القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم باقي الفصل الحادي والاربعون 41بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات

 

رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم   باقي الفصل الحادي والاربعون 41بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات





رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم   باقي الفصل الحادي والاربعون 41بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات

باقي الفصل الواحد والأربعون هنا 👇 


سيارة رشدي ٩م


كان رشدي يقود السيارة بسرعة جنونية، ويداه قابضتان على عجلة القيادة حتى أبيضت مفاصله،

كانت دموعه تهبط دون أن يشعر، بينما اشتد غضبه حتى طغى على ملامحه، وعيناه تشتعلان بالقهر،

كانت النار تأكل صدره كبركان ثائر، لا يهدأ ولا يترك شيئا أمامه إلا وألتهمه.


لم يكن يفهم كيف خرج من هناك دون أن يفقد السيطرة على نفسه، كيف استطاع أن يترك سليم واقفا خلفه حي ثم يرحل؟ كان غاضبا بما يكفي،

كان يستطيع أن يفعل الشيء الذي جاء من أجله، لكن شيئا ما منعه، ولا يعرف ما هو.

هل كانت حور؟

أم وجود مكي؟

أم أنه... لم يكن يريد أن تصل الأمور إلى هذه النهاية حقا؟ وإنه بالفعل تغير؟!


ضغط على عجلة القيادة بعنف، وانفلتت منه صرخة مكتومة:  لـــيه؟!


ضرب المقود بقبضته، ثم مسح دموعه بضهر إيده، لكنه لم يستطع إيقافها: ليه ماقدرتش أعملها؟!  إزاي اسيبه بيتنفس بعد إللي عمله فيا؟!


ظل صامتا للحظات، وأنفاسه تتسارع: يمكن علشان البنت كانت موجودة...


صمت قليلا، ثم هز رأسه بعنف: لأ... مش دي.


عاد يضغط على المقود، وعيناه مثبتتان على الطريق:

أنا كنت أقدر أتصرف حتى وهي موجودة، وأقدر أواجهه مهما كان مين واقف.


ثم صمت.


ظهرت أمام عينيه صورة حور وهي تتشبث به، وتدافع عنه، وتبكي.


تغيرت ملامحه للحظة، وانكسر شيء في غضبه،

أشاح بنظره، وكأنه يحاول طرد الصورة من رأسه.


فجأة اقتحمت صور مي أمامه وهي تبكي وهي تسأله لماذا فعل بها كل ذلك خيانته وحتى لو سليم لم يقول لها! فهو خانها،  تذكر لحظه طلاقهما انهيارها كل وجع كان السبب فيه 


لكن فجأة تذكر مرة أخرى أن سليم هو السبب الأساسي؛ فلولاه، لما عرفت شيئا، وكأن سليم أصبح شماعته النفسية، التي يتعلّق بها حتى لا يواجه الحقيقة بنفسه.


وبدأت ملامحه تتبدل بصورة خطرة


ثم تمتم بصوت مخنوق، كأنه يوعد نفسه:

مش هتعدي كده.


سكت ثانية، وابتلع غصته: إللي بيني وبينه لسه  مخلصش.


ثم ضغط على دواسة الوقود أكثر، وعيناه تحملان غضبا لم ينطفئ بعد

❤️_______________بقلمي_ليلةعادل 


فيلا مصطفى٩م


كانت آلاء تجلس على طرف الفراش، الحزن يكسو ملامحها بوضوح، حين دخلت أنهار وأغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت إليها بلهجة عاتبة: ها يا آلاء، عملتي إيه مع مصطفى؟ برضوا عملتي إللي في دماغك؟


رفعت آلاء عينيها إليها وأجابت بهدوء: أيوه، قلت له.


جلست أنهار أمامها، فتابعت آلاء بصوت مختنق: قال لي ماشي... كأنه ما صدق، كان ممكن يرفض، كان ممكن يقول لي أنا بحبك ويتمسك بيا.


تنهدت أنهار بضيق ممزوج بالشفقة والتهكم: ليه يعمل كده يا حبيبتي؟ ما إنتي كل شوية تقوليله طلقني، أنا مش عايزة أكمل، حسستي الراجل إنه مش فارق معاكي بجنيه، طبيعي في الآخر يبيع..


سكتت لحظة ثم أكملت بهدوء: الراجل غير الست يا آلاء، الراجل بيحب إللي تقدره، لكن إنتي وجعتيه.


خفضت آلاء عينيها: ما أعرفش بقى...عموما هو وافق، وكلها شهر ونطلق بعد الامتحان.


هزت أنهار رأسها بتهكم: ومستنية الامتحانات ليه؟ ماتطلقي من دلوقتي! هو إنتِ كنتي بتحبيه علشان نفسيتك هتبقى وحشة مثلا محتاجة وقت ما يكونش عندك حاجة؟ أنهي الموضوع بقى، خلينا نرجع بيتنا ونجيب أخوكي إللي محدش عارف له طريق.


رفعت عينيها إليها، وقالت بتردد: إنتِ شايفة كده؟


اومأت  بتأكيد جاف طفح الكيل من ابنتها: أيوة شايفة كده، ما دام إنتِ أخدتي القرار، خليكِ قده،

وماترجعيش بعدين تقوليلي: يا ماما أنا ندمت، إنتي كبيرة وعارفة مصلحة نفسك كفاية.


نظرت لها آلاء ثواني وكأنها تفكر ثم  أومأت وقالت على مضض:خلاص يا ماما، أنا هقوله


زفرت أنهار باستهجان مختنق:  قوليله يا آلاء، قوليله وخلاص، أنا قلبي تعبني منك ومن جنانك ده. 


منزل عائلة مي٩م


جلست مي مع شريف، طبيبها النفسي برايسيشن، تحتسي الليمون بصمت، وعيناها محمرتان، تبدو على ملامحها آثار الوجع والحزن، بينما ظلت تحدق أمامها بشرود.


شريف بهدوء: صدقيني يا مي، إللي إنتِ عملتيه ده هو الصح، وهو ده إللي كان المفروض يحصل، إنتِ كده في أول خطوات الاستشفاء، صدقيني.


ابتلعت غصتها، وقالت بصوت مثقل بالألم: بس أنا حاسه إني موجوعه أوي، حاسة إن إللي جوايا نار، نار عماله تحرق فيا، أنا مش عارفة ليه حصل لي كده؟ وليه أنا بالذات؟


صمتت لوهلة ثم تابعت بأنين: أوقات بسأل نفسي ليه حصل لي كل ده؟! أنا عملت إيه في حياتي غلط يخليني أقابل شخص زي ده؟


تنهد شريف، ثم قال بعقلانية: صدقيني يا مي، رشدي فيه منه كتير، وأصعب منه كمان، على الأقل رشدي معترف بأخطائه، وبيحاول يبقى كويس.


رفعت راسها إليه، وقالت بعنف بعينين مشتعلتين: هو إنت بتبرر له؟


هز رأسه سريعا موضحا، وهو يشير بيده كي تهدئ: أنا بوضحلك الصورة بشكل كامل، مش أكتر..


صمتت لحظة، ثم قالت بنبرة أهدأ: على فكرة أنا كويسة، أنا معرفش هم أتصلوا بيك وجابوك هنا ليه؟!


ابتسم ابتسامة صغيرة: مش عايزه تشوفيني ولا إيه؟


أسرعت تقول بتفسير خجول: أنا آسفة، ما أقصدش، بس..


قاطعها: بس إيه؟


تنهدت، ثم أشاحت بنظرها بعيدا موضحة بثقل: أقصد يعني إني مش محتاجة، مش زي المرة اللي فاتت، حقيقي أنا موجوعة، وإن اللقاء وجعني..


صمتت لحظة، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة، ثم تابعت وهي تنظر له بتفسير: أنا  كأن كان جوايا جمرة نار، وفجأة خرجتها، فطبيعي أتوجع.ط، زي شوكة كده، لما بتبقى غارسة في جلدك، ولما تشدها بتوجعك أكتر، فهمني؟!


أومأ متفهما وهو يصغي لها، بينما خفضت عينيها إلى الكوب بين يديها، أضافت بصوت خافت: أنا بس خايفة مقدرش أتخطى، مش هكدب عليك، أول ما سمعت كلمة «إنتِ طالق» اتوجعت، ما كنتش عايزاه يتمسك بيا، لأن فعلا بحس بضيق نفس وغضب كل ما أفتكر إني لسة على اسمه، بس في نفس الوقت لما قالها، حسيت إني ارتحت، وفي نفس الوقت اتوجعت..


رفعت عينيها إليه بحيرة مريرة: وجع غريب، مش عارفه معناه..


نظر إليها بتفهم، وظلت عيناه معلقتين بملامحها لثوان، وكأنه يزن كلماته قبل أن يقولها: طبيعي، ده إنسان كنتِ بتحبيه، وكان بينكم ذكريات، حتى لو الفترة كانت صغيرة، صدقيني، إنتِ ممكن تعرفي حد بقالك سنين وتنسيه في يومين، وممكن تعرفي حد أسبوع وتلاقي نفسك صعب تنسيه، وبتاخدي وقت، كل ما كان الحب حقيقي وصادق، كل ما بياخد وقت.


خفضت مي عينيها إلى كوبها، وأخذت تحركه بين يديها دون أن تشرب، تابع شريف بهدوء: لكن إنتِ موضوعك فيه شوية أختلاف..


نظرت له متعجبه، فرد على نظراتها مفسرا: إنتِ عايزة تنسي، عايزة تتخطي، وبتحاولي تشتغلي على نفسك، وواجهتيه، وده في حد ذاته مؤشر بيأكد إنك في الطريق الصح، بس محتاجة صبر يا مي، الموضوع كله على بعضه مكملش أسبوع.


رفع حاجبه قليلا، وأضاف بنبرة هادئة تحمل شيئا من منطقه: إنتِ لما بتتلسعي علشان الجرح يخف، بتقعدي خمستاشر يوم تقريبا... ما بالك ده بقى جرح جوة القلب؟


نظرت إليه بطرف عينها، بينما أبتسم هو إبتسامة صغيرة: سيبيه ياخد وقته، لو عملتي نفسك مش شايفاه وكتمتيه، هاتلاقيه بيواجهك ببشاعه بعد فترة، ومش هتعرفي تاخدي قرار، وممكن غصب عنك، لما تدخلي في علاقة تانية، تلاقي نفسك بتجرحي وإنتِ مش واخدة بالك.


رفعت عينيها إليه بتردد، وبدا السؤال وكأنه أخافها بمجرد أن فكرت فيه: تفتكر إني ممكن أحب تاني؟


ابتسم، ثم أومأ بثقة: هتحبي تاني، لأنك لازم تحبي تاني، بس المرة دي تختاري صح.


