الشغاله بتعلم بنته الكفيفه القتال
الشغاله بتعلم بنته الكفيفه القتال
لقى الشغالة بتعلم بنته الكفيفة القتال… لكن ماضيها اللي كانت مخبياه خلاه يشك في كل الأسوار اللي بناها حوالين قلبه.
أول حاجة شافها سليم الجارحي كانت بنته الكفيفة ندى وهي رافعة عصاية خشب، وبتصد ضربة كان المفروض توقعها على الأرض.
وتاني حاجة شافها…
كانت الشغالة اللي بتهاجمها.
كانت مريم واقفة حافية على أرضية بدروم الفيلا. شعرها الأسود مربوط لورا، وعينيها الرمادي مليانين تركيز وبرود. لابسة فستان شغالة أسود بسيط، والياقة مبلولة من العرق.
في التمن شهور اللي اشتغلت في بيت سليم، كانت هادية لدرجة إن وجودها كان شبه مش باين. تنظف الرخام، تطبق الملايات، تقدم القهوة، وتختفي قبل ما أي ضيف يلاحظ إنها موجودة.
لكن دلوقتي…
كانت بتلف حوالين ندى، اللي عندها اتناشر سنة، زي مدربة مستعدة تختبر تلميذتها.
قالت مريم بهدوء
مرة كمان.
رفعت ندى دقنها.
عينيها اللي فقدت البصر كانت باصة في الفراغ.
العصاية نزلت بسرعة ناحية كتفها.
لكن ندى اتحركت ناحية الضربة… مش بعيد عنها.
اصطدم الخشب بالخشب بقوة، والصوت دوّى في البدروم زي طلقة.
سليم وقف مكانه.
حس إن نفسه اتقطع.
كل حاجة حواليه سكتت.
مراتب التدريب.
الكاميرا اللي في الركن.
وش بنته المحمر من المجهود.
وإيدين مريم الثابتين.
وفجأة فتح الباب بعنف.
لفت ندى ناحية الصوت.
بابا؟
صوتها كان لاهث… لكنه مليان فرحة وفخر.
وده خلاه يتعصب أكتر.
قال بصوت هادي يخوف
إيه اللي بيحصل هنا؟
مكانش محتاج يزعق.
رجالة كانت بترتجف من النبرة دي.
وأعداؤه كانوا بيفضّلوا فاكرينها طول عمرهم.
اختفت ابتسامة ندى.
أما مريم…
فنزلت العصاية، لكنها ما رجعتش خطوة.
لاحظ سليم ده.
هو أصلًا كان بياخد باله من أي تفصيلة تخص بنته.
قال وهو باصص لمريم
أنا سألت سؤال… بتعملي إيه مع بنتي؟
ردت بمنتهى الهدوء
بعلمها.
بتعلميها تتعور؟
بعلمها ما تفضلش واقفة لما الخطر ييجي.
الكلام نزل عليه تقيل.
مشي ناحيتها في تلات خطوات.
راجل طويل، عريض، لابس أسود، وسكوته أخطر من غضب أي حد.
لكن مريم فضلت باصة في عينيه.
ندى مسكت العصاية بإيديها أكتر.
قالت مريم
هي اللي طلبت مني.
بصلها سليم.
اطلعي فوق.
قالت ندى بهدوء
لأ.
اتصدم.
ندى.
قلت لأ.
كان وشها أحمر من التعب، وعلى رسغها كدمة صغيرة من التدريب.
أول ما شافها…
حس إن قلبه اسود.
قال
إنتِ كفيفة… مينفعش تمسكي سلاح.
ندى اتوجعت من كلامه.
ومريم قالت بهدوء
آه… هي كفيفة.
بس مش عاجزة.
بصلها سليم بغضب.
إنتِ مالكيش حق تقوليلي بنتي إيه.
قالت
لكن أقدر أقولك هي بقت إيه.
اترعشت شفايف ندى وهي بتحبس دموعها.
وساعتها فهم سليم إن اللي خوّفها مكانش التدريب…
كان دخوله.
قال بهدوء
اطلعي فوق.
وقعت العصاية من إيديها.
وقالت بصوت مكسور
إنت بنيت البيت ده كله عشان تحميني.
بس يا بابا… أنا عايشة في الدنيا دي سواء وافقت ولا لأ.
حس بضيق في صدره.
ندى…
قاطعته.
إنت بتعاملني كأني إزاز.
بس الإزاز… ممكن يجرح.
وسابته وطلعت السلم لوحدها.
ولا مرة اتعترت.
بعد ما الباب اتقفل…
لف سليم لمريم.
إنتِ مرفودة.
ردت
لأ.
ضحك بسخرية.
لأ؟
قالت
تقدر تطردني.
لكن مستحيل تمسح اللي حصل النهارده.
بنتك لأول مرة حست إنها قوية… وعمرها ما هتنسى الإحساس ده.
شد فكه.
إنتِ عارفة أنا مين.
وبرضه وقفتي بيني وبين بنتي.
قالت
وقفت علشانها… مش ضدك.
رد بغضب
مفيش فرق.
