بعد خمس سنين حكايات صافي هاني
بعد خمس سنين حكايات صافي هاني
بعد خمس سنين من اليوم اللي جوزي قدّملي فيه ورق الطلاق واعترفلي بكل برود إنه لسه بيحب واحدة تانية رجعت القاهرة وأنا معايا توأم هو أصلًا مايعرفش إنهم موجودين.
كنت فاكرة إن أصعب لحظة في حياتي هتكون لما أديان يعرف لأول مرة إنه أبوهم.
لكن وأنا خارجة من مطار القاهرة حسيت إن في حاجة غلط.
لمحت عربية دفع رباعي سودا ماشية ورانا من أول ما خرجنا من المطار.
ساعتها فهمت إن المشكلة مش إن أديان عرف بوجود ولاده…
المشكلة إن في ناس تانية عرفت بوجودهم قبله.
أنا اسمي مريم.
وقبل خمس سنين كنت متجوزة أديان وكان كل اللي بينا بيتبني قدام عيني يوم ورا يوم لحد ما في يوم رجع البيت ومعاه ورق الطلاق.
حاولت أفهم منه إيه اللي حصل لكنه كان حاسم.
قاللي إنه اختار حياته الجديدة وإن قلبه بقى متعلق بواحدة تانية.
يومها حسيت إن الدنيا كلها وقعت فوق دماغي.
سيبته ومشيت وأنا شايلة وجعي معايا.
وبعد ما سافرت بأسبوعين تقريبًا بدأت أحس إن جسمي بيتغير.
روحت للدكتورة وأنا مش متوقعة إن الزيارة دي هتقلب حياتي كلها.
الدكتورة كانت بتبص في شاشة السونار وبعدين سكتت شوية.
قلت لها بخوف:
“في حاجة؟”
ابتسمت وقالت:
“مبروك.”
بصيت لها باستغراب.
“مبروك على إيه؟”
قالتلي:
“إنتِ حامل.”
قلبي دق بسرعة.
وبعد ثواني كملت:
“مش طفل واحد… توأم.”
فضلت ساكتة وأنا ببص للشاشة.
طفلين.
طفلين من الراجل اللي كان لسه من كام أسبوع بس بيقولي إنه مش عايز يكمل معايا.
يومها كان قدامي اختيار واحد بس.
أربي ولادي لوحدي.
وماقولش لأديان أي حاجة.
مش انتقام منه.
لكن لأني كنت خايفة إن أول ما يعرف بالحمل يرجع ياخدهم مني أو يحاول يدخل حياتي بالقوة.
كبر التوأم قدام عيني.
إيثان وإيما.
كانوا أجمل حاجة حصلتلي في حياتي.
كنت أمهم وأبوهم وسندهم وكل دنيتهم.
كبروا من غير ما يعرفوا اسم أبوهم الحقيقي.
وكنت كل مرة أشوف سؤال في عيونهم وأهرب منه.
لحد اليوم اللي رجعت فيه القاهرة.
كنت فاكرة إني رجعت عشان أبدأ صفحة جديدة.
لكن القدر كان مخبيلي حاجة تانية تمامًا.
أول ما خرجنا من المطار لقيت أديان واقف قدامي.
بعد خمس سنين كاملة.
كان واقف بعيد شوية وباصصلي كأنه مش مصدق إنه شايفني.
وبعدين عينه نزلت على الطفلين اللي واقفين جنبي.
إيثان كان ماسك إيدي.
وإيما كانت ماسكة إيدي التانية.
بص لهم.
وبعدين بصلي.
وقرب خطوة.
قال بصوت متردد:
“مريم؟”
قلبي اتقبض.
هزيت راسي.
“أيوه.”
بص للتوأم تاني.
وسأل:
“دول ولادك؟”
ماعرفتش أرد.
إيما بصتله باستغراب وقالت:
“إنت مين؟”
أديان ابتسم ابتسامة غريبة كأن السؤال وجعه.
وبعدين سأل إيثان:
“إنت اسمك إيه يا بطل؟”
إيثان رد بكل ثقة:
“إيثان.”
أديان كرر الاسم بهدوء.
“إيثان…”
وبعدين إيما قالت:
“وأنا إيما.”
بص لها أديان فترة طويلة.
وبعدين رجع بصلي.
وقال:
“إنتِ كنتي عارفة؟”
قلت:
“عارفة إيه؟”
صوته اتغير.
“إنهم ولادي.”
سكت.
ماقدرتش أقول أي حاجة.
قرب مني وقال:
“مريم… هما ولادي؟”
مسكت إيد الطفلين أكتر.
وقلت:
“إنت سبتني يا أديان.”
سكت.
كملت:
“إنت اللي اخترت تمشي.”
وشه اتغير.
قال:
“إنتِ كنتي حامل وقتها؟”
ماجاوبتش.
فضل يبصلي وأنا حاسة إن خمس سنين كاملة واقفة بينا في اللحظة دي.
