القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

بعد خلفة أربع بنات، جوزي أخيرًا رزقه ربنا بالولد اسما السيد

 بعد خلفة أربع بنات، جوزي أخيرًا رزقه ربنا بالولد اسما السيد 



حكايات اسما السيد كاملة 


بعد خلفة أربع بنات، جوزي أخيرًا رزقه ربنا بالولد اللي فضل سنين يتمناه ويطلبه… لكن أول ما شال ابننا المولود بين إيديه لأول مرة، قال جملة خلت قلبي يقع في رجلي. أنا وجوزي كنا مع بعض بقالنا تمن سنين، ومن بداية علاقتنا كنا متفقين إننا نفسنا نعمل عيلة كبيرة. لكن جوزي كان عنده إصرار غريب على حاجة واحدة بالتحديد… لازم يكون عنده ولد. حتى قبل الجواز، كان دايمًا يتكلم عن إن البيت اللي كله بنات بالنسبة له هيفضل ناقص.


كان نفسه في ولد أكتر من أي حاجة. ولد يشيل اسمه… ويحقق له صورة العيلة اللي فضل طول عمره يتخيلها. بعد جوازنا بفترة قصيرة، عرفت إني حامل. جوزي فرح جدًا، ومن أول يوم تقريبًا كان مقتنع إن الطفل ده هو الولد اللي مستنيه. لكن لما ولدت… رزقنا ربنا ببنت جميلة. طبعًا حبها وفرح بيها. لكن حتى وسط فرحته، كنت شايفة خيبة الأمل اللي بيحاول يخبيها. وفي يوم قال لي: — إن شاء الله نجيب لها أخ صغير بعدين.


وفعلًا حاولنا تاني. وبعدين مرة تالتة. ومرة رابعة. وكل سنة أو فترة تقريبًا، كانت بنت جميلة جديدة تنور بيتنا. بقينا أربع بنات. هو كان بيحب بناته كلهم… لكن في كل مرة نعرف فيها إن الجنين بنت، كنت بشوف نفس النظرة ترجع لعينيه. نظرة الإحبا-ط اللي مهما حاول يخبيها… كنت بشوفها. أما أنا، فكنت خلاص تعبت. أربع مرات حمل وولادة أخدوا مني كتير جدًا. جسمي كان مرهق. ونفسيتي كمان. لكن الغريب إن إصرار جوزي على الولد كان بيزيد بدل ما يقل.


وفي أوقات كتير كنت بسأل نفسي: هو مستعد نخلف كام طفل علشان يوصل للولد اللي نفسه فيه؟ خمسة؟ ستة؟ سبعة؟ إمتى هيقتنع إن كفاية؟ وبعدين… حملت للمرة الخامسة. من اللحظة اللي وريته فيها اختبار الحمل، كان شبه متأكد. فضل يقول لي: — أنا حاسس… المرة دي ولد. وأوقات كان يحط إيده على بطني ويبتسم ويقول: — المرة دي ابني جاي. كنت بخاف أتحمس زيه. لكن بعد شهور… عرفنا الحقيقة. الجنين ولد.


مش هنسى وشه يومها. فرحة بالشكل ده عمري ما شفتها عليه. كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين. بدأ يخطط لكل حاجة. يتكلم عن اسمه. وعن مستقبله. وعن الحاجات اللي هيعملها معاه لما يكبر. وأنا كنت سعيدة… مش بس علشان الطفل ولد. لكن لأني قلت أخيرًا الموضوع انتهى. خلاص. عندنا أربع بنات جميلات… والولد اللي جوزي كان نفسه فيه وصل. مرت الشهور. وجاء يوم الولادة. كانت ولادة طويلة ومتعبة جدًا.


كنت منهكة لدرجة إني بالكاد قادرة أفتح عيني. لحد ما سمعت صوت الدكتور: — مبروك… ولد سليم وبصحة كويسة. لفيت ناحية جوزي. وشه نور. كانت عينيه مليانة فرحة. الممرضة نظفت الطفل ولفته، وبعد دقائق قربت من جوزي وحطت ابننا بين إيديه لأول مرة. كنت مستنية أشوفه يعيط من الفرحة. أو يضحك. أو حتى يقول: — أخيرًا. لكنه ما عملش أي حاجة من دول. فضل ساكت. بص للطفل… وبعدين قربه من وشه أكتر.