قالت
فيه فرق كبير بين الحماية… والتملك.
ساد صمت تقيل.
قرب منها.
كانت ريحتها صابون ومطر.
ومفيهاش ذرة خوف.
وده أكتر حاجة ضايقته.
قال
إنتِ شايفة إني بتملك بنتي؟
قالت
أنا شايفة إنك بتحبها…
وسكتت لحظة.
…زي أوضة مقفولة بالمفتاح.
اتغيرت ملامحه.
قالت
أعداؤك عارفين نقطة ضعفك.
مش فلوسك.
ولا شركتك.
ولا رجالتك.
ندى.
قبض إيده.
اختاري كلامك كويس.
قالت
أنا دايمًا بختاره.
بصلها لأول مرة بتركيز.
شاف الندبة اللي في رسغها.
والتانية اللي جنب رقبتها.
وطريقة وقفتها.
ونَفَسها اللي متغيرش رغم غضبه.
دي ست عرفت الخطر…
وعاشت معاه.
سألها
إنتِ مين؟
اتغيرت نظرتها لحظة.
يمكن وجع…
يمكن ذكرى.
قالت
ولا حد.
رد
ولا حد مايعرفش يعلم طفلة كفيفة تتحرك من صوت النفس.
بلعت ريقها.
لكن قبل ما يكمل…
باب البدروم صوّت.
ندى كانت واقفة بتسمع.
قالت مريم
هي سمعت الحراس وهم بيقولوا إنها نقطة ضعفك.
ثبت مكانه.
هاتِ أساميهم.
قالت
حتى لو عاقبتهم… مش هتغير اللي مقتنعين بيه.
وهو إيه؟
إنها ضعيفة… لأنك إنت اللي خليتهم يعاملوها كده.
الكلام وجعه.
لأنه كان عارف إنه صح.
طول السنين اللي فاتت كان بيحاوط بنته بالكاميرات، والحراس، والأبواب المقفولة.
وكان فاكر إن ده حب.
لكن لأول مرة سأل نفسه…
هو الحب ممكن يبقى سجن؟
قال بصوت واطي
هي كل اللي عندي.
قالت مريم
هي مش كل اللي عندك.
هي الشخص اللي طول عمرك خايف تخسره.
حس بحاجة غريبة جواه.
اشتياق.
لمراته اللي ماتت.
وللبنت اللي كبرت بسرعة.
وللست اللي واقفة قدامه ووراها أسرار كتير.
قال
سيبي البيت.
هزت راسها.
وعند أول السلم وقفت.
وقالت
بنتك أقوى بكتير مما تتخيل.
السؤال… إنت عندك الشجاعة تسيبها تثبتلك ده؟
ومشيت.
فضل سليم واقف لوحده.
بيبص للعصاية اللي وقعتها ندى.
لسه دافية من إيديها.
وساعتها فهم حاجة هزته.
هو ما غضبش لأنها عرضت بنته للخطر.
هو غضب…
لأنها ورّته إن بنته مبقتش محتاجاه بالطريقة اللي كان متخيلها.
ولحد نص الليل…
سليم ما عرفش ينام.
المطر بينزل على شباك مكتبه.
وصورة ندى وهي عندها سبع سنين قدامه.
كانت بتضحك وهي حاسة بدفا الشمس… رغم إنها عمرها ما شافتها.
الباب اتفتح من غير خبطة.
دخل عادل الجارحي.
الراجل الوحيد اللي يقدر يدخل بالشكل ده ويخرج سليم سايبه عايش.
قال سليم
عرفت اللي حصل.
رد عادل
كل الخدم عرفوا… ونص رجال الأمن كمان.
بصله سليم.
إنت كنت عارف.
اتأخر عادل في الرد.
آه… من تلات أسابيع.
قام سليم بعصبية.
تلات أسابيع؟!
آه.
واتفرجت؟
قال عادل
اتفرجت على بنتك تقع ست مرات… وتقف سبعة.
فضل سليم ساكت.
قال عادل بهدوء
وشفتها… سعيدة.
الكلمة هزته.
بص من الشباك.
في مكان فوق…
ندى بتحاول تنام.
وفي أوضة الخدم. ..
مريم كانت بتلم هدومها في شنطة صغيرة.
وفكرة إنها تمشي…
ضايقته بشكل غريب.
سأل
إيه اللي تعرفه عنها؟
قال عادل
في كلام قديم.
أنا مش بدفعلك عشان الإشاعات.
ابتسم.
لأ… إنت بتدفعلي عشان أعرف الحقيقة.
طلع ملف قديم.
وحط صورة قدامه.
بنت صغيرة واقفة في حلبة قتال سرية.
في دم على بقها.
ورافعة إيديها بعد الفوز.
قال عادل
كانوا بيسموها…
الذئبة البيضاء.
شهق سليم وهو باصص للصورة.
كان سمع الاسم قبل كده.
مقاتلة أسطورية اختفت فجأة بعد فضيحة كبيرة محدش كان بيجرؤ يتكلم عنها.
همس
بطولة أبويا…
هز عادل راسه.
ولأول مرة الليلة دي…
غضب سليم بقى موجه لحاجة تانية.
