القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

اهل خطيبي كامله روماني مكرم 



اهل خطيبي ج1

حكايات روماني مكرم


اهل خطيبى جايين عندنا زياره بعد قراية الفاتحة


وجايبين زياره معاهم فاكها ولحمه وفراخ وارز ومكرونه


ماما قالت ليه كل ده احنا خلاص بقينا اهل


رد حماتى قالت ما كلها ايام وتتجوز وتبقا فى بيتنا وانتو هعملو كده واكتر علشان تشرفو بنتكم


 


أول يوم يجمعنا رسميًا بعد قراية الفاتحة… اليوم اللي كنت مستنياه وبدعي بيه بقالي شهور.


صحيت بدري والبيت كله كان مقلوب، الريحة الحلوة بتاعة الأكل والحلويات مالية المطبخ. ماما كانت واقفة بتجهز آخر حاجة قبل ما أهل خطيبي يوصلوا، وأنا واقفة قدام المراية مش عارفة ألبس إيه… قلبي بيدق بسرعة غريبة، مش بس عشان دي أول زيارة رسمية ليهم في بيتنا بعد ما بقينا لبعض… لأ، عشان الإحساس اللي جوايا إن اليوم ده هيبقى مختلف.


“يلا يا بنتي خلصي، زمانهم على وصول!”


صوت ماما رجعني للواقع.


لبست الفستان اللي كنت مخبياه للمناسبة دي، وبصيت لنفسي… ابتسامة صغيرة ظهرت على وشي، بس وراها قلق مش مفهوم.


بعدها بدقايق… الجرس رن.


قلبي وقع في رجلي.


باب الشقة اتفتح، ودخلوا أهل خطيبي بابتسامات واسعة وصوتهم مالي المكان. حماتي كانت داخلة وشايلة شنط كتير، ووراها أخته، وباباه شايل كرتونة كبيرة… حتى خطيبي كان شايل في إيده علب وحاجات.


قعدوا في الصالة، وبدأت الزيارات تتفتح وتترص قدامنا… كميات مش طبيعية! فاكهة من كل الأنواع، لحمة، فراخ، وعلب حلويات فاخرة… وكلهم بلا استثناء طلعوا فلوس وادوني عدية كبيرة بمناسبة الخطوبة وقراية الفاتحة.


أنا اتصدمت من المنظر والكمية.


ماما بصتلهم باستغراب وقالت بابتسامة مهذبة وهي بتحاول تلطف الجو:


“ليه كل ده يا جماعة؟ احنا خلاص بقينا أهل… مالوش لازمة كل التعب والمصاريف دي.”


ساعتها… حماتي ابتسمت ابتسامة غريبة، مش عارفة ليه حسيت إنها مش بريئة تمامًا.


وقالت بهدوء ونبرة حادة مستخبية ورا الضحكة:


“ما كلها أيام وتتجوز وتبقى في بيتنا… وانتوا هتعملوا كده وأكتر علشان تشرفوا بنتكم وتردوا الزيارة دي في المواسم.”


الكلام في ظاهره عادي… بس طريقتها ونظرات عينيها لا.


في لحظة، حسيت إن في رسالة مبطنة مستخبية ورا الجملة، وكأنها بتقولنا “احنا بنعلم عليكم”.


بصيت لخطيبي مستنية أشوف رد فعله… بس كان ساكت تمامًا، بيبص في الأرض، وكأنه متفق مع كلام أمه أو مش قادر يفتح بقه ويتكلم.


قلبي اتقبض فجأة.


عدى الوقت، والضحك مالي القعدة بين باباه وماما، بس أنا كنت تايهة في عالم تاني خالص… نظرات حماتي اللي بتفحص كل ركن في البيت، سكوت خطيبي الغريب، والجملة اللي فضلت ترن في وداني زي الجرس.


بعد شوية، أخته قامت من مكانها وبصتلي وقالت:


“تعالي يا عروسة وريني أوضتك، عايزاكي دقيقة جوه.”


دخلت معاها الأوضة، وأنا مش مرتاحة ونبضات قلبي بتزيد.