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
وبعدين فجأة إيثان شد إيدي وقال:
“ماما إحنا هنمشي؟”
قبل ما أرد عليه سمعت صوت موتور عربية ورايا.
لفيت.
العربية الدفع الرباعي الرمادي كانت واقفة على الناحية التانية.
نفس العربية اللي لاحظتها من وقت ما خرجنا من المطار.
بس المرة دي كان فيها أكتر من شخص.
بصيت لأديان.
الغريب إنه أول ما شاف العربية وشه اتغير تمامًا.
ماقالش حاجة.
ولا اتحرك.
فقط مد إيده ناحيتي وقال بصوت واطي:
“خدي الولاد ورايا.”
بصيتله بخوف.
“ليه؟”
قال:
“عشان العربية دي مش بتتبعني أنا.”
سكت لحظة.
وبعدين بص للتوأم وقال:
“هما اللي جايين عشانهم.”
في اللحظة دي حسيت إن كل حاجة كنت فاكرة إني سيبتها ورايا من خمس سنين…
كانت لسه بتجري ورايا.
بس أنا ماكنتش أعرف إن أول سر خرج للنور…
هيكون أصغر أسراري.
بعد خمس سنين من اليوم اللي جوزي قدّملي فيه ورق الطلاق واعترفلي بكل برود إنه لسه بيحب واحدة تانية رجعت القاهرة وأنا معايا توأم هو أصلًا مايعرفش إنهم موجودين. ياتري ايه الي حصل بعدها ده الي هانعرفو 😱😱
أديان أول ما قال إن العربية دي جاية عشان الولاد حسيت إن رجلي مش شايلاني.
بصيت ورايا تاني.
العربية كانت واقفة على بُعد أمتار قليلة، والزجاج غامق لدرجة إني مش قادرة أشوف مين جواها.
إيثان كان لسه ماسك إيدي، وإيما واقفة جنبي وباصّة للعربية بفضول.
أما أديان فكان واقف قدامي بشكل مختلف تمامًا عن الراجل اللي شوفته من دقايق.
ملامحه بقت حادة.
عينيه كانت بتتحرك بسرعة بين العربية وبين الناس اللي حوالينا.
قرب مني وقال:
“مريم، اسمعيني كويس. ماتسأليش دلوقتي. خدي الولاد وادخلي العربية بتاعتي.”
بصيتله بصدمة.
“أنا مش هركب معاك في أي حتة.”
قال بسرعة:
“لو مش عشاني، عشان الولاد.”
الكلمة دي خلتني أسكت.
في نفس اللحظة باب العربية السودا اتفتح.
نزل منها راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة غامقة، ووقف يبص علينا من بعيد.
وبعدين رفع موبايله واتكلم فيه.
أديان شافه.
وقال بصوت منخفض:
“اتحركي.”
مسكت إيثان وإيما من إيديهم وبدأنا نمشي ناحية عربية أديان.
ماكنتش واثقة فيه.
ماكنتش ناسية أي حاجة حصلت من خمس سنين.
بس كان عندي إحساس إن الخطر اللي واقف قدامنا أكبر من كل الخلافات اللي بيني وبينه.
ركبنا.
أديان قفل الأبواب بسرعة وركب مكان السواق.
أول ما العربية اتحركت، بصيتله من المراية.
“دلوقتي هتفهمني.”
ما ردش.
فضل سايق بسرعة.
إيما كانت قاعدة ورا جنبي وقالت:
“ماما هو الراجل ده بابا؟”
سؤالها وقع على العربية كلها.
أديان ضغط على الفرامل فجأة.
لف ناحيتي من المراية.
وبعدين بص لإيما.
ماعرفش يرد.
أما إيثان فقال بهدوء:
“ماما قالتلنا إن بابا مسافر.”
أديان بلع ريقه.
وقال:
“هو… مش مسافر.”
إيثان سأله:
“أمال فين؟”
أديان سكت.
أنا تدخلت بسرعة:
“إيثان، لما نرجع البيت هنتكلم.”
أديان بصلي.
وكان واضح إن السؤال ده وجعه.
لكنه ماجادلنيش.
بعد حوالي عشرين دقيقة دخلنا شارع جانبي هادي، وبعدها وقف قدام بوابة حديد كبيرة.
الحارس فتح البوابة بمجرد ما شاف العربية.
دخلنا.
بصيت حواليّ باستغراب.
المكان كان عبارة عن فيلا كبيرة جدًا، لكن شكلها ماكانش مريح.
كان فيه حراسة عند البوابة وكاميرات في كل مكان.
نزل أديان وفتح الباب الخلفي.
مد إيده ناحية إيثان.
لكن إيثان ما مسكش إيده.
فضل واقف جنبي.
بص أديان لابنه للحظات.
وبعدين قال:
“أنا مش هاجبرك.”
الجملة خلتني أبصله.
