القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية الورقه المنسيه كامله بقلم نرمين عادل همام

 

رواية الورقه المنسيه كامله بقلم نرمين عادل هما



الورقه المنسيه ١

نرمين عادل همام

البيه جوزي كتب البيت بأسم امه وبيقولي أل عندك اعمليه اخبطي راسك بالحيطة، البيت اللي قعدت أبني فيه طوبة طوبة، وأضحي بعمري وصحتي علشانه، ما كانش مجرد حيطان وسقف.. ده كان عُمري اللي كان بيتسرسب من بين إيديا وأنا فاكرة واهمة نفسي إني بتعب وبأمن مستقبل دافي لعيالي.


أنا هند.. ست عاشت 12 سنة كاملة تحت سقف واحد مع راجل كانت فاكراه سندها وضهرها، مصطفى. الـ 12 سنة دول ما كانوش مجرد أرقام في النتيجة، لأ.. دول كانوا أيام طاحنة ومليانة تعب وشقا مابينتهيش. فاكرة كويس أوي الأيام والمواعيد الصعبة، لما كان منبه الموبايل يصحيني في عز البرد والفجر بيشقشق الساعة أربعة ونص الصبح. كنت أقوم وجسمي كله بيرتعش من السقعة والإرهاق، ألبس هدومي قوام قوام، وأبص بـقـلـق على عيالي وهم نايمين في سرايرهم،


 قبل ما أنزل وأجري على شغلي. مشواري ما كانش سهل أبدًا، وساعات الشغل كانت مابتشفقش على حد، بس كنت بستحمل رخامة المديرين وضغط الوظيفة وقرفها، وكل ده عشان قرش واحد زيادة أحوشه.


ولما كان يوم الشغل يخلص والناس تروح ترتاح، كانت بتبدأ ورديتي الثانية في البيت. أرجع ورجلي مش شيلاني، ألاقي في الوش تلال مواعين في الحوض، وغسيل كوم عيازة يتغسل، وعيال عايزين اللي يأكلهم ويذاكر لهم، وطبيخ لازم يخلص. كنت بلف في الشقة زي الإنس آلي اللي مابيتعبش، وكل ما أحس إن حيلي مهدود، كنت أطبطب على نفسي وأقول: 


“كله عشان بيتنا.. كله عشان أمان ولادنا”.


ومصطفى كان شايف كل ده بعينيه، شايفني وأنا حارمة نفسي من اللقمة ومن أبسط حاجات ممكن تفرح أي ست، لا فستان جديد ولا خروجة مع صحابي، عشان أوفر كل جنيه لمشروع العمر. ولما ربنا كرمنا ولقينا حتة الأرض المناسبة، ما ترددتش ثانية واحدة. رحت جارية فتحت حصالتي السحرية—حسابي البنك الصغير اللي كنت بشيل فيه القرش الأبيض لليوم الأسود


—وسحبت منه نص تمن الأرض كاش وفوقيهم بوسة، وسلمتهم له وأنا الفرحة مش سيعاني والرضا مالي قلبي.


وما وقفتش لحد هنا.. لما بدأنا نبني والفلوس عجزت معانا، والمقاولين بقوا يطالبوا بدفعات ورا دفعات، بصيت في إيدي وفي علبة صيغتي. ما هانش عليا حلمنا يتهد، وضحت بأغلى حاجة تملكها أي ست؛ بعت دهبي كله، حتى الشبكة اللي جابها لي في خطوبتنا وكان ليها معزة خاصة في قلبي وفيها ذكريات حبنا الأولاني، بعتها كلها ومن غير ما أرمش. فاكرة يومها كويس أوي وهو باصص في عيني وبيتكلم بنبرة كلها وعود وجميل وقال لي: 



— يا هند، البيت ده مش بتاعي لوحدي، ده أمان ليكي وللعيال، وعمري في حياتي ما هنسى وقفتك دي جنبي. ويا لخيبتي وسذاجتي.. صدقته وأمنته على عمري وهو ما يستاهلش.


مرت السنين والبيت كبر وخلص، ونقلنا وعشنا فيه. وفي يوم عادي جداً، كنت محتاجة أخلص شوية ورق ومعاملات في البنك، وكان من ضمن الطلبات صورة من عقد ملكية البيت. دخلت بكل نية صافية على المكتبة الصغيرة اللي بنشيل فيها ورقنا وملفاتنا. قعدت أنبش مابين الورق، شهادات ميلاد العيال، قسيمة الجواز، فواتير النور والمياه.. بس العقد ملوش أي أثر، فص ملح وداب.


