سكريبت بعد 3 ساعات انجي الخطيب
سكريبت بعد 3 ساعات انجي الخطيب
بعد 3 ساعات بس من كتب كتابي وفرحي، لقيت نفسي مزقوقة على طرف سرير أوضتي الجديدة، وحمايا نايم بيني وبين جوزي! كان بيقول إن دي عادة عائلية قديمة، وإن كبير العيلة لازم ينام بين العرسان أول ليلة عشان “يبارك جوازهم ويرزقهم بولد”… لكن بالظبط الساعة 3 الفجر، حسيت بحاجة بتلمس ضهري كل شوية، ولما لفيت أخيرًا أشوف إيه اللي بيحصل، اكتشفت إن ليلة فرحي كانت أغرب بكتير مما كنت متخيلة…
من بره، فرحنا كان باين عليه إنه مثالي بكل المقاييس. قاعة الأفراح كانت متزينة بالورد والأنوار، والدي جي صوته مالي المكان، والأهل والأصحاب حوالينا طول الليل بيباركوا لنا ويفرحوا بينا، وأنا بضحك وبسلم على الناس رغم إني كنت خلاص مش قادرة أقف على رجلي من التعب.
كل اللي كنت مستنياه إني أطلع أوضتي، أفك الفستان التقيل، وأقعد شوية لوحدي مع جوزي بعيد عن الزحمة والناس.
ولما دخلنا أوضة النوم، كانت الإضاءة هادية والجو أخيرًا ساكت، وحسيت إني أخيرًا هقدر آخد نفسي بعد يوم طويل.
لكن قبل حتى ما ألحق أرتاح، باب الأوضة اتفتح فجأة.
دخل حمايا وهو شايل مخدة تحت دراعه وبطانية مطوية في إيده.
بصلي بمنتهى الهدوء وقال:
“وسعوا شوية… أنا هنام معاكم الليلة.”
فضلت أبصله كام ثانية وأنا مش مصدقة اللي سمعته، وافتكرت في الأول إني فهمت كلامه غلط.
بصيت بسرعة لجوزي، كريم، مستنية أشوف على وشه علامات الدهشة أو الإحراج، لكن اللي خوّفني أكتر إنه كان هادي جدًا، كأن الموضوع عادي وطبيعي.
قال جوزي:
“بابا…”
وبعدين بصلي وقال:
“ماتقلقيش، دي عادة عندنا في العيلة من زمان.”
سألته وأنا مش مستوعبة:
“عادة إيه؟!”
رد بمنتهى الجدية:
“كبير العيلة بينام بين العرسان أول ليلة، عشان يبارك الجواز ويرزقهم بولد. جدي الله يرحمه كان بيعمل كده مع أبويا.”
فضلت باصة له وأنا مش عارفة أقول إيه.
“إنتوا بتهزروا؟”
هز راسه وقال:
“لأ، دي حاجة طبيعية عندنا.”
طبيعية؟!
أنا طول عمري عمري ما سمعت عن حاجة بالشكل ده!
بس أنا كنت لسه عروسة جديدة وسط عيلة كبيرة، ولسه الفرح مخلص والناس كلها تحت بتحتفل، ومكنتش عايزة أول ليلة ليا في بيت جوزي تتحول لخناقة ومشكلة قدام الكل.
فسكت، وبصعوبة اتحركت ناحية طرف السرير.
دخل حمايا ونام في النص بمنتهى الثقة، كأنه بيعمل حاجة عادية جدًا، بينما كريم نام على الناحية التانية.
أما أنا، فضلت متخشبة تحت البطانية، وأنا جوايا ألف سؤال:
ليه محدش قال لي عن “العادة” دي قبل الجواز؟
وإيه لازمة إن حمايا ينام بيني وبين جوزي أصلًا؟
ومين قال إن ده له علاقة بالرزق بولد؟!
عدى شوية وقت، وبدأت أحس إن الموضوع أغرب مما كنت متخيلة.