دخلنا الفيلا.
أول ما الباب اتقفل، أديان طلب من العاملين يبعدوا.
وبعدها وقف قدامنا.
قال:
“مريم، أنا محتاج أعرف الحقيقة.”
قلت:
“وأنا محتاجة أعرف مين الناس دول.”
رد:
“قبل أي حاجة… لازم تعرفي إن أنا نفسي مش فاهم كل حاجة.”
ضحكت بسخرية.
“بعد خمس سنين؟”
نزل عينه للأرض.
“عارف إني مالياش حق أطلب منك تصدقيني.”
“صحيح.”
“وعارف إن اللي عملته زمان كان أقسى حاجة ممكن أعملها فيكي.”
“صحيح.”
“بس موضوع العربية ملوش علاقة بيكي لوحدك.”
سألته:
“أمال ليه بيتبعوا ولادي؟”
سكت.
وبعدين قال:
“عشان اسمهم.”
استغربت.
“اسمهم؟”
قال:
“إيثان وإيما مش مجرد طفلين بالنسبالهم.”
حسيت بخوف.
“يعني إيه؟”
أديان قعد على الكرسي المقابل لينا.
وحط إيده على وشه.
“أبويا قبل ما يموت كان عنده شراكة قديمة مع مجموعة رجال أعمال. الشراكة دي انتهت من سنين، لكن حصلت مشاكل كبيرة بسبب أوراق ملكية وحسابات وممتلكات.”
قلت:
“وأنا مالي؟”
رد:
“إنتِ مالكيش.”
وبص للتوأم.
“لكن أولادي ممكن يكون ليهم علاقة بالموضوع.”
قلت بعصبية:
“أولادك؟ دلوقتي افتكرت إنهم أولادك؟”
سكت.
الكلمة وجعته.
لكنه ما ردش.
في اللحظة دي رن تليفونه.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
رد:
“ألو.”
سمعنا صوت من الناحية التانية.
أديان قال:
“أنا فاهم.”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“لا. مش هتلمسوا حد.”
صوته ارتفع:
“قلت محدش يقرب منهم.”
قفل المكالمة.
بصيتله.
“مين؟”
قال:
“الراجل اللي كان في العربية.”
“هو عايز إيه؟”
رد:
“عايز يتأكد إن التوأم هما أولاد شخص معين.”
قلت:
“مين؟”
قبل ما يرد، جالنا صوت خبط قوي على الباب.
اتجمدنا كلنا.
إيما قربت مني.
إيثان مسك إيدي.
أديان وقف.
الحرس اتحركوا ناحية المدخل.
وبعد ثواني دخل واحد من رجال الحراسة وقال:
“باشا… في عربية تانية وصلت.”
أديان سأله:
“مين؟”
الراجل رد:
“ست.”
سأل:
“اسمها؟”
الحارس اتردد.
وبعدين قال:
“بتقول اسمها ليلى.”
أول ما سمعت الاسم، حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
ليلى.
الست اللي أديان قاللي من خمس سنين إنه بيحبها.
الست اللي بسببها انتهى جوازي.
الست اللي كنت متخيلة إنها أخدت مكاني في حياته.
أديان نفسه اتجمد.
إيما بصتلي.
“ماما؟”
ماعرفتش أجاوب.
أديان قال للحارس:
“خليها تدخل.”
بصيتله بصدمة.
“إنت هتدخلها؟”
قال:
“لازم.”
بعد دقائق دخلت ليلى.
لكنها ماكنتش الست اللي كنت متخيلها.
كانت شاحبة.
وعينيها مليانة خوف.
وقفت عند الباب وبصت لأديان.
وبعدين بصتلي.
وبعدين للتوأم.
أول ما شافتهم، حطت إيدها على بقها.
وقالت:
“يا نهار أبيض…”
أديان قرب منها.
“إنتِ عارفة حاجة؟”
ليلى بصتله وقالت:
“أنا كنت فاكرة إنك عارف.”
قال:
“عارف إيه؟”
بدأت دموعها تنزل.
وقالت:
“إن مريم ماخدتش الولاد ومشيت بيهم عشان تنتقم منك.”
بصيتلها.
“إنتِ بتقولي إيه؟”
ليلى قربت خطوة.
“أنا اللي طلبت منها تسافر.”
أديان اتصدم.
“إنتِ؟”
قالت:
“أيوه.”
سكتت لحظة.
“لأن يوم الطلاق… كنت عارفة إن في ناس بتراقبك.”
أديان قرب منها.
“ليه ماقولتيليش؟”
ردت:
“لأن أبوك كان مهددني.”
أنا كنت واقفة مش فاهمة.
قلت:
“أبو أديان؟”
هزت راسها.
“أبو أديان كان عايز يمنع التوأم من الظهور.”
أديان قال:
“إنتِ عرفتي بالحمل؟”
قالت:
“عرفت بعد ما مريم سافرت.”
