بنت عمى كامله بقلم امانى سيد
بنت عمى كامله بقلم امانى سيد
عمى وصانى اتجوز بنته ومطلقهاش مهما يحصل وقالى هى معاك اعمل فيها اللى انت عايزه بس اوعى تكلقها قال كلامه وسابنى مربوط وسافر
حسيت انى مجبور ومقهور من الوصيه وقررت اطلع ده عليها وقررت اتجوز واحده واخلى مراتى تبقى جاريه عندها
خطبت واحده واشتريتلها شبكه احلى واكبر من شبكتها
يوم ما دخلت عليها البيت وفتحت العلبة قدامها، مكنتش بوريها دهب مراتي الجديدة، كنت بقول لها من غير ولا كلمة: “إنتي قابلة للاستبدال.. وبنفس الثمن”. شفت صوابعها وهي بتلمس الغوايش القديمة اللي في إيديها اللى ابوها اشتراهلها بدالى عشان انا مجبتش شبكه ، وبصت للعلبة الجديدة، عينيها فضلوا رايحين جايين بين الإثنين، وبلعت ريقها في سكات. السكوت اللي كنت دايماً بترجمه إنه “موافقة”، بس هو في الحقيقة كان قلة حيلة ست ملهاش في الدنيا سند بعد ما أهلها سافروا وقطعوا أخبارهم عنها.
ليلة الزفاف.. في نفس المكان
السيطرة بتعمي، بتخلي الواحد يحس إنه بيحرك العرايس بخيوط في إيده. يوم الفرح، أصرّيت إن الحفلة تكون في نفس القاعة، بنفس الزفة، وحتى مع نفس الأغنية اللي دخلنا عليها زمان.
كنت واقف في الكوشة، ماسك إيد مراتي الجديدة،برقص معاها بفرحه وعيني بتدور في الصالة لحد ما لمحتها. كانت قاعدة في آخر طرابيزة، لسا قطار الفرح ملمسهاش، لابسة فستان غامق ومطأطأة راسها. لما اشتغلت نفس الأغنية، شفت كتفها وهو بيتهز هزة خفيفة، كأنها اتكهربت. رفعت راسها وبصتلي نظرة طويلة.. نظرة واحدة لخصت كل السنين اللي عاشتها معايا، كأنها بتسألني: “للدرجة دي أنا كنت رخيصة عندك؟ للدرجة دي الد.م اللى بينا مالوش تمن ؟
وأنا؟ أنا كنت ببص لها وأنا مبتسم، حاسس بنشوة انتصار مريضة. كنت مطمن إنها مش هتقوم تمشي، مش هتلم هدومها وتخرج، لأنها عارفة إن برة باب القاعة دي، مفيش باب بيت واحد واحد هيتفتحلها الا بامرى
العفش القديم.. وحياة جديدة
القمة في السيطرة مكنتش في الفرح، القمة كانت يوم ما دخلت بمراتي الجديدة الشقة. مغيرتش أوضة النوم، مغيرتش السجاد، حتى الستائر اللي “جومانه” نقتها بنفسها ونزلت تلف عليها في الوكالة، سبتها زي ما هي.
دخلت مراتي الجديدة، وبدأت تتأمل الشقة بـ فخر، وبدأت تفرض ملكيتها على كل شبر. أول موقف فاكره، لما مراتي الجديدة قعدت على الصالون وقالت لـ “جومانه” ببرود:
“معلش يا حبيبتي، هاتيلي كاس مية ساقعة عشان مش قادرة أقوم”.
بصيت لـ “جومانه” مستني رد فعلها. زمان، كانت بتموت في تفاصيل الصالون ده وتقول لي “ده ذوقي يا رمزي”. المرة دي، وقفت في مكانها ثواني، بصت للقماش اللي هي اختارته وبقت تقعد عليه ست تانية، وبعدين وطت راسها ودخلت المطبخ تجيب المية وهي بتترعش. في اللحظة دي اتأكدت إنها لسه تحت سيطرتى وإنها بقت مجرد خيال مآتة في بيتي، بتخدم بلقمتها ومن غير أجر.
الموضوع اتطور بسرعة. مراتي الجديدة بقت تتعامل كأنها صاحبة المكان، وبقت قدام مراتى بتحرك العفش القديم تستبدله بعفش جديد بدأت باوضه النوم والانتريه السفره
كل حاجه بالتدريج
كملت الوقفة في الصالة، متابع حركتهم من بعيد وأنا مربع إيدي، مستمتع بالسيناريو اللي برسمه وبنفذه بالحرف. جومانه كانت واقفة في الصالة، والعمال شغالين بيشيلوا دواليب أوضة النوم القديمة، الخشب اللي قضينا عليه سنين عمرنا وهو بيتفصص ويترمي برة البيت قطعة قطعة عشان يدخل مكانه العفش الجديد.