للماضي.
ولنفسه.
وللحقيقة…
اللي كانت مستنياه ورا الباب.
الملف القديم كان ورق مصفر، حوافه مهترئة من كتر ما اتقرأ واتخبى، والصورة اللي في أوله كانت واضحة زي لو اتاخدت امبارح. سليم مسك الصورة بإيد مرتعش، بص للبنت الصغيرة اللي في سن الستاشر، شعرها الأسود مربوط لورا، وعليها قميص قتال ممزق ومبلول بالعرق والدم، وعينيها الرمادي اللي كان بيلمع في الصورة زي ما هو لسه بيلمع في عيني مريم دلوقتي.
قال بصوت مكسور الذئبة البيضاء… دي كانت من أشرس المقاتلات اللي ظهرت في البطولات السرية اللي كان بيديرها عمي قبل ما يموت؟
عادل هز راسه ببطء أيوه. محدش كان يعرف اسمها الحقيقي، ولا من فين جات. كانت بتدخل الحلبة، بتضرب خصومها مهما كانوا أقوى منها، وتاخد الجايزة وتختفي. لحد ما جت الليلة اللي اتعرفت فيها الحقيقة… واتهمت بقتل خصمها غدرًا.
سليم رجع خطوة لورا، وراح قعد على الكرسي الكبير، الصورة لسه في إيده والقصة دي كانت من عشر سنين؟
أكتر من عشر. بعد الحادثة دي اختفت تمامًا. محدش شافها، ولا عرف لها مكان. واللي كانوا بيدوروا عليها قالوا إنها ماتت، وإن جثتها رميت في الصحرا.
سليم بصل للصورة، وبعدين بص للباب اللي مريم طلعت منه من شوية ماتت؟ والست اللي في البيت دي إيه؟ شبح؟
عادل سكت شوية، وبعدين كمل بجدية الادعاء إنها قتلت غدرًا كان كذب. الحقيقة اللي وصلت لي إن الخصم بتاعها كان مدسوس عليه مخدر، وإن اللي قتله كان نفس الراجل اللي بيدير البطولات، عشان يخلص منها وياخد فلوس الجايزة كلها. واتضح كمان إنها كانت بنت ل…
سليم قاطعه بسرعة، قلبه دق بقوة لبنت من؟
لبنت رجلك اللي كان أمين
سرك، واقرب الناس ليك، قبل ما يموت في حادثة غامضة من سبع سنين. عبد الرحمن.
سليم قام من مكانه فجأة، والكرسي وقع وراه بصوت عالي عبد الرحمن؟ أبو مريم؟
أيوه. عبد الرحمن كان عارف كل أسرارك، وكل تفاصيل أعمالك. لما مات، اختفت كل الأوراق اللي تثبت تهم الفساد والقتل اللي كان بيديرها منافسك القديم، كمال المنياوي. والكل قال إن عبد الرحمن هو اللي سرقها وهرب بيها. لكن الحقيقة… إن الورق ده وصل لبنته، وإنها هي اللي كانت بتدرب في البطولات عشان تجمع فلوس كفاية تثبت براءة أبوها.
سليم فضل ساكت دقايق طويلة، كل ذكريات السنين اللي فاتت بتروح وتجي في دماغه. عبد الرحمن كان صديق عمره، كان اللي بيساعده في كل خطوة، لحد ما جت الليلة اللي لقوه فيها ميت في سيارته، والسيارة محترقة، ومحفظته وكل أوراقه مش موجودة. سليم كان حاسس بذنب طول السنين، لأنه كان آخر واحد شافه، ولأنه كان عارف إن عبد الرحمن كان عنده مخاوف من كمال المنياوي، لكنه ما سمعش كلامه في الوقت ده.
قال بصوت واطي وعشان كده جت هنا؟ عشان تاخد بحق أبوها؟
ولا عشان كده بس. كمال المنياوي لسه بيدور على الأوراق، ولسه بيدور عليها. وعارف إنها عندها. وإنها جت هنا عشان تحمي نفسها، وتوصل للحق.
سليم بص للنافذة، المطر لسه بينزل بقوة، والظلام مالي الحديقة كلها وعلمت كل ده من امتى؟
من أول ما شفتها. لما جت تقدم على الشغل، شفت الندبة في رسغها، نفس الندبة اللي كانت في الصور القديمة. بحثت أكتر، وتأكدت. وحبيت أستنى لحد ما هي هي نفسها تظهر الحقيقة، مش عشان أضطرها.
سليم هز راسه بغضب من نفسه، من غبائه، من كل السنين اللي بناها
فيها أسوار حول قلبه وحول بنته وأنا كنت فاكرها مجرد شغالة هادية، مفيش منها ضرر. وطول الوقت هي اللي اقرب واحد لينا، وعارفة كل أسرارنا.
هي ما خانتك يا سليم. العكس تمامًا. هي عارفة إن كمال أول خطوة هيعملها لو عرف مكانها هيخطف ندى، عشان يضغط عليك وتسلمه الأوراق اللي انت كنت عندك نسخة منها، وتسلمه مريم نفسها. وعشان كده علمتها القتال. عشان لو حصل أي حاجة، تقدر تدافع عن نفسها، ومتبقاش نقطة ضعفك زي ما كل واحد فاكر.
