القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

مؤامرة حماتي كامله حكايات انجى الخطيب

 مؤامرة حماتي كامله حكايات انجى الخطيب



مؤامرة حماتي كامله حكايات انجى الخطيب


في سبوع بنتي اللي جبتها بعد خمس سنين جواز بعملية حقن مجهري وفرحانة بيها حصل من حماتي اللي لايمكن كنت اتخيلة في يوم…

عملت سبوع كبير لبنتي وعزمت فيه كل الناس اهلي واهل جوزي وصحابي وجيراني ومن اول السبوع وحماتي اعدة مش طايقة نفسها ولا طايقة حد وبتعيب علي كل حاجة حتي مقالتش ليا مبروك ولا شالت البنت ولا شوفتها فرحانة بيها..

مهتمتش وقولت مش هسيبها تبوظ فرحتي ب بنتي والسبوع بتاعها…

بنتي اهلي جابولها هدابا كتير دهب وهدايا عادية بس غالية عشان دي اول فرحتهم كنت بحطهم في اوضتها اللي عملاها ليها…

شوية ولنتي عيطت شيلتها ودخلت اوضتها عشان اغيرلها ببص لاقيت حماتي بتفتح الهدايا اللي جت لبنتي في السبوع وبتاخد الهدايا الدهب وبتحطها في شنطتها اتصدمت …

دخلت وقفلت باب الاوضة وقولتلها بتعملى اية يا ماما في حاجة ضايعة منك وبدوري عليها في الهدايا بتاعة السبوع قالتلي بتفرج علي الهلاهيل اللي جايبنها اهلك متسواش حتي حق السبوع اللي ابني عاملة قولتلها يعني هي هلاهيل وحاجات ملهاش قيمة اومال حضرتك حطتي الهدايا الدهب في شنطتك لية وسايبة العلب فاضية انا واقغة من بدري وشايفة اللي بتعملية وساكتة…

هي سمعتني بقول كدا وقالتلي قصدك اية اني حرامية مش كفاية جايبة بنت وعاملة سبوع اومال لو كنتي خلفتي ولد كنتي عملتي اية..

اتغاظت من كلامها بس مردتش عليها وقولتلها بكل ادب بعد اذنك هاتي هدايا بنتي اللي حطتيها في شنطتك….

#انجي_الخطيب

وفاجأة لاقيتها بتصوت وبتجري علي الباب تفتحة وبتنده علي ابنها والناس وبتقول الحوقني بقولها هاتي حفيدتي اشيلها شتمتني وقالتلي ابعدي عن بنتي لاتنقلي ليها عدوي وانتي ست عجوزة كلك امراض انا همشي من هنا ومش داخلة بيتك تاني يا ابني ادام امك بتتهان فيه ولاقيتها عمالة تعيط وانا بقيت واقفة مصدومة من التمثيلية اللي حماتي عملتها عشان تمشي وتاخد دهب بنتي اللي جالها معاها…

لاقيت جوزي داخل زي الإعصار، وراه أهله وأهلي، وعيونه بطلع شرار. وقف قصادي وقال

”إيه اللي حصل؟ أمي بتقول إيه؟ وأي عدوى دي اللي بتعيريها بيها؟”

حاولت أتكلم، لساني كان تقيل، والكلمات واقفة في زوري من الصدمة . حماتي مسكت دراع جوزي وانهارت في العياط المزيف:

”يا بني.. أنا كنت داخلة أشوف بنتك لاقيتها بتقولي إبعدي، إنتي كلك أمراض، ،

جوزي كان بيبصلي بذهول، كأنه مش مصدق إن دي مراته واكيد مش هيكدب امة. الدنيا بدأت تلف بيا، حسيت بظلم وغصة في قلبي. حاولت أدافع عن نفسي:

اخيرا نطقت وقولت محصلش.. هي اللي كانت بتسرق دهب بنتنا وحطت الهدايا في شنطتها!”حتي شوفها هي عملت كل دا عشان شوفتها..

حماتي ولا كأنها سمعت، فتحت شنطتها بكل ثقة، قلبتها قدام الكل.. بس اللي شفته خلاني اتسمرت في مكاني. الشنطة كانت فاضية تماماً! مفيهاش حاجة…

بصتلي بابتسامة خبيثة، وقربت مني وهمست في ودني بصوت مسمعوش غيري أنا

انا اكسب والدهب ده مش هتشوفيه تاني يا حلوة، والبيت ده أنا هقلبه عليكي وعلى اللي خلفوكي.. فاكرة إنك هتفرحي ببنتك؟

اتفرجي هعمل فيكي ايه…

وكملت تمقليتها وقالت ، أنا مش هقعد في بيت فيه واحدة زي دي اتهمت امك انها حرامية…

#انجي_الخطيب

جوزي واقف باصصلي بنظرة شك لأول مرة أشوفها في عينيه. سبتهم ودخلت الأوضة عشان أتأكد من مكان الدهب تاني، يمكن أنا اللي غلطت.. بس لما بصيت تحت السرير، لاقيت حاجة خلتني اتصدم و أتسمر مكاني ، حاجة خلتني أعرف إن لعبة حماتي بتاهة الدهب دي هي أكبر من مجرد سرقة دهب.. دي كانت محضرة مصيبة لبنتي وليا…..

#انجي_الخطيب

قلبي كان بيدق لدرجة إني حاسة إنه هيخرج من ضلوعي، إيدي بترتعش وأنا بمدها تحت السرير، لقيت “صرة” قماش سودا، ملفوفة بخيط أحمر قديم، وريحتها كانت مزيج مقزز من تراب وبخور معفن. فتحتها ببطء، ودمي اتجمد في عروقي. كان جواها خصلة شعر طويلة وناعمة، دي مش شعري، دي خصلة من شعر بنتي اللي قصيتها ليها إمبارح، ومعاها صورة صغيرة ليها مقصوصة من اللي كنت حطاها على الكومودينو، ومغروزة فيها دبابيس صدية. رجلي خذلتني ووقعت على الأرض، عرفت ليه كانت مهتمة تدخل الأوضة وتفضل فيها، وعرفت ليه الشنطة كانت فاضية.. الدهب كان مجرد طعم عشان تشغلني، واللعبة الحقيقية كانت أبعد وأخطر من السرقة، دي كانت جاية تأذي روح بنتي، تأذي “حته مني” اللي استنيتها خمس سنين.