استغربت ووقعت في حيرة، فقلت أستنى مصطفى لما يرجع من بره. وفي السهرة وإحنا قاعدين في الصالة، سألته ببساطة وبنبرة عادية جداً: — بقولك إيه يا مصطفى، أنا كنت بدور على عقد البيت في الملفات وملقيتوش، هو فين؟ عشان عايزة صورة منه أقدمها في البنك.


في الثواني دي، شفت وشه اتقلب 180 درجة. جسمه اتخشب، ونظرة عينيه زاغت بشكل غريب عمري ما شفته منه في الـ 12 سنة جواز. فرك إيديه في بعض وتنحنح، وفجأة اتنطر واقف في مكانه ورد عليا بزعيق ونبرة حادة خضتني: — وأنتِ بتنبشي ورايا وبتدوري على العقود ليه أصلاً؟! مالكيش دعوة بالكلام ده، دي حاجات ورجالة وشغل رجالة وأنا قايم بالواجب وزيادة!


الكلمتين دول نزلوا عليا زي القلم على وشي. ما كانش ده مصطفى اللي أنا عارفاها، ولا دي طريقته معايا أبدًا. اتصدمت ولجمت لسان الخوف، وفضلت ساكتة وأنا شيفاه بيمشي من قدامي بخطوات متوترة ويدخل الأوضة. ومن الليلة دي، الشيطان زرع الشك في قلبي، وبدأ ياكل في روحي وعقلي. هو اتوتر ليه كدا؟ وإيه اللي مخبيه في العقد ده ومخليه مرعوب؟


 


عدى كام يوم تقال وزي الهم، كنت ماشية في البيت زي الفرخة المدوخة، وعيني وسط راسي بمشي ورا كل حركة بيعملها. وفي يوم في العصرية، ومصطفى فاكر إني نايمة وجوا الأوضة مع العيال، كان واقف في الطرقة اللي جنب المطبخ وماسك تليفونه. سحبت رجلي بالهداوة، وكنت حافية عشان الخشب ما يعملش أي صوت. وقفت ورا الحيطة بالظبط، وحبست نفسي وأنا حاطة ودني وبسمع مكالمته مع أمه.. المكالمة اللي شقلبت حياتي وكسرت ظهري…


صوته في التليفون كان طالع واثق أوي، وهو بيهمس بنبرة كلها لؤم ومكر، وفي نفس الوقت متطمن ومتهني وهو بيقول: “ما تقلقيش يا أمي.. البيت كله بقى باسمك رسمي خلاص، الورق كله اتخلّص ومحدش يقدر يفتح بقّه بربع كلمة”.


في اللحظة دي، حسيت كأن تلج جمد عروقي، والأرض بدأت تلف بيا زي الساقية. رجعت خطوة لورا وسندت ضهري على الحيطة الساقعة، وكنت بنهج وبحاول ألقط نفسي اللي هرب مني فجأة. وداني صرّت بطنين عالي، وشريط الـ 12 سنة شقا وعمر مر قدام عينيا زي فيلم سينما بيتحرق. فضلت واقفة مستنية..


 


 الثواني كانت بتمر عليا كأنها سنين، لحد ما سمعت صوت قفلة السكة.


ما قدرتش أستخبى أكتر من كدا ولا أتحمل الصمت اللي بيموت، اندفعت على الصالة وجسمي كله قايد نار، ودقات قلبي كانت مسموعة وبتسبق رجليا، ودخلت عليه فجأة قبل حتى ما يلحق يحط الموبايل في جيبه. وقفت قدامه وجسمي كله بيرتعش، بس عيني كان بيطلع منها شرار من كتر الغل والصدمة. قطعت السكون ده وزعقت بصوت مخنوق ومرعوش بس بحاول ألم نفسي:


— إيه اللي أنا سمعته ده؟ إيه يعني البيت بقى باسم أمك؟! فهمني كدا الكلام ده معناه إيه ومن ورايا؟!


الكاتبة نرمين عادل همام


بصلي كدا كام ثانية وهو ساكت، وما شفتش في عينيه نقطة دم واحدة من الكسوف أو الارتباك اللي شفتهم من كام يوم. وشه كان لوح تـلـج، وتنهد بملل وزهق وقال بمنتهى البرود اللي يقهر:


— أيوه.. اللي سمعتيه صح، البيت بقى باسم أمي.