قطبت حاجبيها، وقالت بضيق موجوع: أختار صح! إزاي وهما كلهم بيبقوا شبه بعض؟


أومأ معارضا بتوضيح: لا، هما مش شبه بعض، فيه مؤشرات وحاجات بتوضح، بس إحنا الحب بيكون عمينا، وبيخلينا نشوف الحاجات السيئة دي حاجات حلوة، أو نقول: ممكن نتخطاها، وممكن نعالجها..


وأشار إليها بإصبعه محذرا، وكأنه يشرح لها أمرا مهما: الحب بيعمل غشاوة على العين، وبيخلينا نقعد ندي في حلول ونشوف الدنيا وردي، وهي مش كده، وبعدين دي أول تجربة حب ليكِ ،وللأسف بنسبة كبيرة أول تجربة بتكون فاشلة، وده طبيعي.


زفرت ببطء، وأراحت ظهرها إلى المقعد، ثم قالت بنبرة يختلط فيها الندم بالقبول والمرارة: كان نفسي متكونش فاشلة، حتى لو كانت أول تجربة، حتى لو كان حب عاميني، كان نفسي يتغير يكون قد ثقتي، بس أهو، أدينا اتعلمنا.


أومأ بصمت، ونظر إليها لحظة، ثم إبتسم إبتسامة مطمئنة، وكأنه أراد أن يترك الجملة الأخيرة تستقر بداخلها دون أن يزيد عليها.


وبعد لحظات، غير نبرة صوته فجأة، محاولا إخراجها من ثقل الحديث: ويا ستي، أنا جاي في زيارة عادية عائلية جدا، أطمن على حازم، بحسه عصبي أنا هاجي أعالجه.


ضحكت للمرة الأولى، وظهرت إبتسامة حقيقية على وجهها رغم بقايا الحزن في عينيها: فعلا هو أكتر واحد فينا عصبي.


إبتسمت له، ثم قالت بامتنان: شكرا يا دكتور شريف إنك جيت.


لوح بيده وكأنه يرفض كلمة الشكر: يا ستي أنا مش عايز شكر، أنا سمعت إنك بتعملي قهوة حلوة، فأنا عايز أشرب قهوة من إيدك.


اتسعت إبتسامتها، ونهضت من مكانها: بس كده؟ من عنيا.


ما إن خرجت  من الغرفة، حتى دخل راشد قال بقلق، ثم قال: إيه يا دكتور طمني؟


ابتسم شريف مطمئنا، وأشار له بيده: ما تقلقش، هي كويسة جدا..


سائلة متعجبا مقلقش إزاي؟؛


أجابه بجدية هادئة: الوجع إللي جواها طبيعي، ومتوقع جدا بعد إللي مرت بيه، إحنا مش هنحاول نمنعها ولا نقول لها «أنسي وخلاص»، بالعكس! هنكون معاها وهي بتعديه، علشان ما نسيبش الوجع يكبر جواها أو ياخد وقت أكبر من حجمه.


تنهد راشد، وقال بصوت خافت: أنا بس خايف عليها، حاسس إنها بتضحك قدامنا، لكن جواها حاجة تانية.


أومأ بتفهم: وده طبيعي برضوا، بس صدقني، مي أقوى مما إنت متخيل، هي موجوعة، لكن مش مستسلمة وبتقاوم. ودي أهم نقطة..


صمت للحظة، ثم أضاف: هي بدأت تواجه، ودي خطوة كبيرة، وإحنا معاها، هنسمعها لما تحتاج تتكلم، وهنسيب لها مساحتها لما تحتاج تسكت، أهم حاجة منحسسهاش إنها مريضة لمجرد إنها موجوعة.


هز راشد رأسه ببطء، وقد بدا عليه بعض الارتياح: يعني هاتعدي؟


إبتسم  بثقة: هاتعدي... وبإذن الله أسرع مما إنت متخيل، بس سيبوها تاخد وقتها، وماتستعجلوش عليها.


ظل راشد صامتا للحظات، ثم رفع عينيه إلى السماء وقال: يارب.


♥️_____________بقلمي_ليلةعادل 


فيلا سليم وماسة٩م


دخل سليم وماسة غرفتهما في الطابق الأرضي، وكان سليم لا يزال يحمل حور، التي كانت متعلقة برقبته بقوة، أنزلها برفق إلى الأرض، بينما بقيت ماسة للحظات واقفة مكانها، لا تزال تحت تأثير ما استمعت إليه قبل قليل.


نظرت حور إلى سليم بقلق، ثم سألته: إنت لسة زعلان مني؟


نظر إليها بابتسامة صغيرة، ثم جلس أمامها في وضع القرفصاء، داعبها في أنفها بلطف: لا، مش زعلان منك يا قلبي، ما أقدرش أزعل منك، بس زعلت حبة صغيرين في قلبي كده، علشان زعقتيلي جامد قدام رشدي، وصدقتيه وماصدقتينيش، وقولتي إنك مش بتحبيني وإني وحش، ومش عايزه تعيشي معايا تاني.


مدت شفتيها بخجل، وضيقت عينيها وهي تقول بتفسير: أنا بحب رشدي قد السما والبحر، ولما شفتك ضربته وكان متعور في وشه تعويرات كتير، زعلت منك خالص.


سليم وهو يشير إلى وجهه: طب ما أنا كمان اتعور تعويرات كثير. 


مدت وجهه بحزن وفجأة ألقت نفسها في حضنه، ولفت ذراعيها حول رقبته معتذرة: متزعلش مني يا بابا، أنا بحبك أوي.


ثم قبلته على خده، فابتسم، ومسح على رأسها بحنان: حبيبتي صدقيني خلاص مش زعلان، لما إنت ضحكتيلي وقلتيلي إنك مش زعلانة، قلبي خلاص مبقاش زعلان، بس اوعديني متقوليش الكلام ده تاني.


أومأت بإيجاب: وعد..


ثم أشارت إليه بأصابعها محذرة: وإنت اوعدني ماتلعبش إنت ورشدي اللعبة الوحشة دي تاني، ولا تزعلوه، علشان أنا بحبه.


وأومأ لها بصمت فهو لا يستطيع وعدها ربما لم يفعله


تابعت حور وهي عابسة: أنا كان نفسي أوريك الصورة إللي أنا رسمتهالك، بس هي ضاعت.


مال برأسه باستغراب: ضاعت فين؟


مدت شفتيها: مش عارفة، أنا وقعتها لما شفت رشدي في أوضة المكتب، تعالى نروح نشوفها.


هزت ماسة رأسها باعتراض:مش هاينفع يا حور المكتب متكسر خالص، ولما ييجوا يوضبوه هخليهم يجبوها.


حور بضجر طفولي وهي تنظر لها: لو كنتي خليتيني أروح من الصبح، كانت ماضاعتش!


ثم نظرت إلى سليم، وقالت بتعسف: أنا عايزاك تخاصمها يوم ويوم ويوم يا سليم.


اتسعت عيناه بدهشة وهو تارة ينظر لماسة وتارة ينظر لها ثم قال: وهيهون عليكي تخاصمي ماما يوم ويوم ويوم؟


زمت شفتيها وهي تهز راسها بتأكيد: أيوه! عملت حاجات كتير وحشة معايا..


بدأت تعد له على أصابعها بتزمر: زعقتلي، ومش رضيت تخليني أجيلك، وخلت الصورة تضيع، فخاصمها يا سليم يوم ويوم ويوم... ويوم!


اقتربت منهما ماسة، وقالت بتعب من أعماقها: والله أنا إللي عايزة أخاصمكم إنتوا الأتنين يوم ويوم ويوم.


التفت إليها سليم باستغراب: طب أنا عملت إيه دلوقتي؟


تنهدت ماسة، ثم جلست على طرف المقعد بضجر:

هو كده، والله أنا عايزة أخاصم الناس كلها، وأقعد مع نفسي وأشرب نسكافيه وأسمع أغاني، علشان أنا تعبت وزهقت من كل الحوارات إللي بتحصل دي.


ضحك سليم: هرمونات دي..


ثم نظر إلى حور وقال بمزاح: أبعدي عن ماما دلوقتي، بتاكل بني آدمين!


ضحكت حور وهي تضع يدها على فمها، بينما، ضحكت ماسة رغما عنها.


وفي تلك اللحظة، انفتح الباب، ودخلت سلوى يتبعها مجاهد وسعدية.


قالت سلوى وهي تنظر إلى سليم بقلق: أنا شفت رشدي وهو خارج، قلت أجي أطمن عليكم وأفهم إيه إللي حصل.


وقبل أن يجيب، اقتربت سعدية منه بتوتر: إيه إللي حصل يا ابني؟ وإيه إللي في وشك ده؟


أسرعت ماسة بالرد: هو ورشدي كانوا بيلعبوا بوكس، وقعوا واتعوروا...


تدخلت حور بتأكيد: أيوة يا تيتا حتى عمو مكي اتعور في دماغه..


نظرت لسليم وقالت بشدة تليق بها: مش تلعبوا اللعبة الوحشة دي تاني.


نظر مجاهد إليه باستغراب:  بوكس إيه إللي لعبتوه؟


رفعت ماسة يديها إلى شفتيها بسرعة، كإشارة منها كي لا يتحدثوا، وتبادلت معهم نظرة سريعة، فهموا من نظراتهما أن هناك شيئا لا تريد قوله أمام البنت، 


فقال مجاهد بهدوء: إحنا بس قلنا نيجي نطمن عليكم يا ابني. إنتوا كويسين؟


أومأ، سليم بابتسامة مطمئنة وهو يتوقف: أيوه، إحنا كويسين، مفيش حاجة، ماتقلقوش.


ضربت سعدية كفا بكف وهي تتنهد: لا حول ولا قوة إلا بالله! طيب، إحنا هنطلع أوضنا بقى، ونبقى نتكلم بعدين.


تحرك الجميع نحو الباب، بينما ظلت ماسة واقفة مكانها للحظة، تراقبهم في صمت.


وما إن خرجوا وأغلقوا الباب خلفهم، حتى التفتت ماسة إلى سليم بنظرة مختلفة، وقالت بالإنجليزية:

سليم، أريد التحدث معك، أشعر بالاختناق والضجر.


أومأ بإيجاب بإستغراب صامت، ثم التفتت ماسة إلى حور بابتسامة، وهي تمسح على شعرها: حور، بقولك إيه؟ إيه رأيك تكملي رسم وتلعبي باللعب بتاعتك، وأشغلك الكرتون؟ علشان أنا وبابا عايزين نتكلم مع بعض... كلام كبار.


وضعت حور يدها تحت ذقنها بتفكير، ثم قالت بحماس: ونلعب في حمام السباحة؟


نظر إليها سليم وابتسم: هنلعب في حمام السباحة، بس بكرة، مش النهاردة. إحنا بقينا بالليل، بعدين إحنا تعبنا النهاردة خالص، روحنا الملاهي ولعبنا كتير.


أجابت بموافقة: ماشي.


وبالفعل، أمسكتها ماسة من يدها، وأجلستها أمام الشاشة، ثم شغلت لها الكرتون، وعلت الصوت واختارت لها اللعبة التي تريدها، وبعد أن اطمأنت لانشغالها، تحركت مع سليم وجلسا على السرير.