حمايا كل شوية كان بيعدل المخدة، ويسحب البطانية، ويغير وضع نومه، وفي كل مرة كان بيزقني ناحية معينة، أو يلمس دراعي أو كتفي عشان يغير وضعي على السرير.
في الأول حاولت أتجاهل الموضوع.
لكن كل ما أبعد شوية، ألاقيه بيغير مكانه هو كمان.
لحد ما حسيت إني بقيت تقريبًا لازقة في طرف السرير.
قعدت مرة واحدة وشديت البطانية عليا وقلت بصوت واطي:
“هو لازم كل ده؟”
جوزي رد بمنتهى البرود:
“نامي بس… الصبح كل حاجة هتخلص.”
الكلمة دي بالذات خلت جسمي يقشعر.
“الصبح كل حاجة هتخلص؟”
هو ليه بيتكلم كأنه عارف حاجة أنا معرفهاش؟
رجعت نمت على جنبي ووشي ناحية طرف السرير، وحاولت أقنع نفسي إني أستحمل كام ساعة وخلاص.
بصيت على الساعة اللي جنب السرير.
الساعة كانت 2:41 الفجر.
عدت دقايق… 2:53
وبعدين…
الساعة بقت 3:00 بالظبط.
وفجأة…
حسيت بحاجة بتلمس ضهري.
جسمي كله اتجمد.
في الأول قلت لنفسي يمكن البطانية اتحركت.
يمكن أنا من التعب تخيلت.
لكن بعدها حصلت تاني.
نفس الإحساس.
وببطء…
وبشكل متكرر.
قلبي بدأ يدق بسرعة لدرجة إني حسيت إني سامعة ضرباته في وداني.
زحفت أكتر ناحية طرف السرير.
لكن الإحساس رجع تاني.
المرة دي مكنتش مجرد لمسة عابرة.
وقتها مقدرتش أستحمل.
قعدت مرة واحدة وسحبت نفسي بعيد، وأنا بتنفس بسرعة، وببص في الضلمة ورايا.
الغريب إن لا كريم اتكلم…
ولا حمايا اتحرك…
كأن الاتنين كانوا مستنيين إني أعمل حاجة.
لفيت جسمي ببطء ناحية السرير، وأنا بحاول أشوف إيه اللي كان بيلمس ضهري…
ولما عيني وقعت على اللي قدامي…
اتصدمت!
اللي شوفته خلاني مش قادرة حتى أصرخ…
لأن الحقيقة اللي اكتشفتها في اللحظة دي كانت أبعد بكتير من مجرد “عادة عائلية غريبة”…
#انجي_الخطيب
مسكت إيدي اللي كانت بتترعش ومديتها ببطء شديد تحت البطانية، قلبي كان هيقف من الرعب، وعيني بدأت تتأقلم مع ضوء السهاري المتربي في زاوية الأوضة. اللمسة اللي كانت في ضهري مكنتش إيد حمايا زي ما عقلي المذعور صورلي في الأول، ولا كانت حركة عشوائية من جوزي. كانت طرف سكينة مطبخ جرانيت حادة، حمايا ماسك الخشب بتاعها بتمكن، وجنب راسه على المخدة كان فيه كيس بلاستيك أسود صغير مربوط بفتلة حمرا غريبة.
المفاجأة الأكبر إن حمايا كان مفتح عينه على آخرها، باصص للسقف بثبات يرعب، مش نايم ولا حاطط عينه في عينيا، وكريم جوزي كان قاعد على حافة السرير التانية من غير ما يلف وشه، ظهره ليا وكأنه حارس بيراقب الباب!
“إيه… إيه ده؟”
طلعت الكلمة من حقيقي مبحوحة ومخنوقة، كأني بنطقها تحت المية.
حمايا متحركش ميلليمتر واحد، لكنه اتكلم بصوت واطي وشديد البرودة، صوت مختلف تماماً عن نبرة الراجل الحنون اللي كان بيضحك معايا في القاعة قبل ساعات:
“ماتتحركيش يا ندى.. لو اتحركتي العروسة هتهرب، والعمل مش هيتم.”