قمت وقفت، مسحت دموعي، مفيش وقت للضعف. مسكت “الصرة” في إيدي وخرجت للصالة، الكل كان بيبصلي بحدة، جوزي “أحمد” كان بيحاول يهدي أمه اللي بتمثل وبتمسح دموعها بتمثيلية متقنة. وقفت في نص الصالة، صوت دقات قلبي بيعلا، ولقيت الكل سكت لما شافوا وشي اللي اتغير تماماً.

أحمد بصلي بغضب وقال: “إنتي لسه واقفة؟ اعتذري لأمي فوراً، دي ست كبيرة ومقامها محفوظ، مش عشان شوية دهب تتبلي عليها وتطلعيها حرامية وتشتتي عيلتي!”

بصيتله وعيوني بتلمع بدموع ممزوجة بغل، قربت منه وبصوت هز الصالة كلها قلت: “دهب؟ إنت فاكر إني بتكلم على دهب؟ أنا كنت فاكرة إنها طماعة، بس طلعت خاينة.. خاينة لدم ابنها ولحفيدة لسه بتشم في الدنيا!”

فتحت إيدي قدام الكل، ورميت “الصرة” السودا في نص الصالة. ريحة البخور المعفن انتشرت في المكان، ولقيت حماتي وشها اتخطف وبقى أصفر زي الميتين، رجعت لورا وبدأت تبرطم بكلام مش مفهوم. جوزي اتجمد في مكانه، بص للصرة وبعدين بصلي، وبص لأمه اللي كان لسه بيدافع عنها.

أحمد صوته طلع مخنوق وهو بيسأل: “إيه ده؟ وإيه اللي جاب ده في أوضة بنتي؟”

حماتي وقفت بسرعة، وبدأت تصرخ: “دي.. دي كدابة! دي هي اللي جايباها عشان تلبسني تهمة، دي ست مش طبيعية، دي عايزة تفرق بيني وبين ابني!”

بصيت لأحمد وقلتله بكل ثبات: “بص في عينها يا أحمد، شوف الخوف اللي فيها.. دي مش نظرة أم مظلومة، دي نظرة حد انكشف ستره. أنا دخلت الأوضة عشان أدور على الدهب، لقيت دي محطوطة تحت سرير بنتنا، نفس المكان اللي كانت هي بتتحرك فيه. إنت صدقت تمثيليتها، بس أنا بنتي أهم من أي حاجة في الدنيا، ولو عشان أحميها لازم أواجه الكل، فأنا مستعدة.”

أحمد اتلفت لأمه، لأول مرة في حياتي أشوف في عينيه نظرة شك حقيقية، مش ليا، لأ لأمه. كان بيقرب منها بخطوات تقيلة، وصوت دقات قلبي بقى مسموع في كل زاوية في البيت. الصمت كان قاتل، والناس اللي كانت حاضرة السبوع بقوا يتنقلوا بيننا بنظرات مذهولة، الليلة اللي كان مفروض تكون أجمل ليلة في عمري، اتحولت لساحة معركة، كشفت لي إن العدو مش بعيد، العدو كان قاعد بيضحك في وشي، وبياكل من أكلي، وبيخطط لهد بيتي بحرقة قلب، وأنا كنت فاكراها جدة بتحب حفيدتها.

أحمد وقف قدامها وسألها بصوت مرعوب: “يا أمي.. قوليلي إن ده مش بتاعك.. قوليلي إن مراتي بتتبلى عليكي.. قولي أي حاجة!”

حماتي بصتلي بصه كلها حقد أسود، وقالت بصوت واطي ومسموع للكل: “ابني.. صدقني.. دي هي اللي باعت نفسها للشيطان عشان تفضل مسيطرة عليك، أنا كنت بفك العمل ده عنها!”

كذبتها كانت وقحة، لدرجة إن الكل اتصدم، بس أنا مكنتش هسكت، سحبت تليفوني من جيبي، وكنت فاتحة الكاميرا بتسجل كل حاجة من أول ما دخلت الأوضة.. الكاميرا كانت موجهة للشنطة وللأوضة، وسجلت لحظة ما هي كانت بتشيل الحاجة من تحت السرير.. ابتسمت بسخرية وقلت: “يا خسارة.. تمثيليتك المرة دي مش هتكمل، لأني كنت مسجلة كل حركتك.. وده مش بس دهب.. ده إثبات إني كنت عايشة مع عقربة في بيت واحد، والشرطة هي اللي هتقول كلمتها مش أنا.”

……….

الموبايل في إيدي كان بيترعش، بس صوتي كان طالع حديد، والبيت كله اتجمد في مكانه كأنهم بقوا تماثيل. حماتي وشها جاب ألوان، وبدأت تتراجع لورا وعينها مبرقة في الموبايل اللي في إيدي، وفجأة، رمت نفسها على الكنبة وبدأت تصرخ هستيري وتخبط على صدرها: “افتريت عليا! دي شيطانة! عايزة تسجن أمك يا أحمد عشان تاخدك لوحدك!”

أحمد كان واقف في النص، عيونه تايهة بيني وبين أمه، الغضب اللي كان في عيونه اتحول لحيرة قاتلة، بس قبل ما يفتح بقه، صوت صرخة طفلة هز أركان البيت، كانت بنتي بتصرخ في الأوضة التانية صرخة غريبة، صوت عياط متواصل مش عياط جوع ولا مغص، صوت عياط مكتوم ومفزوع.

