القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 قيد من جمر كاملة نورهان العشرى



قيد من جمر كاملة نورهان العشرى


قيدٌ من جمر بقلم نورهان العشري ج١ ـ أوقف المهزلة دي فورًا. مفيش حد هيتجوز هنا.. هكذا صرخ زياد النعماني بصوت اهتزت له جدران المكان، و عينيه تطلقان أعيرة نـ,ـارية بدلًا عن النظرات، وهو يرى فريدة حبيبته، و طليقته تجلس على طاولة واحدة مع ذلك الرجل عمرو، الذي ينتظر عقد قرانه عليها، تلك الجملة التي وقعت على قلبه كالجمر حالما أخبره الرجل المُكلف بحراستها، ليهرول إليها كالمجنون ليمنع حدوث تلك الكارثة، لتنهض فريدة من مكانها وهي تناظره بغضب لا يقل عن غضبه مما جعلها تهتف بحدة:


ـ أنت ايه اللي جابك هنا؟ صاح زياد بصوتٍ جهوري: ـ جاي اهد الدنيا فوق دماغك… هب عمرو من مكانه، وهو يصيح بانفعال: ـ أنت ازاي تسمح لنفسك تكلمها كدا؟ غلت الدماء في عروقه زياد، و أحـ,ـرقه جمر الغيرة ليندفع تجاهه وهو يزأر بوحشية: ـ دي مراتي يا روح أمك… ما أن انهي جملته حتى هتفت فريدة في وجهه بانفعال لا يخلو من الألم: حكايات نورهان العشري ـ كنت… كنت مراتك و طلقتني خلاص… ـ كفاية كدا بقى. ادخلي يا فريدة جوا…


هكذا صاحت فردوس والدة فريدة، ثم التفتت ناظره إلى زياد وهي تقول بعتب قاس: ـ خير يا زياد؟ فريدة كانت مراتك و أنت طلقتها و شوفت حياتك. عايز منها ايه؟ هي كمان من حقها تشوف حياتها…


احتدت نظراته، و برزت عروق رقبته بقوة من فرط الغضب ليكز على أسنانه بغيظ، وعينيه تتفرقان ما بينهم وبين باب الغرفة ليلتفت الى الحرس خلفه وهو يشير إليهم بعينيه قبل أن يتجاهل الجميع، و يندفع إلى غرفتها ثم اغلق الباب خلفه، ليجد فريدة ترتمي باكية فوق مخدعها، ففزعت حين رأت ذلك الوحش الضخم يقف خلفها بملامحه الغاضبة و عينيه الملتهبة، وصدره الذي كان يعلو و يهبط بقوة، مما جعلها تهب من مكانها، وهي تتراجع إلى الخلف، لتصرخ في وجهه من بين عبراتها الغزيرة:


ـ أنت ايه اللي دخلك أوضتي؟ اخرج بره. تجاهل حديثها و أخذ يقترب منها بخطوات سُلحفية، وهو يهتف بحروف أحـ,ـرقتها نيـ,ـران غيرته الهوجاء: ـ بقى عايزة تتجوزي راجل غيري يا فريدة! ترى مقدار الجحيم المنبعث من نظراته، وتعرف كم هو يغار بجنون، لذا أرادت إحراقه أكثر كما أحرقها في السابق فصاحت بتشفي: ـ أيوا هتجوز غيرك، وهنام في فرشته الليلة كمان… كلماتها أخرجت الوحش الكامن بداخله فانفلتت الأمور عن سيطرته، ليقوم بحمل أحد المقاعد وإلقائها فوق طاولة الزينة وهو يصرخ كمن طاله مسٍ من الجنون:حكايات نورهان العشري



ـ اخرسي.. تناثرت الأشياء هنا وهناك، ومن فرط قوة إلقائه للمقعد، سقطت حقيبة ملابسها، و تناثرت أشيائها الخاصة، لتتوقف عيني زياد على اغراضها الخاصة، والملابس النسائية الخاصة بالعرائس، فبرقت عينيه وعقله يكاد يُجن وهو يتخيل أنها سوف ترتدي هذه الأشياء لرجلٍ غيره، ليندفع تجاهها و يجذبها من خصلات شعرها ليقرب وجهها من وجهه، وهو يقول بهسيس مرعب: ـ دي العروسة جهزت نفسها كمان! أنتِ جايبة الحاجات دي لمين؟ انطقي…. صرخ في وجهها، فأخذ جسدها يرتجف ذُعرًا بين يديه، لكنها قاومته بضراوة، فأخذت تضـ,ـربه على صدره، وهي تصرخ بألم:


ـ اوعى ايدك، سيبني. اجيب اللي أجيبه ملكش دعوه بيا… دفعها إلى الحائط خلفها، وهو يكبل كلتا يديها بيد، وبالآخرى أمسك بها وجهها لتكون على مقربة كبيرة منه، لينظر إلى داخل عينيها بقهرٍ لم تخطيء في فهمه، و من ثم عاتبها بقسوة: ـ جايبة الحاجات دي لعريس الغبرة اللي بره؟ فكراني هسيبك تكوني لراجل تاني غيري؟ دانا هقـ,ـتلك و أشرب من دمك، ولا أن راجل غيري يلمح شعرة منك.. سامعه؟ كانت ضلوعها تتفتت بداخلها من شدة الألم الذي شاب نبرتها حين قالت:


ـ وانا مشربتش من دمك ليه لما روحت اتجوزت أرملة أخوك الحرباية عليا؟ مشربتش من دـ,ـمك ليه لما صدقت كلامها هي و أمك و طلقتني؟ ليك عين تعاتبني؟ زياد بانفعال: ـ طلقتك عشان عمايلك السودا… جه جنونها من تصديقه لكذبهم، فحررت يدها من قبضته، وقامت بدفعه في صدره وهي تصرخ بقهر: ـ ولما أنا عمايلي سودا جايلي ليه؟ مش عايزني اشوف حياتي زي ما أنت شوفت حياتك ليه؟ هتف بوحشية: ـ ملكيش حياة مع غيري….


فريدة بانفعال:حكايات نورهان العشري ـ يا بجاحتك. قد كدا أنت أناني؟ طيب أيه رأيك بقى والله لهتجوز، و المأذون اللي بره دا هيكتب كتابي النهاردة، ووريني هتعمل أيه؟ كور زياد قبضته بغضب، وهو يطالعها لثوان، قبل أن يقول بهسيس مُخيف: ـ وأنا مش هوقع يمينك… ناظرته بشك ليتراجع عنها إلى الباب الذي على الناحية الآخرى منه كانت فردوس تصرخ في الحرس الذين كانوا يقفون كحدًا منيع أمامها: ـ اوعى يا حيوان منك له. خلوني ادخل اوضة بنتي.