رجليا اتخشبوا في مكانهما، وبصيت لكريم بصدمة وأنا بصصرخ بإنكار:
“كريم! أنت شايف أبوك ماسك إيه؟! أنت ساكت ليه؟ فهموني في إيه هنا؟!”
كريم لف وشه ببطء، وشه كان أصفر وزي الجثة، عينيه حمرا من غير دموع، وقال بصوت مكتوم ومن غير أي انفعال:
“أنا آسف يا ندى.. بس إنتي العروسة التالتة اللي ندخلها البيت ده. العيلة دي مابتخلفش يا ندى.. عمري ما هجيب عيال، وأبويا بقاله سنين عامل عمل وربط مع شيخ عشان يفك السحر اللي على نسلي.. والشرط إن كبير العيلة يفك الربط بنفسه في ليلة الدخلة على أثر دم العروسة بسكينة من بيتها.”
عقلي رفض يستوعب الكابوس. اتسحبت ورا أكتر وأنا بلعن الضعف اللي خلاني أسكت من الأول، وزقيت البطانية بكل قوتي في وش حمايا وأنا بصرخ بأعلى صوت عندي:
“يا أجهزة يا ناس! الحقوووني!”
في ثانية واحدة، حمايا قام زي المجنون ومسك إيدي بقوة مرعبة، والسكينة أشرت في الضلمة، وكريم نط عليا من الناحية التانية عشان يثبت كتفي. الخوف القاتل إداني طاقة جهنمية، ضربت كريم بركبتي في بطنه فصرخ ووقع على الأرض، ولفيت أيدي وضربت حمايا بظهر دماغي في وشه. مسك مناخيره اللي بدأت تنزف، وفي اللحظة دي اتمليت بالرعب وفتحت باب الأوضة وجريت على الصالة وأنا بفستان الفرح التقيل اللي بيعبلني في كل خطوة.
الباب الخارجي للشقة كان مقفول بالترباس ومتربس بجديد، وسلسلة حديد ملفوفة على المقبض!
سمعت خطوات حمايا المرعبة جاية من الممر وهو بيزعق:
“امسكيها يا كريم! لو خرجت الشارع الفضيحة هتاكلنا والعمل هيتقلب علينا!”
طلعت أجرى ناحية المطبخ، مسكت إيد المقشة الحديد اللي كانت زاوية الباب، ووقفت ورا الباب وأنا بتنفس بصوت عالي ودموعي نازلة مغرقة وشي. أول ما كريم دخل المطبخ وبيحاول يمسكني، ضربته على رجله بكل قوتي فسقط على الأرض، وجريت على الصالة تاني، مسكت الفازة الكريستال الثقيلة اللي كانت على السفيرة، وضربت بيها القفل الصيني بتاع السلسلة مرة.. اتنين.. تلاتة!
مع الضرب التالتة، القفل اتكسر، وحمايا كان خلاص على بعد خطوات مني والسكينة في إيده. فتحت الباب ونطيت في السلم وأنا بصرخ بعالي الصوت في العمارة:
“الحقوني! هيقتلوني! الحقوووني!”
الجيران بدأوا يفتحوا الأبواب بالروب والنوم، والشباب طلعوا يجروا على السلم لما شافوا عروسة ببتمرغ في دموعها وفستانها المتقطع ووراه راجل كبير ماسك سكينة. في أقل من دقيقتين، السلم املى ناس، وحمايا وكريم اتثبتوا في مكانهم ومقدروش يتحركوا.
قعدت على الدبش بتاع السلم، أتنفس بالعافية، وأنا حاسة إن الليلة دي مكنتش مجرد ليلة فرح انتهت بتجربة غريبة.. دي كانت الليلة اللي نجيت فيها بروحي من فخ كان معمول لي بمنتهى الدهاء باسم “العادات والتقاليد”.
أصوات الجيران وهي بتتداخل مع بعضها كانت طالعة زي وش بعيد في ودني. العمارة كلها اتملت بالناس، راجل كبار السن ماسك حمايا من دراعه والسكينة اترميت على السلم برنة يرعب لها القلب، وشابين تانيين مكتفين كريم اللي كان باصص للأرض ووشه مشقلب، ومش قادر يحط عينه في عين حد.