سليم حس بالدموع بتجاهد تطلع، لكنه مسكها بكل قوته. هو طول عمره ما بكى، ولا قدام حد ولا لوحده. لكن اللحظة دي كانت مختلفة. هو كان حاطط كل خوفه وكل حبه في ندى، ونسى إن الحب مش معناه السجن، وإن الحماية مش معناها إنك تمنع الناس من إنهم يكونوا أقوياء.
قال لعادل روح شوف هي لسه في البيت ولا طلعت؟
عادل هز راسه من ساعة ما طلعت من مكتبك شفتها بتلم شنطتها. يمكن تكون مشيت دلوقتي.
سليم مشي بسرعة ناحية الباب، ناحية أوض الخدم، قلبه بيدق زي ما هو مكنش يدق في حياته كلها. لما وصل للباب، لقاه مفتوح شوية، والغرفة فاضية، والسرير مرتب، والشنطة اللي كانت بتلمها مش موجودة. بس على الكوميدانة الصغيرة، كان ورقة مطوية، ومكتوب عليها اسمه بخط واضح وقوي.
مسك الورقة وفتحها، وقرأ بصوت هادي
يا سليم بك،
أنا آسفة إني ما قلتلك الحقيقة من أول يوم. لكن ما كانش عندي خيار. كنت خايفة إنك تكرهني، أو تظن إنني جيت أضرك أو أضر بنتك. أبوها كان بيحبك أكتر من أخوه، وكان بيقوللي إنك الوحيد اللي تقدر ترجع الحق لصاحبه.
علمت ندى مش عشان أجعلها تقاتل حد، ولا عشان أعرضها للخطر. لكن عشان لو الخطر جالها، تلاقي إيدها تدفع عنها. هي مش عاجزة، وانت اللي خليتها تحس كده من كتر ما بتحاوطها.
الأوراق اللي تثبت براءة أبويا، وكل جرائم كمال المنياوي، موجودة في مكان آمن. مش هعرف أسلمها لك غير لما أتأكد إنك مستعد تواجه الحقيقة كلها، وإنك مستعد تحمي بنتك بالطريقة الصح، مش بالأسوار والحراس بس.
ندى قوية، وانت كمان لازم تكون قوي عشانها.
مريم.
سليم قفل الورقة، وحطها في جيبه، وبص للنافذة الصغيرة اللي بتشرف على الباب الرئيسي للفيلا. شاف ظهرها وهي ماشية في المطر، شنطتها الصغيرة على كتفها، ومشيتها واثقة، زي ما هي مش خايفة من أي حاجة قدامها. حس بغصة في حلقه، وعرف إن لو سابها تمشي دلوقتي، هيفقدها للأبد، ويفقد أمل في معرفة الحقيقة كلها، وفي إن ندى تقدر تعيش حياة طبيعية.
ركض ناحية السلم، ناحية باب الفيلا، وعادل كان وراه مستغرب. لما فتح الباب، المطر ضرب في وشه بقوة، وشافها لسه ماشية في نهاية الطريق الطويل اللي بيوصل للبوابة الخارجية. ناداها بصوت عالي، الصوت قطع صوت المطر
مريم! استني!
هي وقفت مكانها ببطء، ما لفتتش لورا على طول، بس سمعت صوته ووقفت. هو ركض ناحيتها، المطر غطى ملابسه كلها، ولما وصل قدامها، كانت عينيها مليانة دموع مخبية، وشعرها مبلول ومشدود على وشها.
قال بصوت لاهث عرفت كل حاجة. عرفت مين أنتِ، وعرفت ليه جيتي هنا.
هي بصتله بتركيز، ما نطقتش كلمة.
كمل هو، وكل كلمة بتطلع منه مجهود أنا آسف. آسف إني فهمتك غلط، وآسف إني عاملت بنتي كأنها شيء ملكي، مش إنسانة ليها حق تختار وتقوي نفسها. آسف عشان كل اللي مر بيكِ، وعشان ما قدرتش أساعد أبوكي في الوقت اللي كان محتاجني فيه.
لأول مرة شاف دمعة نزلت من عينها، وسالت على وشها المبلول أنت مش عارف أي حاجة يا سليم بك. مش عارف قد إيه كان صعب عليا أشوفك وأنا عارفة إنك بتكره اللي حصل لأبويا، وإنك بتعتبره خاين.
أنا ما كرهتهوش. كنت حاسس إني خاين ليه. لأني ما صدقتش كلامه لما قال إن كمال هو اللي بيخطط له، ولما وجدته ميت كنت عاجز عن إثبات الحقيقة.
قرب منها خطوة، المطر لسه بينزل، والدنيا كلها ساكتة غير صوت المطر ونفسهم ما تمشيش. أرجوكِ. ندى محتاجاكِ، وأنا كمان محتاجكِ. محتاجك تساعدني أرجع الحق لصاحبه، ومحتاجك تساعدني أعرف أعامل بنتي صح، وأعرف أكون أب يستاهلها.