من كتر الصدمة، ومن كتر ما عقلي مش قادر يستوعب الخيانة والندالة دي، ضحكت بمرارة وكسرة، على أمل إنها تطلع نكتة بايخة، وقلتله:


— أكيد بتهزر يا مصطفى صح؟ مش ممكن تعمل فيا كدا بعد كل اللي عملته عشانك وعشان البيت ده!


بس وشه ما اتهزش ولا ابتسم، بالعكس، كمل كلامه بنبرة ناشفة وقليلة الذوق، ونطق الجملة اللي ذبحتني:


— وأصلاً البيت باسمي أنا من الأول، في الأوراق الرسمية الأرض والمباني باسم مصطفى.. وأنا راجل حر، أكتبه باسم اللي أنا عايزه، أمه، أخته.. أنتِ مالك ومال الموضوع ده أصلاً؟


في اللحظة دي، رجليا ما شالتنيش، اترميت وسندت على طرف السفرة اللي جنبي، وحسيت برعشة هدت حيلي كله، وقلت وصوتي رايح وخانقاه الدموع:


— أنا مالي؟! وفلوسي؟ وشقا عمري؟ وتحويشة السنين اللي حطيتها في الأرض؟ ودهبي وشبكتي اللي بعتهم تمن للطوب والأسمنت والخرسانة اللي إحنا واقفين وسطيهم دول؟ كل ده راح فين؟!


وهنا بقى حصلت الحاجة اللي عمري ما تخيلتها في ألعن كوابيسي.. ضحك! آه والله العظيم ضحك بسخرية واستهزاء كسروا قلبي ونفسي. بصلي بكل بجاحة وقال:


— فلوسك؟ فلوس إيه دي يا حبيبتي؟ وريني كدا أي ورقة تثبت إنك دفعتي مليم أحمر في البيت ده؟ الأرض باسمي، وفواتير المون باسمي، والرخص باسمي، والبيت باسمي.. إثبتي بقى يا شاطرة إنك دفعتي حاجة!


وفي وسط الخناقة دي، عيني جت على حماتي اللي كانت قاعدة على الكنبة في ركن الصالة، قاعدة بتتفرج على حرقة دمي بملامح باردة ولا كأن في أي حاجة تهمها. وما اكتفتش بالفرجة، لأ.. دي حشرت نفسها في الكلام، ولوحت بإيدها بتعالي وفوقية وهي بتقول بنبرة تقطر سم:



— البنت العاقلة والأصيلة يا هند، تشكر جوزها إنه مأويها في بيت ملكه، ومربي عيالها وفاتح لها باب ستر ومقعدها هانم.. مش تقعد تتحاسب معاه وتعد عليه المليم والقرش!


حسيت ساعتها إن دمي بيغلي في عروقي، وضغط دمي ضرب في العالي لدرجة إني ما بقتش قادرة أشوف اللي قدامي بوضوح. لفيت ووشي ليهم هما الاتنين وجسمي بيتنفض من القهر والظلم وقلت:


— يعني إيه؟ يعني بعد 12 سنة طحن وتعب وتضحية، أصحى الصبح ألاقي نفسي مجرد ضيفة في بيتي؟ ضيفة ممكن تطردوها وترموها في الشارع في أي لحظة؟!


مصطفى وقف وبكل طوله، وبثقة عمياء تفرس وهو حاسس بنصر مزيف، شاور بإيده ناحية الباب وقال بمنتهى الجفاء:


— اعملي اللي تعمليه.. أعلى ما في خيلك اركبيه، مش هتعرفي تاخدي مني ولا تعملي أي حاجة.. القانون لا يحمي المغفلين يا هند!


الكلمة دي بالذات: “اعملي اللي تعمليه مش هتعرفي تعملي حاجة”، فضلت ترن وتزن في وداني زي الدبانة أيام وليالي، طيرت النوم من عيني وحولت عيشتي لجحيم من كتر التفكير والغل والقهر.


 


بس مصطفى، في وسط ثقته وزهوه بنفسه وغروره اللي عماه وخلاه يشوف نفسه انتصر، كان ناسي حاجة مهمة أوي.. ما كانش يعرف إن فيه حاجة واحدة بس، ورقة قديمة، كنت شايلاها ومحتفظة بيها في أبعد درج في المكتب من سنين طويلة.. حاجة من كتر السنين اللي مرت، حتى أنا نفسي كنت ناسيّاها وماتت في ذاكرتي، بس هي كانت هناك، مستنية اللحظة المناسبة عشان تطلع للنور وترد لي حقي وتجيب مناخيرهم الأرض.