جريت بسرعة على الأوضة، أحمد جري ورايا، ولما دخلنا.. لقيت المنظر اللي خلاني أصرخ أنا كمان: بنتي كانت مرمية على السرير، ووشها أزرق وبتحاول تاخد نفسها بصعوبة، والسرير كله كان عليه بقع سوداء زي الهباب. أحمد اتجمد، النظرة اللي في عينيه اتغيرت تماماً من الشك للرعب، قرب منها وشالها، لقى جسمها تلج، وعينيها بتتقلب.

بصيت لأمه اللي وقفت عند باب الأوضة وبتردد كلام مش مفهوم، بصيت لها وصرخت: “إنتي عملتي إيه فيها؟ انطقي! إنتي اللي جنيتي على نفسك!”

أحمد بص لأمه بصة خلتها ترجع لورا، صوت نفسه كان عالي ومخنوق وقال: “إنتي.. إنتي دخلتي هنا تاني؟ بعد ما خرجتي للصالة دخلتي هنا تاني؟”

حماتي بدأت تترعش وقالت بصوت مكسور: “يا ابني.. أنا.. أنا كنت عايزة أعمل خير، أنا كنت عايزة أبعد عنها النحس، هي اللي جابت البنت دي بفلوسها وشقاها، دي مش طبيعية!”

أحمد مسمعش باقي كلامها، ساب البنت وخرج من الأوضة زي المجنون، مسك أمه من دراعها، والناس اللي بره بدأت تتجمع عند باب الأوضة والهمس بقى صراخ، أحمد زعق: “تطلعي بره! دلوقتي! البيت ده ملوش مكان فيه لواحدة زيك، حتى لو كانت أمي.. بنتي لو جرالها حاجة أنا مش هعرف هعمل إيه!”

أخدت بنتي في حضني، وبدأت أقرأ عليها آيات ربنا، وحسيت بنسمة هوا باردة بتطلع من صدرها، وبدأت تتنفس طبيعي تاني. سمعت صوت خناقة بره، صوت تكسير، وبعدها باب الشقة اتقفل بقوة، وصوت زعيق أحمد في السلم وهو بيطردها هي وأهلها اللي وقفوا معاها.

رجعت الهدوء للبيت، بس الهدوء ده كان مختلف، كان هدوء مرعب. أحمد دخل الأوضة، وقف عند الباب، مكنش قادر يبص في عيني، قعد على الأرض جنب السرير، ودموعه بدأت تنزل بصمت. قعدت جنبه، مسكت إيده، مكنتش قادرة أسامح، بس كنت عارفة إن الليلة دي غيرت كل حاجة، إن الثقة اللي اتكسرت دي مش هترجع بسهولة، وإن اللي عشت فيه النهارده كان درس قاسي.. إن أحياناً أقرب الناس لينا ممكن يكونوا هما أكتر ناس بيتمنوا يشوفوا حياتنا رماد.

بصيت لبنتي النايمة في سلام، ومسحت على راسها، وعرفت إن المعركة الحقيقية لسه بتبدأ، مش بس عشان أحميها من حماتي، بس عشان أحمي بيتي من اللي حصل، وأحمي نفسي من نظرات أحمد اللي لسه محتارة بين حبه لأمه وبين الحقيقة المرة اللي شافها بعينه النهارده.

……….

قعدنا فترة طويلة في صمت مريب، مفيش صوت في البيت غير أنفاس بنتي المنتظمة ونفس “أحمد” اللي كان طالع زي المذبوح. فجأة، قام أحمد وقف، مسح وشه بإيده بقسوة، ولقيته بيمسك الموبايل بتاعي اللي كنت لسه مسجلة عليه كل حاجة.

بص لي بنظرة عمري ما شوفتها، نظرة انكسار على حيرة: “أنا مش عارف أقولك إيه.. ولا عارف أعتذر عن إيه. اللي شفته النهارده يخلي الواحد يراجع كل لحظة عاشها مع أمي. بس يا مروة، دي أمي.. أنا مش قادر أستوعب إنها ممكن توصل للشر ده كله.”

بصيت له بثبات، رغم إن قلبي كان بيتقطع: “أحمد، أنا سكتّ خمس سنين، استحملت نقد وتريقة وتدخل في كل تفصيلة في حياتنا عشان خاطر عيونك، بس لما الموضوع يوصل لبنتنا وللأعمال والسحر.. يبقى الخطوط الحمراء اتمسحت. أنا مش هعيش في رعب كل يوم، ولا هسيب بنتي في بيت فيه حد بيدور على أذيتها.”

أحمد سكت، كان بيفكر في كلامي، وفجأة الموبايل بتاعي رن، كانت مكالمة فيديو من حماتي. قلبي وقع في رجلي، بصيت لأحمد، هز راسه بمعنى “افتحي”. فتحت الصوت وسمتعت صوتها وهي بتعيط بصوت عالي: “يا ابني.. أنا في القسم، اتهجموا عليا في الشارع، الحقني يا أحمد، مراتك فضحتني قدام الناس وجابتلي البوليس!”

أحمد ملامح وشه اتغيرت، بص للموبايل وبعدين بص لي، لحظة صمت كانت أطول من سنين. أخد الموبايل مني، وسمعته بيقول بصوت هادي بس حازم لدرجة خلاني أترعش: “يا أمي.. مروة هي اللي أنقذت البنت من “البلاوي” اللي كنتِ حطاها تحت السرير. أنا اللي طلبت منها تسجل، وأنا اللي هبلغ الشرطة عن اللي شفته النهاردة، مش هي. إنتي مش بس خسرتي ثقتي، إنتي خسرتي ابنك وحفيدتك اللي كنتِ بتدعي إنك جاية تباركي لها.”