هي سكتت شوية، وبصت للفيلا وراه، وبعدين بصت للطريق الطويل اللي كانت ماشية فيه، وبعدين رجعت بصتله لو بقيت… لازم توعدني بحاجتين.
أي حاجة. كل اللي تطلبه.
أولًا تفتح كل الأبواب والشبابيك اللي أغلقتها طول السنين دي. تسيب ندى تخرج، تتعرف على الناس، تعيش حياتها زي أي بنت في سنها. وتكون واثق فيها، مش خايف عليها لدرجة إنك تقتلها بالحب.
والتانية؟
التانية لما نكشف الحقيقة كلها، ونمسك كمال المنياوي، ومش هنقف عند حد. هنعرف مين ساعده، ومين سكت، ومين أذى أبويا وأذى ناس تانية كتير. ولازم تكون مستعد تواجه أي حاجة تطلع، حتى لو كانت من أهلك أو من اللي حواليك.
سليم هز راسه بجدية، ومد إيده يمسك إيدها، إيدها كانت باردة من المطر، لكنه مسكها بقوة ودفء أوعدكِ. كل اللي قلتِه هيعمل. وكل الحقوق اللي اتسرقت هترجع لصحابها، مهما كان الثمن.
هي ابتسمت خفيف، أول مرة يريح قلبه ابتسامة من ساعة ما ماتت مراته تمام. أنا بقيت.
وفجأة سمعوا صوت ندى من وراهم، لسه واقفة
عند باب الفيلا، ومسندة إيدها على الحائط عشان تحس بالطريق مريم؟ أنتِ مش ماشية؟
مريم سحبت إيدها من سليم ببطء، ومشيت ناحيتها بسرعة، لما وصلت قربت منها ومسكت إيدها لأ يا حبيبتي. مش ماشية. بقيت معاكِ.
ندى ضحكت، وضمتها بقوة، ودموع الفرحة نزلت من عينيها شكرًا. شكرًا كتير.
سليم وقف وراهم، وبص لهم، وحس إن السنين اللي كانت تقيلة على قلبه بدأت تتروح، وإن النور بدأ يدخل للسجن اللي كان حابس فيه نفسه وبنته. لكنه كان عارف إن ده مجرد بداية، وإن الطريق قدامهم مليان مخاطر، وإن كمال المنياوي مش هيسكت، وإن الأسرار اللي لسه مخبية هتكون أثقل وأكبر من أي حاجة تخيلها.
الفصل التاني الأسرار القديمة والخطر القادم
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت دافئة، ومطر الليل راح وبقى ريحة التراب والشجر مليانة الحديقة. سليم صحى بدري، وطلع للحديقة لقى ندى ومريم قاعدين على المقعد الخشبي الكبير جنب النافورة، وبيناقشوا في حاجة بصوت هادي. لما سمعت ندى خطواته، لفت ناحيته وابتسمت صباح الخير يا بابا.
قال وهو بيقرب منهم صباح النور يا روحي. صباح الخير يا مريم.
مريم وقفت عشان تسيب له مكان، لكنه أشار عليها تفضل قاعدة اقعدي. كنتوا بتتكلموا في إيه؟
قالت ندى بفرحة مريم بتقوليلي إن النهارده هنخرج نروح الحديقة العامة. قالتلي لازم أتعرف أتحرك في الأماكن المزدحمة، عشان ما أكونش خايفة.
سليم اتردد شوية، كان قلبه بيدق من الخوف إن أي حاجة تحصل لها، لكنه تذكر وعده لمريم، وتذكر كلامها عن الحب والسجن. قال بابتسامة خفيفة موافق. بس خلي الحرس بعيد شوية، عشان ما يزعجوكِ، لكن يبقوا قريبين لو احتجتِ أي حاجة.
ندى قامت وقفت، ومدت إيدها ناحيته، لما مسكها قالت بجدية
متخافش يا بابا. أنا مع مريم، ومش هسمح لأي حاجة تضرني.
هو بصلها، وشاف الثقة في وشها، الثقة اللي كانت مفقودة من سنين، وحس بالفخر بيها أكتر من أي وقت مضى.
بعد ما مشت ندى عشان تجهز نفسها، فضل سليم ومريم لوحدهم. قال لها بهدوء عادل قالي إن كمال المنياوي عارف إن الأوراق عندك. وعارف إنك جيتي هنا.
مريم هزت راسها عارف. من أول ما وصلت للقاهرة كان بيجيبلي رسائل، تهديدات، طلبات. لكنه مش عارف مكاني بالظبط لحد دلوقتي. هو عارف إنني في مكان آمن، بس مش عارف إنه بيتك.
وإيه اللي يخليه متأكد إنك عندك الأوراق؟
لما مات أبويا، كان بعتلي رسالة قصيرة على هاتف قديم، قال فيها الصندوق اللي في مكان لقيتنا فيه أول مرة هو الدليل كله. ومكان ده محدش يعرفه غيري وغيره.