صرخ عمرو من خلفها بانفعال: ـ شايفة اللي بيحصل يا عمتي؟ لما اخلص عليه دلوقتي؟؟حكايات نورهان العشري في هذه الأثناء خرج زياد من الغرفة لتهتف فيروز بغضب: ـ كدا بردو يا زياد؟ هي دي وصية عمك الله يرحمه ليك على بنته الوحيدة؟ تبهدل فريدة و تطلقها، و جاي بعد كدا تخرب حياتها.. زياد بنبرة مُتجهمة: ـ وانا هنفذ وصية عمي الله يرحمه، و هرد فريدة لعصمتي من تاني، و المأذون موجود هيكتب كتابنا…



اتسعت حدقتا فريدة صدمةً وذهولاً، واستحالت ملامحها المستكينة إلى بركانٍ من الرفض العارم، لتخطو نحو الباب بخطواتٍ متثاقلة أثقلها القهر، و هدر صوتها المخنوق بالعبرات مُعترضًا في هستيريا: ـ ترد مين! أنت اتجننت؟! على جـ,ـثتي أني أرجعلك تاني. أرجعلك بعد ما طلقتني وصدقت فيا العيبة؟ أرجعلك بعد ما كسرتني ورمتني، بعد ما اتجوزت عليا أرملة أخوك الحرباية؟ استحالة هرجعلك أنت سامع استحالة اقترب زياد منها بثباتٍ مخيف، وعيناه تسكبان الغضب فوق ملامحها يرمقها بنظراتٍ تحمل مزيجًا مركبًا من الملكية المطلقة والشغف المفترس، ثم التفت بخطواتٍ حاسمة نحو فردوس، ليقول بنبرةٍ هادئة كالهدوء الذي يسبق العاصفة، نبرةٍ تجمد الدـ,ـماء في العروق:


ـ مشي ابن أخوكي من هنا يا مرات عمي.. مشيه بالحسنى أحسن ورب العزة هدفـ,ـنه مكانه، ومحدش هيقدر يمنعني.. فريدة ليا، وعمرها ما كانت ولا هتكون لغيري، وكفاية لحد كده. ثار عمرو محاولاً الاندفاع نحوه وهو يصيح بتهور: ـ أنت تطلع مين عشان تهددني في بيت عمتي؟! أنا مش هسيب فريدة ليك يا زياد حتى لو.. إشارة صامتة وقاطعة من يد زياد جعلت حراسه يتكاتلون كالجدار الفولاذي، يحاصرون عمرو ويمنعونه من التقدم خطوة واحدة، ليظل يصارعهم دون جدوى.


في تلك اللحظة، لمعت في عيني فردوس شرارة غامضة، دافعها طوفان من المرارة والرغبة الشديدة في الانتقام.. و زياد هو السـ,ـلاح القـ,ـاتل الذي سيتكفل برد الصاع صاعين لكن ظلموها في الماضي و ظلموا ابنتها اليوم. كانت تعلم أن عودة فريدة لزياد كرأس مرفوعة ستكون بداية النهاية التي ستكسر كبرياء فاطمة وتضرم النيران في قلب بيت النعماني اقتربت فردوس من فريدة، وجذبتها برفق من ذراعها داخل الغرفة، لتهتف فريدة بألم: ـ أنتِ ساكتة ليه يا أمي؟! قولي له يخرج بره! مش عايزة أشوف وشه..


قبضت فردوس على يدي ابنتها بقوة، ونظرت في عينيها وهي تقول بنبرةٍ حادة ملؤها الإصرار والدهاء: ـ اسمعيني كويس يا فريدة، وافهمي أنا بفكر في ايه! رجوعك لزياد مش ضعف منك ولا تقليل من كبريائك دا أقوى انتقام تقدري تاخديه لنفسك ول كرامتك! أن زياد بيجي ويعمل اللي عمله دي كبيرة أوي، و فرصة متتعوصش عشان تعلميهم الأدب، لو كانت نرمين دي فرقتله مكنش بص في وشك. زياد بيحبك، و زياد دا كبير النعمانية، ولا نسيتي الهنا اللي كان معيشك فيه؟ وحبه اللي كان مغرقك



فريدة بقهر: ـ لا منستش. بس في الآخر سمع كلامهم وصدقهم و اتجوز نرمين، و طلقني. فردوس بتقريع: ـ طلقك عشان هبلة سبتيهم يلعبوا بيكِ الكورة، و يلبسوكي العمة صح، وأنتِ زي الغبية وقعتي في الفخ اللي نصبوهولك. لكن دلوقتي كل حاجة اتغيرت، وانا معاكي، و هاخد حقي وحقك من عنيهم.. ارتجفت شفاة فريدة، والدموع تتساقط كاللؤلؤ على وجنتيها المشتعلتين، لتهتف بنبرةٍ يمزقها الوجع: ـ قلبي مش هيسامحه أبدًا على اللي عمله ياماما. زياد كسرني.

احتوت فردوس وجه ابنتها بين كفيها، وقالت بنبرةٍ دافئة لكنها مشحونة بالتحدي: ـ قلبك هيرتاح لما تشوفي اللي ظلموكي بيبكوا بدل الدموع دم. زياد بيحبك ومجنون بيكي، وغيرته دي أكبر دليل إنه ما قدرش ينساكي ولا يملأ عينيه غيرك.. ارجعيله يا فريدة، وهو هيداوي الجـ,ـرح اللي اتسبب فيه أنا واثقة. فريدة بألم: ـ بس يا ماما.. قاطعتها فيروز بقوة: ـ من غير بس. أنتِ هترجعي وأنتِ قوية. راجعة بعد ما هو جري وراكي وهد الدنيا عشان يرجعك ودا هيخليكِ تدوسي على كل اللي داس عليكي، وهتخلي زياد نفسه يدفع ثمن كل لحظة شك فيها فيكي!


صمتت فريدة، وصوت أنفاسها المتهدجة يملأ أركان المكان، بين نار كبريائها الجريح، ونار الانتقام التي أضرمتها والدتها في صدرها، بينما كان زياد يقف على مقربة منهما، يرقبها بنظراتٍ ثاقبة كنسرٍ ينتظر لحظة انقضاضه الأخيرة ليحسم الأمر.


ساد الصمت أرجاء الصالة بعد انسحاب عمرو مجبرًا تحت وطأة حرس زياد، لتتحول الساحة إلى معركةٍ صامتة أبطالها كبرياءٍ شامخ وعشقٍ ضاري. ليخيم على المكان صمتٍ خانق للجميع، جلس زياد قبالة المأذون، وعيناه لا تزيغان عن الباب المغلق على فريدة. كان يمسك بالقلم بقبضةٍ قوية كأنما يقبض على جمر الهوى قلمٌ لم يكن يخط أسماءً وحسب، بل كان يسترّد به روحه المسلوبة، ويغرس خنجر ملكيته في قلب كل من تجرأ على التفكير فيها. بينما كانت عيناه تلمعان بشررٍ متناقض فيهما لهيب عشقٍ يذوب بكل إنش بها وحنق رجلٍ أوشكت أنفاسه على الاختناق حين تخيلها لغيره.