قفل المكالمة، وساب الموبايل على السرير، وقعد تاني على الأرض، بس المرة دي حط راسه بين إيديه وبدأ يعيط. الليلة دي مكنتش مجرد مشكلة عائلية، دي كانت نهاية حياة وبداية حياة تانية خالص. عرفت إن الطريق قدامنا هيكون أصعب، وإن أمي (حماتي) مش هتسكت بعد اللي حصل، بس في اللحظة دي، وأنا شامة ريحة بنتي وباصة لأحمد وهو بيراجع حساباته، حسيت لأول مرة بانتصار حقيقي.. انتصار الحقيقة على الزيف، وانتصار الأم على أي شر ممكن يهدد ضناها.

قمت شلت بنتي وضميتها لصدره، ولأول مرة من يوم الجواز، حسيت إن “أحمد” بقى شريكي فعلاً، مش مجرد حد عايش معايا.. سألت نفسي، هل اللي جاي هيكون أهدى؟ ولا دي كانت مجرد بداية لعاصفة أكبر؟



مؤامرة حماتي ج ٢ حكايات انجى الخطيب


البيت كان غرقان في صمت تقيل، صمت مبيقطعهوش غير صوت عربيات الشارع اللي فكرتني إن العالم بره لسه عايش حياته عادي، في حين إن عالمنا اتهد فوق دماغنا في ليلة واحدة. أحمد رفع راسه، عينيه كانت غرقانة دموع بس النظرة اللي فيها كانت “ناشفة”، نظرة راجل اكتشف إنه كان مغمض عينيه عن حقيقة مرة سنين طويلة.

بص لي وقال بصوت مبحوح: “مروة، أنا كنت فاكر إني ببرّها لما كنت بسكت على إهانتها ليكي، كنت فاكر إن ده طاعة ربنا، بس النهاردة عرفت إن الطاعة ليها حدود.. والحدود دي بتبدأ وتنتهي عند روح بنتي.”

مسكت إيده وبقوة، كنت حاسة إني بمسك طوق نجاة وسط بحر الغدر اللي حماتي غرقتهولنا: “أنا عمري ما طلبت منك تقطعها يا أحمد، بس بيتنا ده قلعة، ومينفعش يدخل القلعة دي حد عايز يهد أسوارها على ولادنا. اللي حصل النهارده مكنش مجرد سرقة دهب، دي كانت نية إيذاء، والنية دي هي اللي بتغير كل القواعد.”

فجأة، تليفون أحمد رن تاني، كانت أخته الكبيرة. بص لي بتردد، قلت له: “رد، بس خليني أسمع.” فتح “الاسبيكر”.

صوت أخته كان عالي ومترجج بالغضب: “أحمد! إنت إيه اللي عملته ده؟ أمك مرمية في الشارع وبتقول إنك طردتها عشان مراتك الساحرة؟ إنت اتجننت؟ دي أمك يا بني آدم!”

أحمد مكنش بيتهز، قعد بضهر مفرود ورد بصوت ثابت: “الساحرة دي يا أختي هي اللي حمت بنتي من “أعمال” أمك اللي كانت محطوطة تحت السرير. والبيت اللي بتكلمي عنه ده، أمي طردت نفسها منه بإيدها لما اختارت تمشي في طريق الأذى. أمي دلوقتي مش في الشارع، أمي في القسم عشان اللي عملته جري..مة يعاقب عليها القانون.. ولو عايزة تعرفي التفاصيل، اسأليها هي كانت بتعمل إيه في أوضة بنتي بشوية خيوط سودا وبخور معفن.”

الطرف التاني سكت تماماً، الصمت كان علامة صدمة أو يمكن تأكيد لمعلومة كانوا هما كمان عارفينها ومخبينها. أحمد قفل السكة قبل ما يسمع أي دفاع، وبص لي وقال: “من اللحظة دي، مش عايز حد يدخل بينا. أنا اللي هروح القسم، أنا اللي هحل الموضوع ده قانونياً، ومش هسمح لأي حد يضغط عليا.”

بصيت لبنتي اللي كانت نايمة بعمق، كأنها حست إن الخطر زال، ومسحت على شعرها. كنت عارفة إن الحرب مع حماتي لسه ما خلصتش، وإن اللي جاي هيكون فيه محاولات انتقام، ضغوط عائلية، وربما كلام كتير في ضهرنا. بس ولأول مرة، حسيت إن جوزي واقف جنبي، مش ورايا.. واقف درع في وش أي ريح.

قربت منه، همست في ودنه: “إحنا لينا ربنا، واللي يحمي ضناه ويحافظ على بيته، ربنا بيحميه.”

هز راسه، وقام وقف، وخرج من باب الشقة وهو عازم على مواجهة العاصفة، وأنا فضلت في الأوضة، بحصن بيتي وبنتي بالدعاء، مدركة تماماً إن الصفحة دي من حياتي اتقفلت، وبدأت صفحة جديدة بطلها الحقيقة، ودرسها القاسي إن “الدم مش دايماً بيبقى مية.. أحياناً بيبقى نار.”

هل تفتكري يا مروة إن حماتي ممكن تسيبكم في حالكم بعد ما جوزك واجهها قانونياً، ولا دي مجرد البداية لمواجهة أكبر؟

……….

الباب قفل ورا أحمد وسبني في الصمت المرعب ده.. دقايق وعدت زي السنين، لحد ما سمعت خبطة خفيفة على باب الشقة. قلبي نزل في رجلي، فكرت إنها ممكن تكون حماتي رجعت أو حد من أهلها جاي يعمل مشكلة. مسكت بنتي وضمتها لصدري بقوة، ووقفت ورا الباب بسأل بصوت مخنوق: “مين؟”

سمعت صوت “صفاء”، أخت جوزي، بس المرة دي صوتها مكنش عالي ولا فيه نبرة التهديد اللي كانت من دقايق. قالت بصوت واطي ومكسور: “مروة.. افتحي يا مروة، أرجوكي. أنا مش جاية أعمل مشاكل، أنا جاية أقولك كلمة واحدة.. وبعدها هتمشي.”