أم كريم طلعت تجري من الشقة، ولما شافت المنظر والنبيح اللي شغال في السلم، صرخت بصوت عالي وهي بتلطم على وشها:
“يا فصيحتنا وسط الناس! عملت إيه يا مجنون أنت وهو؟!”
حمايا كان بيكح وبيحاول يزق الشباب وهو بيزعق بنبرة متقطعة ومشوهة من الدم اللي نازل من مناخيره:
“سيبوني! أنتوا فاهمين غلط.. دي مشاكل عائلية! بنتكم اتجننت في ليلتها وبترموا تهم وخلاص!”
لكن واحد من الجيران الكبار، راجل عجوز ساكن في الدور اللي تحتينا، بص للسكينة المرمية على الأرض وبص لفستاني المتقطع وكتفي اللي كان فيه خدوش، وقال بنبرة حسم:
“مشاكل عائلية بسكينة مطبخ يا حج؟! البنت جسمها بيتنفض وهتموت من الرعب! حد يطلب النجدة فوراً!”
كلمة “النجدة” خلت كريم يترعب، وبدأ يصرخ بصوت تهيجي:
“يا جماعة والله دي عاداتنا! إحنا مكنش قصدنا نأذيها! هي اللي كبرت الموضوع وفهمت غلط!”
الناس بصت له بذهول واستحقار، ومحدش صدق الحجة الفارغة دي. أنا مكنتش قادرة أقف على رجلي، جارة من الدور الثالث نزلت تجري بجلابية ثقيلة لفتا عليا وشالتني أعدتني على كرسي خشبي في مدخل العمارة، وأنا حاطة وشي بين إيديا وجسمي كله بيفضل يتنفض من الذهول والخوف.
أقل من عشر دقايق، وصوت سرينة عربية الشرطة كان مالي الشارع كله. الإضاءة الحمرا والزرقا كانت بتضرب في حيطان مدخل العمارة وتعمل خيالات ترعب. الضابط دخل وبمجرد ما شاف منظري وشاف السكينة اللي الجيران حرزوها وشهدوا عليها، أمر فوراً بالقبض على حمايا وكريم.
في قسم الشرطة، وأنا قاعدة على الكنبة الجلد المقطعة وبشرب بق مية بإيد بترعش، أهلي وصلوا جري. أمي دخلت عليا وهي بتصرخ وأبويا كان أصفر زي الميت، ومش مصدق إن بنته اللي لسه مسلمها لعريسها من ساعات طالعة من القسم بجلابية فوق فستان الفرح!
في التحقيق، وأمام النيابة، كشفت التحريات إن العيلة دي كان ليها سوابق في بلاغات مشابهة من سنين طويلة، بس البنات العرسان اللي قبلي كانوا بيكتموا ويرضوا بالأمر الواقع أو يهربوا ويعملوا طلاق هادي من غير ما يبلغوا خوفاً من الفضيحة والسحر والأقاويل!
أنا مكنتش مجرد عروسة خدعوها، أنا كنت الضحية اللي قررت تكسر السلسلة دي وتنهي الدجل ده للأبد.
بعد ست شهور من الليلة دي، أخدت طلاقي للضرر بأمر المحكمة، وبدأت أرجع لصحتي وحياتي بالتدريج. كل ما بفتكر ليلتها، وبفتكر الساعة لما جاب 3:00 الفجر، بحمد ربنا إن الخوف متملكش مني لدرجة الاستسلام، وإن الجرأة في اللحظة الأخيرة كانت هي السبب الوحيد إن أكون عايشة ومرفوعة الراس النهاردة.
طليت من شباك أوضتي القديمة في بيت أبويا. الشمس كانت لسه بتشرق، وبدأت أستوعب إن كل حاجة انتهت، وأن كابوس الليل خلاص اختفى مع النور. لكن السؤال اللي كان بياكل في عقلي طول الست شهور اللي فاتوا: هل الموضوع فعلاً كان مجرد “دجل وشعوذة”، ولا كان فيه سر أكبر مستخبي تحت بلاط البيت ده؟
تلفوني رن. رقم غريب.