وبصتلي.
“ولما عرفت إنك حامل في توأم، فهمت إن الموضوع أخطر مما كنت متخيلة.”
أديان قرب منها.
“وليه ماقولتيليش؟”
قالت:
“لأنك وقتها كنت فاكر إنك بتختار حياتك الجديدة.”
سكتت.
“لكن الحقيقة إن كل اللي حصل كان جزء من خطة.”
حسيت إن رأسي بتلف.
قلت:
“خطة مين؟”
ليلى بصت لأديان.
وقالت:
“خطة والدك.”
أديان رجع خطوة.
“أبويا مات.”
ردت:
“مات، لكن الخطة ما ماتتش.”
سكت الجميع.
وبعدين ليلى قالت جملة خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي:
“الورق اللي اتقدم لمريم من خمس سنين ماكانش ورق طلاق عادي.”
أديان بص لها.
“يعني إيه؟”
قالت:
“كان فيه بند مخفي.”
أنا سألت:
“بند إيه؟”
ليلى قالت:
“لو ظهر أطفال من زواجكم، حقوقهم في ممتلكات العيلة هتتغير بالكامل.”
بصيت لأديان.
وبعدين للتوأم.
وفهمت لأول مرة إن اختفائي خمس سنين يمكن ماكانش هو اللي أنقذ ولادي…
يمكن كان هو اللي أخّر وصولهم للخطر.
في الليلة دي ماعرفتش أنام.
إيثان وإيما كانوا في أوضة جنب أوضتي.
وأديان كان في الصالة.
كنت سامعة خطواته طول الليل.
قبل الفجر بقليل، الباب اتفتح.
دخل أديان بهدوء.
وقف بعيد عن السرير.
وقال:
“مريم.”
ما رديتش.
قال:
“أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة.”
فتحت عيني.
“أنا مش بفكر في مسامحتك.”
سكت.
قلت:
“أنا بفكر في ولادي.”
قال:
“وأنا كمان.”
بصيتله.
“إنت ماكنتش موجود لما اتولدوا.”
“عارف.”
“ماشوفتش أول خطوة.”
سكت.
“ماسمعتش أول كلمة.”
سكت.
“ماكنتش موجود لما كانوا بيعيطوا بالليل.”
عينه لمعت.
قلت:
“دلوقتي ماتجيش تقولي أنا أبوهم.”
رد بصوت هادي:
“أنا مش هطلب منك ده.”
اتصدمت.
قال:
“أنا عايز أثبتلك إني أقدر أحميهم قبل ما أطلب أي حق.”
سكت.
وبعدين قال:
“وعندي حاجة لازم تشوفيها.”
طلع من جيبه ظرف قديم.
حطه قدامي.
فتحته.
كان فيه صورة.
صورة ليا وأنا حامل.
لكن الصورة كانت قديمة جدًا.
قلت:
“إنت كنت بتراقبني؟”
هز راسه.
“لا.”
قلب الصورة.
كان مكتوب على ضهرها تاريخ قبل ما أعرف أصلًا إني حامل.
وفي الأسفل جملة بخط يد واضح:
“لو ظهر الطفلان، كل شيء سيتغير.”
بصيت لأديان.
“مين كتب دي؟”
قال:
“أبويا.”
فضلت باصة للصورة.
وفجأة سمعت صوت صريخ من أوضة التوأم.
جريت.
دخلت لقيت إيثان واقف جنب الشباك.
وإيما بتعيط.
سألت:
“في إيه؟”
إيثان أشار للشباك.
بصيت.
كان فيه شخص واقف بعيد في الحديقة.
وبمجرد ما شافني، اختفى بين الأشجار.
أديان دخل ورايا.
قال:
“خلي الولاد بعيد عن الشبابيك.”
وبعدين مسك تليفونه واتصل بالحراسة.
لكن قبل ما حد يرد، وصلته رسالة.
فتحها.
وبصلي.
قال:
“مريم…”
“إيه؟”
ناولني الموبايل.
الرسالة كانت قصيرة:
“الولاد ظهروا… دلوقتي الدور على الحقيقة اللي خبّيتيها.”
اتجمدت.
لأن الجملة دي ماكانتشي عن الحمل.
كان واضح إن في سر تاني.
سر أنا نفسي كنت نسيته.
سر حصل قبل الطلاق.
قبل السفر.
وقبل ما أعرف إن عندي توأم.
أديان بصلي وسأل:
“مريم… إيه الحقيقة اللي بيتكلموا عنها؟”
فضلت ساكتة.
حاولت أفتكر.
وفجأة افتكرت يوم الطلاق.
افتكرت إن أديان لما رجع بالورق كان معاه ظرف تاني.
ظرف ما فتحتهوش وقتها.
ظرف حطيته في شنطتي.
وسافرت.
وطول خمس سنين ما فتحتهوش.
جريت على شنطتي.
فتحتها.