كنت بعمل كل ده وأنا جوايا غل قديم وتحدي لـ عمى اللي سافر وسابها؛ الراجل اللي حط القيد ده في رقبتي ورقبتها يوم ما وصاني وأنا بكتب الكتاب: “اتجوزها يا إيهاب واسترها، وأوعى في يوم تطلقها.. دي أمانة في رقبتك ليوم الدين”، وفي نفس الوقت دخل عليها ووصاها بـ نبرة حاسمة: “جوزك تطيعيه، ولو طلبتي الطلاق أو سبتي بيته، هغضب عليكي ليوم الدين ومش هسامحك”. هو سافر وقطع أخبارهم، وهي فضلت محبوسة في سجن الوصية دي.. وأنا استغليت الوصية عشان أكسر كبريائها، لأني عارف إنها مش هتقدر تطلب الطلاق عشان خايفة من غضب عمها، وفي نفس الوقت مش هقدر أطلقها عشان مأكسرش كلام الراجل اللي ليه فضل عليا.. فقررت أخليها عايشة في جحيم ممتد.
لمحت مراتي الجديدة وهي واقفة بتوجه العمال بصوت عالي ونبرة كلها تملك، وجومانه واقفة في زاوية، ساندة ضهرها على الحيطة، عينيها كانت دبلانة والدموع محبوسة فيهم، كأنها بتشوف حتت من روحها هي اللي بتتخلع وتترمى في الشارع، مش مجرد خشب.
في اللحظة دي، مراتي الجديدة قربت منها، مسكت قماش الأنتريه القديم وقالت بنبرة فيها شفقة مصطنعة:
“معلش يا جومانه يا حبيبتي، الشقة لازم تتجدد، الموديلات دي بقت قديمة أوي ومبقتش تليق بمقام إيهاب.. إنتي عارفة طبعاً إيهاب بيحب الوجاهة إزاي.”
مراتي الجديدة كانت فاكرة إنها بتمارس عليها قمة الانتصار، بس اللي مكنتش عارفاها، إن السكين لما بتوصل للعظم، الوجع بيتحول لبلادة.. والبلادة بتولد جرأة غير متوقعة.
قربت خطوتين لورا عشان أكون في هدوء الممر، بعيد عن دوشة العمال، بس قريب كفاية إني أسمع تفاصيل الحوار. جومانه متحركتش من مكانها، مفيش دموع نزلت، ملامحها هديت فجأة بطريقة خلتني أقلق لأول مرة. بصت في عين مراتي الجديدة بنظرة جامدة، خالية من أي خوف أو قلة حيلة، وقربت من ودنها.
كنت سامع همس مراتي للجديدة وهي بتقولها بـ نبرة هادية بس حامية زي الموس:
“جوزك استبدلني بيكي، وزي ما بنرمي القديم عشان نجيب جديد.. بكره هخليه يرميكي.
جوزك خلاص قر.ف منك ومن الوصيه اللى خنقاه وبوجودى هنا استعدى لجحيمك منى ومنه
هخليكى تعرفى من معاملته ليه يعمى ايه ست بيت يعنى ايه ملكه وانتى هنا هتبقى الجاريه
ومع آخر كلمة، مراتي الجديدة راحت ضاحكة ضحكة انتصار مسموعة هزت الصالة، ضحكة كلها تملك وقهر لـ جومانه.
أنا كنت متابع المشهد، والابتسامة المريضة رجعت تنور وشي تاني لما شفت جومانه ووشها بيجيب ألوان، وكتفها بيترعش من الوجع. مراتي الجديدة لفت عليا بدلال ومسكت دراعي وقالت بـ قرف وهي بتبص لـ جومانه:
“إيهاب، أنا مش عيزاها تقعد تتفرج علينا وتجيب لنا الطاقة السلبية دي، خليها تدخل المطبخ تعمل لنا حاجة نشربها، ولا هى هتفضل لاويه بوزها من غير سبب ؟”
مشيت خطوات بطيئة لحد ما وقفت قدام جومانه، ربعت إيدي وبصيت لعيونها الدبلانة وقلت بنبرة غل وسيطرة:
“سمعتي الست قالت إيه؟ على المطبخ يا جومانه.. مش عايز أشوف وشك هنا لحد ما العفش الجديد كله يدخل، عشان تفهمي من أول يوم مقامك فين ومقام صاحبة البيت فين.انتى واحده ابوها رماها تفتكرى انا ممكن اشتريكى
جومانه بلعت ريقها في سكات، ونزلت راسها في الأرض، وبخطوات تقيلة ومكسورة سحبت رجليها ودخلت المطبخ وهي بتترعش من القهر.