كان بيدقق في ملامحه بطريقة غريبة. ابتسامته بدأت تختفي بالتدريج. وأنا، رغم تعبي، لاحظت. قلت بصوت ضعيف: — مالك؟ ما ردش. فضل باصص لوش الطفل. مرة لعينيه… ومرة لأنفه… ومرة لشعره. وبعدين رفع عينه وبص لي. النظرة اللي كانت على وشه خلت معدتي تتقبض. الفرحة اللي كانت مالية عينيه من دقايق… اختفت تمامًا. فتح بقه…


وقال جملة خلت قلبي يقع في رجلي…

وقف ينظر إليّ بذهول، وعيناه تتسعان بصدمة لم أجد لها أي تفسير، ثم خرجت كلماته بصوت مبحوح ومرتعد:

— الولد ده… مش شبهي، ولا شبه أي حد من البنات… الطفل ده مش ابننا يا نادية!

نزلت الجملة على رأسي كالصاعقة، شعرت وكأن الغرفة تدور بي، والأنفاس تهرب من صدري. أردت أن أصرخ، أن أصيح فيه وأذكره بكلام الأطباء وتعب السنين، لكن صوتي خرج خافتاً ومجروحاً من شدة الإنهاك:

— أنت بتقول إيه يا محمود؟ أنت تجننت؟ ده ابننا… ابننا اللي استنيته سنين!


لم يستمع إليّ، كان يمسك بالطفل بجمود، وعيناه تصولان وتجولان في تفاصيل وجهه الصغير. الصبي كان أبيض البشرة بملامح حادة وشعر أشقر خفيف، بينما أنا ومحمود نتشارك البشرة الخمرية والشعر الداكن، تماماً كبناتنا الأربع.

بدأت علامات الشك والريبة تنهك ملامحه، وتتحول فرحة عمره في ثوانٍ معدودة إلى كابوس مظلم. قرب الممرضة منه بخوف وقالت تحاول تهدئة الموقف:

— يا أستاذ حمد الله على سلامة المدام، الأطفال في أول دقايق ملامحهم بتتغير، وكتير بياخدوا شبه العائلات والجدود.

لكنه زجرها بنظرة حادة، ورد بصوت مرتفع هز أركان غرفة الولادة:

— أنا عارف شكل عيلتي كويس!


مفيش حد عندنا بالشكل ده خالص! هاتوا الدكتور… نادوا على الدكتور حالاً!

ارتفعت أصواتنا في الغرفة، ودخل الطبيب المتابع على أثر الصراخ. وجد محمود واقفاً في منتصف الغرفة، ممسكاً بالرضيع بطفاسة وحذر، ووجهه يتصبب عرقاً. حاول الطبيب امتصاص غضبه وشرح الأمور بأسلوب علمي:

— يا حاج محمود، الوراثة فيها جينات متنحية، ممكن الملامح تطلع من أجداد الأجداد، ده أمر طبيعي جداً وبيحصل في حالات كتير.

رد محمود وهو يهز رأسه برفض قاطع وصوته يرتجف من الغضب والشبهة:

— أنا مش متقبل الكلام ده، قلبي مش مرتاح… أنا عاوز أعمل تحليل DNA فوراً!



حكايات اسما السيد 2


ر-تجف محمود في مكانِه وكأنّ الأرض مادت من تحت قدميه، وتراجعت خطوة إلى الخلف ممسكةً بالصغير لصدر-ي بقوة. النظر بين ملامح تلك السيدة الغريبة وجه محمود الشاحب كان كفيلاً بأن يخبرني أننا على وشك السقوط في هاوية جديدة أشدّ ظلاماً.

ردّ محمود بصوت جاف وهو يحاول استرداد أنفاسه:

— أنتِ مين؟ وعاوزة إيه؟ وعادل إيه اللي ساب وراه حاجة تاني؟ عادل مات من عشرين سنة في السجن!

ابتسمت المرأة ابتسامة ساخرة ملأتها المرارة، ودخلت الشقة بخطوات واثقة دون أن ينتظر إذنًا من أحد.


أغلقت الباب خلفها ونظرت إليّ وإلى الصغير الملتف في أحضاني، لتتأمل ملامحه الحادة وشعره الأشقر، ثم خرجت منها تنهيدة طويلة وقالت:

— أنا إلهام… أخت عادل الله يرحمه. وأنت صح يا محمود، عادل مات واندفن تحت التراب بسبب قسوتك وظلمك، لكن اللي أنت ماتعرفوش… إن عادل ساب وراه طفلة عمرها شهور لما دخل السجن، بنت أختي اللي أنا ربيتها وكبرتها على اسم حقه اللي ضاع!