حين نطق المأذون كلماته الشهيرة. تنفس الصعداء في زفيرٍ حار كأنما أزاح جبلًا عن صدره، واكتملت الجـ,ـريمة المشـ,ـروعة بأمر العشق وعادت فريدة النعماني إلى حوزته رسميًا، زوجةً وأميرةً وملكًا حصريًا لا يشاركه فيه إنس ولا جان. ليأمر الحرس بتوصيل المأذون، ثم توجه بأمرٍ من قلبه ليخطو نحو الغرفة، ولكن فردوس اعترضت طريقه، وهي تنظر في عينيه بصلابةٍ مشوبة بتحدٍ حاسم، وقالت بصوتٍ واثق لا يقبل الفصال: ـ رجلي على رجل بتي يا زياد. مش هسيبها لأمك ولا لمراتك الحرباية تاني لوحدها، وأظن البيت الكبير كلنا لينا حق فيه، يعني مش هقعد ضيفة عند حد



سكنت ملامح زياد المتجهمة لثوانٍ، واستقرت نظراته على عينَي فردوس. ثم أومأ برأسه في هدوءٍ يكتنفه الغموض، وقال بصوتٍ رخيم بثبات: ـ موافق يا مرات عمي.. البيت بيتكم، لكن خلي بالك أن جو الحروب والمؤامرات بتاع زمان مش هسمح بيه يحصل تاني فردوس بمكر: ـ أوامرك يا جوز بنتي..


دفَع باب الغرفة ببطءٍ مهيب، ليلتقط مشهد حبيبته وهي تقف بجانب الطاولة، ترتب أفكارها ودموعها، وحينما شعرت به التفتت إليه كالمهرة الثائرة يلفها كبرياءٌ جريح وجمالٌ يسـ,ـرق العقول بعينين يحيط بهم كحلًا فاحمًا يحرس سواد عينيها الذي يقطر تحديًا، فدنا منها بخطواتٍ موزونة تحاكي خطوات الفهد وهو يحاصر فريسته الأحب إلى قلبه، يلتهم تفاصيلها بنظراتٍ تجتمع فيها الغيرة الهوجاء بالشغف المحتـ,ـرق. لتحين منه نظرة إلى تلك الملابس النسائية التي تناثرت على الأرض، ثم ابتسم ابتسامةً عابثة، تحمل بين طياتها تهكمًا حادًا ونبرة تملّك تذيب الصخر، ليقول بنبرةٍ خفيضة ملؤها الخبث والولَه:


ـ جهزي شنطتك يا عروسة.. ومتنسيش تجيبي الحاجات الحلوة دي معاكي، الليلة دخلتك! برقت عينا فريدة بلهيبٍ استعرت فيه النيران، واستجمعت كل ما في روحها من عزة وشموخ. لم تتراجع خطوة واحدة، بل تقدمت نحوه حتى أوشكت أنفاسها المشتعلة أن تلفح صدره العريض، ورفعت سبابتها في وجهه، لتصيح بصوتٍ كالرعد، يقطر كبرياءً وشموخًا يأبى الانكسار: ـ بعينك يا ابن عمي تلمس شعرة واحدة مني! مش فريدة النعماني اللي يتعمل معاها كدا ولا اللي تتاخد غصب.. لو فاكر إنك عشان رجعتني لعصمتك غصب هتقدر تطولني، تبقى بتحلم، و خلي بالك رجوعي ليك دا بداية الحرب!


ارتسمت على شفتي زياد ابتسامةٌ عريضة أشد خطورة؛ ابتسامة عاشقٍ يعشـ,ـق جموح مهرته الصعبة، يعرف تمامًا أن الطريق إلى قلبها معبأ بالنار، لكنه مستعدٌ لخوض الجحيم ألف مرة كي يظفر بابتسامة واحدة منها. ـ مفتكرش أني ولا مرة خدتك غصب يا بنت عمي، و إن كان عالحرب، فأنا عندي استعداد أقوم مليون حـ,ـرب، لح د ما اوصل للي أنا عايزه، دانا زياد النعماني. تراجع عنها وهو يقول بنبرة خشنة: ـ جهزي نفسك راجعين البيت الكبير دلوقتي..



قيد من جمر ٢

نورهان العشرى


دلف زياد إلى البهو العتيق كالموج الهادر، يتبعه فريدة بخطواتها المتهادية كالمهرة الأبية، وفردوس التي تتأبط كبرياء ابنتها كدرعٍ من فولاذ. وقد كان هناك صمتٍ ثقيل يخيّم على جنبات البيت الكبير، صمتٌ يشبه الهنيهة التي تسبق انفجار الصاعقة. وعلى المقاعد الجلدية الفاخرة، كانت تجلس فاطمة بكامل هيبتها المتسلطة، وبجوارها “نيرمين” زوجة زياد الحالية وأرملة أخيه المتوفى التي كانت تلتف برداء المسكنة المصنوع بعناية. ما إن وقعت عيونهم على هذا الثنائي، حتى تجمدت أجسادهما. سكنت الحركة في البهو، وشخصت الأبصار في ذهولٍ صامت نظراتُ صدمة حارقة حاولتا جاهديْن مواراتها خلف أقنعة الهدوء لكن اضطراب الأنفاس وجحوظ الأعين اوشى بهم


وقفت نيرمين ببطء، وهي تحاول ابتلاع غصتها، وتصنّعت نبرة شائكة تتوشح بالهدوء المزيف، موجهة حديثها لزياد بصوتٍ يرتجف رغماً عنها: ـ ايه اللي جايب فريدة و مرات عمي معاك يا زياد! مش الموضوع دا اتقفل خلاص؟ رمقها زياد بنظرةٍ باردة كالجليد وعيناه الشهلاوان تفيضان بقسوةٍ هددت بتهشيم كل ما حوله، ثم قال بنبرةٍ خفيضة، لكنها شقت صمت القصر كحد السيف: ـ أنا رجعت فريدة لعصمتي النهاردة، و جبتها عشان تعيش في بيتنا.


سقطت الكلمات كقطعٍ من الجـ,ـمر المغلي فوق رؤوسهن. انتفضت فاطمة من مضجعها كأنما لدغتها أفعى، وانحل قناع الدهاء لتظهر الصدمةعلى ملامحها ، ولطمت على صدرها وهي تصيح بنبرةٍ يختنق فيها الغضب: ـ إيه اللي بتقوله دا يا زياد؟! ردتها لعصمتك! بعد كل اللي عملته فينا؟! بعد ما شوفت عمايلها السودا بعينك بترجعها لعصمتك تاني؟! نسيت عملت أيه في أمك؟!