ساد بينهما صمت قصير، قبل أن يمسك سليم يديها، ويركز النظر في عينيها باهتمام تسأل: إيه يا حبيبتي؟ مالك؟


أخرجت نفسا طويلا، ثم رفعت عينيها إلى السقف من شدة التعب، قبل أن تنظر إليه مجددا، ردت بنبرة مختنقة، وهي تضع يدها على رقبتها: حاسة بخنقة فظيعة، حاسة إن قلبي من جوة موجوع، دماغي فيها دوشة، مش عارفة أبقى مبسوطة ولا عارفة أبقى مطمنة... مخنوقة.


نظر إليها باستغراب، ولاحظ الاضطراب في ملامحها، فسألها بنبرة هادئة: ليه يا عشقي؟ إيه إللي حصل؟


قطبت حاجبيها، وردت بنبرة غاضبة مختلطة بالاختناق: هو إيه إللي ليه أصلا؟ إنت عايزني بعد كل إللي حصل ده أبقى طبيعية؟


اغرورقت عيناها بالدموع، وأكملت بصوت مبحوح:

أنا بجد تعبت يا سليم، أعصابي تعبت، مابقيتش قادرة أستحمل.


نظر إليها بحزن، ثم سأل بهدوء: كل زعلك ده علشان رشدي كان عارف بالبنت؟


قاطعته سريعا بضجر مرير: لأ يا سليم... بالعكس، يمكن دي الحاجة الوحيدة الكويسة إللي رشدي عملها، إنه خلى البنت معاه، حتى لو في المقابل حرمني من إنها تعيش معايا أجمل أيام ممكن أم تعيشها مع بنتها، وبنت تعيشها مع أمها.


نظر لها متعجبا ردت على نظراته موضحه: هو فعلا حماها، من شر كبير، حافظ عليها طول السنين دي، وكان بيعاملها حلو، وخلى البنت ما شاء الله عليها جميلة وعاقلة، مش مضطربة... ودي أهم حاجة..


سكتت لحظة، والوجع يعصف بها، نهضت، ومسحت دمعة سقطت على وجنتيها ثم واصلت، وكأنها  تشرح وجع وتشتت لم تعد تتحمله: لكن إللي حصل بينكم، وضربكم لبعض، وإنه قدر يوصّل لحد هنا ويهددك، كل ده محسسني إننا رجعنا لنقطة الصفر..


ارتجف صوتها أكثر باضطراب: أنا لسه مش قادرة أتجاوز إني عرفت إن بنتي موجودة، ولا إللي حصل لي زمان، ومش عارفة إللي جاي هيكون عامل إزاي؟! كل حاجة بتحصل وحصلت فوق طاقتي تعبت.


زم وجهه متأثرا بيحديثها، توقف،أخذها بين ذراعيه، وأخذ يربت على ظهرها بحنان: صدقيني، هتعدي، زي ما عدينا من حاجات أكتر منها وأكبر منها.


مسحت وجهها بيدها، ثم ابتعدت عنه قليلا، وقالت بصوت مخنوق: ما أنا عارفة إنها هتعدي، بس لحد ماتعدي، أنا مش عارفة هتحمل لحد إمتى؟! أنا حقيقي مخنوقه أوي...


صمتت لحظة، ثم نظرت إليه بغضب: بعدين إنت إزاي تسمح له يجي لحد هنا؟


تنهد متسائلا بأستنكار: هو إنتِ فاكرة إنه مش هيبقى قادر  يجيب عنواني مثلا؟


هزت رأسها بعصبية: في فرق بين إنه يعرف عنوانك، ويجي! بإنك تجيبه بنفسك، بسبب عندك، هتفضل لحد إمتى عنيد يا سليم؟


أومأ معترضا بتفسير: ده مش عند يا ماسة، دي واقعية، أنا كان لازم أنهي القصة دي، كده كده هتحصل.


ضغطت على أسنانها الأمامية، ونظرت له بضجر وهي تشير في وجهه: لا، إنت راجل عنيد، عنيد يا سليم، وأنا مش مستعدة أنا وبنتي ندفع تمن عنادك وكبريائك.


سكت سليم، بينما تابعت بانفعال: ما كلفتش خاطرك تخلي الحراس ياخدوا منه المسدس قبل مايدخل؟ ولا حتى تدخل كام واحد معاه؟ طب أفرض كان قتلك!


ارتجف صوتها وهي تكمل: هو أصلا كان جاي يقتلك بعد إللي إنت عملته، وأنا مش عارفة إزاي خرجته بالسهولة وإنت عارف أنه مش هيسكت.


ظل صامتا، وعيناه معلقتان بها، ثم قال بهدوء موضحا بعقلانية: بصي يا ماسة، أنا عارف إنك ممكن ما تفهمينيش، وممكن تشوفي بعض أفعالي فيها جنون وخطورة، بس صدقيني إللي أنا عملته ده هو الصح.


عقدت حاجبيها بضجر:صح من وجهة نظر مين؟


أجابها فورا باقتناع تام: من وجهة نظري، ووجهة نظر المنطق كمان، كان لازم المواجهة دي تحصل، بيني وبينه، مش هتفرق بقى بره الفيلا ولا جوة الفيلا.


اجابته بهدوء: ماشي تحصل بس على الاقل تبقى هنا؟!


عقد بين حاجبيه باستغراب:  ليه تفتكري إني ممكن معرفش أحميكوا؟ أنا من اول ما رشدي دخل هنا أنا كان عندي القدرة إني اقتله، بس أنا ما كنتش عايزه اقتل، إنتِ كده بتقللي من قدراتي.


أومأت وهي تقترب منه خطوة موضحة: أنا مش بقلل من قدراتك، بس على الأقل أمن نفسك!


تابعت بضيق غاضب: إنت لا كان معاك مسدس، ولا حتى دخلت حراسك معاك، ودخلته بسلاحه؟


نظرت له بعتاب، وفي عينيها دموع تلمع والخوف يملؤهما: أنا قلتلك عاهدني إنك هتحافظ على روحك، بس إنت عنيد، بتغامر بروحك ليه؟! مش هقولك تاني يا سليم، أنا مش هبقى مبسوطة وإنت بتجيب لي حقي وإنت تحط نفسك قصاد الخطر.


مع أصواتهم العالية، بدأت حور تنظر إليهم، لكنها كانت تعود مرة أخرى تنظر إلى التلفاز على أحد أفلام الكرتون وتلعب بالمكعبات.


بينما نظر سليم إليها لثوان، وهو مدرك أنها محقة، تنهد وقال بهدوء: طب إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ قوليلي إيه يرضيكي وأنا هعملهولك.


مسحت دموعها وقالت بنبرة محشرجة: عايزاك توعدني ما تاخدش أي قرار غير لما تكلمني وتقولي عليه الأول، وأي حد من أهلك هيفكر يجي هنا تدخل معاه حراس وتاخد منه سلاح، ولو هتروح تقابلهم في أي مكان هتاخد حراسك معاك وسلاحك، وتأمن نفسك وتحط خطة بديلة.


ابتسم، ثم ضم وجهها بين يديه وهو يدقق عينيه في ملامحها: بس كده؟ هعملك كل إللي إنتِ عايزاه، وعد.


مدت وجهها كالطفلة وهي تقول بعناد يخرج من قلب امرأة تعشق زوجها وتخاف عليه: لا، قول وعد يا ماسة هعمل كل إللي إنت قولتى عليه.


ابتسم وهو يؤمي بالموافقة: وعد يا ماسة، هعمل كل إللي إنتِ قولتي عليه، وعد والله وعد.


ضحكت من بين دموعها، وتبادلا النظرات بعشق، ثم اقترب منها وقبلها قبلة عميقة، تبادلا قبلة بعشق لثوان، ثم ضمها بشدة لوقت، وكأنه يعوضها بهذا العناق.


ابتعدت وهي تأخذ أنفاسها، ثم سألته: هتعمل إيه مع رشدي؟


سألها هو يضيق عينيه بعدم فهم: يعني إيه هعمل إيه معاه؟


أجابته وهي تمد وجهها بتوضيح: يعني خلاص كده الموضوع اتقفل؟ مش هتعاقبه تاني؟


تنهد وهو يومئ بنفي: لا خلاص يا ماسة، عقابه خده، كده بالنسبه لي تمام.


ردت بتوتر: بس هو مش هيسكت.


هز رأسه بإيجاب وهو يجلس: عارف، بس أنا برضوا مش هلوث إيدي بالدم، بس لو مسك أو مس حور، أو مكي مش هسكت له أكيد.


جلست بجانبه وهي تقول: أنا عايزة أروح لمي، عايزة أعتذر لها.


هز رأسه بإيجاب: ماشي.


سألها باهتمام: لسة مخنوقة؟


مدت شفتيها باختناق: أممم...


فجأة ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة خبيثة وهو يقول: أنا هعرف أصالحك إزاي.


وفجأة بدأ يدغدغها من جنبها.


توقفت وهي تضحك وتبتعد: بس يا سليم، بس!


أخذت تبتعد عنه وهي تصرخ.


استمعت لهم حور، فنهضت مسرعة، واقتربت منهم، وتساءلت وهي تضع يدها في خصرها: بتعمل إيه في ماما؟


رد وهو يدغدغ ماسة: تعالي زغزغيها معايا.


ضحكت بحماس: ماشي.


وبالفعل، أخذ الاثنان يدغدغان ماسة، فانفجرت في الضحك وهي تحاول الإفلات منهما، حتى سقطت على السرير وهي تصرخ:خلاص بقى! كفاية يا سليم! حور، ساعديني!


ضحكت حور وهي تقفز على السرير بجوارها: لأ! أنا مع بابا!


ضحك سليم وقال: شاطرة يا حور، أهو كده إنتِ بنتي بجد!


نظرت ماسة إليه بغيظ مصطنع: آه، بتقويها عليا.


أومأ بإيجاب: طبعا، دي بنتي.


زمت ماسة شفتيها بدلالها المعتاد، وقالت: طب وأنا؟


اقترب منها سليم بنظرات عاشقة، وقال بابتسامة: إنتِ روحي... قطعة السكر.


ابتسمت ماسة بحب، ثم ضمته إليها وما إن انتبهت حور إليهما حتى عقدت حاجبيها بدلال، ومدت ذراعيها نحوهما: أنا كمان! كمان! أحضنوني معاكم!


ضحك سليم، ومد ذراعه إليها، فضمها إليه، بينما احتضنتها ماسة من الجهة الأخرى.


تعالت ضحكاتهم، وظلوا متعانقين في أجواء عائلية دافئة، يملؤها الحب والمرح، وكأنهم يحاولون معا أن يعيدوا إلى قلوبهم توازنها بعد كل ما عصف بها، وأن يصنعوا لأنفسهم لحظة هادئة تشبه الحياة التي حرموا منها طويلا

♥️___________بقلمي_ليلةعادل 


على إتجاه آخر بالمكتب.