وإيه اللي في الصندوق؟
تسجيلات صوتية، وفواتير، وأسماء ناس كتير في مناصب عالية شاركوه في كل حاجة. لو طلعت للنور، هتقلب الدنيا فوق بعضها.
سليم سكت شوية، وبعدين قال أنا خايف يكون ليه عيون جوا بيتي. الحراس، الخدم، أي حد ممكن يكون مأجور منه.
وده سبب تاني عشان نخرج ندى من هنا. لو فضلت قاعدة جوا الأبواب المقفولة، هيبقى هدف سهل. لو تعودت تخرج وتتحرك، هيبقى صعب عليه يخطط لشيء.
في نفس الوقت، في فيلا تانية في أطراف القاهرة، كمال المنياوي كان قاعد على كرسيه الجلدي الكبير، قدامه واحد من رجالته، وشكله متوتر وخايف. قال كمال بصوت بارد يعني مش عارفين فين البنت ولا الأوراق؟ من عشر سنين بتدوروا ومش قادرين توصلوا لشيء؟
رد الراجل بصوت مرتعش سيادتك، بحثنا في كل مكان، كل الأصدقاء، كل الأقارب، كل الأماكن اللي كانت بتروحها. ولا أثر.
كمال قام ببطء، ومشى ناحية الشباك عبد الرحمن كان قريب من سليم الجارحي أكتر من أي حد. فطبيعي إن بنته تكون راحت له. وطبيعي إنها تكون عنده دلوقتي.
نروح نفتش فيلا سليم؟
كمال ضحك بسخرية تفتش؟ سليم ده مش أي حد. لو عملت حركة غبية زي دي، هتقلب الدنيا عليا كلها، وكل اللي بنيناه سنين هيتدمر في دقيقة. لازم نلاقي طريقة تانية. نضغط عليه من ناحية تانية. نعرفه إننا وصلنا للنقطة الضعيفة بتاعته.
وغمض عينيه وابتسم بشر ندى.
بعد الظهر، خرج سليم وندى ومريم للحديقة العامة، واتبعهم عادل واتنين من الحراس بعيد شوية عشان ما يلاحظوهم. أول ما دخلت ندى الحديقة، وقفت مكانها، وشممت الهوا، وابتسمت بفرحة ريحة زهور كتير. وصوت عصافير. والناس بتضحك.
مريم مسكت إيدها تعالي أوريكِ الأماكن.
مشوا مع بعض، ندى كانت بتستكشف كل حاجة بإيديها، بتحس بملمس الشجر، بتروح لصوت الميه في البرك الصغيرة، بتتكلم مع الأطفال اللي كانوا بيلعبوا، والابتسامة ما فارقت وشها ولا لحظة. سليم كان واقف بعيد شوية، بيشوفها، وحس إنه عايش حلم ما كانش يتمنى يتحقق.
وفجأة، لاحظ عادل راجل غريب واقف بعيد، بيبص لندى بتركيز، وكل ما تحرك ندى يتحرك وراها. راح بسرعة لسليم وقاله بصوت واطي في واحد بيتتبعنا. مش عارف مين، لكن نظراته مش مريحة.
سليم شاور لمريم، فهمت الإشارة على طول، وقالت لندى يا حبيبتي، تعالي نروح نجلس في المكان اللي جنب النخيل ده، أريح شوية.
وبينما هي ماشية، لاحظت هي كمان صوت خطوات غريبة وراهم، مش خطوات الحراس، مش خطوات الناس العاديين. وقفت فجأة، وقالت بصوت هادي في حد ورانا بيتتبعنا.
سليم بص لمريم بدهشة، قالت مريم هي بتسمع حاجات مش بنسمعها. حاسة بالخطر أكتر مننا.
الراجل الغريب لما لاحظ إنهم شافوه، حاول يهرب، لكن عادل والحراس لحقوه وقبضوا عليه بسرعة، وجابوه قدام سليم. كان راجل عادي، لابس ملابس شعبية، وشكله متوتر جداً.
قال سليم بصوت يخوف مين؟ ومين بعتك؟
الراجل حاول ينكر، لكن لما شاف نظرات سليم، خاف وقال محدش بعتني. أنا بس كنت…
قاطعته مريم كمال المنياوي بعتك، صح؟ قالك تعرف مكان الفتاة الكفيفة، وتعرف كل خطواتها، وتبلغه بكل حاجة؟
الراجل اتفتحت عينيه من الصدمة، وعرف إن مفيش فايدة في الكذب، فاعترف أيوه. قاللي إنها مهمة سهلة، وإنها بتمشي مع شغالة وابوها، وإن المهم أبلغه بكل مكان تروحه. وقاللي لو عملت كده هيديني فلوس كتير، ولو ما عملتش هيقتل عيلتي.
سليم قبض إيده بقوة، عروق رقبته برزت من الغضب وقالك أي حاجة تانية؟
قاللي إنك هتضطر تسلمه الأوراق والبنت لو حصل أي حاجة لبنته.
سليم أشار للحراس اخدوه. خليه في المكان الآمن لحد ما نعرف كل حاجة تانية.