قفلت الباب وراها براحة… ولفتلي بسرعة، وعلامات الجدية ظهرت على وشها، وقالت بصوت واطي وشبه هامس:




“بصي بقى… أنا هتكلم معاكي بصراحة ومن أولها كده، عشان بعد كده ما تقوليش محدش قالك ولا فهمك نظامنا.”


اتجمدت في مكاني وبصيت لها بقلق:


“في إيه يا بنتي؟ خير؟”


“ماما مش بتهزر في الحاجات دي… احنا عيلتنا ليها عادات وتقاليد صارمة لازم تمشي عليها، خصوصًا في الجواز. كل حاجة عندنا بـ الحساب والورقة والقلم… الزيارات اللي هتيجوا بيها، الهدايا، والمواسم، وحتى العيديات اللي اتدفت النهارده دي ليها رد.”


بلعت ريقي بصعوبة وسألتها:


“يعني إيه؟ مش فاهمة؟”


ابتسمت ابتسامة خفيفة مليانة ثقة، وقالت الجملة اللي خلت الدنيا تلف بيا:


“يعني اللي شوفتيه بره النهارده ده مش مجرد كرم أو مجاملة… ده ترتيب وتحديد للي مطلوب منكم تقدموه وتردوه أضعاف في المناسبات اللي جاية عشان بنتكم ما تقلش عن حد!”


في اللحظة دي… حسيت إن الفرحة اللي كنت مستنياها بقالي شهور اتمحت، وإن الزيارة دي قلبت لغم تقيل قوي على صدري.


بس قبل ما أستوعب الكلام أو ألحق أسألها عن تفاصيل أكتر…


سمعنا صوت زعيق وخناقة جامدة بره في الصالة!


صوت ماما كان عالي وهز البيت لأول مرة في حياتي أسمعها بالحدة دي:


“لا… لحد هنا وستوب! الكلام ده مايتقالش في بيتي ولا عندي!”


فتحت باب الأوضة بسرعة، وخرجت أجري أنا وأخته على الصالة…


لقيت حماتي واقفة وشها أحمر ومتغير وعينيها بتقد شرار، وخطيبي واقف في النص بيحاول يهدي الموقف ويبوس على رأس أمه… بس واضح إن الموضوع كبر وخرب تمامًا.


أول ما رجلي خطت الصالة، الكل سكت فجأة ونظراتهم اتصوبت عليا.


#الكاتب_رومانى_مكرم


بصيت لماما… لقيت عينيها حمرا ومليانة دموع وغضب حقيقي ما شوفتوش في حياتي.


ماما شاورت بإيدها على حماتي وخطيبي، وقالت وهي باصة ليّ وصوتها بيرعش من القهر:


“اسأليهم يا بنتي… اسأليهم هم جايين يباركوا ويقدموا زيارة الفاتحة… ولا جايين يشارطونا ويحددوا تمنك الكام؟!”


ساعتها… حسيت إن الأرض بتهتز تحت رجلي، والأسود مالي عيني.


 


خرجت الكلمات من بق أمي زي القذيفة، والصالة اللي كانت من شوية مليانة ضحك ومجاملات، اتقلبت لساحة حرب باردة. أنا كنت واقفة في مكاني، رجلي مش شيلاني، وببص لخطيبي مستنية منه كلمة واحدة.. كلمة ينفي بيها كلام أمي، أو يطمني إن كل ده سوء تفاهم.


لكن الصدمة كانت في نظرته؛ نظرة عاجزة، باصص للأرض ووشه جايب ألوان، وإيده بترتعش وهو ماسك كتف أمه بيحاول يهدّيها.


حماتي نفضت إيده من على كتفها بعنف، وعدلت طرحتها وهي بتبص لأمي بنظرة كلها كبرياء وتحدي، وقالت بصوت عالي ومستفز:


“جرى إيه يا أم العروسة؟ احنا مقولناش عيب ولا طلبنا ملوخية ناشفة! دي أصول وعادات عيلتنا اللي الكل بيمشي عليها.. احنا داخلين بيتكم وشايلين ومحملين، ومقصرناش في قرش ولا في واجب، يبقى من حقنا نعرف بنتنا داخلة على إيه، والناس هتقول علينا إيه لما تيجوا تردوا الزيارة والمواسم!”