في تلك اللحظة، انهار تماسك نيرمين الصوري، واشتعل في صدرها غلٌ حارق، غلّ امرأةٍ استنزفت كل مكائدها لتستحوذ على زياد بعد رحيل أخيه، لتجد نفسها تُدهس في لحظة تحت أقدام غريمتها الأزليّة. تقدمت بخطواتٍ متثاقلة، وعيناها تفيضان بالدموع المزيفة التي أتقنت ذرفها، لتهتف بنبرة يمزقها التمسكن والانكسار المُصنع: ـ كدا يا زياد؟ هان عليك وجعي؟ هان عليك كل اللي عملته فيا وعشان تخليك تطلقني. تروح ترجعها لعصمتك تاني.. بعد ما كسرت قلبي وهانت كرامتي؟! و كانت عايزة تأذيني؟



كان زياد يغلي داخلياً، مشتتاً بين عشـ,ـقٍ كالنـ,ـار يلتهم أحشاءه لفريدة، وغيرته الهوجاء التي تأكل الأخضر واليابس، وبين حنقه من هذا المشهد. لكن قبل أن ينطق بكلمة، خطت فريدة للأمام ترمق نيرمين بنظرةٍ تحتقر طيبتها الزائفة ثم ارتسمت على شفتيها الكرزيتين ابتسامةٌ تهكمية لاذعة، تقطر سمًا وشـ,ـماتةً أحـ,ـرقت قلب نيرمين، وقالت بصوتٍ رخيم، ناعم كالحرير وشديد القسوة كالإبر:


ـ والله يا نيرمين يا حبيبتي أنا قولتله نفس الكلام بالظبط! قولتله إزاي ترجعني بعد كل عمايلي السودا اللي ألفتوها عليا؟ بس هنعمل إيه بقى؟ الحب و عمايله! أصل شكلك كدا مش مالية مركزك وهو يا حرام مش عارف يعيش من غيري، لدرجة أنه جه وانا بكتب كتابي و بهدل الدنيا، و حلف مكونش لحد تاني غيره. صح يا زياد؟ قالت جملتها وهي تمسك بذراعه بطريقة حميمية جعلت الدماء تهدر في عروقه، ليعض على شفتيه متوعدًا قبل أن يقول بنبرة خشنة:


ـ اسبقيني على فوق.. فريدة ببراءة: ـ حاضر.. اشتعلت فاطمة من شدة الغيظ، واستحالت دواخلها إلى جمرٍ يتقاد، لتصرخ في فريدة بصوتٍ جش: ـ استني عندك ياللي عايزة قطع لسانك أنتِ! بقى ليكي عين تتكلمي وتتبجحي في بيتي؟! والله ما أنتِ بايتة فيها الليلة لو على رقبتي! هبت فردوس ورفعت سبابتها بوجه فاطمة وهي تزأر بحدة: ـ قطع لسان اللي يغلط في بتي! البيت دا بيت النعمانية، وبنتي بنت العيلة دي و ست القصر دا غصب عنك وعن اللي جنبك دي! وأعلى ما في خيلك اركبيه يا فاطمة، حق بنتي هجيبه من عيونكم كلكم! فريدة مبقتش لوحدها.


اختلطت الأصوات، وتصاعدت حدة الصراخ بين النساء، وتحول البهو إلى ساحة حربٍ تغلي بالحقد والغـ,ـل والإهـ,ـانة. هنا، خرج الوحش الكامن في صدر زياد عن السيطرة. برزت عروق رقبته بغلظة، واستحالت عيناه إلى كتلتين من اللهب الصافي، ليصرخ بصوتٍ جهوري مرعب، كالرعد الذي شق السماء، اخرس الجميع: ـ بس! ولا كلمة! مش عايز اسمع صوت أي واحدة! ثم التفت إلى فاطمة والدته قائلًا بنبرة صارمة لا تقبل الجدال: ـ فريدة مراتي، و دا بيتها، و الموضوع دا انتهى الكلام فيه


استدار ببطء نحو فريدة، وكانت نظراته النارية تلتهمها بشغفٍ ممسوس وغضبٍ مكتوم، تحدٍ يتأجج بين عـ,ـاشقٍ متمرد ومهرةٍ تأبى الخضوع، ليعلم الجميع أن البيت الكبير قد دخل للتو في جحـ,ـيمٍ جديد. ★★★★★★★★ صعدت فريدة درجات السلم بخطواتٍ متثاقلة، تتبعها نظرات زياد التي كانت تثقب ظهرها كشعاعٍ من نـ,ـار. كان الهوى بينهما عبئًا ثقيلًا، نسيجًا معقدًا من عشقٍ يخنق الأنفاس، وغيرةٍ تأكل القلوب، وكبرياءٍ جريح يأبى أن ينحني. ما إن وطئت أقدامهما أعتاب الغرفة حتى أغلق زياد الباب خلفهما، ودار القفل بصوتٍ حاسمٍ أعلن انقطاعهما عن العالم الخارجي، وبداية معركةٍ من نوعٍ آخر؛ معركة صامتة تُخاض بالأعين وتُحسم بالأنفاس.



التفتت فريدة إليه سريعةً، وقد تحفزت كل ذرة في جسدها للدفاع، وعيناها تلمعان بتحدٍ كحلي ثائر. رمقته بنظرةٍ شائكة وقالت بنبرةٍ يملؤها السخط: ـ أظن المسرحية اللي اتعملت تحت خلصت خلاص.. جاي ورايا ليه؟ و مين سمحلك تقفل علينا الباب بالمفتاح؟ ولا فاكر عشان سكتهم تحت هتيجي تكسرني هنا؟ خطى زياد نحوها ببطءٍ مهيب، كفهدٍ يتربص بصيده الأحب إلى روحه. لم يكن يرى فيها مجرد امرأة عاد إليها، بل كانت جرحه النازف وعشقه الأبدي، سر عذابه وسبب جنونه. اقترب حتى لم تعد تفصل بينهما سوى مسافة أنفاسٍ متهدجة، واشتعلت عينيه برغبةٍ عارمة في تملكها وحمايتها حتى من نفسها.


قال بصوتٍ رخيم تحدر من أعماق صدره، يقطر هيبةً وشغفًا محرقًا: ـ أنا سكتهم تحت عشان محدش يتجرأ عليكِ كلمة لكن هنا و في الأوضة دي، الحساب بيني وبينك أنتِ يا فريدة.. بقى عايزه تتجوزي غيري؟ كنتِ هتقبلي راجل تاني يلمسك؟ كنتِ هتديه الحق اللي مفيش مخلوق على وش الأرض يستحقه غيري؟! تراجعت فريدة خطوة إلى الخلف، لكن ظهرها اصـ,ـطدم بجدار الغرفة الصلب، ليلحق بها زياد ويحاصرها بيديه الممدودتين على جانبيها، مطوقًا إياها بهالته المخيفة. لكنها رفعت رأسها بشموخٍ رغم خفقات قلبها المتسارعة التي كادت تختـ,ـرق أضلعها، وقالت بصوتٍ متهدج من فرط المشاعر المتضـ,ـاربة:


ـ ما أنت سمحت لنفسك تتجوز غيري، سمحت لواحدة تانية تبقى على اسمك غيري، واحدة تلمسك غيري، و هانت عليك أيامنا سوى، دوست على حبنا وصدقت كذبهم عليا و طلقتني. جايلك عين تحاسبني على رد فعلي وأنت اللي بدأت بالحـ,ـرب؟!