بعد ما مشوا، راح سليم لندى اللي كانت واقفة مستنية أنتِ كويسة يا روحي؟
أنا كويسة يا بابا. هو كان عايز يضرني؟
لا يا حبيبتي. مش هيسمح لحد يضرك أبدًا.
مريم قالت ده بداية بس. كمال مش هيسكت، وهيرسل ناس تانية، وبيخطط لحاجات أكتر خطورة.
إذن لازم نسرع. لازم نروح نحضر الأوراق، ونواجهه بالحقيقة.
المكان اللي فيه الأوراق بعيد، في منطقة جبلية في الفيوم، ومحدش يعرفه غيري. ولازم نروح هناك قبل ما هو يوصل لحد يعرف المكان.
هنروح بكره الصبح. هناخد معانا عادل، ومش هنقول لحد حاجة، عشان مفيش تسريب للخبر.
ندى مسكت إيدهم الاتنين وأنا جاية معاكم.
سليم كان عايز يعترض، لكن شاف نظرة مريم اللي بتقوله وعدتها، فقال تمام. بس تسمعي الكلام جيدًا، ومش تبتعدي عني ولا عن مريم أبدًا.
هي ضحكت بفرحة أكيد يا بابا.
الفصل التالت الماضي اللي رجع
يطاردهم
تاني يوم، سافروا بسيارة سليم الكبيرة، عادل يسوق، وسليم جنبه، ومريم وندى في الكرسي ورا. الطريق كان طويل، والدنيا بدأت تتغير من مباني القاهرة لسهول خضراء، وبعدين لجبال رملية ووديان في الفيوم. طول الطريق، كانت مريم تحكي لندى عن الأماكن اللي بتمشوا عليها، وتشرحلها الأصوات والريحة، عشان تتخيل المكان زي ما هو.
بعد ما وصلوا لآخر طريق معبد، نزلوا ومشوا على الأقدام ناحية وادٍ ضيق بين الجبال. الشمس كانت قوية، والريحة مليانة ريحة الطين والشجر البري. بعد ساعة مشي، وصلوا لفتحة صغيرة في الجبل، كانت مخبية ورا شجيرات كتير.
قالت مريم هنا. المكان ده أول مرة جيت له مع أبويا لما كنت عندي اتناشر سنة. كان بيقولي لو حصل له أي حاجة، أروح هنا وأفتح الصندوق.
دخلوا الكهف الصغير، كان نظيف، ومش فيه حشرات ولا حيوانات، وبداية الكهف مضيء شوية بضوء الشمس اللي بيدخل من فتحات صغيرة فوق. في نهاية الكهف، كان صندوق خشبي قديم، محفوظ جيدًا، ومقفول بقفل حديدي صغير.
مريم طلعت مفتاح صغير من سلسلة كانت لابساها في رقبتها، وفتحت الصندوق. جواه كان أوراق كتير، وتسجيلات على أشرطة قديمة وأسطوانات حديثة، وصور ومستندات مختومة. سليم أخذ ورقة ورقة، وقرأ فيها، وكل ورقة كانت تثبت كلام مريم، وتثبت إن كمال المنياوي كان وراء كل الجرائم، وإن عبد الرحمن كان بريء تمامًا.
وفجأة سمعوا صوت خطوات كتير جاية من برة الكهف، وصوت كمال المنياوي بيصيح شكرًا يا سليم، تعبت نفسك وجيت تجيبلي الأوراق لحد هنا.
لفوا كلهم ناحية فتحة الكهف،
لقوا كمال واقف ومعاه أكتر من عشرين راجل، كلهم مسلحين، وبيحيطوا بالكهف من كل الجهات. سليم وقف قدام ندى ومريم، وعادل وقف جنبه، وشد سلاحه كيف عرفتوا إننا جايين هنا؟ محدش يعرف بالخبر غير الأربعة اللي معايا.
كمال ضحك بشر محدش يعرف؟ ولا حتى اللي بيثق فيه أكتر من نفسه؟ يا سليم يا سليم، طول عمرك بتثق في الناس غلط. عادل ما كانش وحيد، هو عنده اخوه الصغير، واللي هو معايا من سنين.
عادل اتفتحت عينيه من الصدمة مستحيل! اخي ما يعرفش أي حاجة عن شغلي، ولا عن أي حاجة تخص سليم بك.
أهو قالك كده. بس الحقيقة إنه كان بيسمع كل مكالماتك، وكل ما تقوله لسليم، وبيبلغني بكل حاجة. لما شفتك بتجهز للطريق للفيوم، عرفت إنكم جايين هنا.
مريم قالت بصوت هادي أنت مش هتاخد الأوراق، ومش هتخرج من هنا سالم.
وأنتِ فاكرة إنكِ الذئبة البيضاء اللي بتخوفني؟ ده زمان يا بنت عبد الرحمن، ده زمان. دلوقتي أنا اللي في يدي كل القوة.
وأشار لرجالته امسكوا البنتين، واخدوا الصندوق، واقتلوا الرجالة.