 


بعد أسبوع كامل من الهم والنكد، أسبوع ما دوقتش فيه طعم النوم، وكنت ماشية في البيت زي الـمـيـتـة اللي بتتحرك، وجوايا نار قايدة من كتر الظلم والقهر. وفي يوم، كنت محتاجة أطلع شهادة ميلاد كمبيوتر لواحد من العيال عشان المدرسة، رحت للمكتب القديم اللي مركون في الأوضة الجوانية، وبدأت أنبش في الأدراج اللي تحت خالص، الأدراج المهجورة اللي ماليها التراب ومحدش بيمد إيده فيها من سنين.


وأنا بزق ورق قديم وفواتير ملهاش عازة، إيدي خبطت في ملف لونه بني، تقيل ومترب، الكتل التراب كانت مغطياه تماماً. سحبته بالهداوة ونفضته، وبمجرد ما فتحته.. اتهندت في مكاني، ونَفَسي اتكتم كأن حد ضربني على صدري.


 


جوا الملف ده كانت أوراق عمري كله، أوراق كنت فاكرة ومتأكدة إنها ضاعت واترمت في الزبالة من زمان وقت النقل والعزال. 


 


لقيت إيصالات استلام نقدية، وتحويلات بنكية رسمية من حسابي القديم لحسابه هو، وعقود ابتدائية.. 



الكاتبة نرمين عادل همام


بس وسط الركام ده كله، عيني وقعت على ورقة واحدة، ورقة صفرا شوية ومكتوبة بخط إيد مصطفى نفسه، خطه اللي أحفظه صم زي اسمي.


 


الورقة دي كان ماضي عليها وبصمته واضحة في آخرها، كتبها ومضى عليها يوم ما حط أول طوبة في البناء، ويوم ما بعت دهبي كله وسيلت حسابي في البنك. وقتها، افتكرت الموقف ده بحذافيره كأنه بيحصل قدامي دلوقتي.. افتكرته وهو بيضحك وبيهزر معايا بـتـفـاهـة وبيقولي: 


 


“خدي يا هند، خلي الورقة دي معاكي في وسط حاجتك احتياط للزمن يا ستي”.


 


وأنا بقرا الورقة دي من تاني، ودموعي بتنزل وسامعة صوته بيرن في وداني، ضحكت بوجع وقلت في سري: “سبحان الله.. أهي طلعت احتياط فعلاً، بس احتياط ليا أنا عشان الزمن لما يدور يرجع لي حقي منك”. الورقة دي ما كانتش مجرد إقرار، دي كانت “عقد اتفاق وشراكة وبند جزئي يهد جبال” ومكتوب بخط إيده وبشهود كمان من أصحابه القدام.


الكاتبة نرمين عادل همام


وفي اليوم الموعود، اليوم اللي جمع فيه محامي حماتي كل الورق والعقود الجديدة اللي اتكتبت باسمها، عشان يعملوا إشهار ويثبتوا إن البيت ملكها بالكامل ومحدش ليه فيه سنتيمتر واحد، دخلت عليهم الشقة بكل هدوء وثبات انفعالي عمري ما عشته قبل كدا. كانوا قاعدين على السفرة وفاردين الورق،


 دخلت ومن غير ولا كلمة، حطيت الملف البني المترب قدام المحامي على الترابيزة.


المحامي استغرب، عدل نضارته وبص لمصطفى وحماتي، وبعدين مد إيده وفتح الملف بفضول. بدأ يقرا أول ورقة، وشه ما اتغيرش، قلب وفتح الورقة التانية.. ملامحه بدأت تـتـشـد، قلب وفتح الورقة الثالثة.. 


 


وفجأة، السكوت حل في الأوضة، والمحامي لجم لسانه وما بقاش بينطق، وعينيه بقت رايحة جاية على السطور برعب.


 


مصطفى لما شاف السكوت ده، افتكر المحامي بيجاملني أو بيقرا كلام هبل، فابتسم بسخرية وتريقة وقال وهو بيهز رجله:


— جرى إيه يا متر؟ ما تضيعش وقتنا ووقتك في ورق مالوش لازمة، خلصنا وشوف شغلك عشان ننهي الحوار ده.


 


لكن المحامي ما ردش عليه خالص، ولا حتى رفع عينه يبص له. كان مركز بكل جوارحه وحواسه في الورقة الأخيرة، الورقة اللي بخط إيد مصطفى. في ثواني، لون وش المحامي اتخطف، وبقى أصفر زي الليمونة، وبص لمصطفى بنظرة كلها صدمة ولوم، وبعدين التفت وبص لحماتي اللي كانت قاعدة مربعة إيدها ومتبغددة، وبعدين قفل الملف بالراحة خالص وببطء شديد وهو بينهج.