وأنا وقفت في نص الصالة، مستمتع بالسيناريو اللي برسمه وبنفذه بالحرف، حاسس بنشوة انتصار مريضة وأنا شايف العفش القديم بيترمى في الشارع، وبنت عمي اللي حط القيد في رقبتي بتتكسر قدام عيني قطعة قطعة.
مراتي الجديدة لفّت في الصالة، تلمس الحيطان وتوزع نظرات التملك على كل زاوية، وأنا عيني لسه معلقة على باب المطبخ الموارب. كنت متخيل إني لما أشوف جومانه مكسورة بالمنظر ده، الغل اللي جوايا هيهدى، والنار اللي قادت في قلبي من يوم ما عمي ربطني بالوصية دي هتنطفي.. بس الحقيقة إني كنت حاسس بجوع أكتر للسيطرة، جوع مريض مش بيشبع.
قربت من مراتي الجديدة، حطيت إيدي على كتفها وقلت بصوت عالي ومسموع عشان يوصل للي جوه:
“مبروك عليكي الشقة يا حبيبتي.. من اليوم وجاي، إنتي الآمرة الناهية هنا، وأي حاجة مش عاجباكي في البيت ده، شاوري عليها بس وأنا هرميها برة، زي ما رمينا الخشب القديم.”
هي ضحكت ودلعت راسها على كتفي وقالت بنبرة كلها كيد:
“تسلم لي يا إيهاب، ربنا يخليك ليا.. بس ادخل استعجل جومانه في العصير، العمال زمانهم عطشوا وهي شكلها هتقضيها عياط جوه وتتلكع.”
مشيت خطوات للمطبخ، وفتحت الباب بـ غشم. كانت واقفة ساندة بإيديها الاثنين على الرخام، ومطأطأة راسها، دموعها كانت بتنزل في سكات وتطفي اللمعة اللي في عنيها. أول ما حست بوجودي، مسحت وشها بسرعة بظهر إيدها وحاولت تداري كسرتها، بس الرعشة اللي في كتافها كانت فضحاها.
وقفت وربعت إيدي، وسندت ضهري على الباب وقلت ببرود:
“إنجزي يا جومانه.. إحنا مش جايبينك هنا عشان تقعدي تعيطي وتندبي حظك. مراتي الجديدة مستنية العصير برة، والعمال عطشانين. اخلصي وفوقي لنفسك، عشان اللي جاي مش هيبقى فيه وقت للدموع دي.”
بصت لي جومانه، وعينيها كانت حمرا زي الدم، النظرة دي وجعتني بس كابرت. قالت بصوت مخنوق ومتحشرج من كتر البكا:
“حاضر يا إيهاب.. حاضر، هعمل كل اللي إنت عايزه.. بس قولي، للدرجة دي أنا ماليش غلاوة عندك؟ للدرجة دي ذنب أبويا بتخلصه فيا أنا؟”
ضحكت بسخرية وقلت لها وأنا بقرب منها وعيني في عينها:
“أبوكي؟ أبوكي هو اللي عمل فيكي كده لما سابك ومشي، لما افتكر إنه بيلوي دراعي بالوصية. إنتي هنا عشان تنفذي الأوامر وبس.. يلا، مش عايز تأخير.”
سيبتها ودورت وشي وخرجت للصالة، قعدت على كرسي من الكراسي الجديدة اللي العمال لسه منززلينها من الكرتون، ومراتي الجديدة قعدت جمبي وهي بتبتسم بـ فخر. بعد كام دقيقة، خرجت جومانه وشايلة الصينية في إيدها، كانت صوابعها بترتعش لدرجة إن الكاسات كانت بتخبط في بعضها وتعمل صوت رنان في هدوء الشقة.
قربت مننا، ووطت راسها وهي بتقدم الصينية لمراتي الجديدة. مراتي الجديدة بّصت للصينية بقرف، ومدت إيدها ببطء، وراحت قالباها بـ طرف صباعها. الكاسات اتقلبت، والعصير اطلق على السجاد الجديد وعلى جزمتها.
مراتي الجديدة صرخت بـ تمثيل:
“يا لهوي! إيه القرف ده! إنتي عميا؟ مش تاخدي بالك وإنتي بتقدمي؟”
جومانه اتخضت ورجعت خطوة لورا، وبصت للأرض بـ رعب. وأنا قمت وقفت، وبصيت لـ جومانه بغضب أعمى وقلت لها:
“إنتي بتستعبطي يا جومانه؟ نازلة تخربي في البيت من أولها عشان العفش مش عاجبك؟ انزلي على ركبك واِمسحي القرف ده حالا قبل ما السجاد يبوظ!”