ترددت ثواني قبل ما أرد. فتحت الخط، وجالي صوت ست كبير في السن، نبرتها كانت مرعوبة وبتهسس:
“يا ندى… أنتي ندى مش كده؟ أنتي العروسة اللي ضربتيهم وخرجتي؟”
قلبي اتنفض، وقلت بصوت مشدود:
“أيوة أنا… أنتي مين؟”
“أنا أخت حماكي الكبير.. عمة كريم. أنا سمعت اللي حصل، وجبت رقمك بالعافية عشان أقولك كلمتين تبرئي بيهم ذمتك، ولأن ربنا نجاكي من الموت.”
سكتت شوية بتاخد نفسها، وأنا ماسكة التلفون بإيد بترعش، كملت:
“العيلة دي يا بنتي مابتعملش عمل عشان الخلفية… القصة مش سحر زاي ما قالولك في النيابة. حماكي وأبوه من قبله كان عندهم جشع عمى قلوبهم. العيلة دي بتشتري بيوت وأراضي قديمة في الصعيد وفين ما يروحوا، وحماكي كان متفق مع ناس بيجروا ورا آثارات تحت البيت اللي أنتوا سكنتوا فيه… وكان الشطارة والشرط عشان الكنز يتفتح، يبخروا الأوضة ويدبحوا في ليلة الدخلة بسكينة على جنابة عشان يفكوا الرصد!”
نفسي اتقطع. حسيت بالدم بيهرب من جسمي.
يعني الموضوع مكنش مجرد جهل أو دجل عائلي… دي كانت عملية قتل وتضحية متخطط ليها ببرود!
كملت العمة وهي بتبكي:
“المرتين اللي فاتوا العرايس الهبل خافوا من الفضيحة وهربوا بشرفهم وسكتوا وما كملوش… لكن المرة دي كانوا خلاص متزنقين في الوقت وكانوا ناويين ينفذوا القربان فيكي أنتي ليلة فرحك! كريم ابن أخويا كان مجرد أداة وبصام لأبوه.. ربنا نجاكي يا بنتي، إوعي تتنازلي عن القضية.”
قفلت الخط وأنا مستوعبة حجم الخطر اللي كنت فيه. مكنتش واقفة قدام ناس مجانين بالعادات، أنا كنت واقفة قدام عصابة بتتاجر بالدماء عشان المال!
أخدت تسجيل المكالمة، ونزلت بيه فوراً على المحامي بتاعنا، والتحقيقات اتفتحت من جديد على أساس تهمة “الشروع في القتل والتخطيط لجريمة”. وتفتيش البيت القديم كشف السرداب واللي كان مستخبي تحته.
في النهاية، أخد حمايا وكريم أحكام مشددة وراء القضبان. واليوم، كل ما أعدي على ساعة وتيجي 3:00 الفجر، مابقتش أحس بالرعب، بقيت أبص للساعة وأبتسم… لأني أعرف كويس إن الشجاعة في لحظة واحدة، ممكن تنقذ روحك وتكشف أعتى صور الشر في العالم.
بعد سنتين من الحكم عليهم وتشميع بيت حمايا بالكامل، كنت فاكرة إن الفصل ده اتطوى والأيام كفيلة تخليني أنسى. اتخرجت، ورجعت لشغلي في شركة الديكور، وحاولت بكل طاقتي أبني حياة جديدة مفيهاش خيالات ولا خوف من الساعة 3 الفجر.
لكن الأحداث الحقيقية بيبقى ليها دايماً ديل طويل.
في يوم أربعاء عادي، كنت نازلة من مكتبي الساعة 5 بعد الظهر، وجايالي مكالمة من نمرة أرضي غريبة. رديت وأنا بركب عربيتي:
“ألو؟”
جالي صوت راجل هادي، فيه وقار غريب بس يزرع الشك في القلوب:
“يا أستاذة ندى… أنا المحامي عبد الرحمن، مسكّن موكل جديد عنده أراضي وممتلكات تخص العيلة إياها، وبيتواصل معايا عشان يعمل تسوية في القضايا المدنية والتعويضات اللي ليكي.”