المحامي بصلهم هما الاتنين، ونطق جملة واحدة خلت الابتسامة تختفي من وش مصطفى، والشر اللي في عين حماتي يتحول لرعب في ثانية:



— حضرتكوا متأكدين وعارفين إيه اللي في الملف ده؟ أنتوا بجد عايزين تكملوا في الموضوع ده ونروح بيه للمحكمة؟


حماتي من خضتها ونبرة المحامي، قامت واقفة على حيلها وسندت على الترابيزة وهي بتقول:


— في إيه يا متر؟ خضيتنا! ورق إيه ده اللي يوقفنا؟….يتبع للجزء الاخير


الورقه المنسيه ٢

نرمين عادل همام


أما مصطفى، فالتوتر ظهر على وشه لأول مرة من يوم الأزمة، وبدأ يفرك في رقابته ويبص للملف برعب كأنه افتكر أخيراً الجري..مة اللي خطها بإيده.


أما أنا.. فوقفت وبصيت ليهم وبكل برود وثقة، كنت شايفة الخوف في عينيهم، وعارفة ومطمنة إن الورقة اللي كانوا فاكرينها ضاعت وماتت من سنين، لسه صاحية ومحتفظة بسر واحد بس، سر قانوني مدمر، قادر يقلب البيت ده كله فوق دماغهم ويهد المعبد على اللي فيه.


الكاتبة نرمين عادل همام


مصطفى بلع ريقه بصعوبة، وحسيت إن ريقه ناشف وزور ممسوك، وبص للمحامي وعروق رقابته بارزة وقال بتلعثم ونبرة مهزوزة:


— في إيه يا متر؟ ما تتكلم وتنطق! وقعت قلوبنا، ورق إيه ده اللي يوقفنا؟


المحامي أخد نفس طويل، وحط الملف البني بالراحة على الترابيزة، وسند بضهره لورا وقال بهدوء قاتل، الهدوء اللي بيسبق العاصفة:


— قبل ما أتكلم وأقول أي كلمة.. أحب أسأل حضرتك سؤال واحد وجاوبني عليه بصراحة.


مصطفى قدم جسمه لقدام وعينيه مبرقة من القلق وقال:


— إيه هو؟ اخلص!


المحامي مد إيده، وسحب الورقة الأخيرة من الملف، ورفعها في الوش وقال:


— الورقة دي إمضتك؟ وخَط إيدك؟


المحامي ناول له الورقة، ومصطفى مد إيده اللي كانت بترتعش وأخدها، وأول ما عينه جت على السطور وع لى الإمضاء والبصمة، اتجمد في مكانه كأنه صنم، والدم هرب من وشه وبقى زي الأموات.


أنا في اللحظة دي كنت قاعدة حاطة رجل على رجل، ومربعة إيديا، ومراقبة كل حتة في ملامحه ووشه اللي كان بيجيب مية ألوان. كنت عارفة وحافظة الورقة دي كويس أوي، وعارفة إنه من كتر جبروته وغروره نسي وجودها من سنين طويلة، وافتكر إن الزمن محاها.


الورقة دي كانت “اتفاقية عرفية وشراكة” كتبها وصاغها بخط إيده يوم ما بدأنا نحط أول قالب طوب في البيت، ويوم ما بعت دهبي وحطيت شقا عمري. كان مكتوب فيها بوضوح ومن غير أي لف ودوران: “إن كل الأموال والمدفوعات اللي قامت بدفعها السيدة هند في تمن الأرض والمباني والبناء، تعتبر مشاركة فعلية وحق أصيل في ملكية العقار، وفي حالة البيع أو التنازل أو نقل الملكية لأي جهة أو شخص بدون موافقتها الكتابية، يحق لها المطالبة بكامل حقوقها المادية ونصيبها الشرعي من القيمة السوقية الحالية للعقار”.


 


وقتها، لما كتبها، كان بيمثل دور الراجل الحنين والأصيل وكتبها عشان يطمني ويثبت لي حسن نيته، ووقع عليها بإيده والشهود كمان مضوا معاه. ولأن الدنيا كانت ماشية ومستقرة ومفيش مشاكل، هو نسيها وافتكر إنها ضاعت في وسط ورق ملوش عازة.. إلا أنا! أنا بس اللي شلتها في نني عيني واحتفظت بالنسخة الأصلية دي وشلتها للزمن.