بنت عمى ٢
قصص وروايات أمانى سيد
جومانه بصت للأرض، بلعت كسرتها للمرة الألف، ودموعها نزلت مغرقة وشها وهي شايفة مراتي الجديدة بتبص لها بـ شماتة وتشاور لها برجلها على العصير المدلوق. جومانه من غير ولا كلمة، نزلت على ركبها، وطت راسها وبدأت تمسح الأرض بـ قماشة، كانت بتمسح بـ بلادة كأن روحها خلاص فارقت جسمها، ومراتي الجديدة واقفة فوق راسها بتتأملها بـ فخر وتملك.
أنا قعدت تاني ومسكت إيد مراتي الجديدة وأنا مبتسم، حاسس إني كسرت الحتة اللي باقية من كبريائها. لما خلصت، وقفت وسحبت رجليها ودخلت أوضتها الصغيرة اللي في آخر الممر، قفلت الباب عليها في سكات، السكات اللي كنت فاكره استسلام تام.
في الأوضة الضلمة..
جومانه قعدت على السرير، ضامة رجليها لصدرها وبتعيط بـ حرقة، حاسة إن الدنيا اسودت في وشها بالكامل. فجأة، شاشة موبايلها القديم نورت.. رقم غريب ودولي. قلبت سرقت نبضاتها، فتحت الخط بإيد بترتعش، وقبل ما تنطق، سمعت الصوت اللي كانت محرومة منه بقالها سنين.. صوت أبوها.
“جومانه.. يا بنتي.. إنتي سامعاني؟”
أول ما سمعت الكلمة، الدموع انفجرت من عينيها ومبقتش قادرة تكتم صوت عياطها، صرخت بـ وجع طالع من ضلوعها:
“بابا! بابا إنت فين؟ سيبتني ليه يا بابا؟ أنا بتموت هنا كل يوم.. إوعى تقفل السكة، أنا بتبهدل!”
صوت عمي اتغير، النبرة الحاسمة الشديدة اللي سافر بيها اختفت، وحل مكانها صوت راجل غلبان وندمان، قال لها بلهفة وخوف:
“مالك يا بنتي؟ في إيه؟ إيهاب عمل فيكي إيه؟ قوليلي يبنتي ومتخافيش، محدش سامعنا.”
جومانه بكت بـ قهر، وحكت له كل حاجة في سكات ومن غير ما حد برة يحس.. حكت له عن ذل السنين، عن ليلة الفرح والأغنية القديمة، عن الشبكة اللي اشتراها لغيرها، وعن مراتي الجديدة اللي دخلت الشقة ورمت عفشها وخليتها جارية تخدمها بلقمتها، وحكت له عن وقفتها على ركبها وهي بتمسح العصير من تحت رجلين مراتي الجديدة بـ أمر مني.
عمي على الناحية التانية كان نفسه بيضيق، وصوته بدأ يترعش من الغضب والغل اللي اتملى بيه من كلامها، أنفاسه بقت حامية وصوته اتتحول لـ فحيح وهو بيقول لها:
“مسحت الأرض تحت رجلين مراته؟ الكلب بيعمل في بنتي أنا كده؟ بيفش غله القديم فيكي عشان وصيتي؟”
جومانه قالت له وهي بتشهق:
“أنا خايفة من غضبك يا بابا.. أنا مستحملة الجحيم ده كله عشان إنت قولت لي لو سيبتي بيته هغضب عليكي.. أنا بضيع يا بابا.”
عمي اتكلم ونبرته كانت قاطعة زي السيف، نبرة كلها وعيد وتهديد يزلزل الأرض:
“اششش.. اِمسحي دموعك دي خالص يا جومانه. اِقفي على رجلك ومتنزلش راسك للكلب ده تاني. غضب إيه يا بنتي! أنا كنت فاكره راجل وهيصونك، كنت فاكر انى بحميكى لما أأمنه عليكي. هانت يا جومانه.. هانت قوي يا بنتي. أنا نازل مصر، مسافة السكة وأكون عندك.. وحق الكسرة والدموع دي كلها هاخد حقك من نفوخه، وربي لـ أندمه على اليوم اللي فكر فيه ييجي على بنتي.”
قفل السكة.. وجومانه فضلت قاعدة، مسحت دموعها بـ حسم، ولأول مرة من سنين، النفس اللي داخل صدرها مكنش محبوس، كان فيه ريحة أمل.. ريحة نهاية الجحيم.
بعد يومين بالظبط..