كان مكي لا يزال يجلس في المكتب وسط الفوضى، وهو يتحدث في هاتفه: تمام يا عشري، هات المكالمات والتسجيلات وتعالى، هي شكلها ليلة مايعلم بها إلا ربنا... إنت لسه تحت بيت مي؟ 


رد اممم مستنى الأوامر


أجاب: تمام، بقول لك إيه، عايزك تعرفلي رشدي فين جيبه من تليفونه، عايزك تزرع لي في عربيته جي بي إس، لازم تحركاته خطوة بخطوة تكون معانا، النفس إللي بيتنفسه، فاهم؟ هكر تليفونه زي عماد كده.


جاء الصوت: طب المهم بلغ سليم؟


رد: مش هقول لسليم دلوقتي غير لما تيجي، سلام.


أغلق المكالمة، ثم وضع يده على رأسه، وبدا أنه لا يزال يشعر بالوجع وأن الموضوع كل مدى يسوء.


وأثناء ذلك، دخلت سلوى وهي تشعر بالخوف والتوتر  قالت وهي تقترب: إنت هنا؟! طلعت الجنينة أدور عليك قالولي إنك لسة جوه


رفع عينه نحوها اقتربت حتى توقفت أمامه، ما إن رفعت عينيها رأت جرحه وقالت بقلق: إيه ده؟ إنت متعور جامد!


تنهد ببساطة: لا يا ستي، أنا كويس، ماتقلقيش عليا


رددت بإعتراض: كويس مين بس؟!


أمسكته من يده وحاولت أن تسحبه: تعالى معايا، تعالى.


سحب يده منها وقال باقتضاب: أنا كويس.


نظرت له نظرة غاضبة حادة: أسمع الكلام بقى ماتعندش.


أمسكت يده وسحبته وتحرك معها هذه المرة حتى وصلا إلى الريسبشن، ثم قالت: خليك هنا لحد ما أجيب الإسعافات.


أومأ: يا بنتي مش مستاهلة.


نظرت له بحدة: بعدين معاك ماتسمع الكلام بقى وأقعد ساكت.


تنهد وجلس على الأريكة، بينما تحركت سلوى ودخلت المطبخ، وأحضرت شنطة الإسعافات وعادت.


جلست أمامه، وبدأت تضع الكحول والبيتادين، ثم بدأت تنظف جرحه.


كان ينظر إليها، وعيناه تحملان شوقا لم يستطع إخفاءه. كانت كل لمسة منها، وكل نظرة وكل اهتمام، يتغلغلون داخله ويهدمون شيئا من كبريائه وعناده أمامها.


لكنه حاول ألا يركز معها، لكنه كان يفشل، فهو يشتاق إلى تلك الصغيرة التي ملكت قلبه، ولم يستطع أن يرى أو يحب غيرها، رغم ما فعلته.


لم تنتبه سلوى إلى تلك النظرات، بسبب انشغالها بتنظيف جرحه، حتى انتهت.


رفعت عينيها إليه وقالت: الحمد لله، جت سطحية خالص.


شاح عينه مسرعاً وابتسم وقال:السطحية دي خلتني مغمى عليا خمس دقايق تقريبا.


اتسعت عيناها وقالت بفزع: يانهار أبيض!


تابعت باستهجان: هو أصلا إيه إللي حصل؟ سليم ورشدي ضربوا بعض صح؟ انت كنت فين؟!


أجابها وهو يعود بظهره إلى الأريكة: أنا ما لحقتش أتدخل، بعد ماسحبت المسدس منه، اتهجمت عليه أنا وسليم، والمسدس وقع، معرفش وقعت إزاي، لقيت نفسي برجع لورا واتخبطت في دماغي، ماحسيتش بالدنيا غير بعد تقريبا ما رشدي وسليم كسروا المكتب على بعض.


قالت بضجر: معلش يعني، هو إنتوا اصلا إزاي تدخلوه من غير حراسة؟ من غير حتى ما تفتشوه؟ واثقين إنتوا من نفسكم أوي كده؟


أجابها بضيق: سليم مرضاش.


سألته باستغراب: مرضاش! كنت أعملها من وراه يا مكي.


رفع حاجبه مستنكرا بسخرية: أعملها من وراه؟!

إزاي يعني؟ كان مرزوع قدامي، وسليم زكي، يعني حتى لو عملت نفسي داخل الحمام أو مسكت التليفون، هيفهم.


زفرت بضيق مستفزة وهي تقول: سليم ده ساعات بيبقى متمسك بكبريائه في وقت غلط، بس الحمد لله عدت على خير..


صمتت لوهلة ثم قالت بتوتر يخرج من عينيها: بس أنا خايفة يا مكي رشدي عرف بحور و..


قاطعها مصححا: لا، ما هو كده كدة أصلا عارف.


عقدت حاجبيها بعدم فهم: مش فاهمة.


أخرج نفسا عميقا، وبدأ يسرد لها كل ما عرفوه وبعد الانتهاء.


اتسعت عيناها بصدمة، ثم قالت: يا نهار أبيض! الحيوان الحقير! بس عادي أتوقع منه يعمل أكتر من كده..


ثم بدأت أن تقلب شفتيها يمين ويسار بسخرية لازعة: بس غريبة رشدي إللي حطلي السم بأيده ودمر حياة أختي وأخوه، يبقى طيب كده، وهو إللي مخلي البنت مؤدبة كده وعسولة وتحبه، سبحان الله!


قال بجدية محذرا: المهم، إنتوا بس خدوا بالكم من نفسكم الفترة الجاية، بلاش خروج كتير لحد مانشوف إيه اللي هيحصل.


أومأت بطاعة:حاضر.


سكت قليلا وهو سارحا في ملامحها، ثم فجأة سألها:

طب وإنتِ هتعملي إيه في العريس؟


سكتت لحظة، تذكرت كلام سليم، فابتسمت وقالت بمكر: بفكر أشوفه.


رفع حاجبه بحدة ردت على تلك النظرة بتصنع: بتبصلي كدة ليه؟


أجابها بتهكم: مطلوب مني أبص ازاي؟! بعد كلامك المستفز ده.


فور استماعها إلى تلك الكلمات، ورؤيتها لغيراته، رفرف قلبها، لكنها حاولت التماسك والثبات أمامه، وقالت بهدوء متقن بتمثيل: أنا أمي وجعالي دماغي، وعمالة تهددني كل شوية تجيب لي حد من البلد. وأنا مستحيل أتجوز حد من البلد.


ظل ينظر إليها لحظة، ثم سألها يترقب: يعني هتوافقي يا سلوى؟


نظرت إليه باستغراب وخبث: موافقش ليه يا مكي؟


أجابها بتلقائية وكأنه أصبح لا يستطيع أن يمثل  اللامبالاة: المفروض متوافقيش.


رفعت حاجبها بتعجب مصطنع دون، فهي تحاول أن تجعله يخرج ما في قلبه، تابع  بتهكم لازع: آمال فين كلامك، أنا هحاول ومش هيأس، وإنتِ من كام مرة  يأستي وبعتِ القضية.


اعترضت بسرعة: أنا  مبعتش القضية يا مكي؟! بس أعمل إيه؟ أنا عايزة منك كلمة واحدة تديني أمل، بس لو جيت بعد شوية لقيتني مع واحد تاني، اعرف إن هو كان غصب عني، إنت السبب.


نظر إليها مستهجن وقال: مافيش حاجة إسمها غصب عنك يا سلوى.


اقتربت منه وهي تقول بإصرار ركزت النظر في ملامحه: لا فيه لانك مش مديني أمل..


صمتت لوهلة ثم قالت بمكر: أنا مستعدة أروح أقول لسليم دلوقتي حالا يقفل الموضوع ده، وأخليه يغير كلامه، وأحارب علشانك، إلا إذا غيرت رأيك ودتني أمل...


توقفت لحظة، ثم قالت بصوت أهدأ: كلمة واحدة منك، لو قلتهالي، هاتبني وراها حاجات كتير..


تابعت محذرة: واسمع أنا لو المرة دي رفضت، المرة الجاية مش هقدر، أنا إنسان، وليا طاقة.


سكت قليلًا، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، ثم نظر إليها وقال بصدق: مستحيل أنكر إني لما سمعت كلام سليم، غيرت واتعصبت حسيت بخنقة هنا..


وأشار إلى صدره، ثم تابع: وحسيت بغصّة في قلبي، أنا بحبك، ومش قادر أشوفك مع حد تاني، بس في نفس الوقت لسه خايف منك يا سلوى.


فور ان استمعت لكلماته أشرق وجهها  أمسكت يده بسعادة: وأنا بقولك متخافش، وبعدين أنا إللي المفروض أخاف منك، زعلك كدة وحش اوي.


ابتسم: زعلي على قد محبتي.


ضحكت بخفة: عارفة، بس هقولهالك للمرة الف أنا عملت كدة غصب عني..


صمتت لوهلة ثم سألته: طب إيه؟ مش هتقولى 

حاجة حلوة بمناسبة رجوعنا لبعض؟


اتسعت عينا بدهشة بابتسامة صغيرة ارتسمت على ملامحه: رجوعنا لبعض؟ رجعتينا لبعض خلاص؟


اومأت: آه اذا كان عجبك..


تبسم، ثم ضم يديها بين كفيه، واعتدل في جلسته، ثم أطال النظر إليها، ولأول مرة، لم تكن نظرته تحمل عتابًا أو غضبًا، بل كانت ممتلئة بحب أخفاه طويلا، وشوق ظل ساكنا في قلبه لسنوات،.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، ثم قال: وحشتيني.


أخذت نفسا عميقا، فقد رفرف قلبها بعد أن أذاب ثلجه، وقالت بسعادة بلهاء: وإنت كمان وحشتني... 

يا ستار عليك! لازم يعني نعمل عليك خطة عشان تنطق.


ضيقت عينيها بمكر: إنت وسليم بقيتوا أصحاب أوي، وعرفتوا تلعبوا عليَّا صح. 


ردت عليه بتهكم لطيف: نعمل معاك إيه يعني ما حربت معاك كل حاجة، ومانفعتش، خليت الراجل يخرج عن وقاره علشان تنطق 


تعالت ضحكتهما ، ثم سألته: طب إيه؟ هتكلم بابا وماما إمتى؟


أجابها دون تردد: بكرة.


قالت بقلق:أنا خايفة يرخموا ويرفضوا، علشان العريس بتاع سليم.


طمأنها  بهدوء: ما هو  أكيد سليم هيظبط الموضوع، يعني ماتقلقيش، وبعدين أهلك بيحبوني، أمك بالذات بتموت فيا.


ابتسمت وقالت بصراحة: حصل


ثم نظرت إليه بتحذير مصطنع وقالت: بس إياك تتراجع بكرة!


ضيقت عينيها وقالت بلهجة حازمة وهي تضحك: والله لو تراجعت، ورجعت لجنانك، لاخد فيك تأبيدة!