المحامي بصلهم وقال بنبرة قانونية ناشفة:


— والأهم كمان من الورقة دي والشرط الجزائي اللي فيها.. إن الملف ماليان إيصالات استلام وتحويلات بنكية رسمية وتواريخ بتثبت إن مدام هند ساهمت بمبالغ ضخمة جداً في شراء الأرض ومصاريف البناء خطوة بخطوة.


حماتي أول ما سمعت كلام المحامي، اتنفضت من على الكنبة وقالت بعصبية وصوت مسرسع:


— يعني إيه الكلام الفارغ ده يا متر؟ البيت باسمي أنا! العقد مسجل ومكتوب باسمي! مفيش تراجع!


المحامي رد عليها ببرود وهدوء وصدمها:


— يا فندم نقل الملكية وعقد البيع ده شيء.. والحقوق المادية والشراكة وإثبات أموال مدام هند ده شيء تاني خالص.


سكت ثانية عشان يرمي القنبلة الأخيرة وكمل:


 


— ولو القض.ية دي وصلت للمحكمة بالورق ده، الملف ده لوحده كفيل يفتح باب مطالبات مالية وضخمة جداً على حسابكم، وممكن يوصل للمطالبة بوقف التعامل على العقار كله والتحفظ عليه، يعني هتدخلوا في سين وجيم وجناية ونصب.


التفت وبصيت لمصطفى.. ودي كانت أول مرة في حياتي من 12 سنة أشوف الخوف الحقيقي بياكل في عينيه، الخوف اللي بيخليه مش عارف ينطق. هو كان مأمن ومتأكد إني ست ضعيفة ومكسورة الجناح، ومتأكد إني هبكي على الأطلال ومش محتفظة بأي دليل يدينه، ومتأكد إن السنين والوقت هيضيعوا حقي في المحاكم.


لكن اللي ما كانش يعرفه وغاب عن عقله، إن الإنسان لما يتعب ويشقى في حاجة ويبنيها بدم قلبه وعرقه، عمره في حياته ما بينسى تفاصيلها ولا بيفرط في ورقها.


 


بعد القعدة والاجتماع ده بيومين بالظبط، الباب خبط. فتحت لقيت مصطفى واقف بره وجاي البيت. كان هادي بشكل غريب، هدوء ما شفتهوش فيه من سنين، وعينيه مكسورة ومابقاش فيها الجبروت والتبغدد بتاع زمان.


دخل وقعد على الكرسي اللي قدامي، وبص في الأرض، وبعدين رفع عينه في عيني وقال بنبرة هادية وخاففتة:


— ممكن نتكلم يا هند؟ ونحل الموضوع ده ودي بينا؟


بصيت له بكل برود، ورفعت حاجبى وقلت:


— اتفضل، سامعاك.. قسِّم سمعي، قول كل اللي عندك وريني هترقع الخيبة دي بإيه.


حط إيديه بين ركبه وضمهم على بعض، ونزل راسه للأرض بانكسار وخزي عمري ما شفته فيه من يوم ما عرفته. فضل ساكت كأنه بيستجمع شجاعته، ولما اتكلم، صوته كان طالع مخنوق، واطي وناشف كأنه طالع من قاع بير مهجور:


— يا هند، إحنا بيننا عشرة عمر.. 12 سنة بحالهم مش هينين برضه عشان يتهدوا في لحظة، وفيه بيننا عيال ملهمش ذنب يعيشوا مكسورين.



ابتسمت بسخرية ملوها الوجع والقرف، وبصيت له نظرة طويلة وفاحصة من فوق لتحت، نظرة خلت جسمه يتفزز من الكسوف. العجيب والمقرف في الدنيا دي، إن الناس الأندال مابيتفتكروش العشرة، ولا بيعرفوا معنى الأصول والرحمة، غير لما يحسوا بالخسارة الكاملة وتطير من إيديهم الغنيمة، وتلاقي سكي..نة الحق نازلة على رقبتهم! طول ما هما كسبانين يدوسوا عليك، ولما يتزنقوا يفتكروا العيال والعشرة.


 


هز راسه تلات أربع مرات وهو باصص في الأرض، وكمل كلامه بنبرة كلها شحاتة واستعطاف، وهو بيمد إيده يحاول يلمس طرف إيدي، بس أنا سحبتها قوام:


— أنا والله العظيم يا هند ما كانش قصدي أوصلك للإحساس البشع ده، ولا كنت عايز أكسر بخاطرك أو أحسسك إنك غريبة.. أنا كنت..