كنت قاعد في الصالة الجديدة، الشقة بقت متجددة على الآخر، ومراتي الجديدة قاعدة جمبي بنشرب قهوة ومبسوطين بالوضع الجديد، وجومانه كانت واقفة في المطبخ بتغسل المواعين بـ هدوء مريب مكنتش فاهمه.
فجأة، الباب خبط خبطات قوية وورا بعضها، خبطات هزت الحيطة.
قمت بغضب وقلت: “مين الغبي اللي بيخبط بالطريقة دي!”
فتحت الباب.. واتسمرت في مكاني. الدم هرب من عروقي، وركبي سابت.
عمي.. واقف بكامل هيبته، ملامحه وعينيه فيهم كمية شر وغضب عمري ما شفتها في حياتي.
دخل الشقة من غير ما يستأذن، زقني بـ إيده لورا لدرجة إني رجعت خطوتين، وبص في نص الصالة. مراتي الجديدة قامت وقفت بـ رعب وهي مش فاهمة مين الراجل ده.
عمي صرخ بعلو صوته: “جومانه! اِطلعي يا بنتي!”
جومانه خرجت من المطبخ، أول ما شافت أبوها، جريت عليه اترمت في حضنه وهي بتبكي، وهو ضمها لضلوعه بـ قوة وهو بيبص لي وعينيه بتطلع نار، وقال لها:
“خلاص يا قلب أبوكي.. السجن ده اِتهد، وجحيمهم بدأ.”
لّف عليا، قرب مني لحد ما بقى وشه في وشي، ورفع صباعه في عيني وبص لي بـ احتقار يهد أي راجل، وقال بصوت هز حيطان الشقة:
“إنت بقى يا إيهاب؟ إنت الحشرة اللي تمد إيدك على بنتي وتعملها جارية؟ أنا أأمنك على عرضي وأقول لك استرها وأوعى تطلقها عشان فاكرك راجل؟.. أتاريك ناقص! كنت فاكرك راجل وطلعت عيل بتخلص غلك في ست ملهاش سند!”
أنا لساني اتلجم، حاولت أتكلم أو أقول أي كلمة أدافع بيها عن نفسي: “يا عمي.. دي هي اللي..”
عمي مقاطعهوش بس، ده ضرب كف بكف وبص في الأرض بـ قرف ورفع راسه تاني وقال بـ نبرة كلها إهانة:
“ولا كلمة! صوتك مسمعهوش في المكان ده.. الشقة دي شقتي، والعفش ده كله بتاعي، وبنتي هتاخده ف. إنت ومراتك دي.. تلموا هدومكم في أكياس زبالة وتطلعوا برة بيتي حالا! مش عايز أشوف وشكم هنا لدقيقة واحدة!”
مراتي الجديدة بدأت تصرخ: “إنت مين عشان تطردنا! إيهاب اِتكلم!”
عمي بص لها بـ احتقار وقال: “اِخرسي خالص يا رخيصه .. ولمى حاجتك مع جوزك “الراجل” اللي مش عارف يحميكي ولا يحمي نفسه، واطلعوا برة!”
عمي مسك إيد جومانه وقعدها على الكنبة الجديدة في نص الصالة كأنها ملكة، وبص لي وقال بـ نبرة حاسمة:
“يلا برة! اطبعوا برة بيتي من غير مطرود.. ورقتك هتوصلك يا جومانه، والكلب ده مش هيرجع هنا تاني.
وقفت في نص الصالة، مكسور ومُهان قدام مراتي الجديدة اللي كانت بتبص لي بـ صدمة مستنياني أعمل حاجة، وأنا مش قادر حتى أرفع عيني في عين عمي اللي كسر كبريائي في ثواني، وطردني من الجنة اللي كنت فاكر إني ملكتها.
عمي سحب نفس طويل، وبص في أرجاء الصالة المتجددة بـ قرف، وكأنه مشمئز من كل شبر فيها، وبعدين رجع بص لي والنظرة اللي في عينيه كانت كفيلة تدفنّي مكاني.
قرب خطوة كمان، وحط إيديه في جيوبه بكل ثقة وهيبة، وقال بنبرة هادية بس حامية ورصاصها بيصيب في مق*تل:
“ومن بكرة يا إيهاب.. الشركـة بتاعتي اللي إنت ماسكها، رجلك ما تعتبهاش! اِنسى إن ليك مكتب هناك، واِنسى إنك كنت الكل في الكل في غيابي.”
أنا اتصدمت، الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، الشغل والوجاهة والمركز اللي كنت بتباهى بيهم قدام مراتي الجديدة وبلوي بيهم دراع جومانه، كله بيضيع في ثانية. حاولت أنطق، شفايفي اتهزت بـ رعب:
“بس يا عمي.. الشغل والصفقات اللي أنا..