انفجر مكي ضاحكا، ولم يتمالك نفسه حتى ضحكت معه، وظلا يتبادلان الضحكات، وقد تبدد القلق الذي كان يملأ قلبها قبل لحظات.


وكان الغد يحمل لهما أول خطوة حقيقية نحو ما تمنياه طويلا.


♥️____________بقلمي_ليلةعادل


منزل إسعاد١٠م


توقفت سيارة رشدي أمام المنزل، فترجل منها بغضب، واتجه إلى الباب وطرق عليه بشده، كان يريد أن يعرف كيف لها ألا تخبره بأن سليم وصل إليها.


جاءه صوت إسعاد من الداخل بضجر،: طيب حاضر، مين بيضرب كده؟ يا ستار يا رب!


فتحت إسعاد الباب، فوجدت رشدي أمامها، عيناه تحملان سوادا خطر، نظرت إليه بعبوس، ثم قالت: اتفضل.


تنحت جانبا ليدخل، فاندفع إلى الداخل بغضب، ثم التفت إليها قائلا: إنتي ازاي ماقولتيليش؟


لم تهتز أمام غضبه أو نظراته، بل ردت عليه بحدة:

إنت بتزعق ليه؟ أنا إللي مفروض أزعق بعد إللي عملته!


اقترب منها خطوة وصاح بانفعال: إزاي ماتقوليليش إن سليم جه؟ ردي عليا!


هتفت بشده: أنا كلمتك كتير، وإنت ولا كنت بترد ولا كنت بتعبر حتى رحمة، وحاططنا كلنا على إللي اسمه إيه ده... البلوك!


ثم تابعت بعتاب أشد غاضب: إزاي يهون عليك أخوك تعمل فيه إللي إنت عملته ده؟ تسرق ضناه وتتفق مع الواطي التاني وتضحكوا عليه؟ 


تابعت بنبره مهتزه غير مصدقه بعتاب لازع: ده أخوك  أزاي هان عليك؟ طب والبنت الصغيرة إللي كانت هتموت وتشوف أهلها، أزاي تهون عليك كده وإنت شايفها قدام عينك كل شوية تسألك فين بابا فين ماما نفسي أشوفهم؟ إنت إيه يا ابني؟ إيه شيطان ماعندكش قلب؟!


نظر لها بعيني تحملان وجعا غاضبا: إنتِ ماتعرفيش حاجة.


صرخت فيه بضجر: أعرف ولا ما أعرفش؟! مافيش سبب في الدنيا يخليك تسرق عيلة صغيرة من حضن أبوها وأمها! حتى لو أبوها ده من كفار قريش، مالكش حق! ولو ليك حق عنده، ربنا سبحانه وتعالى يجيبلك حقك منه، ولو قلبك حارقك أوي وهتتجنن وتجيب حقك، هاتوا بأي طريقة، لكن تحرق قلبه على ضناه ليه؟ ليه يا ابني ليه؟


سكتت لحظة، ثم قالت بحسرة: الدنيا متفاتة كلها متر في متر، وأنا إللي صدقتك وصدقت حبك ليها.


خفض رشدي عينيه وقال بصوت أكثر هدوء كأنه يحاول اقناع نفسه قبل إقناعها: على فكرة، أنا حبيتها بجد، ماعملتش كده علشان أحرق قلب أبوها عليها، أنا عملت كده علشان، ده كان في مصلحتها..


ردت عليه بتهكم: مصلحتها أي مصلحة دي تخليك تسرق عيلة عندها كم يوم من حضن أمها. 


قاطعها بغضب، وكأنه يريد أن يزيل عنه ذلك الاتهام أو العار الذي يلطخه هتف: أيوة  في مصلحتها، وفي مصلحتي، قلت لك موضوع كبير، بعدين خلاص، أهي رجعت لهم تاني.


أضاف بتبرير مستهجن: وبعدين، أنا كنت بعمل فيها إيه يعني؟ كنت بحرقها؟ البنت كانت عايشة كويس.


نظرت إليه طويلا، ثم قالت بإزدراء: ده إللي إنت بتحاول تبرره لنفسك علشان تقنع نفسك إنك صح، وما تحسش بعذاب الضمير..


أضافت بسخط لازع: أوعى تكون فاكر علشان البنت كانت عايشه عيشه كويسه وكنت بتصرف عليها  وإنها بتحبك؟ ده يشفعلك، أو يخليك تنام وإنت مرتاح الضمير..


اقتربت منه أكثر، وقالت بوجع: إنت عمرك ما هتقدر ترتاح، ولا تنكر إنك سرقت البنت من أبوها ومن أمها، وحرمتها تنام في حضن أمها، وتشبع من صدرها، حضن الأم ده كنوز الدنيا متعوضهوش.


ثم تنهدت وقالت بتعب وهي تضيع يدها على قلبها:

روح يا ابني، ربنا يسامحك، وماتخافش أنا مارضيتش أقول لأخوك أي حاجة  عنك، سبته فاهم إللي فهمه، فاكر أن عاطف وجوز أختكم هو إللي عامل فيه كده.


مالت شفتيه بنصف إبتسامة ساخره وقال بإنكسار:

ماخلاص عرف أني كنت عارف، بس أنا كنت جاي علشان أسألك، إنتي ليه ما اتصلتيش بيا؟


ردت بمراره: قولتلك كلمتك، وإنت زي  كل مرة مارضتش، لما بيكون عندك حاجات أهم..


أومأ بإيجاب صامت حزين: عموما أنا هبعت لك فلوس كل شهر زي ما كانت البنت معاكي ماتقلقيش..


هزت رأسها وقالت: مش عايزه منك حاجة، الله الغني عن فلوسك، ربنا يسامحك يا ابني، كفاية لحد كده.


توقف لحظة، ثم سألها بصوت منكسر بعينين غامت بدموع والوجع: حتى إنتي كمان مش مسمحاني؟


نظرت إليه بحزن وقالت: ربنا يسامحك يا ابني، بس أنا زعلانة منك، عمري ما توقعت إنك تبقى عامل كده في بنت أخوك، مش هو ده أخوك إللي كان عامل حادثه كبيره؟ ما كفاكش الحادثة إللي عملها؟ تسرق عيلته منه كمان؟ روح... ربنا يسامحك.


رفع عينيه إلى أعلى، وقد امتلأت عيناه بالحزن والوجع، لم يجد ما يقوله، فاستدار وتحرك مبتعدا عن المنزل، حاملا معه كلماتها التي أصابته في أكثر مكان كان يحاول ألا ينظر إليه.


فيلا ماسة وسليم ١١م.


كان سليم وماسة وحور يجلسون معا يشاهدون التلفاز بعد جولة من اللعب، ويحتسون العصير ويتناولون الفشار.


وأثناء ذلك، رن هاتف سليم. نظر إلى الشاشة، ثم قال: ده مكي.


أمسك هاتفه وأجاب: إيه يا مكي؟


جاءه صوت مكي: بقول لك إيه، فاضي؟ تنزل شويه، عايز أتكلم معاك في حاجة مهمه وعشري هنا.


سأله بقلق: ماتستناش لبكره يعني؟


أجابه: لا، الأفضل تبقى عارفها دلوقتي، وبعدها تقرر براحتك.


صمت سليم لحظة، شعر أن هناك شيء كبير قد حدث فقال: فهمت... طيب، أنا نازل.


هما سليم بالنهوض، ثم نظر إلى ماسة: أنا هنزل، مكي عايزني.


سألته ماسة بقلق: في حاجة؟


اومأ  بعدم معرفة: معرفش، بس هعرف هقولك 


نظرت إليه بجدية توقفت أمامه وقالت وهي تشير بأصابعها: مهما كان إللي هاتعرفه، ما تاخدش قرار غير لما تيجي تقولى.


ابتسم وقال: طيب ماشي، بلاش الصباع ده... أنا نازل.


رفعت حاجبيها محذرة: سليم بجد والله، هزعل منك تلات أيام، وزعلي هيبقى غبي المرة دي!


ضحك سليم، ثم أمسك يدها قبلها منها بحنان:

أنا وعدتك، خلاص بقى.


ثم نظر إلى حور، وقال: بصي يا وردتي خليكي مع مامي هنا، هنزل تحت لعمو مكي علشان عايزني في حاجة مهمة، وهرجعلك على طول ونقعد نلعب شطرنج، علشان عايز أعلمك، اتفقنا؟


ضربته كفه بكفه بحماس: اتفقنا!


تحرك سليم إلى الخارج، بينما نظرت ماسة إلى حور وقالت: بقولك إيه؟ تيجي أحميكي.


اتسعت عينا حور بحماس: ونلعب في البانيو؟


ضحكت ماسة: اممم هنلعب في البانيو زي ما إنتي عايزه، وألبسك بيجامة من البيجامات الحلوة الجديدة.


حور بسرعة: إللي عليها تويتي!


أومأت بابتسامة مشرقه: إللي عليها تويتي، وهعملك تسريحة حلوة خالص في شعرك.


هزت راسها: ماشي!


ضيقت عينيها بطفوله وقالت ببراءة: طب ممكن البس المايو واللعب حبه، قد كدة🤏🤏


وضعت يدها على صدرها، ثم قالت: والنبي يا مامي..


ثم اقتربت وقبلتها من بطنها وهي ضيف برجاء: علشان خاطري، حبة صغنين..


ثم صعدت على الأريكة، كي تصبح في مستواها، ثم عانقتها وأخذت تقبل وجهها عدة قبلات متتالية، وهي تتوسل بطفولية: وحياتي يا ماما، ألعب حبة صغنين خالص.


ضحكت ماسة وقالت: إنتي بترشيني كده يعني؟ ماشي يا ستي، موافقة.


ثم حملتها بين ذراعيها وقالت: يلا بينا.


صفقت حور بسعادة، ولفت ذراعيها حول عنق ماسة، ثم طبعت قبلة كبيرة على خدها بحبك أوي يا ماما 


ماسة وهي تقبلها: أنا كمان بموت فيكي.


في إتجاه آخر من الحديقة


تحت البرجولة، قبالة النيل


تجمع سليم ومكي وعشري حول الطاولة، وأمامهم فناجين القهوة، كانت الأجواء هادئا، والنسيم يمر من حولهم، بينما استقر على الطاولة الصغيرة حاسوب محمول وهاتف وملفات.


كان يبدو على سليم أنه يشاهد شيئا ويستمع إليه عبر سماعات الأذن وبعد أن انتهى، أخذ نفسا عميقا، ثم ضغط على الحاسوب، ونزع السماعات وأعاد ظهره إلى الخلف.


نظر إليه مكي وعشري بتركيز، ثم قال مكي:

ها يا سليم؟ هتعمل إيه؟


أجاب بهدوء: أنا كنت متوقع إن إريك هو إللي ورا الحادثة، بس المشكلة إن مكنش عندي دليل، بس دلوقتي بقى الدليل معايا؟!


زم شفتيه بضجر مضيف: بس اللعب مع إريك وتيمو مش هيكون سهل، أي مخاطرة، أي مجازفة، أو حتى الثقة في النفس زايدة هتكلفني كتير..