قلبت في الجيوب.
ولقيته.
الظرف القديم.
نفسه.
مغلق.
أديان وقف جنبي.
قال:
“افتحيه.”
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الظرف.
طلع منه مفتاح صغير.
ومستند.
وفي أول سطر كان مكتوب:
“إلى مريم… إذا وصل إليك هذا الخطاب، فاعلمي أن أديان لم يكن يعرف الحقيقة.”
رفعت عيني لأديان.
ولأول مرة من خمس سنين حسيت إن الرجل اللي قدامي يمكن يكون هو نفسه كان ضحية.
لكن السطر اللي بعده كان أخطر:
“والمرأة التي ظننتِ أنها سبب طلاقك… لم تكن السبب الحقيقي.”
بصيت لليلى.
وبعدين لأديان.
أما إيثان وإيما فكانوا واقفين عند الباب.
وفي اللحظة دي فهمت إن رجوعي للقاهرة ماكانش بداية حياة جديدة.
كان رجوعًا لحساب قديم.
وحساب المرة دي…
مش هيتدفع بفلوس.
هيتدفع بالحقيقة.
فضلت ماسكة الورقة بإيدي وأنا حاسة إن صوابعي متلجة رغم إن الجو كان دافي.
أديان كان واقف قدامي ومستني.
ليلى واقفة بعيد، ووشها شاحب.
أما إيثان وإيما فكانوا في طرف الأوضة، وكل واحد فيهم بيبص للتاني كأنه حاسس إن الكبار حواليهم بيتكلموا عن حاجة أكبر من سنهم.
بصيت لأول سطر تاني.
“إلى مريم… إذا وصل إليك هذا الخطاب، فاعلمي أن أديان لم يكن يعرف الحقيقة.”
قلبي دق بسرعة.
رفعت عيني لأديان.
“إنت ماكنتش تعرف؟”
هز راسه.
“أعرف إيه؟”
رجعت بصيت للورقة.
وكملت قراءة.
“والمرأة التي ظننتِ أنها سبب طلاقك… لم تكن السبب الحقيقي.”
بصيت ناحية ليلى.
هي نزلت عيني في الأرض.
قلت:
“إنتِ كنتي عارفة؟”
ليلى ردت بصوت مكسور:
“كنت أعرف جزء.”
“جزء من إيه؟”
“من اللي كان بيحصل حواليكم.”
أديان اتدخل:
“ليلى، كفاية أسرار.”
بصتله.
“أنا ماكانش عندي حق أقول.”
صرخت:
“ولا كان عندك حق تخبي!”
سكتت.
كنت حاسة إن خمس سنين من الأسئلة اللي دفنتها جوايا بتطلع كلها مرة واحدة.
قربت منها.
“إنتِ كنتي عارفة إني حامل؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
“وكنتِ عارفة إن أديان مش عارف؟”
سكتت.
“ردي!”
قالت:
“أيوه.”
أديان بص لها بغضب.
“إزاي؟”
قالت:
“لأن اللي كان بيراقب مريم وقتها ماكانش عايزك تعرف.”
أديان قرب منها.
“مين؟”
قالت:
“أبوك.”
سكتنا كلنا.
قلت:
“بس أبو أديان مات.”
ردت:
“أنا عارفة.”
“أمال إزاي؟”
قالت:
“لأن قبل موته بأيام، سلّمني حاجة.”
أديان سأل:
“إيه؟”
ليلى فتحت شنطتها.
طلعت مفتاح صغير.
نفس شكل المفتاح اللي كان في الظرف.
أديان قرب بسرعة.
“المفتاح ده؟”
قالت:
“نسخة.”
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
وبعدين للمفتاح اللي في إيدها.
قلت:
“نسخة من إيه؟”
قالت:
“من خزنة.”
سأل أديان:
“فين؟”
ردت:
“في مكتب أبوك القديم.”
أديان سكت.
وبعدين قال:
“المكتب اتقفل من خمس سنين.”
قالت:
“مش كل المكتب.”
بصيت لها.
“يعني إيه؟”
قالت:
“في أوضة محدش كان يعرف عنها غيره.”
سألتها:
“وإنتِ عرفتي إزاي؟”
قالت:
“هو اللي قاللي.”
أديان ضحك بسخرية.
“وأنا ابنه وماعرفتش.”
ردت:
“كان خايف منك.”
بصيتله باستغراب.
“ليه؟”
ليلى قالت:
“لأنه كان شايف إنك ضعيف قدام مريم.”
أديان اتضايق.
“أنا كنت بحبها.”
ردت:
“وعشان كده كان شايف إنك ممكن تفسد خطته.”
حسيت بقشعريرة.
قلت:
“خطة إيه؟”
ليلى بصت للولاد.
“الخطة كانت مرتبطة بيهم.”
إيما سألت بصوت صغير:
“بينا إحنا؟”
قربت منها وضمّيتها.