أمي صرخت فيها والدموع محبوسة في عينيها من كتر القهر:


“الأصول ماتتطلبش بالمشارطة يا أم أحمد! الأصول دي تيجوا تلاقوها معمولة وزيادة من غير ما تفتحوا بقكم وتملوا شروطكم.. انتوا داخلين تشتوا بضاعة؟ جايين تقولوا لي لازم اللحمة بالوزن الفلاني والذهب بالجرام الفلاني عشان تشرفوا ابنكم؟! بنتي مش بيعة وشروة!”


في اللحظة دي، أخته وقفت جنبي وهمست في ودني بخبث:


“شايفة؟ قولتلك ماما مابتلبخش في الكلام، وأمك هي اللي مكبرة الموضوع وعاملة حكاية من مفيش.”


التفت لها وأنا كلي بنفض، وزقيتها بعيد عني.. الرؤية بدأت توضح قدامي، وكلامها جوه الأوضة مع كلام أمها بره جمعوا الصورة الكاملة في دماغي. الناس دول مش جايين يفرحوا بيا، الناس دول جايين يحطوا قواعد وقوانين ويمضونا على شيكات على بياض للمستقبل!


بصيت لخطيبي وبصوت مخنوق بالدموع سألته:


“أحمد.. انت ساكت ليه؟ انت راضي عن الكلام ده؟ راضي إن أول يوم لينا مع بعض رسمي يبقى بالمنظر ده؟”


أحمد رفع عينه وبصلي، وحسيت في نظرته بضعف شديد، وخرج صوته واطي ومهزوز:


“يا ندى.. امسحيها فيا، أمي مأقصدهاش حاجة وحشة، هي بس بتحب كل حاجة تبقى واضحة ومتفقة عليها من الأول عشان محدش يزعل بعدين.. هدي والدتك وخلينا نقعد نتفاهم بالراحة.”


“نتفاهم في إيه؟!”


صوت أمي قاطع كلامه وهي بتتحرك وتقف بيني وبينهم كأنها بتحميني:


“مفيش تفاهم في قلة القيمة يا أحمد. أنا جوزت أخوات ندى الكبار لأحسن عائلات وعمري ما شوفت حد بيشترط في لقمة دخلت بيته ولا زيارة جايبها في إيده! انتوا جايين تذلونا بحاجتكم؟ خدوها معاكم.. مش عايزين منكم حاجة.”


حماتي وشها اتقلب تماماً، وعينيها ضاقت بغل، وبصت لجوزها اللي كان قاعد ساكت ومحرج، وقالتله بحسم:


“قوم بينا يا أبو أحمد.. الظاهر إننا دخلنا بيت ناس ميعرفوش الأصول ولا بيقدروا الكرم، والناس اللي تعمل مشكلة من أول زيارة وتصرخ في وشنا، ميتأمنش ليهم على مركب!”


أبو أحمد قام وهو بيمسح على وشه بقلة حيلة وقال لأمي:


“يا ستي صلي على النبي، محصلش حاجة لكل ده، كلام ستات و..”


أمي قاطعته بحدة:


“عليه الصلاة والسلام يا حاج.. بس الكلام ده اتقال قدامك وانت مسكتش مراتك، يبقى انت راضي وموافق.”


الحمى سحبت شنطتها من على الكنبة، وبصتلي أنا وأمي نظرة أخيرة وقالت بنبرة تهديد صريحة:


“احنا ماشيين.. والحاجة دي هتفضل هنا عشان احنا مابنرجعش في كرمنا، بس خطوبة بنتكم دي مش هتكمل إلا لو جيتوا لحد بيتنا واعتذرتوا عن قلة الذوق دي، وعرفنا راسنا من رجلينا في كل مليم هيندفع وهيترد!”


أحمد بصلي بقلة حيلة وكأنه بيترجاني أعمل أي حاجة، بس أنا كنت واقفة متجمدة، الدموع نازلة على وشي ومفيش كلام قادر يخرج من حنجرتي.


خرجوا كلهم من الباب، ورزعوا الباب وراهم رقعة هزت حيطان البيت كله.. وخلت قلبي يقع مع كل قطعة فرحة كنت بنيتها في خيالي.