جلس محمود على أقرب كرسي وكأنه جثة بلا روح، وتساءل بذهول:

— بنت؟ عادل كان عنده بنت؟ هو عمره ما قال لي إنه اتجوز أو خلف!

ردت إلهام بصوت كالرعد:



— ما لحقش يقول لك! أنت أكلت حقه وراميته في السجن قبل ما يفرح ببيته! مراته ماتت من حزنها بعد ما اتسجن بشرين، وأنا اللي أخدت البنت وربيتها. طول السنين دي وأنا مستنية اليوم اللي أرجع فيه حق أخويا، وعرفت كل حاجة عنك… تابعت حياتك، وعرفت إنك لسه بتدور على ولد يشيل اسمك، وعرفت المستشفى اللي مرتك كانت بتولد فيها!

نزلت كلماتها عليّ كالمياه الباردة، شعرت ببرودة تسري في أطرافي وصرخت فيها بقلب أم مفجوع:

— أنتِ تقصدي إيه؟ اتكلمي بصراحة! الولد ده ابني… التحليل أثبت إنه ابننا! أنتِ جاية تعملي إيه هنا؟


التفتت إليّ إلهام، ولأول مرة تحن ملامحها القاسية وهي تنظر إلى دموعي، وقالت بصوت خفضت نبرته قليلاً:

— يا هانم… أنا مش جاية أتبلى عليكِ ولا أظلمك، التحليل صح… الطفل ده ابنكم البيولوجي فعلاً، لكن الحقيقة اللي محمود ما يعرفهاش إن الجينات والأحفاد مابتموتش. بنت عادل كبرت، واتجوزت… وقبل تسع شهور، كانت بتولد في نفس المستشفى ونفس الليلة اللي أنتِ كنتِ بتولدي فيها!

وقفت مشدوهة لا أفهم شيئاً، بينما رفعت إلهام رأسها وقالت بكلماتزلزلت أركان الغرفة:

— بنت عادل ولدت ولد، وفي نفس الساعة أنتِ ولدتي الولد ده. أنا ما بدلش أطفال ولا سرقت…


بس لما شفت ابن بنت أخويا اللي اتولد بنفس ملامح عادل بالضبط، وشفت ابنكم اللي نزل بملامح عائلتك الخمرية… عرفت إن ربنا بعت لي الفرصة على طبد من ذهب!

شهقت بقوة وقلت:

— عملتِ إيه يا مجنونة؟

قالت ببرود مرعب:

— اتفقت مع ممرضة ضعيفة النفوس في المشتل… وبدلت العينات، وبدلت الأسورة من أيد الأطفال في لحظة السهو الأولى! الولد اللي في حضنك ده… هو ابن بنت عادل! والولد اللي نزل من بطنك بملامح محمود وعيلتك… هو اللي بيكبر دلوقتي في حضن بنت أخويا!

سقطت على الأرض وركبتي لم تعد تحملانني، والصغير بدأ يصرخ بين يديّ.


قام محمود كالمجنون وهجم عليها يمسك بتلابيبها وهو يصرخ بهستيريا:

— أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ جنيتي؟ بدلتِ الولاد؟ يعني الولد ده مش ابني؟ التحليل طلع إيجابي إزاي؟

دفعت يده عنها بقوة وقالت بثقة:

— التحليل طلع إيجابي لأن الممرضة اللي أخدت العينة للتحليل كانت تبعي كمان! زورنا النتيجة عشان تقعد شاكك في مرتك وتتأكل من جوة، عشان تدوق طعم الشك والعذاب اللي عادل عاشه في السجن! عشان تفتكر كل يوم إنك أكلت حق يتيمة!