صمت لوهلة ثم أبتسم وكأنه وضع يده على خيط:

بس في نقطة ممتاز إحنا ممكن نستغلها في صالحنا.. 


نظرو له بتعجب تابع: تيمو عنده يقين إني لسه معرفتش إنهم  إللي ورا الحادثة، وأنا عايز اليقين ده يزيد. لازم يفضل فاكر إني لسه معرفش ولسة بدور.


ثم تابع وهو يفكر بدهاء شيطاني: إحنا لازم نكلم رجالتنا بره، وأروح للباشا قبل ما يسافر إيطاليا وأقول له يدور تاني ورا إللي عمل الحادثة، يمكن يكون هو إللي بيعمل كل ده في العيلة، وأكلم باولو كمان، وأقول له إني عايزه يساعدنا، لإني حاسس إن إللي بيحصل دلوقتي شبه إللي كان بيحصل زمان، ووقتها الكلام هيكتر وهيوصل وأنا مش عايز أكتر من كده، لإن ده معنى إني  لسه بدور، ونفضل على النقطة دي لحد ما أفكر هنعمل فيهم إيه؟!


نظر إليه مكي وسأله مباشرة: إنت عايز تقتلهم؟


قال بمنطقية وهو يزن كلماته: لو سلّمتهم للشرطة، مش هستفيد حاجة، هايخرجوا منها، وساعتها هايدفعوني التمن، وحتى وهما جوّه، هيلاقوا ألف طريقة يأذوني بيها..


أضاف بفحيح بارد، وقد ازدادت: لكن التخلص منهم هو الحل الصح، بس مش بإيدي، لإني عاهدت نفسي مش هلوس أيدي بالدم،  لازم أفضل بعيد، بعيد تماما عن الصورة، بس هحركها من غير مايحسوا، وهخلي كل واحد فيهم يشك في التاني، لحد ما هما بنفسهم يوقعوا بعض ويخلصوا على بعض ساعتها نبقى قدمنا لكوكب الأرض هدية، وتخلصنا من أشرس مافيا عالمية.


عشري بحكمة: طب ما دام هما أصلا مش حاطين في دماغهم دلوقتي إنهم يأذوك، ما تكبر دماغك وأنسى، وإذا كان على عماد ومنى، سهلة نفكر لهم في حاجة نحبسهم بيها، ماتنساش إن عندك دلوقتي عيلين، صدقني، المرحلة الجاية مش هيفكروا في ماسة، هيفكروا في عيالك.


تدخل مكي قائلا بعقلانية، وكأنه يضع أمامهم الصورة كاملة، ويفكك كل جزء فيها حتى لا يخطئوا في الحساب: إنت عندك حق، بس في نفس الوقت، إحنا مش هينفع نسيب حق سليم ولا حقنا،  إحنا مانضمنش إنهم، بعد ما يستولوا على النسبة بتاعة صافيناز، مايعملوش حاجة؟! خصوصا إن سليم ناوي يخلي المجموعة على الحديده! تيمو لو استولى عليها مش هيسمح بده، وساعتها هيدخل في صدام معاه؛ لإنه أكيد هيبقى عايز الباقي ليه، لإن ده هدفه من البداية..


ثم أكمل، موضحا الصورة أكثر وهو ينظر لسليم:

وممكن يكشف ورقك قدام عزت، لإنه هيبقى سهل عليه يعرف إن إنت ورا كل إللي بيحصل ده، وساعتها عزت ممكن يدي له نسبة أكبر علشان يبقى له كلمة عليك، ممكن يديه النسبة بتاعة طه ورشدي، ونسبته هو والهانم. ساعتها خلاص، حتى نسبتك إنت وفريدة وياسين، لو بقت معاك، مش هتنفع.


كان سليم يستمع إلى مكي بتركيز، وعقله يعمل في صمت، يعيد ترتيب كل كلمة يقولها ويضعها في مكانها، شردت عيناه قليلًا، وكأنما غاص في حساباته الخاصة، لكنه لم يفقد تركيزه لحظة واحدة، وكان

يدرك في قرارة نفسه أن مكي محق فيما يقول.


أما عشري، فضم شفتيه وهز رأسه بتردد، ثم قال لسليم: إنت غلطت لما رجعت النسبة لعزت.


نظر له سليم بثبات: أنا رجعتله حق الإدارة بس، لكن النسبة كلها لسة ملكي، يعني لو عايز أكسره، هكسره، زي ماقلتلكم، اللعب مع تيمو وإريك مش هيبقى سهل.


تنهد مكي، ثم تناول ملفا من فوق الطاولة وقدمه إلى سليم، قائلا بتفسير: عموما، لإني كنت عارف إنهم هيبقوا هما إللي عاملينها، دورت وراهم وكشفت لك شوية حاجات.ط، هما دلوقتي بيموّلوا عصابات كتير في مختلف أنحاء العالم، علشان يبقى ليهم دايرة أكبر ونفوذ ورجالة..


حرك ملامحه بلا مبالاة، ثم تابع: بس كده كده مش فارقة، الفلوس هتشتريهم، الناس دي ما عندهاش مبدأ، ولا ولاء لحد زي ما إنت عارف؛ هيمشوا ورا إللي يدفع أكتر..


ثم قلب بعض الأوراق داخل الملف وأكمل:وعندهم شحنة مخدرات هتدخل عن طريق الفردوس، البحر الأحمر يعني، وكانوا بيحاولوا يدخلوها في شركات الشحن بتاعتنا، بس الباشا رفض، هيدخلوها تبع شركة الشحن بتاعت رفيق، أبو منى..


مال سليم برأسه قليلا، وكانت تلك أول مرة يسمع فيها هذه المعلومات، فظل صامتا يستمع إلى مكي الذي تابع: ده غير إنهم بيشتغلوا مع الجماعات الإرهابية الموجودة في العراق وبيمدوهم بالسلاح، وتيمو دلوقتي فعلا بقى مختلف تماما عن زمان، وعايز ياخد مكان إريك على ترابيزة المفاوضات، بيقابل باولو كتير، وبيحاول يظبط صفقات عشان يثبت إنه بقى أقوى، بس إريك صاحي له ومقفّل ورقه كويس ودي ثغرة ممكن نلعب عليها.


رفع سليم عينيه إليه وقال باستنكار: جبت المعلومات دي كلها إمتى؟ ما قولتليش ليه؟


أجابه بهدوء: حبيت أجمع كل المعلومات وأجمع كل حاجة وأتأكد منها الأول، وبعدين أقول لك لما ييجي وقتها،إنت أصلا كنت الفترة إللي فاتت فيك إللي مكفيك.


زفر سليم باختناق، ثم سحب نفسا عميقا وأسند ظهره إلى المقعد، وقال بلهجة حاسمة: كل ده مش فارق معايا، ومش هيخلينا نعمل أي حاجة، إحنا لازم ندور ورا نقط ضعفهم..


سكت لحظة، وشردت عيناه في الفراغ، ثم قال:

مفيش إنسان  معندوش نقطة ضعف، وده إللي إحنا هنشتغل عليه؟! أي نقطة ضعف، أي زلّة، لازم تبقى معانا، النقطة بتاعت الخلاف على الكرسي إللي ما بين إريك وتيمو ممكن نستغلها بس خد بالك هم الأثنين ماعندهمش الدناوه بتاعت إخواتي إن هما ممكن يقتلوا بعض..


ثم رفع عينيه إلى مكي وقال بحسم: وده محتاج أننا تسافرلها إيطاليا يا مكي..


سكت عشري قليلا ثم قلب عينه وقال كأنه وجدها: على فكرة هي سهلة: إريك متجوز وعنده عيال.


رفع سليم عينيه إليه بحزم معارضا: لا مش هندخل أطفال صغيرة في أي حاجة، ولا ستات، ولا أي حد ملوش ذنب..


قال مكي: يبقى لازم تخلي ماركو يساعدك، ممكن كمان تحتاج تكلم، كريس هارينغتون لإنه بيكره إريك.


أجابه سليم: كريس مابيعملش حاجة غير بمقابل.


ابتسم عشري وقال: سهلة، اديله المقبرة إللي الباشا لاقها، مقابل المعلومة.


ضرب سليم على الطاولة بابتسامة، وقال: صح... يبقى أنا محتاج أسافر إنجلترا بسرعة.


سأله مكي: طب هتعمل إيه مع عماد ومنى وطه؟


حك سليم مؤخرة رأسه قليلا، ثم قال بتفكير:

دول بقى محتاجين شوية تفكير، لإن زي ما قلت، مش هينفع نلطّخ إيدينا بالدم.


تدخل عشري: أنا شايف إن طه معملش حاجة الراجل كان خايف على عياله.


قلب سليم عينه نحوه وقال بعينين قاتمتين لا تعرف التهاون: كل واحد هينوبه من العقاب على قد أفعاله، مافيش حد هيبقى فوق الحساب.


ثم تنهد وهو يتابع بهدوء: إحنا لازم نهدى ونفكر ونشوف هنعمل إيه؟! لازم نكلم عرفان علشان يزوّد الحراسة هنا ويأمّن المكان كويس، عايزه يكهرب الأسوار والبوابات، ممكن يخصل هجوم عن طريق النيل لازم يكون في قناصة او اي حاجه تمنع الهجوم ده لو حصل يعني.


اقترح مكي: طب ما تخليهم يقعدوا في فيلا تانية؟


هز سليم رأسه رافضا: مش عايز البنت تحس بأي حاجة، ولا عايزها تشك إن فيه حاجة بتحصل، وبعدين، إنتوا مش هتعرفوا تأمّنوهم كويس؟


تدخل عشري مطمئنا: نقدر نأمنهم، ماتقلقش، سيب الموضوع ده علينا، عرفان كمان رجالته كويسة ويعرفوا يشتغلوا شغلهم حلو 


أومأ سليم وقال: عرفان لازم ييجي، ونتجمع كلنا بكرة، ولازم الراجل إللي ماشي ورا عماد يختفي قبل ماحد ياخد باله.


رد عشري: أنا قولت له يسحب نفسه مؤقتا لحد ما تأمر.


سليم منبها: كويس انك عملت كده، كفايه مراقبات جسديه، خلينا بس مكملين في تهكير تليفون عماد، ورشدي كمان.


ابتسم عشري بثقة وقال: ما تقلقش، عرفان مهكر تليفوناتهم كلهم، حتى الحمام بندخل معاهم ونشوفهم صوت وصورة وريحة.


اومأ سليم ثم قال: ماسة بكرة عايزة تروح لمي عشري، إنت هتكون معاها.


أومأ عشري دون أن يجيب، ثم نظر سليم إلى مكي وقال: وإنت يا مكي، هتروح لهاشم تعمل لنا جوازات سفر مزوّرة، علشان ورانا حفله حلوة في أوروبا.