فتحت الباب موارب، لقيت صفاء واقفة وعينيها وارمة من العياط. بصت لي بنظرة كلها خزي وقالت: “أحمد راح القسم، وماما هناك بتصرخ وبتقول كلام ملوش معنى.. بس أنا جيت عشان أقولك حاجة محدش يعرفها غيري، عشان ضميري مش قادر يستحمل.”

دخلتها الصالة، كانت بتترعش، مسكت إيدي وقالت: “ماما بقالها فترة طويلة مش طبيعية، كانت بتروح لستات بتوع سحر وشعوذة عشان تفرق بين أحمد وبينك، كانت فاكرة إنك السبب في إن أحمد بقى بيحبك أكتر منها، وإنك سرقتيه منها.. مكنتش بس بتدور على دهب، كانت بتدور على أي حاجة تخص بنتك عشان تربط حياتها بمرض أو تعب عشان أحمد يضطر يرجع يعيش معانا في البيت الكبير وتفضل هي المسيطرة.”

دموعي نزلت، قلت لها: “ليه يا صفاء؟ ليه كل ده؟ أنا عمري ما أذيتها، دي كنت بعاملها زي أمي!”

صفاء هزت راسها بأسى: “دي غيرة مريضة يا مروة، غيرة وصلت لدرجة إنها تبيع أخرتها عشان شوية تحكم. وأنا كنت عارفة، وكنت بساعدها عشان خايفة منها.. خايفة لو اعترضت تعمل فيا أنا وعيالي اللي عملته فيكي.”

بصيت لها بذهول، حسيت إن الشر في البيت ده كان خيوط عنكبوت متشابكة، مش بس حماتي، ده كان كيان كامل. قلت لها: “وأحمد؟ كان عارف؟”

صفاء بصت في الأرض وقالت: “أحمد كان مغمى عينيه. كان بيشوف الحاجات دي كأنها “دلع ستات” أو خرافات مش أكتر، ومكنش متخيل إن أمه ممكن توصل للمستوى ده. بس النهاردة.. النهاردة لما شاف الصرة بعينه، ولما شاف بنته وهي بتتعب.. كأن حد شال الغشاوة من على قلبه.”

سكتت لحظة وكملت: “أنا جيت عشان أقولك خدي بالك.. ماما مش هتسكت، هي دلوقتي في القسم بتقلب الدنيا وبتقول إنكم اتفقتوا عليها، ومعاها ناس بيشهدوا زوور. لازم تحمي نفسك، وأحمد لازم يكون قوي.. لأنها لو خرجت من غير ما تاخد درس قاسي، هترجع وتهد البيت على دماغكم.”

في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح أحمد في الباب. صفاء قامت بسرعة وقالت: “أنا همشي، مش عايزة أحمد يشوفني هنا ويفتكر إني كنت جزء من اللعبة دي.. بس أرجوكي، خبي التسجيلات كويس، ده سلا..حكم الوحيد.”

خرجت صفاء، ودخل أحمد وشكله يهد جبال. ملامحه كانت حادة، وعيونه فيها بريق غريب. بص لي وسأل: “كانت بتعمل إيه هنا؟”

قلت له كل اللي قالته، مغيرتش حرف. أحمد سمعني وهو باصص للفراغ، وبعدين قام وقف عند شباك الصالة، بص للسما وقال: “ماتت يا مروة.. ماتت جوه قلبي النهاردة. مفيش رجوع، ومفيش مسامحة في حق بنتنا. أنا قدمت البلاغ، ومعايا التسجيلات، ومعايا شهادة الدكتور اللي كشف على البنت وأكد إن حالتها كانت نتيجة مواد كيميائية في البخور المحروق.. اللعبة خلصت، والستر اللي كنت مغطي بيه أخطاءها اتشال.”

حسيت إن دي كانت لحظة فاصلة، إننا مش بس بنحمي بيتنا، إحنا بننهي دورة من الظلم عاشها أحمد سنين. بس وأنا باصة لأحمد، حسيت برعب غامض.. هل فعلاً حماتي هتستسلم بسهولة، ولا العاصفة اللي جاية هتكون أقوى بكتير من كل اللي فات؟

……….

أحمد ساب الشباك وقرب مني، مسك إيدي وباسها، كانت إيده بتترعش بس ملامحه كانت بتديني أمان لأول مرة من سنين. قعد جنبي على الكنبة وخد نفس طويل وقال: “مروة، أنا اتصلت بالمحامي بتاعي من القسم، هو اللي هيتولى كل حاجة. ماما دلوقتي محبوسة على ذمة التحقيق، وأنا طلبت من الشرطة أخد كل “العدّة” اللي لقيتها في أوضة بنتنا عشان تتقدم كأحراز. مش هسيب حق بنتي ولا حقي في الحياة اللي حاولت تدمرها.”

سكت شوية وبعدين كمل وصوته بدأ يهدى: “أنا عارف إنك خايفة، وخايفة من اللي جاي.. بس النهاردة، لما شوفت بنتي وهي بتتنفس بصعوبة، حسيت إن روحي بتتسحب مني. اللحظة دي هي اللي فوقتني. أنا كنت مخدوع بكلمة “البر”، كنت فاكر إن البر معناه إني أغمض عيني عن الغلط. بس ربنا أداني إشارة واضحة، مش هسمح لأي بني آدم، مهما كان مين، إنه يحط رجله في بيتنا ده تاني.”

بصيت في عينيه وسألته: “وأهلك؟ صفاء قالت لي إن ماما معاها ناس بيشهدوا زور.. إنت مستعد تواجه الكل؟”

أحمد رد عليا بصرامة: “اللي عايز يقف في وش الحقيقة، هو حر. أنا معنديش حاجة أخاف منها، والتسجيلات دي كفيلة تقلب الطاولة على أي حد. مش بس كده، أنا طلبت من كذا واحد من صحابنا اللي كانوا موجودين في السبوع إنهم يشهدوا باللي شافوه، والكل بدأ يتكلم.. الحقيقة بدأت تظهر، والناس اللي كانت خايفة من نفوذ أمي، بدأت تتشجع لما عرفوا إني مش هسكت.”