التمعت عينا زياد ببريقٍ كاسر، وانخفض رأسه قليلاً لتلفح أنفاسه الحارة وجنتها المشتعلة. كان شذاها يسكره، يذكره بكل لحظة حب عاشها معها قبل أن تعصف بهما المكائد. غرس سبابته ببطء تحت ذقنها يرفع وجهها إليه غصبًا، وقال بهسيسٍ يفيض بالوجع والعشق الضاري: ـ اتجوزتها عشان كنت احمي ولاد أخويا.. و حلفتلك برب العزة ما حد هيسكن قلبي ولا يملك روحي غيرك! و حلفتلك أن اليوم اللي هلمس ست غيرك فيه هتبقي طالق مني. دكنت نظراته و احتدت أنفاسه وهو يقول بهسيس خطر:


ـ أنتِ كنتِ النفس اللي بتنفسه، و عمايلك اللي زي الزفت هي اللي خلتني طلقتك عشان تتعلمي الأدب. لكن تبقي لراجل غيري؟ دانا أمـ,ـوتك و أمـ,ـوت نفسي قبلها ارتجفت شفتا فريدة، واختنقت العبرات في حلقها. كان عشـ,ـقه يطوقها كالسلاسل، تقاومه بكبريائها المكسور، وتشتهيه روحها المعذبة. رفعت يديها ودفعته في صدره العريض بكل ما أوتيت من قوة، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة، لتهتف بنبرةٍ يمتزج فيها القهر بالشموخ:



ـ ابعد عني يا زياد! جوازك ليا من تاني مش هتغير حاجة.. أنت هتفضل بعيد عني، ومش هطول مني شعرة واحدة برضايا، والبيت دا أنا دخلته عشان آخد حقي وحق أمي، و دا سبب رجوعي ليك مش حبًا فيك يعني.. ابتسم زياد ابتسامةً عابثة، تحمل بين طياتها عشـ,ـقًا مجنونًا وتحديًا أشد ضراوة. يدرك أن مهرته الأبية تحتاج إلى وقتٍ كي تطمئن، وأن الطريق إلى قلبها سيمر عبر نار غيرته وصبره. مد يده ببطء ليرفع خصلة من شعرها المتمرد وأعادها خلف أذنها بلمسةٍ حانية تناقضت تمامًا مع قسوته قبل قليل، ثم قال بنبرةٍ خفيضة أذابت الصخر:


ـ خدي وقتك يا فريدة عشان تنسي اللي حصل حاربي، وعاندي، وقولي اللي أنتِ عايزاه.. بس أنتِ عارفة أن زياد النعماني لما بيحط عينه على حاجة بياخدها، وأنتِ أصلًا من البداية ملكي وأنا مش هسيبك تضيعي مني تاني، والحروب اللي بتقوميها بينّا؟ أنا موافق عليها، وجاهز لكل جولاتها. ابتعد عنها خطواتٍ قليلة ليمنحها مساحتها، بينما ظلت هي واقفة مكانها، تتنفس بصعوبة، وعيناها تتبعانه بتحدٍ واستسلامٍ خفي، معلنةً بدء أطول ليلة لها في البيت الكبير، بيت النعمانية


★★★★★★★★★ أغلقت الحاجة فاطمة باب غرفتها بقوةٍ كادت تخلع مقبضه، وأخذت تذرع الأوضة جيئةً وذهابًا كوحشٍ كاسر أُحيط بأسوارٍ من النار. كان وجهها مسودًا من أثر الغل، وأنفاسها المتلاحقة تصدر صريرًا ينم عن غضبٍ أعمى، بينما كانت نيرمين تجلس على طرف الفراش، تعتصر وسادة بين يديها والدموع تتساقط من عينيها كقطرات من السم الحـ,ـارق. التفتت فاطمة نحو نيرمين وصرخت بصوتٍ مكتوم مخنوق بالغيظ: ـ الحية رجعت تاني هي و أمها يا نيرمين! البت رجعت بيتي عينها في عيني و مش هاممها حد، وبدل ما نخلص منها جت و جايبة الحرباية أمها معاها! فردوس رجعت توقف قصادي في بيتي تاني؟!


نهضت نيرمين بسرعة، وعيناها تلمعان بشرار الغيرة والغل، وقالت بصوتٍ يقطر حقدًا: ـ أنا هتجنن يا ماما فاطمة! زياد اللي كان مش طايق يسمع اسمها، متحملش أنها تكون لغيره و راح هو كتب كتابه عليها! دا رماني ورا ظهره وكأن اللي خططناله و طلع عيننا فيه محصلش. دانا عملت المستحيل عشان أقرب منه كان بيصدني، و يقولي أنتٍ مرات زين الله يرحمه. فريدة دي أكيد سحراله.. ومش بعيد تكون أمها هي اللي ممشياه بالأعمال دي!



عادت خاطرة القديم تعصف برأس فاطمة؛ تلك الغيرة الدفينة التي أكلت قلبها لسنوات طويلة من فردوس. فردوس التي كانت دائمًا أبهى منها حضورًا، وأكثر دلالاً عند زوجها الراحل والتي طالما حسدتها فاطمة على حظها ورزقها. طردها لفريدة وفردوس سابقًا كان انتصارها الوحيد والأكبر في هذه العائلة، وعودتهما الآن تعني سحق كل ما بنته من سلطة. ضربت فاطمة بكفها على الطاولة المجاورة وهتفت بضغينة تشيب لها الولدان:


ـ فردوس طول عمرها حية وعينيها كانت على العز دا كله! يوم ما طردت بنتها قولت خلاص.. البيت فضالي ونضف منهم لكن دي بتها مشيت و رجعت و معاها الحية الكبيرة من تاني لكن لا بيت النعمانية مالوش غير ست واحدة بس. أنا! اقتربت نيرمين منها، وغرست وقالت بهسيسٍ شيطاني:


ـ مش هنسمح ب دا يا ماما فاطمة! لو فضلت فريدة هنا زياد هيتعلق بيها أكتر، وفريدة وأمها مش هيسيبونا في حالنا.. هيسحبوا السجاد من تحت رجلينا لحد ما نلاقي نفسنا بره القصر دا! لازم نفكر في حاجة.. حاجة تخلي زياد هو اللي يرميها زي ما رماها قبل كدا بس المرة دي مش هيكون ليها راجعة تاني استقرت فاطمة في مكانها، وعيناها تتسعان ببريقٍ خبيث، بينما راحت تتنفس ببطء وهي تستحضر كل ذرة مكر في عقلهما. مسحت على وجه نيرمين وقالت بنبرةٍ تشبه فحيح الأفاعي:


ـ زياد ما يكسـ,ـروش ولا يجننه غير حاجة واحدة يا نيرمين.. شرفه! هو رجعها عشان النـ,ـار ولعت فيه لما عرف إنها كانت هتكون لراجل تاني.. يبقى النـ,ـار دي هي اللي لازم تحرقها! التمعت عين نيرمين بفهمٍ مفاجئ، وابتسمت ابتسامة صفراء مليئة بالشر، لتهتف بخفوت: ـ المرة اللي فاتت مظبطتش معانا. بس المرة دي لازم نظبطها صح. بحيث ميكونش ليها راجعة عنده ردت فاطمة بابتسامةٍ باردة تقطر سمًا:


ـ المرة دي اللعبة هتبقى أشد، و الحبل هيلف حوالين رقبتها هي وأمها.. هنحفرلها حفرة تنزل فيها وماتطلعش منها أبدًا، و زياد بنفسه هو اللي يطردها بره البيت دا.. وقريب قوي يا نيرمين، قريب قوي!