كانت الشقة تغلي، البنات الأربع خرجن من الغرف يبكين من صراخنا، ومحمود يتنفس بصعوبة وشفتيه تزرقان من الصدمة. أفكاري كانت تتضارب بشكل جنوني…


الطفل الذي أرضعته لمدة أسبوع وأحببته واعتبرته عوض سنوات تعبي، ليس ابني؟ وابني الحقيقي، القطعة مني ومن أحشائي، يتربى في بيت أناس غرباء بسبب انتقام قديم؟

سقط محمود على الأرض فاقداً للوعي من هول الصدمة، بينما وقفت إلهام تنظر إلينا وقالت ببرود قبل أن تتجه نحو الباب:

— النتيجة الحقيقية للتحليل الأولاني والتحليل الأصلي معايا… ابنك الحقيقي موجود يا محمود، لو عاوز ترجع ابنك وتنقذ بيتك… هترجع أرض عادل وبزيادة، وهتكتب نص أملاكك باسم بنته يتيمة الأب اللي أنت حرمتها من أبهًا! قدامك 48 ساعة…


يا إما هختفي بالولد الحقيقي، وهتفضل طول عمرك مربي ابن الراجل اللي أنت قتلتوه بظلمك!

خرجت وإغلاقت الباب خلفها بقوة، لترن صدامات كلماتها في أذني كأجراس الخطر.

أنحنيت على محمود أحاول إفاقته وأنا أبكي بحرقة، ممسكة بالطفل الذي ضممته إلى صدري… طفل لا ذنب له، أصبحت أراه فجأة كقنبلة موقوتة تهدد بدمار عائلتي بالكامل. هل أضحي بهذا الصغير الذي ارتبطت به ليعود إليّ ابني الحقيقي؟ أم كيف سنواجه هذا الذي هدّد شرفنا وأموالنا وأطفالنا؟



ستعدت وعيي وصحوت على صوت أنفاسي المتلاحقة، بينما كان محمود مستلقياً بجواري على الأرض كالجسد بلا روح. استجمعت بقايا قوتي وقمت بسحبه وصنع كمادات باردة له حتى بدأ يفتح عينيه ببطء.

كانت عينان محمود تنطقان بالانكسار والضياع. لم يتكلم، بل أخذ ينظر إلى السقف بجمود تام، بينما كان الصغير الملتف في الفراش المجاورة يبكي بصوت خافت كأنه يشعر بالزاوية الحرجة التي وضع فيها.

جلست أمامه على الأرض، وأمسكت بيده المرتعشة وقلت له بصوت حازم وجاد:

— محمود… القعدة والانهيار مش هيحلوا حاجة. قدامنا أقل من يومين، وعندنا قرارات لازم تتاخد حالا


ابننا الحقيقي برة في إيد ناس غرباء، والطفل ده مالوش أي ذنب في القرف والتار اللي بينكم!

جلس محمود ببطء، ووضع يديه على وجهه وهو ينتحب بصوت مكتوم:

— أنا السبب يا نادية… أنا اللي جبت لكم الشوم ده كله! طمعي زمان هو اللي بيحرقنا دلوقتي. أنا مستعد أكتب لها كل ما أملك، مستعد أبيع هدومي، بس أرجع ابني وأخلص من الكابوس ده!

لكن قلبي كان يعتصر. كيف أترك هذا الطفل الصغير الذي غمرته بحناني وأرضعته من صدري وصار جزءاً من كياني، حتى لو لم يكن من أحشائي؟ كيف أسلّمه لامرأة ملأ الانتقام قلبها حتى صار كالحجر؟



في صباح اليوم التالي، قرر محمود عدم الانتظار لانتهاء المهلة. قام باتصالات مكثفة وحرر كل الأوراق القانونية التي تنازل بموجبها عن الأرض القديمة، بالإضافة إلى كتابة نصف عقاراته وممتلكاته باسم “بنت عادل”. كان يوقع الأوراق بآلية شديدة، وكأنه يوقع على وثيقة نجاته من النار.

اتصلنا برقم إلهام، واتفقنا على اللقاء في مكان محايد داخل إحدى المستشفيات الكبرى، لضمان إجراء الفحوصات الطبية وتحاليل البصمة الوراثية الحقيقية فوراً قبل أي تسليم أو تسلم.

وصلنا إلى المستشفى، وكانت إلهام تنتظرنا هناك، وبجوارها فتاة شابة في عشرينيات عمرها، ملامحها هادئة يكسوها الحزن، وتحمل بين يديها طفلاً رضيعاً ملوفاً بدثار أزرق.