وفجأة، الباب خبط خبطات سريعة وقوية، مكنتش خبطة صفاء الهادية، كانت خبطة حد مقتحم المكان. أحمد قام بسرعة، ووقف قدامي زي الدرع. فتح الباب، لقينا “أخو أحمد الكبير” ومعاه اتنين من قرايبهم اللي دايماً بيطبلوا لحماتي.

أخوه زق الباب ودخل بغضب: “إنت اتجننت يا أحمد؟ جايب البوليس لأمك؟ إنت عايز تفضحنا في العيلة كلها؟ الناس بدأت تتكلم، وسمعتنا بقت في الأرض بسبب مرتك دي!”

أحمد وقف قصادهم، ولا رمش له جفن، وقال بصوت هز البيت: “السمعة يا أخويا ضاعت لما أمي قررت تعمل أعمال وسحر لمراتي وحفيدتها. لو حد بيسأل على الفضيحة، يسأل على اللي بيعمل بلاوي في أوضة الأطفال. لو جايين عشان تضغطوا عليا، وفروا وقتكم.. أنا مش أحمد القديم اللي بيسمع الكلام عشان يرضي الناس.”

قريبي التاني اتدخل بلهجة تهديد: “أنت فاكر إنك لو حبست أمك هترتاح؟ دي هتطلع وتنتقم منك ومن بيتك، بلاش تعاند يا أحمد، اسحب البلاغ ده وخلص الموضوع بهدوء.”

أحمد بصلي وبص لبنتي، وبعدين بص لهم بكل ثبات: “أنا مش بعاند، أنا بحمي بيتي. ولو هي فاكرة إنها هتنتقم، فأنا وأهلي في حماية اللي مبيغفلش. البيت ده ممنوع دخول أي حد فيه بيتدخل في حياتنا أو بيحاول يأذينا. اتفضلوا بره، الكلام خلص.”

خرجوا وهما بيتمتموا بتهديدات، بس أحمد مكنش فارق معاه. قفل الباب، ووقف وراه، بص لي وقال: “مروة، أنا عارف إن حياتنا من النهاردة هتتغير، ممكن نقطع علاقات، ممكن نغير مكان سكننا، بس أنا مش هسمح أبداً إن أي خيط شر يدخل بيتنا تاني. إحنا هنبدأ حياة جديدة، صفحة بيضا، من غير تدخلات، ومن غير خرافات.”

في اللحظة دي، حسيت إن بنتي بدأت تضحك في سريرها، ضحكة صافية مسحت كل التوتر اللي في الجو. أحمد قرب منها، شالها، وباسها في جبينها. لأول مرة، حسيت إننا فعلاً “عيلة”.. عيلة قوية، مش مبنية على الطاعة العمياء، لكن مبنية على الحب، والثقة، والحق.

هل يا ترى أحمد يقدر يكمل في قراره ده، وهل فعلاً “الشر” ممكن ينسحب ببساطة، ولا لسه فيه “مفاجأة” تانية مخبياها الأيام؟

حكايات انجى الخطيب



مؤامرة حماتى ج ٣ حكايات انجى الخطيب

الليالي اللي بعد كدة كانت تقيلة، زي ما يكون البيت لسه مسموم ببقايا البخور والحقد اللي اتزرع في أركانه. أنا وأحمد بقينا عايشين في حالة استنفار، غيرنا كالون باب الشقة، وبقيت بقرأ قرآن بصوت عالي في كل ركن، وبنتي بقت أنام وهي في حضني، مش راضية تسيبني لحظة، وكأنها حاسة بالخطر اللي لسه بيحوم حوالينا.

في وسط الهدوء اللي كان بيكسر السكون، تليفون أحمد رن. كان رقم غريب، رد وهو حاطط إيده على قلبه، ملامحه اتغيرت في ثانية، عروق رقبته برزت ووشه اتخطف. قفل الخط وبص لي وعيونه مفيهاش أي تعبير: “المحامي بيقول إنها خرجت بكفالة.”

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. خرجت؟ يعني بدأت المواجهة الحقيقية؟ أحمد مسك مفاتيح العربية بسرعة وقال: “مروة، خدي بنتك وروحي عند أهلك فوراً. أنا مش هقدر أطمن عليكي وإنتي هنا لوحدك. أنا هروح أخلص شوية ورق في القسم وأشوف الدنيا فيها إيه، بس مش عايزكم تقعدوا في البيت ده.”

حاولت أعترض، كنت عايزة أكون جنبه، بس لما شفت الرعب في عينيه، عرفت إنه خايف إنها تنتقم مني أنا والبنت تحديداً. لميت هدومنا أنا وبنتي في شنطة بسرعة، قلبي كان بيوجعني وأنا خارجة، البيت اللي كنت بفرشه بحب وبحلم فيه بتربية بنتي، بقى مكان بخاف منه.

وصلت بيت أهلي، أمي استقبلتني وهي بتعيط، شافت في عيني انكسار وشافت في بنتي تعب. قعدت في أوضة نومي القديمة، اللي كنت بحلم فيها قبل الجواز. بعد ساعة، الموبايل رن تاني، كان أحمد. صوته كان مختلف، صوت راجل منهك من المعركة: “مروة.. أنا عند البيت دلوقتي.”

استغربت، قلت له: “أحمد؟ إنت مش قولت هتقعد في القسم؟ وإيه اللي جابك البيت دلوقتي؟”

سكت شوية، وبعدين قال بنبرة مكسورة ومفاجئة: “أنا لقيت الباب مفتوح يا مروة.. مفتوح بمفتاح، مش مكسور. ودخلت لقيت البيت كله مقلوب، هدومنا، عفش الأوضة، حتى السرير بتاع البنت.. كل حاجة متبهدلة. بس الأهم من ده كله.. لقيت ورقة محطوطة على مخدة بنتي.”