التفتت لأمي، لقيتها قعدت على الكنبة وحطت إيديها على وشها وانفجرت في البكاء.. جريت عليها وارتميت في حضنها وأنا بصرخ من الوجع.


فجأة، وتليفوني في إيدي، شاشته نورت.. وكان رقم أحمد بيرن.


 

اهل خطيبي ج2

حكايات روماني مكرم

شاشة التليفون كانت بتنوّر باسم أحمد، ونغمته اللي كنت بختارها زمان بفرحة، بقت دلوقتي بتضرب في وداني زي ضربات المطارق. بصيت لأمي اللي كانت لسه بتعيط وقهرتها مالية الوش، وبصيت للتليفون.. وفي لحظة غضب على وجع، كنسلت المكالمة وقفلته خالص.


مش قادرة أسمع مبررات، ومش قادرة أسمع كلمة “معلش” اللي بتدوب وسط ضعفه قدام أمه.


ماما رفعت راسها وبصتلي وعينيها حمرا:


“قفلتيه ليه يا ندى؟ سيبيه يتكلم.. سيبيه يقول آخرة الضعف ده إيه! أنا مش زعلانة على الأكل ولا الشنط اللي رموهالنا دي، أنا زعلانة عليكي انتِ.. زعلانة إنك كنتِ هتتحطي في بيت نسا ميعرفوش ربنا، بيت بيقيسوا فيه البني آدم بالوزن والكيلو!”


حطيت راسي بين إيديا وأنا مش قادرة أستوعب إن دي “قراية الفاتحة” اللي كنت بحلم بيها. قعدنا أنا وماما في الصالة وسط الشنط والكراتين اللي حماتي سابتها.. الحاجة اللي كانت من شوية رمز للكرم، بقت دلوقتي شكلها يسد النفس وكأنها جبل تقيل كابس على نفسنا.


فجأة، جرس الباب رن تاني!


قلبي دق بسرعة.. افتكرت أحمد رجع أو سابهم وجه يعتذر. جريت على الباب وفتحته بلهفة، بس الصدمة كانت لما لقيت أحمد واقف فعلاً، وباباه وراه.. لكن حماتي وأخته مش معاهم.


أحمد كان وشه مخطوف، وباباه دخل وهو منكسر ووشه في الأرض. أول ما دخلوا، أبو أحمد اتجه لماما علطول وقال بصوت مليان خجل:


“حقك عليا يا أم ندى.. أنا رجعت أحمد بالعافية وجيت وراه عشان أصلح اللي حصل. الست أم أحمد لسانها بيخونها ساعات، وهي مأقصدهاش تذلكم، بس طبعها حامي شوية وعايزة تأمن مستقبله.”


ماما وقفت وقالت بعزة نفس:


“تأمن مستقبله على حساب كرامتنا يا حاج؟ جايين في أول يوم يدخلوا فيه بيتي يشارطوني بنتك هترد بكام في المواسم وتجيب إيه وتعمل إيه؟ دي أصول دي؟!”


أحمد قرب مني وحاول يمسك إيدي، بس أنا رجعت خطوة لورا. بصلي بعيون مليانة رجاء وقال:


“ندى.. عشان خاطري اسمعيني. أنا مكنتش قادر أتكلم بره عشان لو زعقت لأمي في بيتكم كانت هتبقى قلة أدب وعيب في حقها وحقكم، لكن أنا مش موافق على طريقتها والله. أنا شاري ومستعد أعمل أي حاجة عشانك، بس متخربيش البيت قبل ما يتبني.”


بصيت في عينه وقُلت والدموع بتخنقني:


“والكلام اللي أختك قالتهولي جوه الأوضة يا أحمد؟ إن كل حاجة عندكم بالورقة والقلم والحساب.. وإنكم جايين تحددوا تمني الكام؟ أختك كمان لسانها خانها؟!”


أحمد اتهز ومباقش عارف يرد، وبص لباباه كأنه بيستنجد بيه. باباه أخد نفس طويل وقال لماما:


“يا أم ندى.. ندى بنتنا، واللي انتوا هتعملوه احنا راضيين بيه، وأنا بضمنلك ده برقبتي.. مش هنخلي أم أحمد تتدخل في تفاصيل الزيارات دي تاني، بس بلاش نقطع الحبل من أوله.”