قاطعت كلامه بحدة وزعقت فيه بصوت هز أركان الصالة:


— بس وصلته يا مصطفى! وصلته ودوقتني المر والذل والقلة، ونيمتني ليالي دموعي بتاكل في خدي وأنا بسأل نفسي أنا قصرت في إيه! كنت واقف مالي مركزك، وبتضحك في وشي بكل بجاحة، وبتتباهى بنصرك المزيف وبتقولي وريني هتعملي إيه! جاي دلوقتي تعيط؟


 


سكت تماماً، ومبقاش عارف يودي وشه فين من كتر الخزي، وشه احمر وعرق، وفضل يفرك في إيديه بقلة حيلة وزي العيل الصغير اللي اتمسك بيسرق، وقال بصوت يدوب مسموع:


— أمي.. أمي هي السبب، هي اللي كانت مرعوبة وخايفة عليا من الديون ومشاكل التجارة والسوق، وقالتلي أمن نفسك يا ابني عشان متضمنش الظروف، وأنا الصراحة ضغفت وسمعت كلامها ومشيت وراها وأعمى ربنا بصري.


 


رديت عليه بضحكة عالية ومجلجلة، بس كان ملوها القهر والكسرة اللي مابتتنسيش:


— يا سلام! يا حنين ياطيب ! تقوم لما تحب تحمي نفسك من ديون ومشاكل السوق، تقرر تظلمني أنا؟ تحمي نفسك وتكافئني على وقفتي جنبك بأنك تشيل اسمي من حياتك، وتمسح وجودي من الشقا والتعب اللي بنينا بيه الحيطان دي طوبة طوبة؟! أومال فين وعودك؟ فين كلامك إن البيت ده أماني وأمان ولادي؟


ما عرفش يرد.. لُجم لسانه تماماً واتقفل، ولأول مرة من يوم ما دخلت بيته من 12 سنة ما يبقاش عنده إجابة ولا مبرر صايع يداري بيه خيبته وندالته. بان على حقيقته؛ راجل مهزوز، اتعرى قدام ورقة صغيرة كشفت كل ألاعيبه.


 


الأيام اللي جت بعد القعدة دي كانت صعبة، تقيلة وطاحنة زي الرحايا اللي بتهرس العضم. العيلة والبلد كلها من ناحيتي ومن ناحيته عرفت باللي حصل واتدخلت في الموضوع، والبيت بقى عامل زي المولد، والكل بقى يدلي بدلوه ويفتي. اللي يجيبني على جنب ويقولي: “يا بنتي معلش، المسامح مصطفى، الراجل غِلط والشيطان شاطر، 




اشتري خاطر جوزك واستروا على بعض”، واللي تقولي: “حافظي على بيتك وبلاش خراب مستعجل وشماتة الناس فيكِ”، والكل بلا استثناء كان بيعزف على نغمة واحدة تقرف: “عشان خاطر العيال.. العيال هيروحوا فين؟ ملهمش ذنب يتبهدلوا بين المحاكم”.


 


بس الغريبة والوجع الحقيقي، إن وسط كل الهيصة دي، محدش فيهم نطق بكلمة حق، محدش جاب سيرة كرامتي اللي اتدست بالجززمة وتهانت، محدش اتكلم عن وجع السنين، والكسرة والطعنة اللي سكنت في قلبي لما اكتشفت إن أقرب الناس ليا، الراجل اللي نام في حضني وأمنته على اسمي وعرضي وحياتي، كان مستعد وبكل بساطة يمسح تعبي وشقايا وأيام الفجرية اللي كنت بصحاها في البرد، يمسح كل ده بجرة قلم عشان يرضي أمه ويسرقني!


 


بعد شهر كامل ملوش ملامح من المداولات، والاجتماعات، والخناقات المحتدمة، والشد والجذب والتهديدات بين المحامين في المكاتب، حصلت حاجة ما كانتش تخطر على بال بشر ولا تيج في خيال إبليس نفسه.. حماتي بنفسها كلمتني في التليفون، وبنبرة مكسورة طلبت تقابلني في بيتها، وحددت المعاد.


 


رحت لها وأنا رابطة جأشي، حاطة في بطني بطيخة صيفي، قلبي ميت ومبقاش فيه مكان للخوف، كنت عمالة أقدم رجل وأأخر رجل وأسأل نفسي في الطريق: يا ترى الحرباية دي ناوية على مصيبة إيه تاني؟ وإيه اللعبة الجديدة اللي بتلعبها مع ابنها عشان يهربوا من شرط الورقة الجزائي؟


 


دخلت الشقة، لقيتها قاعدة على الكنبة في الصالة وساكتة، باصة في الفراغ.. ملامحها وشكلها وجبروتها كانوا متغيرين 180 درجة. كانت هادية، خسّانة والنص منها رايح، والشر والغل والتكبر اللي كانوا بيطيروا من عينيها زمان اختفوا تماماً وبقى بدالهم انكسار.