قيد من جمر ٣

نورهان العشرى


سادَ السكونُ البهو العتيق قبل أن تكسر هيبته بوقع خطواتٍ هادئة، خطواتٍ كان لها إيقاعٌ أربك صمت البيت الكبير. هبطت فريدة السلم برفقة والدتها فردوس، فتوقفت حركة الهواء في المكان. كانت فريدة في تلك اللحظة تجسيدًا باهرًا للجمال الآسر تلتف برداءٍ أزرق داكن يُبرز بشرتها الإغريقية الوضاحة، وشعرها الغجري الثائر ينساب على كتفيها بحرية كأمواج ليلٍ دامي، وعيناها الكحيلتان تفيضان بسحرٍ متفجر وشموخٍ جريح. كانت تفوح منها رائحة العود والياسمين، فملأت الفضاء بعبيرٍ يسحر العقول ويُربك أعتى الرجال.


عند طرف الطاولة، كان زياد يمسك بفنجان قهوته، وما إن وقعت عينيه عليها حتى تجمدت يده في الهواء. سكنت حدقتاه الشهلاوان، و ازدرد ريقه ببطء كمن يبتلع جمرًا، وانبهر بها بشكلٍ لم يستطع مداراته؛ كان يلتهم تفاصيل حسنها القـ,ـاتل بنظراتٍ يمتزج فيها العشـ,ـق الممـ,ـسوس بالغيرة الهوجاء. تخيل أن كل هذا السحر كان على وشك أن يكون لغيره بالأمس، فاستعرت النار في أضلعه، و اجتاحت صدره أنفاسٌ ثقيلة، لكنه فرض على ملامحه قناعًا من الهيبة الصارمة.


جلست فريدة بالمقعد المجاور لوالدتها التي كانت تجلس بجانب مقعد نرمين التي كان مقعدها بجانبه، متجاهلةً وجود الجميع، بينما كانت نظرات ” فاطمة” و نرمين” تفيضان بالسم والغل الدفين، نظراتُ حقدٍ تصـ,ـارع لإخفاء صدمتهما من حضور فريدة الطاغي وطريقة نظرات زياد لها. تحدثت فاطمة بجفاء: ـ الناس بتدخل تقول صباح الخير، و أنتِ و لا أكنك داخلة على ميتين فريدة بابتسامة ساخرة و نبرة تشبهها: ـ سيبي الخير لناسه يا مرات عمي مالك أنتِ و ماله؟


اغتاظت فاطمة، و لكن نيرمين بدأت اللعبة بدهاء، فحركت ملعقتها في الفنجان بصوتٍ يرن ببطء، ثم قالت بنبرةٍ تقطر مسكنةً مسمومة وهي تنظر لزياد: ـ هتتأخر النهاردة يا زياد؟ شكلك تعبان و مرهق أوي محتاج ترتاح شوية.. زياد باقتضاب: ـ أنا كويس..


اتسعت ابتسامة فريدة على جفاءه معها، و لم تكتفي بذلك فحسب، بل رفعت رأسها لترى نرمين ابتسامتها الشامتة، و التي لا تخلو من السخرية، والتي لم تخفى على زياد أيضًا، ولكنه لم يُعلق، فقد كان عالقًا خلف شوقه الكبير لها يجاهد حتى لا يذهب و ينتزعها من بينهم، لينفرد بها في ابعد مكان في هذا العالم حتى يروي ظمأه منها، ولكن جاءت كلمات والدته لتصيبه بالغضب: ـ طبيعي يبقى تعبان و مرهق، ما البيت اتعكر الجو بتاعه، و مبقاش مريح زي الأول..



كانت تتحدث وهي تنظر إلى فريدة التي ابتسمت ابتسامةً باردة لم تصل لعينيها، ورفعت فناجها بترفعٍ أثبت شموخها، وهي تطالع فاطمة الند بالند، لتدلف زهراء أحد الخدم و تقوم بوضع طبق من الفطير الفلاحي، و طبق من العسل الأسود أمام فريدة وهي تقول بحبور: ـ حمدلله على سلامتك يا ست فريدة، جبتلك الفطير المشلتت و العسل الأسود اللي بتحبيه، قولت زمانهم وحشوكي.. ناظرتها فريدة بسعادة، فهذه أول بادرة ترحيب بها في هذا المنزل، لتقول بامتنان:


ـ ميرسي يا زهراء تسلم ايدك. فعلًا أنا كان واحشني الأكل دا أوي.. زهراء بلهفة: ـ بألف هنا على قلبك يا ست الستات.. ـ امشي يا بت أنتِ غوري على شغلك..


هكذا صاحت فاطمة في وجه زهراء التي ارتعبت منها و هرولت إلى الخارج، لتقرر فريدة استفزازها أكثر، فقامت بتقطيع الفطير و غمس قطعة صغيرة منه في العسل الأسود و وضعها في فمها، وهي تتلذذ بطعمها الرائع، لتتساقط بعض قطرات العسل فوق أصابعها، فقامت بلعقها بنعومة أصابت زياد بالجنون، فقد عادت إليه ذكرياتهم، وهي تطعمه هذا الأكل، وهو يقبل أصابعها التي كانت تجعل للعسل مذاقًا رائعًا، فتهدجت أنفاسه وغامت عينيه برغبةٍ قوية ممزوجة بعشـ,ـقٍ جارف، ولكن ذلك لم يعجب فاطمة التي هتفت بحدة:


ـ في ايه هو أنتِ مكنتيش بتاكلي في بيتكوا ولا اي ؟ ما تاكلي زي الناس. اغتاظت فريدة من حديثها ولكنها ردت بصوتٍ ناعم كالحرير وشديد القسوة كالإبر: ـ عندك حق مكنتش باكل كانت نفسي مسدودة. لكن لما رجعت بيتي وبيت أبويا وجدي نفسي اتفتحت. انقبضت ملامح فاطمة، ورمقتها بنظرة مشتعلة لتتدخل فردوس بنبرة تهكمية مبطنة: ـ ركزي في طبقك يا فاطمة يا حبيبتي. هو أنتِ طول عمرك كدا بصة في طبق غيرك، وفي اللقمة اللي في إيد غيرك.