بدأت المعركة، رصاص طلع في كل مكان، صوته يدوّي في الكهف، والغبار مالي المكان. عادل كان بيقاتل بكل قوته، وسليم كان بيحمي ندى ومريم، لكن العدد كان أكتر منهم بكتير. لحد ما سمعت ندى صوت واحد من الرجال جاي من وراها، فرفعت العصاية الخشبية اللي كانت ماسكة إياها، وضربته في رجله بقوة، فوقع على الأرض ومسك رجله بصرخة.
كمال لما شاف ده، اتعصب أكتر، وقرر يقرب بنفسه، ومسك ندى من دراعها عشان ياخدها رهينة سلم الصندوق يا سليم، أو بنتك هتكون أول الضحايا.
سليم كان مستسلم، عايز يسلم الصندوق عشان يخليه يسيب ندى، لكن مريم نطت بسرعة، وضربت كمال في إيده اللي كان ماسك فيها ندى، وخلته يفلت منها، وبدأت تضربه بمهارة، نفس المهارة اللي كانت بتعلمها لندى. هي كانت تعرف كل حركاته، كل نقاط ضعفه، لأنها كانت شافت كتير من أمثاله في الحلبات القديمة.
في نفس الوقت، رجال كمال بدأوا يتراجعوا، لما سمعوا أصوات سيارات الشرطة جاية من بعيد، وصفارات الإنذار بتقرب. كمال شاف ده، عرف إن الخدعة اتكشفت، فحاول يهرب، لكن سليم وعادل قبضوا عليه قبل ما يطلع من الكهف.
بعد شوية، دخل ضباط الشرطة، ومعاهم اخو عادل اللي كان معاهم، واعترف بكل حاجة، واعترف إنه هو اللي بلغ كمال بالطريق. قائد القوة قال لسليم وصلتنا بلاغات من شهود، وجبنا كل الأدلة، وهناخد كل المتهمين معانا.
لما هدأت الأمور، سليم شاف ندى قاعدة في مكان هادي، ومريم جنبها، راح ناحيتهم وقعد أنتما كويسين؟
قالت ندى بابتسامة أنا كويسة يا بابا. وانت شفت إنني أقدر أدافع عن نفسي صح؟
شفت يا روحي، وشفت إنك أقوى من أي حاجة تخيلتها.
مريم قالت كنت متأكدة إنك هتتصرف صح، وإنك هتجيب الحق لصاحبه.
الفصل الرابع الحق اللي رجع والحياة اللي بدأت
بعد أسبوع، كانت الجلسة الأولى لمحاكمة كمال المنياوي وكل اللي شاركوه في جرائمه. الأدلة كانت قوية جدًا، والشهادات واضحة، فحكم عليهم بالسجن مدى الحياة، واعترف رسميًا ببراءة عبد الرحمن، ورد اسمه للسجل الرسمي كواحد من أخلص الموظفين اللي خدموا البلد.
يوم الحكم، طلعوا من المحكمة، وجمع كتير من الناس كانوا برة، بعضهم عارف القصة، وبعضهم سمع عنها، وكلهم كانوا بيسقفوا لهم، وبيدعوا لهم بالخير. سليم شاف مريم بتبكي من الفرحة، فقرب منها وقال أبوكي كان فخور بيكي أكتر من أي حاجة.
هي هزت راسها، ومسحت دموعها وأنا فخورة إني عرفت الحقيقة، وفخورة إني بقيت معاكم.
بعد كده، مرت شهور، والبيت اتغير تمامًا. سليم فتح كل الأبواب والشبابيك، سمح للخدم والحراس يعيشوا حياتهم طبيعية، وبدأ يخرج مع ندى كل يوم، يروحوا للجامعة لأنها كانت بدأت تدرس أدب عربي، ويلتقوا بأصدقائها، ويسافروا لمناطق كتير في مصر.
ندى كانت بدأت تعزف على العود، وصوتها كان حلو، وبدأت تشارك في حفلات صغيرة، وكل الناس كانت بتعجب بثقتها بنفسها وقوتها. ومريم فضلت معاهم، ساعدت سليم في إدارة أعماله، وبدأت تعلم مجموعة من الأطفال المعاقين بصريًا فنون الدفاع عن النفس، عشان يقدروا يواجهوا الحياة بثقة.
في ليلة صيف دافئة، كان الثلاثة قاعدين في الحديقة، يشربوا شاي، ويسمعوا صوت الضفادع والريحة اللي بتيجي من المزروعات. قالت ندى فجأة تعرفوا إيه أحسن حاجة حصلت لي؟
سألها سليم إيه يا حبيبتي؟
إنني عرفت إنني مش عاجزة، وإن الحب مش معناه إنك تفضل تحبس الشخص، وإن الحقيقة مهما طالت بتظهر في الآخر.
سليم ضحك، وضمهم الاتنين ليه وأنا أحسن حاجة حصلت لي إنني فهمت معنى الحب صح، وإنني وجدت أهلي الحقيقيين.
ومن بعيد، النجوم كانت بتلمع في السماء، والدنيا كانت هادية، والقلوب اللي كانت مجروحة ومخفية، بدأت تتنفس الحرية، وتعرف إن الخير مهما كان ضعيف، في الآخر هو اللي بيفوز.


تعليقات
إرسال تعليق