ماما بصت لأحمد وقالتله كلمة واحدة هزت القعدة:


“وانت يا أحمد.. تقدر تقف في وش أمك لو بكره وقفت لندى على الواحدة وقالتلها فين موسمك وفين حاجتك؟ تقدر تحمي بنتي في بيتك؟”



أحمد سكت لثواني.. ثواني كانت كفيلة تلخص كل حاجة. كان باين في عينيه الخوف من أمه، الخوف من إنه ياخد موقف حاسم يزعلها، حتى لو كان الموقف ده هو الحق.


وقبل ما أحمد ينطق ويحاول يبرر سكوته.. تليفون باباه رن بصوت عالي، وبص على الشاشة ووشه اتقلب، وقال بارتباك: “دي أم أحمد.. شكلها عرفت إننا رجعنا لكم!”


فتح الخط.. وصوت حماتي خرج من السماعة عالي وحاد وهي بتصرخ وتسمّع الصالة كلها!


صوت حماتي كان طالع من سماعة التليفون زي الإعصار، لدرجة إن كل اللي قاعدين في الصالة سمعوا كلامها من غير ما أبو أحمد يفتح الاسبيكر:


“انت فين يا أبو أحمد؟ واخد ابنك ورايحين فين؟ أوعى تكون رجعت لبيت الناس دول بعد ما طردونا وقللوا مننا! والله العظيم يا أبو أحمد لو عرفت إنك هناك لتكون دي آخر قعدة بيني وبينك، وابنك لو رخص نفسه وراح للي ميسووش، لا هو ابني ولا أعرفه!”


أبو أحمد قفل السكة بسرعة وهو إيده بترتعش، وعلامات الإحراج والخزي مغطية وشه بالكامل. بص لأمي وراسه في الأرض وقايل: “أنا أسف يا أم ندى.. حقكم عليا.”


في اللحظة دي، أنا بصيت لأحمد.. كنت مستنية أشوف ملامحه، أشوف في عينيه أي رد فعل راجل حاسم قادر ياخد قرار حياته بنفسه. لكن اللي شوفته صرعني؛ أحمد كان واقف وشه أصفر، باصص لتليفون والده برعب، وكأن صوت أمه طفأ جواه أي شجاعة أو رغبة في التمسك بيا.


أمي ضحكت بمرارة وقفت، وشاورت على الباب وقالت بصوت قوي ومن غير دموع:


“سمعت يا حاج؟ سمعت يا أحمد؟ الست الوالدة بتخيركم.. واحنا ناس بنفهم في الأصول وبنشتري راحة بالكم، ومبنحبش نخرب البيوت. اتفضلوا يا جماعة.. مع السلامة.”


أحمد خطى خطوة ناحيتي وقال بصوت مهزوز: “ندى.. متسمعيش كلام أمي، أنا هصالحها وأهديها وكل حاجة هتتحل، متوافقيش على كلام والدتك!”


بصيت له وعيني مليانة وجع مش هينطفي بسهولة، وقُلت له: “تصالح مين يا أحمد؟ انت مسمعتش هي قالت إيه؟ هي شيفانا ‘مبنسواش’.. وانت واقف مكانك مش قادر حتى تقول كلمة حق. اللي متخافش من أمه في غيابك، عمرها ما هتعملك حساب في وجودك. انت مش قادر تحمي نفسك منها، هتحميني أنا إزاي؟”


أبو أحمد طبطب على كتف ابنه وقال بقلة حيلة: “يلا بينا يا ابني.. يلا نمشي دلوقتي.”


أحمد بصلي نظرة أخيرة كلها عجز وانكسار، وخرج هو وباباه من الشقة وسابوا وراهم باب مفتوح على مصيره، وشنط الزيارة لسه مرصوصة في الصالة كأنها شاهدة على جنازة فرحة ماتت قبل ما تتولد.


أمي قفلت الباب وراهم بالمفتاح، ولفت ليا وحضنتني جامد وهي بتقول: “فداكي ألف يا بنتي.. الحمد لله إنها جت في أولها ومن غير خسائر.. كرامتك وكرامة بيتنا بالدنيا.”