أومأ مكي بصمت، ثم قال: مفيش مشكلة، بس بعد ما أخلص موضوع سلوى، علشان بكره هافاتح عمي مجاهد وخالتي سعدية علشان يعني أنا و سلوى رجعنا


ابتسم سليم أخيرا، وقال بنبرة ساخرة:وأخيرا بطلت جنان! 


ثم عاد إلى الجدية سريعا، وقال: ماشي براحتك، بس مش عايزين نتأخر، خلي خطواتنا سريعة، الباسبور هياخد وقت، فإنت روح له خلص معاه وخليه يبدأ فيه، او كلملي عرفان خليه يظبط هو ويجي لي مفكر في خطه للتأمين، وبعدها هاتلها خاتم وإسورة حلوين، ونفتح الموضوع بالليل.


أومأ مكي بإيجاب، وساد الصمت من حولهم للحظات، بينما انشغل كل منهم بترتيب الخطوات القادمة في ذهنه، وكأن خيوط خطة جديدة بدأت تلتف حولهم بهدوء، تمهيدا لما هو قادم.


💓_________بقلمي_ليلةعادل_______ 💓


في احد البارت ١٢صباحا.


كان رشدي يجلس أمام البار، وكأس الخمر وزجاجته أمامه، وإلى جواره بعض المقبلات؛ مكسرات وقطع من الجبن الموسيقى صاخبة خلفه، والأضواء المختلفة تتراقص في المكان، لكن الضجيج من حوله لم يكن شيئا أمام الضجيج الذي يضرب رأسه.


كانت العواصف تندلع داخله بلا رحمة، والمطارق تضرب في رأسه دون توقف، وقلبه يتمزق كأن أشواكا حادة تُغرس فيه واحدة تلو الأخرى.


كان الماضي يهاجمه دفعة واحدة، كل شيء فعله في الماضي عاد أمام عينيه؛ الفتيات اللواتي اغتصبهم، والضحايا الذين قتلهم دون حق، وما فعله بماسة وسليم، ومي... 


مي التي أذاقها المرار فقط لأنها أحبته، وصدقته، وأمنت به، حتى لو كان ماضيه أسود، فقد كانت أمامه فرصة حقيقية ليتغير عندما عرف مي، لكنه خانها..


خانها قبل زواجهما بليلة واحدة، ثم استمر في خيانتها حتى بعد أن أصبحا زوجين، وكذب عليها مرارا..


تلك الجملة التي قالتها بعينين مكسورتين، وظلت تتردد في أذنه كأنها تُقال أمامه الآن:

«طب ماضيك ماليش حق أحاسبك عليه، خيانتك ليا كانت في الماضي؟ تؤ كانت في الحاضر، الحاضر يا رشدي.»


أغمض عينيه بقوة، لكن صوتها لم يختفِ، بل ازداد وضوحا.


وكأن الماضي كله تلاشى للحظة، ولم يبقى أمامه سوى عيناها المكسورتين،  ونبرتها التي لم تحمل غضبا بقدر ماحملت خيبة لم يعرف كيف يهرب منها.


رفع الكأس إلى فمه واحتساه دفعة واحدة.


ثم تناول استنشق القليل المادة البيضاء، لكن عينيه ظلتا معلّقتين في الفراغ، كانت عيناه تشتعلان بالدموع، دموع ساخنة كالجمر، تنساب على وجنتيه وكأنها تحمل معها كل ما عجز عن البكاء عليه طوال تلك السنوات


حاول الهروب من كل ما يطارده، أن يُخرج من رأسه تلك الأصوات التي تعصف برأسه، أن يدفن كل ذكرى تؤلمه...

لكن كيف؟ والماضي أقوى من كل محاولاته.


سحب نفسه إلى ساحة الرقص، وبدأ يتحرك مع الموسيقى محاولًا أن يهرب من أفكاره، لكنه فشل.


في وسط كل تلك الوجوه، كان يرى مي، تظهر له كأنها شبح يطارده.


ولم تكن مي وحدها.


كان يرى الماضي كله أمامه؛ سليم، وماسة، وحور، الحادثه، وكل شيء حاول دفنه عاد لينبش في صدره من جديد.


فتح أزرار قميصه بعشوائية، وكأنه لم يعد قادرًا على التقاط أنفاسه.


لكن لا جدوى.


كان يشعر وكأن حبلا يلتف حول رقبته، يضيق شيئًا فشيئًا، ويجبره على مواجهة كل ما حاول الهرب منه، لم يعد يستطيع أن يهرب من ذلك الزمن.


عاد إلى مقعده مرة أخرى، وأخذ يحتسي الخمر كأسا... سيجارة...ثم كأسا آخر.


ظل يفعل ذلك حتى فرغت الزجاجة كاملة، لكنه لم ينس، ولم يهدأ.


مرت الساعات حتى أصبح ثملا، لكن عقله ظل منشغلا بها.


لم يكن يريد منها فرصة، ولا حتى عودة، كل ما أراده أن يسمع منها كلمة واحدة، أنها سامحته، مسح وجهه بيده، واتخذ قراره  سيذهب اليها كي يتوسل لها حتى تسامحه..


تحرك نحو سيارته، واستقلها، ثم بدأ يقودها.


منزل مي،2 صباحا.


كان الهدوء يعم المكان، والسكون يخيّم على كل شيء، بينما يكسو الظلام أرجاء الشارع.


ترجّل رشدي من سيارته مترنحًا، غير متزن في خطواته، تحرك بصعوبة، كاد أن يسقط أكثر من مرة، لكنه كان يستجمع نفسه في كل مرة ويواصل طريقه

دخل المصعد، حتى شقة مي،  توقف أمام الباب.


رفع يده وطرق الباب بقوة، وهو يهتف بصوت متعب ثمل: مي... مي .. أفتحي الباب... مي علشان خاطري افتحي واسمعيني بس مره، اديني فرصة أشرح لكِ. أنا بحبك أوي.


طرق الباب مرة أخرى بعنف: مي! ردي عليّا... أفتحي الباب ده!


ثم عاد يطرق عليه، والاضطراب يزداد في صوته:

مي!


في الداخل، بدأ الجميع يستمع إلى طرقات الباب؛ والدها وشقيقها حاتم.


كان رشدي يضرب الباب بيده، بينما يضغط باليد الأخرى على الجرس، ويتحدث بصوت متقطع من شدة انفعاله بثماله: يا مي، أفتحي لي...


في الغرفة مي.


انتبهت مي إلى الصوت، فتحت عينيها، ثم مدت يدها وأضاءت الأباجورة، وظلت للحظات تحاول استيعاب ماتسمعه.


نهضت من فراشها، واتجهت ببطء نحو مصدر الصوت.


وفي الوقت نفسه، خرج والدها من غرفته، ولحق به حاتم. تبادلا نظرة سريعة، ثم اتجها نحو الريسبشن، أضاء والدها النور.


ارتفعت طرقات رشدي على الباب من جديد: مي! أفتحي بقى... شايف النور من تحت الباب، إنتِ صاحية، أفتحي واسمعيني، اديني فرصة!


جاءه صوت حاتم من خلف الباب غاضبا ببحة رجولية: إنت اتجننت يا رشدي؟ جاي لنا الساعة اتنين بالليل؟!


رد رشدي بسرعة، وكأن كل ما يريده هو أن يصل صوته إليها: أنا عايز أتكلم مع مي، ادوني فرصة أتكلم معاها..


صمت لوهلة ثم قال بقهر موجوع بنبرة مهتزة بأنين: أنا مش عايزك تديني فرصة، أنا بس نفسي، نفسي حتى تسامحيني، تفهميني، أنا ما كانش قصدي أخونك...ولا اكذب ولا اوجعك


تابع بحشرجة مريرة، صادقة، تتخللها دموعه. أسند جبهته إلى الباب، وظل يطرق عليه، لكن هذه المرة بطرقات هادئة، وكأن كل ما بقي لديه هو أن يصل صوته إليها: أنا ما اتعلمتش غير كده، والله العظيم! والله العظيم أنا  متربيتش غير على كده!


صمت للحظة، ثم أخذ نفسًا مرتجفًا، قبل أن يتابع:

مش ببرر لنفسي، بس أنا عايزك تفهميني، أفهمي إنسان عاش طول عمره جوه وحل، أهله عصابات مافيا، كل حاجة عندهم كانت عادي، أم توافق تقتل مرات ابنها وهي حامل علشان مش قد المقام، أم تعمل كل الأموامرات دي في مرات ابنها، وتشوف ابنها بيتعذب وبيبكي... وهي عادي! مكمله..


أضاف: إبن  اتربه على قصص قديمه للعيلة، 

أن  ابويا نفى أخواته عشان الكرسي! لان اللي هيقعد على الكرسي هو هيكون الملك..


ارتجف صوته أكثر والدموع تهبط على وجنتيه تابع بنبرة مشمئزة: أب يوافق يعمل قضية زنا لمرات ابنه؟عشان يحمي نفسه..


رفع عينه نحو الباب متسائلا بمرارة: تفتكري أنا هبقى إزاي؟ 


ابتلع تلك الغصة المقهور التي تكونت في حلقة تابع: أنا اتولدت وشفت كل حاجة عندنا مباحة، كل حاجة حرام كانت مباحة، ما كنتش أعرف يعني إيه حرام وإيه حلال.


سكت لحظة، ثم قال بصوت أكثر انكسارا: بنصف  ابتسامه صغيرة: بس لما شوفتك حبيتك، حبيت نظافتك، وحبيت أنضف معاكي، حبيت إن طريقي يكون معاكي، بس أنا كنت محتاج وقت..


طرق على الباب طرقة خفيفة، ثم همس: ليه محدش عايز يسمعني، ويديني فرصة؟ ليه كلكم ضد رشدي؟!


ساد الصمت خلف الباب، فتابع وكأنه يحدث نفسه أكثر مما يحدثها:  محدش بيتغير في يوم وليلة، حتى سليم اللي انتوا بتتكلموا عنه، والله ماتغير في يوم وليلة، قعد كتير لحد ماتغير، هو ماعملش إللي أنا عملته، بس أنا كنت فاكر إن إللي بعمله ده هيخليهم يشوفوني..


ضحك ضحكة قصيرة موجوعة، سرعان ما اختنقت في حلقه: كنت فاكر إني بعاقبهم، كنت عايز أبقى أسوأ صورة ممكنة للعيله، وأستفزهم وأوجعهم زي ما وجعوني..


خفض رأسه، وأسند جبهته إلى الباب من جديد:

بس طلعت بعاقب نفسي..


خرجت كلماته الأخيرة مثقلة بالندم: طلعت أنا إللي لوحدي بغرس نفسي في الوحل، وأنا إللي بدفع التمن..


ثم طرق الباب مرة أخرى، افتحي يا مي! 


في الداخل، كانت مي تصغي إليه، وقلبها يتشقق كزجاجٍ رقيق، وغصة ثقيلة تعتصر صدرها، امتلأت عيناها بالدموع، وتهاوت في داخلها كل محاوله للتماسك، فهي تدرك أن ما يقوله ليس كذبا، لكن ما اقترفته يداه كان أكبر من أن يُغتفر بسهولة.