تكهربت الأجواء وأصبحت الكلمات أسلـ,ـحةً خفية تُغرس في القلوب بدهاء، بينما كانت عينا زياد لا تفارقان وجه فريدة. كان يرى تحديها الصامت، شموخها الذي لا ينحني، وثغرها الذي يقطر كبرياءً، فاشتعلت رغبته في فرض سيطرته عليها، وتذكير الجميع بكلمته الأولى والأخيرة،ليضع الفنجان على الطبق الرخامي بصوتٍ جافٍ قاطع، أحدث رنينًا حادًا أخرس الجميع في توقفٍ مفاجئ لجريان الحديث. ـ كفااااية كلام استقام في جلسته، وعيناه الشهلاوان تطوفان بالحاضرين بهيبةٍ تلجم الألسن، وقال بنبرةٍ خفيضة، لكنها شقت صمت السفرة كحد السيف:



ـ اللي كل يقوم يشوف وراه أيه، واللي مكلش يكمل أكله، و ياريت تتعلموا تتعاملوا مع بعض بطريقة أحسن من كدا. عشان اللي حصل دا مش هسمحله يحصل تاني.. ثم ثبت نظراته النارية على فريدة، يلتهم جمالها بشغفٍ وتحدٍ محرق، واردف بهسيسٍ يقطر سلطةً وتملكًا: ـ فريدة بنت البيت دا. يا حاجة، و طلاقي ليها كان غلطة واتصلحت، و أهي رجعت بيتها تاني، مالوش لزوم كتر الكلام، واللي هيفكر يعارضني هيزعل أوي مني مفهوم؟


التفتت إليه فريدة، ورفعت حاجبًا واحدًا في تحدٍ صريح، لتلتفي عينيهما في معركةٍ صامتة؛ عينان تتوقان لامتلاكها، وعينان تقسمان على عدم الاستسلام بسهولة، ليجد نفسه يقول بصرامة: ـ لما تخلصي تعالي ورايا على المكتب.. ★★★★★★★★ استقرت خطوات فريدة عند عتبة المكتب عقب انفضاض تلك السفرة المشحونة. لم تنتظر إذنًا بالدخول؛ بل دفعت الباب الخشبي العتيق بخفةٍ أعلنت حضورها الطاغي، لتلتقط عيناها زيادًا وهو يقف وراء مكتبه الضخم، قد خلع سترته وشمر عن ساعديه، يُمسك بطرف المكتب بقبضتين اشتدت مفاصلهما حتى أبيضت، وصدره يعلو ويهبط بجهد رجلٍ يحاول كبح زلزالٍ يستعر في أضلاعه.


ما إن سمع صرير الباب حتى رفع رأسه ببطء. لم تكن نظراته الشهلاوان سوى شواظٍ من نارٍ ووله؛ كانت تفاصيل جمالها الآسر تتلألأ تحت أضواء المكتب الدافئة، فشعر بغرائز الامتلاك تُعربد في دمه. أغلق الباب خلفها بصرخةٍ مكتومة، ودنا منها بخطواتٍ رزينة تحاكي إيقاع القدر. ساد الغرفة صمتٌ مشحونٌ بعبق العود ورائحة التحدي، ليقطع هو ذلك السكون بصوتٍ جشّ، يتضوع هيبةً وشغفًا مجنونًا: ـ برافو حلو أوي اللي حصل على الفطار دا. دي لعبتك يعني؟ كدا هتاخدي حقك اللي بتقولي عليه؟


استندت فريدة بجسدها الممشوق على طرف الطاولة القريبة، ورفعت رأسها بكرامةٍ تأبى الانكسار. التقت عينها بعينيه في ثباتٍ صلب، وقالت بصوتٍ ناعمٍ كالهمس، لكنه أشد قسوةً من زئير الرياح: ـ أنا مبلعبش يا ابن عمي.. أنا بمارس حقي الطبيعي في بيتي، واللي بيبدأ الحـ,ـرب لازم يتحمل نتايجها.. وهما اللي بدؤا الحـ,ـرب دي معايا يتحملوا بقى؟ وبعدين لما اللي بيحصل مش عاجبك رجعتني ليه من الأول؟



دنا زياد حتى حاصرها بجسده العريض، يلفح وجهها بأنفاسه المشتعلة غيرَةً وعشقًا. كان القرب بينهما كتماس قطبين كهربائيين؛ حارقًا، مدهشًا، ومحرمًا على التراجع. مد يده ببطءٍ مهيب، لتمسح أطراف أصابعه الرقيقة خصلة من شعرها المتمرد عند جبهتها، قبل أن يمسك بذقنها برفق يحمل بصمات الملكية، ليقول بهسيسٍ أذاب عظامها: ـ رجعتك لأنك ملكي.. حتى النفس اللي بتتنفسيه دا ملكي، ولأن فريدة النعماني اتخلقت عشان تكون لزياد وبس، حتى ولو العالم كله وقف في طريقنا.. أنتِ فاكرة إنك بتعاقبيني باللي بتعمليه؟ أنتِ بتزيدي النـ,ـار اللي جوايا حطب.. والنـ,ـار دي، يا هتدفيكي، يا هتحرقنا إحنا الاثنين!

ارتجفت أنفاسها تحت وطأة قربه المباشر و وسامته الخشنة الذي طالما أربكك ثباتها، لكن كبرياءها المكـ,ـسور انتفض كالأفعى. قبضت على معصمه القوي تحاول إبعاده، وعيناها تفيضان بكبرياءٍ وثورة: ـ يبقى هتحرقنا يا زياد! لأن فريدة اللي طلقتها ورميتها مش هي فريدة اللي واقفه قدامك النهاردة.. جوازنا من تاني دي قيد من جمر أتلف حوالين رقبتي ، لكن كل ما تحاول تضيقه عليا، هتحـ,ـرق إيدك قبلي! التقت نظراتهما في ذروة الصـ,ـراع؛ هو يحـ,ـترق برغبة امتلاك مهرته الجامحة وهي تستمد قوتها من نـ,ـار جـ,ـرحها القديم، معلنيْن أن هذه المعركة بينهم ليست سوى البداية لجولاتٍ أشد ضراوة.