حسيت ببرودة سارية في جسمي، سألت بصوت بيترعش: “ورقة إيه؟ كاتبين فيها إيه؟”

أحمد رد وهو صوته بيختنق: “كاتبة بخط إيدها.. ‘اللي فات كان هزار، اللي جاي هو الحقيقة. البيت ده مش بتاعكم، البنت دي مش من نصيبكم، واللعبة لسه ما بدأتش’.”

لحظة صمت سادت المكان، وفجأة سمعت صوت تكسير زجاج جاي من ورا أحمد في التليفون، وصوت صريخ ست مش غريب عليا.. صوت حماتي. أحمد زعق: “إنتي إيه اللي جابك هنا؟ اطلعي بره!”، وبعدها الخط اتقطع.

حاولت أتصل بيه تاني، مفيش رد. “خارج نطاق الخدمة”. اتسمرت في مكاني، عرفت إن اللعبة مكنتش مجرد سحر وذهب، دي كانت “حرب وجود”. قمت لبست عبايتي بسرعة، ونزلت أجري زي المجنونة، مش عارفة أنا رايحة فين، بس عارفة إن جوزي وبنتي هما حياتي، ولو هي ناوية على دم، فأنا مستعدة أدافع عنهم لآخر نفس.

هل تفتكري يا مروة إن أحمد قدر يسيطر على الموقف، ولا حماتك كانت مجهزة “مفاجأة” أخيرة تقلب فيها موازين اللعبة تماماً؟

……….

وصلت العمارة، طلعت السلم بخطوات متسارعة، كان قلبي بيدق كأنه طبل بلدي في فرح مسحور. لقيت باب الشقة موارب، والهدوء اللي جوه كان أخطر من أي صريخ. زقيت الباب ودخلت، الشقة كانت زي ما قال أحمد، مقلوبة.. الهدوم مرمية، والتحف مكسرة، والريحة.. ريحة البخور اللي بيخنق النفس كانت ماليّة المكان.

ناديت بصوت مرعوب: “أحمد! أحمد أنت فين؟”

مفيش رد. قلبي كان هيقف، دخلت أوضة النوم، لقيت أحمد قاعد على طرف السرير، بيبص للفراغ، وفي إيده الورقة اللي قال عليها. حماتي مكانتش موجودة، بس كان فيه حاجة تانية.. كانت فيه ريحة “فحم” جاية من الصالون.

قربت منه، لمست كتفه، انتفض وكأنه كان غايب عن الدنيا. بص لي وعيونه كانت غايرة ووشه شاحب، مسك إيدي وقام وقف وهو بيشدني ناحية الصالون. لما وصلنا، لقيت المنظر اللي خلاني أصرخ من غير صوت:

في نص الصالون، كانت عاملة دايرة من الملح، وفي نص الدايرة دي، كانت حاطة صورة جوازنا، ومولعة شمع أسود، وجنبه طبق فيه “رماد” لحاجات مكنتش قادرة أميزها، بس الريحة كانت كفيلة تفهمي إنها كانت بتحرق في صورنا وذكرياتنا.

أحمد بص لي وقال بصوت واطي ومخنوق: “دخلت ولقيتها قاعدة هنا.. زي العفريت. مكنتش بتصرخ، مكنتش بتعيط.. كانت بتهمس بكلمات مش مفهومة وهي بتحرق في الصور. أول ما شافتني، قامت وقفت، بصتلي بابتسامة مرعبة وقالتلي: ‘البيت ده مش هيتهني فيه حد غيري، ولو مش ليا، مش هيكون لحد’.”

قلت له برعشة في صوتي: “فينها يا أحمد؟ ليه سبتها تمشي؟”

أحمد ضحك ضحكة قهر: “مشيت؟ يا ريت.. دي اختفت، مروة. حرفياً، زي ما تكون اتبخرت. دخلت الأوضة اللي ورا المطبخ، لما لحقتها لقيت الشباك مفتوح، بس ده دور رابع.. مفيش أي أثر لنزول، ولا فيه أي حد شافها بتخرج من العمارة.”

قربت من “الدايرة” اللي كانت عاملاها، لقيت صورة لبنتي محطوطة في النص، وعليها نقط حمرا.. دم. في اللحظة دي، حسيت بقوة غريبة بتسحبني، حسيت بدوخة، بس أحمد مسكني بسرعة.

قعدنا على الأرض، كنت بنطق الشهادة، وبصيت للأوضة اللي قالت إنها اختفت فيها، لقيت “خيط أحمر” طويل ممتد من دايرة الملح لحد تحت باب الأوضة دي، وكأنه “أثر” للي عملته.

أحمد فجأة وقف، جاب “جركن” مية وقرآن كان دايماً شايله، ورش المكان كله، وكسر الدايرة دي بقدمه. وبمجرد ما الدايرة اتكسرت، سمعنا صوت “تزييق” جاي من جوه الأوضة.. صوت حد بيتحرك ببطء، وكأن فيه حد كان مستخبي ومستنينا.

أحمد مسك “مفتاح الربط” اللي كان جنبه، ووقف قدامي، وقال بصوت هز الحيطان: “أنا عارف إنك جوه.. مش هسمحلك تلمسي شعرة من بنتي تاني، اطلعي يا أمي.. اطلعي وواجهي ابنك اللي دمرتيه.”

الصمت في الأوضة كان “صمت الموت”، وبعد ثواني، بدأت إيد كبيرة، مجعدة، ومصبوغة بلون أسود غريب، تظهر من ورا الباب الموارب بتاع الأوضة.. وبدأت هي تطلع، وشها كان أصفر، وعينيها.. عينيها مكنتش عيون بشرية، كانت عيون حد بايع روحه للشر.

بصتلي وقالت بصوت طالع من تحت الأرض: “فاكر إنك طردتني؟ أنا في كل حيطة في البيت ده، أنا في كل حتة في حياتكم.. أنتم ملكي.”