عندما وقعت عيني على الرضيع الذي تحمله تلك الفتاة… شعرت بقشعريرة تسري في جسمي بأكمله. نداء الأمومة لا يخطئ؛ كان الطفل يملك نفس البشرة الخمرية الناعمة، ونفس الملامح التي تماثل بناتي الأربع تماماً عند ولادتهن. انهارت دموعي رغماً عني، وأدركت في تلك اللحظة أن هذا الرضيع هو قطعتي المفقودة وابني الذي حملته تسعة أشهر.

تقدم محمود ونشَر الأوراق والكتب الرسمية أمام إلهام، وقال بصوت جاد ومجهد:

— الأوراق أهي… التنازلات كاملة وموثقة ومصحوبة بتوقيعي ورقمي القومي. الأرض والممتلكات بقت باسم بنت عادل. أظن كدة حَقكم رجع وزيادة.

أخذت إلهام الأوراق وتفحصتها بدقة مع محاميها الخاص الذي كان يرافقها، ثم أومأت برأسها وقالت:

— كدة حق أخويا رجع، والبنت أخدت حقها اللي انحرمت منه سنين.

تقدمت الفتاة الشابة (بنت عادل) نحو محمود، وكانت عيناها مليئتين بالدموع، وقالت له بنبرة مؤثرة:

— أنا ما كنتش اعرف إن عمتي هتعمل كل ده… ولا كنت أعرف إنها بدلت الولاد. أنا عرفت الحقيقة منها من يومين بس، ولما شفت ابنكم معايا وعرفت إن ابني عندكم، قلبي اتكسر. أنا مش عاوزة فلوسك يا أستاذ محمود… أنا بس كنت عاوزة أعرف ليه حرمت أبايا من حريته.


تسمر محمود في مكانه، ودموعه تسيل في صمت، ونكس رأسه خجلاً أمام ابنة صديقه القديم دون أن يجرؤ على الرد.

دخلنا جميعاً إلى المعمل المخصص داخل المستشفى تحت إشراف طبي كامل. تم سحب العينات من الأطراف الأربعة وللطفلين. خضعنا جميعاً لساعات انتظار طويلة وثقيلة، حتى خرج الطبيب المباشر وبيده التقارير النهائية المعتمدة.

وقف الطبيب وقرأ النتيجة الحسمية:

الطفل الذي تحمله الفتاة الشابة هو الابن البيولوجي الشرعي لمحمود ونادية، بينما الطفل الأشقر هو ابن الفتاة الشابة وحفيد عادل.

انهمرت الدموع في الغرفة، وتقدمت ببطء لأستلم ابني الحقيقي بين أحضاني.


ضممته إلى صدري بقوة، واستنشقت رائحته التي حرمت منها، فشعرت وكأن روحي ردت إليّ بعد طول غياب.

وفي المقابل، أخذت الفتاة الشابة ابنها الأشقر وضمتها بحنان وأجهشت بالبكاء.

نظرتُ إلى الصغير الأشقر الذي أرضعته لعدة أيام، واقتربت من أمه الشابة، ثم قبّلت رأسه وودعته بقلب مدمى، وقمت بتسليمه لها وأنا أقول لها:

— ابنك أخد من لبني ورعايتي… خدي بالك منه، واعرفي إن ملوش ذنب في أي حاجة حصلت.

مسحت الفتاة دموعها وأومأت برأسها بالايجاب.

أخذنا ابننا الحقيقي، وخرجنا من المستشفى وتركنا خلفنا إلهام وبنت عادل. كانت الطريق إلى البيت هادئة، لكن هدوءاً مختلفاً هذه المرة…

هدوء الارتياح بعد انقشاع الغمة.

وصلنا إلى الشقة، واستقبلتنا البنات بصرخات الفرح والزغاريد عندما شاهدن أخاهن الحقيقي الذي يشبههن تماماً. أقمنا العقيقة، وأسمينا الصغير (عمر).

مرت الأسابيع، وعادت الحياة لتستقر تدريجياً في بيتنا. كان محمود يحمل عمر كل يوم، وينظر إلى ملامحه الخمرية الجميلة ويمسح على رأسه بحب حقيقي وخالي من الشكوك، وكأن وجود هذا الطفل أزاح عن صدره جبل الخوف والذنب الذي عاشه.

ظننا أن الصفحات السوداء قد طويت بالكامل، وأننا دفننا الماضي ودفن محمود ذنبه بتنازله عن أملاكه ودفع الثمن كاملاً…

لكن بعد مرور شهرين، وفي يوم جمعة مشمس، ورد اتصال هاتفي مفاجئ لمحمود من مركز الشرطة… اتصال جعل ملامحه تتغير مجدداً ويقف مذهولاً وهو يستمع إلى الطرف الآخر.