“ماتخافيش يا حبيبتي.”
أديان بص للطفلين.
وبعدين قال:
“هنعرف الحقيقة.”
في اللحظة دي رن جرس الباب.
كلنا اتجمدنا.
الحارس دخل بسرعة.
“باشا، في عربية وصلت.”
أديان سأله:
“مين؟”
“محامي.”
“اسمه؟”
“الأستاذ سامح.”
أديان بص لليلى.
ليلى وشها اتغير.
قالت:
“سامح؟”
أديان سألها:
“تعرفيه؟”
قالت:
“أيوه.”
“مين هو؟”
قالت:
“محامي أبوك.”
سكت أديان.
وبعدين قال:
“خليه يدخل.”
بعد دقائق دخل راجل في منتصف الستينات، ماسك شنطة جلد قديمة.
أول ما شافني وقف.
وبص للتوأم.
ثم قال:
“كنت متأكد إن اليوم ده هييجي.”
أديان قرب منه.
“إنت كنت عارف؟”
قال:
“كنت عارف إن الأطفال هيظهروا.”
“وكنت عارف إن مريم حامل؟”
سكت.
أديان صرخ:
“رد!”
المحامي قال:
“أيوه.”
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
قلت:
“يعني كل الناس كانت عارفة إلا أنا؟”
بصلي وقال:
“إنتِ الوحيدة اللي ماكانش المفروض تعرفي.”
صرخت:
“ليه؟”
فتح الشنطة.
طلع ملف كبير.
وحطه على الترابيزة.
قال:
“لأنك لو عرفتي الحقيقة وقتها، كان ممكن أول خطوة تعمليها إنك ترجعي لأديان.”
قلت:
“وطب إيه المشكلة؟”
قال:
“المشكلة إن أديان نفسه كان تحت المراقبة.”
أديان سأل:
“من مين؟”
المحامي قال:
“من شركاء قدامى لوالدك.”
بصيت لأديان.
قال:
“شركاء في إيه؟”
المحامي فتح الملف.
“في مشروع اتعمل من عشرين سنة.”
“مشروع إيه؟”
قال:
“مجموعة استثمارات وعقارات.”
أديان رد:
“أنا عارف الموضوع ده.”
المحامي هز راسه.
“إنت عارف الجزء الظاهر بس.”
فتح ورقة.
“الجزء الحقيقي كان إن أبوك استخدم اسم العيلة في تأسيس شركات كتير.”
قلب ورقة.
“وبعد سنوات، حصل خلاف بينه وبين شركائه.”
قلت:
“وإحنا دخلنا في الموضوع إزاي؟”
المحامي بصلي مباشرة.
“لأنك بقيتي صاحبة حق قانوني في جزء من الممتلكات.”
اتصدمت.
“أنا؟”
قال:
“أيوه.”
أديان قال:
“إزاي؟”
المحامي رد:
“لأن في عقد زواج اتعمل له ملحق قانوني ماحدش عرف بيه.”
بصيت لأديان.
“إنت وقعت على حاجة؟”
هز راسه.
“أنا وقعت على عقد الجواز بس.”
المحامي قال:
“أبوك هو اللي أضاف الملحق بعدين.”
قلت:
“إيه اللي مكتوب فيه؟”
المحامي مد إيده ناحية الملف.
“إن أي أطفال يولدوا من زواجك من مريم، لهم حق مباشر في نسبة محددة من الأصول.”
بصيت للتوأم.
وفهمت إنهم من أول لحظة اتولدوا فيها كانوا مرتبطين بسر أكبر منهم.
قلت:
“يعني الناس دي عايزة الولاد عشان الفلوس؟”
المحامي قال:
“جزء من الحقيقة.”
“والجزء التاني؟”
سكت.
أديان قرب منه.
“قول.”
قال:
“في حساب مصرفي.”
“حساب إيه؟”
“حساب باسم أطفالك.”
أديان اتجمد.
“أنا ما فتحتش حساب.”
قال:
“أبوك فتحه قبل ولادتهم.”
سألته:
“كان عارف إنهم هييجوا؟”
قال:
“كان عنده معلومات.”
“إزاي؟”
المحامي سكت.
بصيت لليلى.
ليلى بدأت تعيط.
قلت:
“إنتِ عارفة.”
هزت راسها.
“أيوه.”
“قولي.”
قالت:
“كان في واحدة بتوصل له أخبار عنك.”
قلبي وقع.
“مين؟”
قالت:
“شخص قريب منك.”
سألتها:
“قريب مني إزاي؟”
ما ردتش.
قلت:
“مين؟”
قالت:
“واحدة كانت بتظهر قدامك كل يوم تقريبًا.”
بدأت أفكر.
مين؟
في الفترة دي كنت عايشة مع أهلي فترة قصيرة قبل ما أسافر.
كان فيه ناس كتير حواليا.
لكن فجأة اسم واحد جه في دماغي.
أختي.