ـ ألا قولي يا زياد أنت رجعتني على أي أساس؟ يعني عرفت انك كنت غلطان في حقي وأنهم ظلموني ولا رجعتني ليه؟ هكذا تحدثت حتى تستطيع الوقوف على أرضٍ صلبة، ولكن الإجابة جاءت مميتة لقلبها، و كبريائها حين قال مُستنكرًا بجفاء: ـ ظلم أيه وانا شايفك بعنيا، و أنتِ راحة للدجال القذر دا قال ايه عشان تخليني أطلق نرمين. بهتت ملامحها من أجابته، ولكنها قررت عدم الخضوع أو إعلان رايات الضعف أمامه، لتقول بنبرة مُهتزة:


ـ ولما أنت شايفني بعينيك رايحة عنده، رجعتني ليك تاني ليه؟ صارحها قائلًا: ـ رجعتك عشان التمستلك العذر في اللي فكرتي تعمليه. عشان عارف ان الغيرة صعبة، و ممكن تخلي الإنسان يوصل مرحلة الجنون. ضحكة أبعد ما يكون عن المرح صدرت عنها، فقد كانت إجابته قـ,ـاتلة بالنسبة إليها، مما جعلها تقول بسخـ,ـرية مريرة: ـ دا كرم أخلاق منك والله. لم تسعفها الكلمات للحديث، لتشيعه بنظرة يملئوها الألم و خيبة الأمل، قبل أن تستدير تنوي المغادرة، ولكنه لم يدعها تفعل ذلك بل اقترب يجذبها من خصرها ليعانقها من الخلف، وهو يقول بنبرة لهيفة:



ـ متمشيش يا فريدة… أغمضت عينيها بألم، وهي تحاول التغلب على ضعفها تجاهه، و عجزها عن مقاومة عـ,ـشقها الكبير له، لتشعر به يستند برأسه فوق كتفها، وهو يقول بنبرة جريحة: ـ أنا سامحتك، و عندي استعداد انسى كل اللي حصل، ونرجع تاني زي الأول. أنا بحبك يا فريدة. أنتِ النفس اللي بتنفسه، وأنتِ بعيد عني كنت مخنوق. روحي بتطلع في الدقيقة مليون مرة…. لكم أرادت أن تستدير و تعانقه بكل ما أوتيت من عشق، ولكن ذلك الخنجر المغروز في قلبها منعها من ذلك، لتقوم بفك يده التي تحيط بخصرها، و تتجاهل حديثه، وهي تذهب نحو الباب مغادرة الغرفة بأكملها…


★★★★★★★★★ أغلقت الحاجة فاطمة باب غرفتها بالمفتاح، ليتوارى خلفه صوت صرير القفل الداكن كأنه يغلق على جحـ,ـيمٍ مُصغّر. التفتت إلى نيرمين التي كانت تذرع الأوضة جيئةً وذهابًا، تعتصر محرمة حريرية بين أصابعها المرتجفة وهي تتنفس بضيقٍ وغلّ. أشارت فاطمة بسبابتها بصرامة جعلت نيرمين تتوقف مكانها، ثم قالت بصوتٍ خفيض، ينساب كفحيح الأفاعي في عتمة الليل: ـ اقعدي يا نيرمين واهدِي.. الغضب والأفعال الطائشة مش هيرجعوا زياد، وزياد دلوقتي مش شايف غير فريدة ولو حاولنا نعمل فيها أي حاجة مش هيسكت، ابني وانا عرفته، زي ما عدالها موضوع الدجال وقال غيرة حريم! لازم نجهزلها حاجة كبيرة تقطم وسطها صح.


جلست نيرمين عند أطراف الفراش، وعيناها تلمعان بدموع الغيظ والشماتة المكبوتة، لتهتف بنبرة يملؤها العجز: ـ حاجة زي أيه يا ماما فاطمة؟! دي راجعة كأنها ملكة، وزياد عيونه بتلاحقها في كل حركاتها.. إحنا لو صبرنا شوية، فردوس وبنتها هيسحبوا السجاد من تحت رجلينا وهنلاقي نفسنا بره القصر دا! دنت فاطمة منها ببطء، وانحنت فوقها لتواجهها بعينين تفيضان ببريقٍ شيطاني لا يرحم، ثم حركت شفتيها بهسيسٍ يفتت العظام:


ـ زياد ناره الغـ,ـيرة ودي اللي هنلعب عليها، بس مش لوحدنا، الواد عمرو ابن اخو المخفية اللي كان هيتجوزها، دا كان بيحبها من زمان، بس هي كانت متشعلقة في زياد، الواد زمانه مقهور عشان زياد خدها منه تاني، احنا لو عرفنا نجيب رجله، و نخليه يشاغلها، و نظبط الموضوع صح، و مثبت لزياد أنها بتخونه معاه هتبقى دي الناهية معاها وخصوصا أن زياد لسه نار غيرته قايدة ومستعد يهد الدنيا لو حسّ بس إن فريدة لسه عينها منه أو بتتواصل معاه!



شخصت أبصار نيرمين، واعتلت ملامحها مفاجأة مشوبة بابتسامة خبيثة: ـ عمرو؟! بس تفتكري هي هتدي لعمرو دا وش؟ دي دايبة في زياد واستحالة تخونه! ضحكت فاطمة ضحكةً صامتة تقشعر لها الأبدان، وربطت على يد نيرمين بقوة: ـ ماهي دي لعبتنا بقى، و مفروض نسرع فيها عشان الواد كبريائه مجـ,ـروح ومـ,ـقهور، واللي زي دا سهل تلعبي بدماغه وتستغلي حبه لفريدة وكرامته اللي اتداست.. هتوصليله من ورا زياد، وتفهميه إن فريدة مغصوبة على الرجوع، وإنها عايزة تطلق وعيزاه ينقذها من جحيم زياد النعماني، وإنها مستنية منه إشارة واحدة بس عشان تهرب معاه!


اتسعت حدقتا نيرمين بدهاءٍ متألق: ـ يعني نخليه يبعتلها رسايل أو يقرب منها، ونسرّب الموبايل أو المكان لزياد؟! أومأت فاطمة ببطء، وعيناها تثقبان العتمة بضغينةٍ عاتية: ـ مش بالظبط.. هنخلي عمرو ويبعت رسايل غرامية وشوق على تليفون فريدة بس في الوقت اللي هتبعتيله فيه عشان يكون التليفون معانا، وتردي عليه و تأرشفيهم عشان محدش ياخد باله منهم بس الرسايل هتفض موجودة لما نحب نظهرها و أول ما الهانم تخلي زياد يطلع أوضتها، تخلي عمرو دا يبعت الرسايل فيشوفها زياد، وبكدا يقفشها بعيد عننا


استقامت نيرمين في جلستها، ورُسمت على شفتيها الرفيعتين ابتسامة صفراء مليئة بالشر والشـ,ـماتة، وهي تتخيل المشهد: ـ يا نهار على دماغك يا ماما!.. زياد وقتها مش هيسمع منها حرف ولا هيلتمس ليها أي عذر.. دا مش بعيد يخلص عليها. انحنت فاطمة وأمسكت بوجه نيرمين بين كفيها، وقالت بنبرة نارية حاسمة: ـ المرة دي الشك مش هيدخل قلب زياد بس.. دا هيولع في البيت الكبير كله، وفريدة وأمها هيدفعوا ثمن دخولهم البيت تاني و تحديهم ليا دم، هاتيلي التليفون دا عشان ننفذ… و نبدأ اللعبة بدري بدري


تعليقات

close