قاطعني بإشارة حاسمة من إيده، وصوته رن في الصالة كلها:
“ولا كلمة! أنا لما سافرت وقطعت أخبار الشغل، مكنتش هربان ولا سايب بنتي، أنا كنت برة بحل مشاكل كبيرة في الشغل وبأمن مستقبلي ومستقبلها، ومكنتش عايز بنتي تتأذى ولا يدخل بيني وبينها أي شوشرة لحد ما أموري تظبط، عشان كده كنت بوصيك عليها وبأمنك! كنت فاكر إن دمي ولحمي غاليين عندك.. لكن إنت استغليت غيابي عشان تفرغ نقصك وغلك في بنتي.
مراتي الجديدة كانت واقفة ورايا، بتترعش ومنهارة من العياط وهي شايفة العز والبيت والمركز بيتهدوا فوق دماغنا في دقايق.
عمي لف وشه وبص لـ جومانه اللي كانت قاعدة وضهرها مفرود، وعينيها لأول مرة فيها لمعة انتصار وهدوء، وبعدين رجع بص لي وقال بـ نبرة كلها احتقار:
“أنا بنتي مش قليلة عشان تتجوز عليها وتهينها! بنتي ست البنات، وإنت طول السنين دي قاعد في خيرها، وبتصرف من فلوسها ومن خيري أنا! الشقة دي بفلوسي، واللبس اللي على ضهرك والعربية اللي بتركبها من خيري! جاي النهاردة تعمل عليها راجل بفلوسها وتجيب لها ضرة تذلها؟
مسك إيد جومانه وطبطب عليها، وبص لي وعينيه فيها وعيد يوقف الدم في العروق:
“بس ملحوقة.. كل حاجة هترجع لأصحابها، وإنت من اللحظة دي مالكش عندي غير الهدوم اللي عليك.. واستحمل بقى اللى هتشوفه منى! ورب العزة لـ أخليك تلف حوالين نفسك وم تلاقيش لقمة تاكلها، وهعرفك إزاي تمد إيدك على حاجة تخصني وتخص بنتي.
لفت مراتي الجديدة عليا وهي بتشدني من قميصي وبتصرخ بـ قهر وغل:
“اِتكلم يا إيهاب! قوله أي حاجة! إحنا هنروح فين؟ الشغل والشقة وعفشنا الجديد! هنعمل إيه؟”
مكنتش قادر أرد عليها، ولا قادر أبص في وشها. السيطرة المريضة ونشوة الانتصار اللي عشت فيهم الأيام اللي فاتت اِتحولوا لـ ذل وخزي عمري ما دقتهم. طأطأت راسي في الأرض، وسحبت رجليّ وأنا بجر مراتي الجديدة ورايا وبنفتح باب الشقة عشان نخرج منها بـ كيسين هدوم، مطرودين وفي قمة الإهانة، وتحت نظرات جومانه اللي كانت بتودع جحيمها.. وبتبدأ جحيمنا إحنا.
بنت عمى ٣
قصص وروايات أمانى سيد
خرجت وجريت الباب ورايا، بس الخبطة المرادي مكنتش خبطة تملّك، دي كانت خبطة طردة وخزي. السلم كان ضلمة وطويل قوي، والخطوات اللي كنت بنزلها بفخر وأنا عريس وبجيب عفش جديد، بقيت بنزلها وأنا شايل كيسين أسود فيهم شوية لبس ملهومش تمن، ومراتي الجديدة نازلة ورايا بتصوّت وتلطم على حظها اللي اتقلب في ثواني.
طول ما إحنا نازلين، صوتها كان بياكل في وداني زي المنشار:
“هو ده إيهاب؟ هو ده الوجاهة والشركات والعز اللي قولتلي عليه؟ مكنتش أعرف إنك عايش في خير ناس تانية! مكنتش أعرف إنك حتة موظف عند عمك وبنت عمك! أنا ذنبي إيه أترمي في الشارع بالطريقة دي؟”
مكنتش قادر أنطق ولا بكلمة، لساني كان مربوط، ووشي كان جايب ألوان من الكسرة. أول ما وصلنا الشارع، لمحت عربيتي المركونة تحت البيت.. العربية اللي عمي اشتراها باسم الشركة وكان مدهالي أتحرك بيها. لسه بمد إيدي في جيبي عشان أطلع المفتاح وأهرب من الفضيحة، لقيت غفير العمارة واقف قدامي ومعاه اتنين رجالة بجسم عريض، باين عليهم من رجالة عمي في السوق.