قلت بجفاء وصرامة:
“أنا مش عايزة فلوس ولا تعويضات من العيلة دي، القضايا المقفولة مش هفتحها، وعايزة اسم العيلة ده يتمحى من حياتي.”
الراجل سكت ثواني، وبعدين نطق جملة خلت إيدي تتجمد على دركسيون العربية:
“أنا فاهم موقفك.. بس الموكل اللي معايا مش حماكي ولا كريم.. الموكل هو الشريك التالت اللي كان شاري الأرض معاهم، وموجود حالياً بره مصر.. وبيقولك إن الخريطة اللي كانت تحت السرير لسه نصها معاكي في الفستان القديم!”
جسمي اتخشب. الفستان!
فستان فرحي اللي قطعه حمايا وراميته في كرتونة فوق دولاب أوضتي القديمة في بيت أبويا من ليلتها وما مدتش إيدي عليه ولا بطق أشوفه!
قفلت السكة في وشه من غير ما أنطق كلمة. طلعت أجرى على بيت أبويا، دخلت أوضتي وشديت الكرتونة من فوق الدولاب وإيديا بتهتز. فتحتها، وطلعت الفستان الأبض اللي كان متوسخ ومتقطع من ناحية البطانة الداخلية.
مسكت الجاهة المتقطعة وبدأت أفرك البطانية الفايبر القاسية بإيديا… وفعلاً!
كان فيه جيب سحري صغير متخاط بفتلة بيضا جوة البطانة، مقفول بدبوس إبرة مصدي. فتحته بالراحة، وطلعت ورقة قماش زفرة ومعطنة، مرسوم عليها كروكي بدائي لبيت حمايا ومكتوب تحتيه بلغة عربية قديمة وحروف مقطعة:
“تحت البلاطة السادسة من الجدار الشرقي.. لا يفتح إلا بدم بكر من أهل البيت.”
في اللحظة دي فهمت كل حاجة. حمايا وكريم مكنوش بس عايزين يضحوا بيا.. دول كانوا زارعين خريطة الشفرة في فستاني عشان لو الشرطة دخلت أو الموضوع اتكشف، الورقة تفضل بعيدة عن عيون التحقيقات وفي أمان معايا من غير ما أدرى!
نزلت فوراً للنيابة العامة ومعايا المحامي بالورقة الجديدة. التفتيش التاني للشقة المشمعة جاب الخبير الأثري، ولما هدوا الحيطة الشرقية ورفعوا البلاطة السادسة، القوة أكتشفت مقبرة سرداب كاملة فيها قطع أثرية يرجع تاريخها للعصر المتأخر، وكان مخططلها تتهرب بره مصر لحساب شبكة دولية كاملة حمايا مجرد زرار فيها!
القضية اتقلبت من مجرد جريمة شروع في قتل محلي، لجريمة تهريب آثار كبرى أطاحت بناس كبار كانوا متغطين ورا العيلة دي.
النهاردة، لما بفتكر كل اللي حصل، بعرف إن الحق مابيموتش، وإن الليلة اللي افتكرتها أسوأ ليلة في حياتي، كانت السبب اللي ربنا اختاره عشان ينقذ بيه تاريخ بلد كامل كان بيتسرق في الضلمة.
مرت سنتين كمان على قضية الآثار، والأيام مشيت هادية وهادية جداً، لدرجة إني بدأت أصدق إن كل الخيوط اتفكت، وإن نصيبي من المغامرة والكوابيس خلص خلاص. اشتغلت أكتر، وترقيت في شغلي، وبقيت مديرة قسم الديكور في الشركة، وحياتي أخيرًا بقى ليها إيقاع طبيعي وبسيط زي أي بنت في سني.
لحد ما جه يوم الأحد، ودخلت عليا سكرتيرة الشركة وبإيدها طرد مقفول بورق بني ورخيص، ومكتوب عليه اسمي بخط يد بالريح.
