وخدوا عزت وهو بيصرخ ويهدد، بس تهديداته كانت ميتة، صوتها راح في صدى الحيطان اللي حاول يشتريها بماله الحرام.
أول ما الباب اتقفل وراه، البيت ساد فيه هدوء غريب.. هدوء فيه ريحة طهارة. ابني وقع على ركبه، وبدأ يعيط، مش عياط انكسار زي الأول، لأ، ده كان عياط “تفريغ”. جوزي راح حضنه، وأنا وبنتي وقفنا جنبهم. اللحظة دي كانت أغلى من كل الدهب اللي في الدنيا.
* “يا محمد،” قلت لابني وأنا بمسح دموعه، “إنت دلوقتي راجل.. راجل حقيقي، مش بس باللي عملته، بس لأنك قدرت تواجه غلطك وتحوله لدروس. البيت ده، بفلوسه وحيطانه، ميسواش لحظة واحدة من اللي إحنا فيها دلوقتي.”
عدى وقت، والحياة بدأت تاخد مجراها الطبيعي. عزت خد جزاءه، والناس اللي نصب عليهم بدأوا يرجعوا حقوقهم. ابني رجع يشتغل بجد، وبقى بيحوش قرش على قرش، مش عشان طمع، بس عشان يبني حياة كريمة لمراته ولعياله في المستقبل.
بنتي؟ بنتي بقت الروح اللي بتحيي البيت. كل يوم بتجيلنا، ومعاها حفيدنا اللي كبر وبدأ ينطق “تيتا” و”جدو”. الضحكة رجعت لبيتنا، والبيت اللي عزت كان عايز يشتري ذلنا فيه، بقى شاهد على انتصار عيلة حبت بعض، اتوجعت ببعض، بس في الآخر، “سندت” بعض.
أنا بقيت أحسن، والتحاليل بقت زي الفل. مش بالدوا بس، بس لأن قلبي ارتاح. أبوهم رجع يشتغل في تجارته البسيطة، راضي ومستور، وكل ما يبص لبنته وابنه، بيحمد ربنا إن الفتنة ما حرقتش عيلته للأبد.
في ليلة من ليالي الصيف، كنا قاعدين كلنا في البلكونة، الهوا كان عليل. بصيت لولادي.. بنتي بتبتسم وهي بتلعب مع ابنها، وابني بيضحك مع أبوه على مواقف الشغل. اتنهدت بسلام، وقلت في سري: “الدنيا دوارة.. والكلمة اللي قلتها ‘ما إحنا اللي اشتريناه’ كانت درس لي، أنا اللي اتعلمت إن الناس أغلى من الدهب، وإن الكرامة هي اللي بتشتري الراحة، مش الفلوس.”
ابني بصلي، مسك إيدي وباسها:
* “يا أمي، أنا لسه ماردتش لأختي حق دهبها.. أنا حوشت المبلغ، ومعاه زيادة، وعايز أجيب لها أحسن سلسلة وغويشة في السوق.”
بنتي بصتله، وضحكت ضحكة صافية:
* “لا يا أخويا.. أنا مش عايزة دهب. أنا عايزة أخويا يفضل سندي، عايزة أشوفك دايماً ناجح، دايماً أمين، وده عندي أغلى من كل ذهب العالم. خلي الفلوس دي، ابنيها في مشروعك، عشان تكبر ونكبر معاك.”
الكلمة دي كانت المسك بتاع حكايتنا. “عيلة” مش مجرد أفراد بيعيشوا في بيت واحد، عيلة هي “سند”، “أمان”، “كلمة طيبة” بتشفي الجروح.
الحكاية اللي بدأت بـ “غلطة” لسان، وانتهت بـ “موقف” شجاعة، كانت درس لينا ولأي حد بيقراها. الدنيا مش مضمونة، والفلوس بتروح وتيجي، بس العيلة.. العيلة هي الباقية.
وعرفت في الآخر إننا مهما وقعنا، ومهما الدنيا ضاقت بينا، طالما قلوبنا لسه بتنبض بالحب، طالما لسه بنقول “آسف” وبنطلب “السماح”، يبقى لسه فيه أمل. والحكاية اللي كنت بحكيها، ما كانتش مجرد حكاية.. دي كانت “حياتنا”، اللي ربنا أراد إنها ما تنتهيش بالانكسار، بس تنتهي باللقاء.. اللقاء اللي مفيش بعده فراق، والرضا اللي مفيش بعده عتاب.
أخدت حفيدي في حضني، وغفلت عيني وأنا بحلم ببكرة، بكرة اللي هيكون أحسن، لأننا خلاص عرفنا قيمة “الدهب الحقيقي”.. اللي هو “نحن”.
#حكايـات_منـي_السيـد
#تمت_بفضل_الله


تعليقات
إرسال تعليق