الغفير قرب مني وراسه في الأرض، بس نبرته كانت حاسمة:
“معلش يا أستاذ إيهاب.. الباشا اتصل بيا وقالي آخد منك مفتاح العربية ورخصتها حالا، وقالي أبلغك إنك لو عتبت ناحيتها هتعمل لك قضية سرقة.”
مراتي الجديدة صرخت وجات لها حالة ذهول:
“حتى العربية؟ يا نهار أسود ومنيل! إحنا هنروح فين بالهدوم دي في نص الشارع؟”
رميت المفتاح في إيد الغفير بغل وكسرة، وأخدت مراتي من إيدها وبقينا ماشيين على رجلينا والناس في المنطقة بتبص علينا ويتودودوا. الوجاهة والمنظرة اللي كنت عايش فيهم ومقعد بيها جومانه على ركبها تمسح الأرض، اتمسحت بيا أنا في دقيقة واحدة.
في نفس الوقت.. فوق في الشقة
جومانه كانت واقفة في البلكونة، بتبص علينا من فوق وإحنا ماشيين في الشارع زي الشحاتين ومتبهدلين. مكنتش بتعيط، ولا كانت شمتانة بـ غل.. كانت بتبص بـ راحة، كأن جبل كان كاتم على نفسها وانزاح.
عمي قرب منها، حط إيده على كتفها وشدها لحضنه وقال لها بحنان:
“خلاص يا جومانه يا بنتي.. الكابوس انتهى. من بكرة المحامي هيرفع قضية طلاق وخلع، وهيجيب لك كل حقوقك لحد عندك. والشركة اللي كان فاكر نفسه ملكها، هيدخلها بكرة واحد تاني يمسكها، وهو هيلف في الشوارع يدور على لقمة عيش ومحدش هيرضى يشغله بعد اللي عمله فيكي.”
جومانه اتنفست بعمق، وبصت لأبوها وقالت:
“الحمد لله يا بابا.. الحمد لله إنك جيت في الوقت المناسب. أنا كنت حاسة إني بتموت.”
أما أنا.. فقعدت مع مراتي الجديدة على رصيف في آخر الشارع، الكياس جمبنا، وهي قاعدة تبكي وتندب وتلومني على كل حاجة، وأنا عيني في الأرض بفتكر كل كلمة قولتها لـ جومانه، وكل ذل ذليتهولها، وبتأكد إن الدنيا دواير.. واللي عملته فيها، اِتردلي أضعاف ومبقاش ليا لا أصل ولا فصل ولا حتى لقمة آكلها.
مراتي الجديدة لفت وشها الناحية التانية، وبدأت تلم حاجتها وتعدل هدومها، وبصت لي بنظرة عمري ما شوفتها منها قبل كده.. نظرة كلها قرف وزهد. وقفت على حيلها، ونفضت التراب عن فستانها وقالت ببرود قسّم ضهري نصين:
“لحد هنا وكفاية يا إيهاب.. أنا ماليش مقعد معاك في الشارع. أنا كنت واخدة المدير العام، صاحب الهيبة والشقة والعربية، مش واخدة واحد مطرود بكيسين هدوم ومالوش لقمة عيش. أنا رايحة بيت أهلي، وورقة طلاقي تجيلي لحد هناك.. إنت خلاص مبقاش فيك رجا.”
سابتني واقف مكاني من غير ما تستنى رد، شاورت لتاكسي، ركبت ورزعت الباب وراها، وسابتني لوحدي مع الكيسين الأسود على الرصيف، والناس رايحة جاية بتدب عيونها فيا. الست اللي كنت بكسر جومانه عشانها، وتحديت الدنيا كلها عشان أرضي غروري بيها، باعتني في أول محطة لما لقت البير فضي ومبقاش فيه فلوس.
بعد مرور أسبوع..
الوضع اتقلب 180 درجة. جومانه كانت قاعدة في مكتب المدير العام في الشركة، المكتب اللي كنت بقعد عليه وأنا حاطط رجل على رجل. كانت لابسة طقم رسمي أنيق، وملامح الوجع والدبلان اللي في وشها اختفت، وحل مكانها ثقة وهيبة تليق ببنت صاحب الشغل.
عمي كان واقف جمبها، حاطط إيده على كتفها وهو بيبتسم بفخر ويقول للموظفين:
“من النهارده، الأستاذة جومانه هي المديرة الفعالة للشركة، وأي قرار هي هتقوله يتنفذ بالحرف.. عاوزكم تفرجوا جومانه على الشغل اللي بجد.”
في اللحظة دي، الباب خبط، ودخل الساعي وهو شايل دوسيه وملف أحوال الموظفين، وقال بتردد:
“ست جومانه.. إيهاب بره واقف على الباب، ومعاه أوراق إخلاء الطرف، وطالب يقابل حضرتك أو الباشا عشان ياخد بقية مستحقاته لأنه مش لاقي شغل بره والشركات كلها رفضته بعد ما عرفوا اللي حصل.”