أحمد مكنش خايف، رمى المية المقروء عليها في وشها، وفجأة.. البيت كله هز، كأن زلزال ضرب المكان، والأنوار بدأت تترعش وتطفي وتولع، والصرخة اللي خرجت منها كانت صرخة مش بشرية.. صرخة كيان بيتحرق!

فجأة، كل حاجة سكتت.. الكهرباء قطعت تماماً، والبيت غرق في ضلمة دامسة، ومن جوه الضلمة، سمعت صوت بنتي بتضحك.. ضحكة بريئة، وكأنها بتقولي إن كل الشر ده انتهى بمجرد ما واجهنا “الحقيقة” وواجهنا “الخوف”.

هل انتهت اللعنة فعلاً؟ ولا الضلمة دي مخبية لينا حاجة تانية؟

……….

الضلمة كانت تقيلة، كاتمة على أنفاسي، وأنا ماسكة إيد أحمد لدرجة إن ضوافري غرزت في جلده. فجأة، صوت ضحكة بنتي اللي طلعت في الضلمة اتغير.. مابقاش ضحكة طفلة، بقى صوت صدى طالع من كل ركن في الشقة، صوت بيتردد وكأنه جاي من تحت الأرض. أحمد شدني وراه، نوره كشاف تليفونه، وبدأ يوجهه ناحية الأوضة اللي طلعت منها حماتي.

الأوضة كانت فاضية تماماً. لا حماتي، ولا الخيط الأحمر، ولا حتى الريحة المعفنة اللي كانت مالية المكان. الشباك كان مقفول ترباس من جوه، والباب ملوش مخرج تاني. أحمد بصلي وعرقه كان مغطي وشه: “مروة.. هي اختفت فين؟ دي مستحيل تكون خرجت من هنا!”

في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط تقيل على باب الشقة الرئيسي، خبط متواصل وعنيف، مش خبط بني آدم، خبط حد بيحاول يكسر الباب. أحمد جري ناحية الباب وفتح، لقينا “صفاء” أخت جوزي واقفة، وشها أبيض كالثلج، وعنيها مبرقة من الرعب.

صفاء مسكت في عباية أحمد وبدأت تعيط بهستيريا: “الحقوا.. الحقوا ماما! هي.. هي مش في البيت، هي في المستشفى! اتصلوا بيا من شوية وقالولي إنها وقعت من على السلم في بيتهم، ومحدش عارف إيه اللي حصل!”

أحمد اتجمد في مكانه: “مستشفى إيه؟ وإزاي وقعت؟ دي كانت هنا من دقايق!”

صفاء بصتله بذهول: “هنا؟ إنت بتقول إيه؟ ماما بقالها يومين في غيبوبة في المستشفى بعد ما حاولت تعمل ‘العمل’ الأخير اللي كلمتك عنه، والناس اللي كانوا بيساعدوها هربوا وسابوها لوحدها!”

الكلمة نزلت علينا زي الصاعقة. أنا وأحمد بصينا لبعض، ورجعت بصيت للشقة اللي كنا واقفين فيها.. كل حاجة كانت رجعت مكانها، لا شمع أسود، لا دايرة ملح، ولا حتى ريحة بخور. كان البيت هادي، نظيف، ومفيش فيه أي أثر للي عشناه.

أحمد بيبصلي بذهول: “يعني.. يعني اللي شفناه ده؟”

قاطعته بصوت متهدج: “كانت روحها يا أحمد.. روحها اللي سابت جسمها في المستشفى وجت هنا عشان تكمل اللي بدأته. الشر ده مكنش مجرد فعل، ده كان طاقة سلبية شيطانية هي اللي حركتها.”

أحمد شدني وشد صفاء وخرجنا من الشقة، نزلنا على السلالم زي المجانين، ركبنا العربية وروحنا المستشفى. دخلنا العناية المركزة، وشوفنا حماتي.. كانت نايمة على السرير، وشها شاحب، وجسمها كله متوصل بأجهزة. الدكتور طلع وبص لأحمد وقال: “البقاء لله في حياتها.. القلب وقف من ساعة تقريباً.”

أحمد وقف قصاد سريرها، مكنش بيبكي، كان باصص لها بنظرة شفقة مخلوطة بوجع سنين. قولتله بصوت واطي: “سامحها يا أحمد.. هي خلاص راحت للي هيحاسبها.”

أحمد مسح دموعه، وبص لبنتي اللي كانت معايا في العربية وكنت جايباها، وقرب منها وباسها، وبعدين بص لأمه للمرة الأخيرة وقال: “سامحتك يا أمي، مش عشان إنتي تستاهلي، بس عشان أنا وبنتي نبدأ حياة جديدة، خالية من كرهك ومن شرك.”

خرجنا من المستشفى، والفجر كان بدأ يطلع. لأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن الهوا اللي بتنفسه نضيف، مفيش فيه ريحة سحر ولا غدر. رجعنا بيتنا، فتحت الباب، دخلت لقيت بنتي بتضحك في نومها ضحكة بريئة.. ضحكة وكأنها بتقول إن العاصفة عدت، وإن الشمس طلعت أخيراً على حياتنا.

قفلت الباب ورايا، وعرفت إن اللي فات ده كان كابوس طويل، صحينا منه بمواجهة الحقيقة، وإن مهما كتر السحر والشر، “الحق” دايماً هو اللي بيفضل، والبيت اللي مبني على الطيبة والستر، مفيش قوة في الأرض تقدر تهده. قعدت جنب بنتي، ونمت نومة عميقة، نومة واحدة ارتاحت بعد حرب طويلة، عالمة إن ربنا حاميها، وإن الصفحة اللي فاتت اتقفلت للأبد.. وبدأت حياة جديدة، مافيهاش غير حبنا، وستر ربنا، وضحكة بنتي اللي نورت الدنيا.

تمت

حكايات انجى الخطيب

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close