بصتلي بالراحة، وقالت بصوت خافت، واطي ومبحوح عمري في حياتي ما سمعته بيطلع منها:


— أنا غلطت يا هند.. وغلطت في حقك غلط كبير أوي وربنا جازاني عليه في ابني.


 


بحلقّت فيها بذهول وعيني واسعة من الاستغراب، وما كنتش مصدقة وداني، وافتكرت نفسي بحلم. كملت كلامها وهي بتتنهد بحسرة وندم بياكل في قلبها:


— كنت فاكرة بجهلي، وبأنانية الأمومة العمياء، إني كدا بحافظ على ابني وبأمن مستقبله من غدر الزمن والدنيا.. بس مع الوقت، لما شفت حاله والاكتئاب اللي حصله، ونومته في السرير من الهم، ورعبنا من الفضايح والمحاكم والحبس اللي كنا هنروح ليه برجلنا بسبب قلة أصلنا، اكتشفت إني كنت بخسره وبضيع عياله وبيته بإيديا.. أنا أسفة يا بنتي.



لأول مرة في حياتي أسمع الست دي بتتكلم بالنبرة المكسورة دي، ولأول مرة أشوف الندم الحقيقي والذل بيلمعوا في عينيها بعد ما كانت شايفة نفسها فوق البشر والكل خدم عندها. عرفت ساعتها إن ربنا لما بيريد يجيب الحق، بيجيبه من سابع سما.


بعد المقابلة دي بأيام قليلة، قعدنا قعدة حاسمة، قعدة رجالة ومحامين كبار.


 وتم صياغة وعمل اتفاق قانوني جديد، عقود حادة وصارمة زي السيف. الحق رجع لأصحابه بالمليم والسنتيمتر، واتثبتت كل حقوقي المادية والشرعية في الأرض والمباني بشكل واضح وصريح وميقبلش الشك ولا التلاعب من هنا لـ 100 سنة قدام، وكل حاجة اتسجلت واتعمدت وتوثقت رسمي في الشهر العقاري وبصم عليها مصطفى وهو منكس راسه وعينه في الأرض من الخزي.


 


ولما خلصنا تماماً، ومضينا على آخر ورقة، ودفعت أتعاب المحامي، خرجت من باب المكتب للشارع.. أول ما رجلي لمست الرصيف، أخدت نفس طويل وعميق، وحسيت بنسيم بارد ونقي بيدخل صدري وينظف الوجع اللي جوه، وكأن جبل من الهم والقهر والانتقام انشال من فوق قلبي وفجأة بقيت خفيفة زي الريشة.


 


ما كنتش فرحانة عشان الحيطان الطوب ولا عشان القرشين اللي رجعوا.. لأ، المحلات والبيوت تروح وتيجي، أنا كنت طايرة من الفرحة عشان الحقيقة ظهرت والشمس نورت الحق، وعشان كرامتي اللي اتهانت رجعتلي هيبتها قدام الكل، وعشان الراجل اللي كان واقف في وسط صالتي وناصب طوله وبيقول بكل ثقة وعين قوية تبجح: “اعملي اللي تعمليه..


 


 مش هتعرفي تاخدي مني مليم واحد”.. اكتشف متأخر جداً، وبعد ما دفع التمن غالي من كرامته، وهيبته، ونظرته في عين عياله وعيني، اكتشف إن أقوى حاجة ممكن يملكها البني آدم في الدنيا دي مش الفلوس، ولا العقارات المكتوبة على ورق، ولا النفوذ والبلطجة والاستقواء بالأهل..


أقوى حاجة في الدنيا دي هي حق صاحبها صاحي ومش بينام ووراه أصحاب بيموتوا عشان يرجعوه، وصبر طويل على الظلم والقهر لحد ما تدور الدوائر، وورقة صغيرة متربة، اتنست في أبعد وأخر درج في المكتب..


 لكنها كانت كفيلة وكافية جداً، وبجرة قلم واحدة، إنها تقلب الموازين كلها، وتجيب عاليها واطيها، وتهد المعبد على روس الظالمين!


الكاتبة نرمين عادل همام


تمت


 



تعليقات

close