لا.
مستحيل.
قلت:
“إنتِ بتتكلمي عن مين؟”
ليلى قالت:
“عن ناهد.”
تجمدت.
ناهد كانت أقرب واحدة ليا في الفترة دي.
كانت بتعرف كل تفاصيل حياتي.
كانت أول واحدة عرفت إني تعبانة.
وأول واحدة عرفت إني بفكر أسافر.
وأول واحدة عرفت إني كنت خايفة من أديان.
قلت:
“ناهد؟”
المحامي قال:
“أيوه.”
أديان سأل:
“إيه علاقتها بالموضوع؟”
قال:
“هي كانت بتوصل معلومات.”
صرخت:
“معلومات عني لمين؟”
المحامي رد:
“لأبوك.”
سكتنا.
إيثان قرب مني.
“ماما، مين ناهد؟”
نزلت لمستواه.
“واحدة كنت أعرفها زمان.”
قال:
“هي وحشة؟”
اترددت.
وبعدين قلت:
“مش عارفة.”
لكن في داخلي، كل حاجة كانت بتتجمع.
رسائل غريبة.
مكالمات انقطعت.
أسئلة كانت ناهد بتسألها عني بشكل مبالغ فيه.
حتى يوم الطلاق…
كانت هي أول واحدة اتصلت بيا بعد ما خرج أديان من البيت.
وقتها قالتلي:
“إوعي ترجعي له.”
كنت فاكرة إنها بتحميني.
دلوقتي بدأت أشك في كل كلمة قالتها.
أديان كان باصصلي.
قال:
“مريم، إحنا لازم نروح مكتب أبويا.”
المحامي هز راسه.
“لازم.”
قلت:
“دلوقتي؟”
قال:
“قبل ما حد يعرف إنكم عرفتم.”
وفجأة تليفون أديان رن.
رد.
صوته اتغير.
“إيه؟”
سكت.
وبعدين قال:
“متأكد؟”
قفل.
بص لنا.
“العربية اللي كانت بتراقبنا من المطار اختفت.”
سألته:
“وده معناه إيه؟”
قال:
“معناه إنهم عرفوا إننا في البيت.”
المحامي قال:
“يبقى لازم نتحرك حالًا.”
ضمّيت إيثان وإيما.
“أنا مش هخرج بالولاد.”
أديان قال:
“مش هنخرج بيهم.”
بصيتله.
“هنعمل إيه؟”
قال:
“هنخليهم في مكان آمن.”
سألته:
“وأنا؟”
بصلي.
“إنتِ هتيجي معايا.”
قلت:
“فين؟”
رد:
“لمكتب أبويا.”
بصيت للمفتاح في إيدي.
وأول مرة حسيت إن المفتاح الصغير ده ممكن يفتح باب لحقيقة دفنتها عيلة كاملة سنين.
خرجنا من الفيلا من باب جانبي.
ركبنا عربية مختلفة.
المحامي كان معانا.
وليلى فضلت مع التوأم.
وأنا طول الطريق كنت ساكتة.
أديان كان سايق.
وبعد حوالي نصف ساعة وقف قدام مبنى قديم.
قال:
“ده مكتب أبويا.”
نزلنا.
دخلنا.
المكان كان مليان تراب.
كل حاجة متقفلة.
أديان مشي قدامنا لحد آخر ممر.
وقف قدام حائط عليه مكتبة خشب.
حرك كتاب قديم.
سمعنا صوت طقة.
جزء من الحائط اتحرك.
ظهر باب صغير.
بصلي.
“المفتاح.”
طلعت المفتاح.
دخلته.
لفيته.
الباب اتفتح.
دخلنا أوضة ضلمة.
المحامي شغل النور.
وفي منتصف الأوضة كانت فيه خزنة ضخمة.
أديان بصلي.
“المفتاح التاني.”
حطيته.
الخزنة اتفتحت.
لكن اللي لقيناه جواها ماكانش فلوس.
ولا ذهب.
ولا عقود.
كان فيه عشرات الصور.
صور ليا.
صور لأديان.
صور للتوأم.
صور اتاخدت بعد ولادتهم بأيام.
صور من المدرسة.
صور من المستشفى.
صور لبيتنا القديم.
حسيت إن نفسي اتقطع.
قلت:
“مين كان بيراقبهم؟”
المحامي ما ردش.
أديان مسك صورة لإيثان وهو عنده حوالي سنتين.
وبصلي.
وشه انهار.
قال:
“أنا ماكنتش أعرف.”
قلت:
“بس حد كان يعرف.”
قلبنا الصور واحدة ورا التانية.
وفي آخر صورة…
كانت ناهد.
واقفة جنب العربية اللي كانت بتراقبنا.
أديان بص للصورة.
وبعدين بصلي.
وقال:
“مريم…”
قبل ما يكمل، سمعنا صوت الباب الخارجي بيتقفل.