أغمضت عينيها لحظة، كأنها تحاول إيقاف نزيف الذاكرة، وضغطت على أسنانها وهي تقاوم ارتجافها، ثم قالت بصوتٍ متهدج يعلوه الألم ⁦:أمشي يا رشدي، أنا لا هسمعك ولا هسامحك، ومش قادرة حتى أبص في وشك، وكل اللي قولته ده مش مبرر لأي حاجة عملتها في أخوك ومراته؟ وفي الناس إللي دمرتهم؟ حتى في خيانتك ليا؟


ارتجف صوتها وهي تكمل: اللي بينا انتهى.


جاءها صوته فورا، رافضا بنبرة يملؤها الأنين: لأ... مانتهـاش! ومش هينتهى بالسهولة دي، طب بصيلي حتى مرة واحدة!


تدخل حاتم بحدة مستفزة: إنت لو ما مشيتش من هنا، هبلغ عنك البوليس.


لكن رشدي لم يتراجع قال بحب يترجاه:  أنا بحبك أوي يا مي، والله هتغير هسافر أنا وإنتِ ونبعد عن كل حاجة، وهنعمل كل إللي إنتِ قلتي عليه، خلينا ننسى كل إللي حصل في الماضي..


توقف لحظة، ثم تابع هو يحاول أن يبحث عن أي ثغره تجعلهم يعودان: قوليلى طيب عايزاني أعمل إيه وهعمله؟! عايزاني أروح أعتذر لسليم؟ أبوس راسه ورجله هو وماسة؟ هعمل كده. أي حاجة هتقوليها هعملها..


ثم ارتجف صوته وهو يقول بإبتسامة موجوعة أنه يحاول أن يبحث عن أي شيء يجعلها تسامحه: افتكري كلامنا، إنتِ قولتي إن كل إنسان محتاج فرصة، وإن أنا ليا فرصة زي باقي البشر، إنتِ دلوقت بتعملي زيهم، بتقفلي طريق قصادي..


تأثرت مي بشدة، وامتلأت عيناها بالدموع، وقبضت على يديها، تحاول ألّا تضعف، وأن تجمد قلبها، ثم قالت بنبرة حادة، عكس مابداخلها من ضعف:

أمشي يا رشدي.


رد بتوسل: طب أفتحي الباب... أسمعيني بس.


ردت بحدة صارمة: بقولك أمشي يا رشدي! أمشي! أنا وإنت انتهينا


ساد الصمت للحظات، قبل أن تخرج كلماتها بصوت مكسور: أنا عمري ما هسامحك في حياتي، بتمنى من قلبي كل وجع حسيته بسببك تحسه أضعاف بكرهك.


تألم رشدي، وقال بصوت خافت: متبقيش قاسية كده.


جاءه ردها سريعا، محملا بكل ما كتمته طوال الوقت: مش هكون قاسية أكتر منك يوم ما خنتني يا واطي، قبل فرحنا بليلة.


ثم ارتفع صوت راشد: أسمع! إحنا مش عايزين شوشره لو عندك ذوق وشوية احترام، أمشي بالذوق، مش عايزه تسمعك كفاية.


توقف رشدي قليلا، وأطرق جبينه، وكأنه أدرك أخيرا أنه لا فائدة من بقائه: مافيش فايدة... خلاص، ماشي.


صمت للحظات، ثم قال بصوت خافت، مثقل بالخذلان: بس كان نفسي تسمعيني، كان نفسي تسامحيني..


ابتلع غصته، ثم تابع: بس خلاص، واضح إن رشدي الدنيا مش كاتبة له إنها تسامحه وتديه فرصة يبقى كويس..


تنهد بمرارة، ثم قال: ماحدش يلومني بعد كده على أي حاجة هعملها، أنا عارف إنك مش هتفهميني دلوقتي، بس يمكن يجي يوم وتسامحيني.


تحرك رشدي مبتعدا عن المنزل، ودموعه تنساب على وجهه دون توقف.


في الداخل، ما إن سمعت مي خطواته تبتعد حتى انهارت باكية من جديد، أسرع والدها إليها، وضمها إلى صدره، وربت على ظهرها بحنان: معلش يا بنتي هو مشي.


حاتم بغضب مستفز:أنا مش عارف هنفضل لحد إمتى في القرف ده إحنا لازم نعمل محضر عدم تعرض ونحط حراسة على الباب، علشان يمنعه

أومأ راشد بحزم:إحنا فعلًا لازم نعمل كده.


على إتجاه آخر عند رشدي.


وصل رشدي إلى سيارته، كانت عيناه تلك المره تحملان شيئا مختلفا، لكنه مرير؛ عينان حمراوان، وخذلانا عميقا، وكأنه يشعر بخنجر مسموم يغرس في روحه.


جلس خلف المقود، وظل يتذكر كلمات مي؛ أنها لم ترضى حتى أن تسمعه او ترى، وأنه لم يعد قادرا على الحصول على أي فرصة.


شعر أن حياته كلها قد انتهت.


أخذ يبكي بحرقة وضعف شديد، وكأن كل ما بداخله أنهار دفعة واحدة.


فجأة، وضع يديه في جيبه، فأخرج مادة بيضاء، ووضع قليلا منها على ظهر يده، ثم استنشاقها، لكنه لم يهدأ.


ما زالت النيران تشتعل في رأسه وروحه بلا هواده.

عاد وأخذ  جرعة أخرى، ثم ثالثة، محاولا أن يهرب من كل ما يشعر به، لكن شيئا لم يتغير.


ظل غارقا في أفكاره، يحاول أن يهرب من الألم بأي طريقة، لكن رأسه لم يتوقف عن التفكير.


لمح مسدسه المتواجد على التابلوه، أمسكه، وظل يحدق فيه، بينما راحت الأفكار السوداء تتزاحم داخل رأسه.

لا أحد يحبه.

لا أحد يتقبله.

حتى حور الآن ابتعدت عنه، وبالتأكيد سيأتي يوم تعرف فيه كل ما فعل بها وتكرهه، إن لم تعرفه الآن، فستعرفه غدًا... أو عندما تكبر.


لقد خسرها هي الأخرى.


وتذكر إسعاد، تلك المرأة التي كانت تنظر إليه باحترام وتقدير، وأصبحت الآن تنظر إليه باحتقار.


تذكر أنه ظلم ماسة حقا، رغم أنها لم تكن مذنبة في شيء.


حتى فريدة وياسين، بالتأكيد، لن ينظرا إليه بالطريقة نفسها ولم يتعاملوا معه مرة اخرى


مدت وجهه بانكسا، ثم ابتسمت على شفته نصف ابتسامه حزينه ثم قال بداخله: لمن سيعيش؟ ولماذا؟


شعر أنه خسر كل شيء، فجأة أمسك المسدس وفتحه وعيناه غارقتان في اليأس، بدأ فجأة يتذكر حديثه مع مي، ووعودهما معا، وكل ما تحدثا عنه واتفقا عليه، وكل الأحلام التي ظن يومًا أنهما سيعيشونها سويا


وفجأة، تذكر أنه طلقها، وأنهما لن يكونا معًا مرة أخرى.


توقفت أنفاسه للحظة، سحب خزانه المسدس 

ووضع فوهته في فمه، ارتجفت يداه بعنف، بينما كانت الدموع تهبط من عينيه بلا توقف.


حاول أن ينهي كل شيء، كاد أن يضغط على الزناد، لكنه كان أضعف من أن يفعلها.


ظل للحظات عاجزا، يرتجف ويبكي، ثم حاول مرة أخرى، لكن جسده خانه من جديد، ولم يستطع المضي قدما..


ألقى المسدس بجانبه بغضب، ثم ضرب المقود بقبضته، وصاح بحرقة وقهر اهتزت لها أرجاء المكان، وبرزت عروقه من شدة الانفعال.


كانت صرخة وجع.، وقهر، وخذلان، وخسارة.


حتى هذه لم يستطع فعلها، حتى هذه، كان أضعف من أن يفعلها.


وفجأة توقف، تغيرت ملامحه، وكأنه تذكر شيئا.

عزت وفايزة، هما السبب في كل هذا.


غرزت في رأسه فكرة جنونية، فاشتعلت عيناه فجأة، سأقتلهم... سأقتل البذرة القذرة التي كانت السبب في كل ما أنا عليه، والتي دمرت حياتي.


تبدلت عيناه إلى سواد خطر، سواد لم نره من قبل، وكأن ملامحه تحولت إلى وجه شخص لا يريد سوى الانتقام ممن تسببوا في تدمير حياته.


شد عصا الفتيس، وضغط على البنزين بشدة، وقاد السيارة بجنون.


وبينما كان يقود، راحت ذاكرته تستعيد كل شيء حدث معه منذ كان طفلا.


فايزة وعزت ..


 إهمالهما


الجرح


 الوجع


ثم سليم، وهو يعاقبه، صاح بغضب حزين: إنت كان مالك؟! كان زيي زيك، كان لازم  أعقابهم هما أنا غبي.


هز رشدي رأسه، وكأنه يراه أمامه: إنت صح يا سليم؟ أنا كان لازم أقتلهم هما، مش اقتلك إنت، أنا هجيب حقي وحقك منهم، أنا هجيب حقي وحقك منهم.


ضغط على البنزين بجنون، وهو لا يزال يتذكر كل شيء فعله، كل شيء.


فجاة بدأ جسده يشعر بحرارة شديدة، وضاق نفسه، وبدأت يداه ترتعشان، هز رأسه برعشة، محاولا أن يستعيد وعيه، لكن الدوار عاد من جديد.


نظر بجانبه، فوجد زجاجة مياه، مد يد وأخذها، فتحها واحتسى منها، ثم ألقى بعض الماء على وجهه.


لكن الدوار لم يختفي، لا يزال يشعر بأن رأسه يدور، وبدأت عيناه تتشوشان، وضاقت أنفاسه أكثر حتى شعر أنها لم تعد موجودة..


وفجأة، ضرب نور قوي عينيه ارتفع صوت كلاكس حاد، ارتبك رشدي، وجذب المقود بقوة إلى اليمين، انحرفت السيارة عن الطريق، ثم اصطدمت بشجرة، ارتطمت رأسه بمقدمة السيارة، وسال الدم من فمه ورأسه، وساد الصمت.

تفتكروا  إيه إللي حصل في رشدي! مات؟! ولا لسة الحكاية مكملة؟!

ايه اللي هيحصل في باقي الاحداث لو رشدي مات؟!

استووووب.

اتمنى تكون الحلقة عجبتكم النهاردة ❤️

ورجاءً محدش ينسى يضغط الايك، ووصلوا البارت1500 لايك

إلى اللقاء في الحلقة القادمة من رواية الماسة المكسورة2💎💔 

#ليلةعادل

#الماسةالمكسورة2.


تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملةالجزء الأول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا






تعليقات

close