“يا أستاذة ندى، الطرد ده جه باسمك بالمكتب مع دليفري، وما رضيش يسيب اسم الراسل.”
أول ما مسكت الطرد، حسيت ببرودة غريبة سرت في صوابعي. فتحت الشريط اللاصق ببطء، وطلعت من جوه كادر خشبي قديم جداً، جواه صورة أسود وأبيض متهالكة.
الصورة كانت لفرح قديم… فرح من الثمانينيات.
في النص كان واقف حمايا وهو شاب صغير، وجنبه عروسة بفستان زفاف منفوش، ووراهم على الحيطة معلقة نفس السكينة الجرانيت ذات المقبض الخشبي!
لكن المرعب مش الصورة… المرعب كان الظهر بتاعها.
كان مكتوب بخط أحمر حبر جاف:
“السر مش في الأرض يا ندى… السر كان في العروسة. وأنتي لسه ما خرجتيش من الدايرة.”
رجليا مشالتنيش، قعدت على الكرسي وأنا بتنفس بصعوبة. أخدت الصورة وجريت على بيت العمة، الست الكبيرة اللي كانت كلمتني زمان وكشفتلي سر الأرض والآثار.
أول ما فتحتلي الباب وشافت الصورة في إيدي، وشها اصفر وجسمها بدأ يترعش. زقتني جوه الشقة وقفلت الباب بثلاث ترباسات وهي بتهسس بصوت مرعوب:
“وصلتلك الصورة؟ يالاهوي… جابوا طريقك إزاي؟!”
مسكتها من دراعها وقلت بصوت مشدود:
“مين دول يا عمة؟! حمايا وكريم في السجن محكوم عليهم بأحكام مشددة! مين اللي بيبعتلي ومين العروسة اللي في الصورة دي؟!”
الست قعدت على الكنبة وهي بتبكي وبتهز رأسها:
“العروسة دي تبقى أختي الصغرى يا ندى… العروسة الأولى! اختفت من 40 سنة، وأبويا وحماكي قالوا إنها هربت مع واحد وصعقوا العيلة كلها بالعار… بس الحقيقة مكنتش كده. أختي متهربتش… أختي هي اللي كانت العينة الأولى اللي اتعمل عليها الطقس ده، ولما رفضت تسكت…”
سكتت العمة وشاهقة بالدموع، كملت وهي بتبص في عيني بذهول:
“اللي بيحرك حمايا وكريم مش مجرد طمع في آثار… فيه عيلة ثانية كبيرة هي اللي مسؤولة عن الشفرات دي كلها، وهم فاكرين إن الشفرة الأخيرة للسر مكنتش في الفستان… الشفرة كانت منقوشة على ظهر السكينة نفسها، والسكينة دي دلوقتي محروزة في أدلة النيابة باسمك أنتي!”
في اللحظة دي، تلفوني رن بنغمة رسالة.
فتحت الشاشة، لقيت إشعار من كاميرا المراقبة اللي حطاها قدام باب شقتي الخاصة.
التسجيل المباشر كان جايب شخص واقف قدام باب شقتي، لابس زيتي ثقيل، وماسك في إيده نفس الكادر الخشبي… وبيص للكاميرا و his mouth is forming a slow, terrifying smile.
قفلت التلفون وأنا باخد نفس عميق. مكنتش نفس البنت الخايفة بتاعة ليلة الفرح اللي بتجري في السلم وبتصرخ. النادي ده والظلم ده كبروني وقووني.
بصيت للعمة وقلت بثبات يرعب:
“المرة دي مش هجري ولا هصرخ لحد يلحقني يا عمة… المرة دي أنا اللي هروح للنيابة بالصورة وبالفيديو، وهجيب البقية الباقية من العصابة دي ولو كانوا تحت الأرض.”
طلعت من الشقة، ومسكت تلفوني وطلبت رقم رئيس مباحث القضية مباشرة… وأنا عارفة إن المواجهة الأخيرة بدأت، وبكرة النور هيطلع على كل الضلمة دي للأبد.
تمت

تعليقات
إرسال تعليق