دخلت أوضتي، ورميت نفسي على السرير بالفستان اللي كنت لابساه وأنا طايرة من الفرحة من كام ساعة بس. الدنيا اسودت في عيني، والدموع اللي حبستها قدامهم نزلت تحرق وشي. كنت حاسة بنار في قلبي، بس جوايا جزء صغير بدأ يفوق ويستوعب إن ربنا نجاني من فخ كبير.



عدى يومين، والبيت عندنا هادي تماماً، ومحدش فيهم اتصل ولا حاول يبعت كلمة، لحد ما جه اليوم الثالث..


لقيت رسالة مبعوتة على تليفوني من رقم غريب، فتحتها ولقيت كلام خلاني أقوم أقف على رجلي والصدمة ملزماني!


حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم


فتحت الرسالة وأنا إيدي بترتعش، وقريت الكلام اللي مكتوب فيها:


“أنا أحمد يا ندى.. بكلمك من رقم صاحبي لأن أمي أخدت مني تليفوني وخطفت مني كل حاجة، وحالفة لتجوزني بنت أختها الأسبوع الجاي لو مجيتيش انتِ ووالدتك ركعتوا تحت رجليها واعتذرتوا. أنا بموت يا ندى ومحبوس في بيتي ومش عارف أعمل إيه، ارحميني وتعالي صالحيها عشان نكون مع بعض!”


وقفت في نص الأوضة، وبصيت للرسالة بذهول.. بس المرة دي الصدمة مكنتش وجع، الصدمة كانت تفاجؤ من حجم الهوان والضعف. “محبوس في بيته؟ وأمه أخدت تليفونه؟!”.. ده مش راجل داخل يبني بيت ويحمي زوجة، ده طفل لسه محتاج إذن عشان يتنفس!


في اللحظة دي، حسيت إن الغمامة اللي كانت على عيني انقشعت تماماً، والوجع اتقلب لقوة وعزة نفس. مسحت دموعي، وأخدت التليفون وكتبت له رد واحد وحاسم:


“أحمد.. ربنا يسعدك مع بنت أخت والدتك. الراجل اللي متساقش كلمته في بيته، ميتأمنش على بنات الناس. الخطوبة دي انتهت، وحاجتكم هتوصلكم لحد باب بيتكم مع حد من قرايبنا.. مع السلامة.”


عملت بلوك للرقم، وخرجت الصالة لأمي. بصيت لها وابتسمت ابتسامة حقيقية لأول مرة من أيام، وقُلت لها: “قومي يا أمي لِمّي معايا الحاجة والشنط دي عشان نرجعها لأصحابها.. احنا أشترينا كرامتنا، وربنا نجدني وكشفهم ليا من أول خطوة.”


أمي خدتني في حضنها ودعت لي وهي فرحانة إن بنتها قوية ومش كسرها الوجع. وفعلاً، رجعنا كل حاجة ليهم، وقفلنا الصفحة دي تماماً، وبدأت ألتفت لحياتي ومستقبلي وأنا حامدة ربنا على فضله وكرمه إنه نور بصيرتي في الوقت المناسب.


### 💡 الحكمة من القصة


* **البيوت تُبنى على المودة والرحمة لا على المشارطة والمقارنة:** الزواج ليس صفقة تجارية تُقاس بالورقة والقلم والجرام والكيلو، بل هو تراحم وأصول. من يرى كرمه عليك “دَينًا” يريد رده أضعافاً، لا يبحث عن مودة بل يبحث عن فرض سيطرة.


* **الرجل هو الحماية والأمان:** إذا كان الخاطب عاجزاً عن حماية نفسه وصوت حقه أمام أهله في فترة الخطوبة، فهو أعجز عن حماية زوجته وبيته في المستقبل. حُسن الخلق لا يكفي إن لم يصاحبه حسم وقدرة على قيادة حياته بنفسه.


* **الكرامة خط أحمر:** أن تنتهي الحكاية من أولها بدموع يومين، أفضل بألف مرة من أن تنتهي بعد سنوات ببيوت مهدومة وأطفال يدفعون ثمن صمتكِ عن قلة التقدير. من لا يرى قيمتكِ غالية، لا يستحق أن يكون في حياتكِ.


 




تعليقات

close