عمي بص لـ جومانه وساب لها القرار الكامل بابتسامة وهدوء.
جومانه ملامحها متهزتش، ولا ظهر عليها أي ضعف. عدلت نظارتها وبصت للساعي وقالت بنبرة حاسمة وصوت مسموع هز المكاتب بره:
“خليه يستنى بره يا عم صابر.. خليه يقف على رجله لحد ما أخلص الاجتماع اللي معايا. وزي ما كان بيقولي زمان إني عايشة بلقمتي، اديله مكافأة نهاية الخدمة بتاعته ناقصة حق السجاد والعفش الجديد اللي بوظه في بيتي.. وقوله المديرة بتقولك: مقامك بره الباب ده، و اللي بيبني نجاحه على قهر الستات، أخرته دايماً بتبقى على الرصيف.”
أنا كنت واقف بره، سامع كل كلمة من ورا الباب. راسي كانت في الأرض، وجوايا حسرة بتاكل في قلبي. كنت شايف الموظفين اللي كنت بتنطط عليهم بيبصوا لي بشماتة . عرفت ساعتها إن عمي لما سافر وساب الوصية، مكنش بيكسرني.. كان بيختبر رجولتي، وأنا اللي سقطت في الاختبار، وضيعت الست اللي كانت صايناني، وخرجت من المولد بلا حمص.. لا طايل جومانه، ولا طايل مراتي الجديدة، ولا حتى طايل كرامتي.
خرجت من باب الشركة وجوايا مية سكين بتقطع في كرامتي. مكافأة نهاية الخدمة اللي جومانه خصمت منها حق العفش والسجاد مكنتش تكفي تمن إيجار أوضة وصالة في أفقر منطقة. أول حاجة عملتها، إني طلعت على المحامي ورميت يمين الطلاق على مراتي الجديدة اللي باعتني في لحظة؛ مكنش ينفع أسيب حتة من كبريائي معاها، وطلقتها وروحي بتتعصر من الندم على كل خطوة مشيتها في السكة دي.
بعد مرور سنة.. في مكان تاني خالص
الزمن دار دورته كاملة، والوجاهة والبدل الشيك والشركات كله اتبخر. بقيت واقف من صباحية ربنا لحد آخر الليل ورا مكنة كاشير في سوبر ماركت صغير، لابس مريلة الشغل، وضهري مقطوم من الوقفة. كل ما يترسم على الشاشة قدامي تمن علبة لبن أو كيس مكرونة، بفتكر جومانه واللقمة اللي كنت بمعيرها بيها، بفتكر ذلها وهي بتمسح الأرض تحت رجلي، وبقول لنفسي: “أهو إنت بقيت واقف تخدم الخلق كلهم عشان تطلع بلقمتك في آخر الشهر”.
وفي يوم من الأيام، وأنا واقف بحاسب الزباين ورأسي في الأرض كالعادة، سمعت صوت زعيق وخناقة حامية بره باب السوبر ماركت. رفعت عيني أبص، واتسمرت مكاني.
كانت مراتي الجديدة.. واقفه في نص الشارع، مبهدلة، لبسها دبلان وشكلها تعبان قوي، وواقف قدامها راجل غليظ بيزعق لها ويهينها قدام الرايح والجاي. عرفت من كلام الناس والشهود اللي واقفين إنها بعد ما سابتني، جريت ورا الفلوس واتجوزت الراجل ده عشان غني، بس طلع متجوز ومراته الاولى قويه ومفتريه ، أخد فلوسها اللي كانت دساهم من ورايا، وبهدلها، ومسح بكرامتها الأرض، وفي الآخر رماها في الشارع وطلقها .
بصيت لها وهي بتعيط بـ قهر، نفس العياط والكسرة اللي شوفتها في عين جومانه يوم الفرح ويوم ما العصير اتدلق على السجاد. سبحان الله، الوجع اِترد لها بالحرف، والمكايد والشر اللي بختهم في ودن بنت عمي، اِتطبخوا وجم فوق دماغها، وذاقت من نفس الكأس اللي شربت منه جومانه.
نزلت عيني تاني على المكنة وأنا ببلع ريقي بمرارة، وبحمد ربنا إن جومانه بعيدة عن القرف ده كله، عايشة ملكة في بيت أبوها وشركته، وإحنا الاتنين اللي اِتفقنا على قهرها.. واقفين في الشارع، واكلنا الذل، وكل واحد فينا بيحصد جحيمه اللي زرعه بإيده


تعليقات
إرسال تعليق