أغلق محمود الهاتف ويداه ترتجفان بشكل هستيري، وسقطت السماعة من بين أصابعه لتصطدم بالأرض. ركضت نحوه بقلب مقبوض، ممسكة بـ (عمر) بين أحضاني والبنات يلتفن حولنا بخوف.

صرخت فيه والذعر ينهكني:

— في إيه يا محمود؟ مين اللي بيكلمك من القسم؟ اتكلم يا راجل حرام عليك!

نظر إليّ بعينين زائغتين وقال بصوت متقطع:

— إلهام… أخت عادل… اتقتلت في شقتها!


والشرطة جابت اسمي من آخر اتصالات على تليفونها، وعاوزيني أروح حالا!

أحسست بقشعريرة باردة تسري في جسدي. كيف تقتل بعد كل ما حدث؟ وبعد أن أخذت الحقوق واستردت ممتلكات أخيها؟

توجهنا فوراً إلى مركز الشرطة. كان التوتر سيد الموقف، والتحقيقات تجري على قدم وساق. وبعد ساعات طويلة من التحريات وتفريغ كاميرات المراقبة الخاصة ببناية المتوفاة، ظهرت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد…

القاتل لم يكن غريباً، بل كان المحامي الخاص بإلهام نفسه! المحامي الذي شهد على أوراق التنازل وكتابة الأموال!


أثبتت التحقيقات أن المحامي، بعدما رأى حجم الأموال والمقتنيات الضخمة التي تنازل عنها محمود لصالح ابنة عادل، سال لعابه وطمع في التهام التركة لنفسه. حاول إجبار إلهام على توقيع توكيلات عامة تتيح له التصرف في كل شيء، وعندما رفضت وقاومت، اعتدى عليها بقسوة حتى فارقت الحياة.

أُلقي القبض على الجاني، وتكشفت كل الحقائق أمام النيابة العامة. وفي وسط هذا الركام والحزن، حضرت ابنة عادل إلى القسم، وهي تبكي بحرقة على عمتها التي ربّتها، وكانت تحمل طفلها الأشقر بين يديها.


وقفت الفتاة الشابة أمام محمود، وهي مكسورة الجناح ولا تملك أحداً في هذه الدنيا بعد مقتل عمتها، وقالت بصوت يخنق العبرات:

— أنا بقيت لوحدي يا أستاذ محمود… ماليش غير ابني، ومش عاوزة الفلوس ولا الأملاك دي كلها… الفلوس دي كانت شؤم على الكل من يوم ما اتولدت!

في تلك اللحظة، حدث التحول الأكبر والنهائي في حياة محمود. نزل على ركبتيه أمام ابنة صديقه القديم، ودموع الندم والتوبة الصادقة تتفجر من عينيه، وقال لها بكل تواضع وانكسار:

— أنا السبب في كل اللي حصل من الأول… طمعي زمان هو اللي فتح باب الشيطان والدمار ده كله.


الفلوس والأملاك دي حقك الشكلي والشرعي، وأنا مش هاخد منها مليم واحد… وأنتِ وابنك من النهاردة في حمايتي وفي رقبتي لحد ما أموت. أنتِ أخت لولادي، وطفلك ده هو ابني اللي أرضعته مراتي ورعيناه.

مرت الأيام والشهور، وتبدلت النفوس واغتسلت من أدناس الماضي.

أعاد محمود بناء حياته من جديد، ليس بالمال أو الجشع، بل بالحق والعدل. تكفّل بابنة عادل وطفلها، ووفر لهما حياة كريمة وآمنة بالقرب منا، وصار الطفل الأشقر وزوج ابنة عادل جزءاً من عائلتنا الكبيرة، يتربى جنباً إلى جنب مع ابننا (عمر) وبناتنا الأربع.


أما أنا، فنظرت إلى بيتي المليء بالأطفال والضحكات، وأدركت أن اللعنة لم تكن في إنجاب البنات، ولا في التأخر بإنجاب الولد… بل كانت في القلوب التي لا تقنع، والأنفس التي تظلم.

وعندما عاد الحق لأصحابه، وتطهرت النفوس بالتوبة والفح، أشرقت الشمس أخيراً على بيتنا، وعاش الجميع في سلام وأمان.



أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close