المحامي قال:
“إحنا مش لوحدنا.”
وفي اللحظة دي…
اتطفت الأنوار.
وسمعنا صوت خطوات بتقرب من باب الأوضة.
وبعدين صوت راجل قال من الناحية التانية:
“خلصوا اللي في إيديكم…”
“لأن اللي جاي بعد كده مش هيكون مجرد كشف سر.”
فضلنا واقفين في الضلمة، ولا واحد فينا قادر ياخد نفسه.
صوت الخطوات كان بيقرب.
خطوة…
وبعدين خطوة…
وبعدين وقف قدام الباب بالضبط.
أديان حط إيده على بقي، وأشار لنا نسكت.
المحامي كان ماسك الملف على صدره.
أما أنا فكنت حاسة إن قلبي هيخرج من مكانه.
وفجأة سمعنا صوت مفتاح بيتحرك في الباب.
أديان همس:
“ورايا.”
اتحركت خطوة، لكن عيني وقعت على حاجة صغيرة جنب الخزنة.
علبة معدنية.
افتكرت إن أبو أديان كان مخبي حاجات في المكان ده.
مديت إيدي وخدتها بسرعة.
وفي اللحظة دي الباب اتفتح.
نور الممر دخل الأوضة.
ظهر راجل طويل واقف عند الباب.
لكن قبل ما يدخل، أديان اندفع عليه.
حصلت خناقة سريعة.
المحامي صرخ:
“اهربوا!”
جريت ناحية الباب التاني اللي كان في آخر الأوضة.
لكن الراجل كان أقوى من أديان، ووقعه على الأرض.
لفيت ورجعت.
“أديان!”
رفع عينه ليا وقال:
“اجري يا مريم!”
الراجل مد إيده ناحية أديان.
لكن المحامي ضربه بالملف على إيده.
أديان استغل اللحظة وقام.
مسك إيدي.
وجرينا.
دخلنا ممر ضيق، وسمعنا صوت الراجل وراينا.
المحامي كان بيجري ورانا وهو بيقول:
“يمين!”
دخلنا باب جانبي.
قفلناه.
فضلنا واقفين ناخد نفسنا.
قلت:
“مين ده؟”
أديان قال:
“مش عارف.”
المحامي بص للعلبة اللي كنت ماسكاها.
وقال:
“إنتِ لقيتي دي فين؟”
قلت:
“جنب الخزنة.”
أخدها مني.
قلبها.
وفجأة وشه اتغير.
“دي أخطر من كل اللي لقيناه.”
قلت:
“ليه؟”
فتح العلبة.
كان جواها فلاشة صغيرة.
ومفتاح تاني.
وفي ورقة مكتوب عليها:
“لو وصلتوا هنا، ماتثقوش في أي حد.”
أديان بصلي.
“حتى مين؟”
المحامي قال:
“حتى أنا.”
سكتنا.
المحامي كمل:
“والأهم… ماترجعوش الفيلا.”
قلبي وقع.
“الولاد!”
أديان طلع موبايله بسرعة.
اتصل بليلى.
مرة.
اتنين.
مفيش رد.
صرخت:
“ليلى مش بترد!”
أديان حاول تاني.
ولا رد.
خرجنا من المكتب بأقصى سرعة.
ركبنا العربية.
وأديان كان سايق كأنه في سباق.
أنا كنت ماسكة الموبايل وبحاول أتصل بإيما.
لكن طبعًا مفيش موبايل معاها.
كنت حاسة إن الوقت واقف.
قلت:
“أديان أسرع.”
قال:
“بحاول.”
بعد دقائق وصلنا للفيلا.
البوابة كانت مفتوحة.
الحراس مش موجودين.
نزل أديان وجري للداخل.
جريت وراه.
دخلنا الصالة.
كانت فاضية.
ناديت:
“ليلى!”
مفيش رد.
“إيثان!”
ولا صوت.
“إيما!”
صوت صغير جه من فوق.
“ماما!”
طلعت السلم بسرعة.
فتحت باب الغرفة.
لقيت إيثان وإيما قاعدين في ركن الأوضة.
وليلى واقفة قدامهم.
وكان معاها راجل ماعرفوش.
وقفت مكاني.
أديان دخل ورايا.
صرخ:
“مين ده؟”
الراجل رفع إيده.
“اهدأ.”
أديان قرب منه.
“ابعد عن ولادي.”
الراجل رد:
“أنا مش عدوكم.”
قلت:
“أمال مين إنت؟”
قال:
“اسمي يوسف.”
أديان سأله:
“إنت تبع مين؟”
قال:
“أنا كنت شغال مع أبوك.”
المحامي اللي كان لسه واصل وراينا قال:
“يوسف؟”
الراجل بصله.
“أيوه.”
المحامي قال:
“إنت لسه عايش؟”
يوسف ابتسم ابتسامة حزينة.
“واضح.”
أديان قال:
“اشرح.”
يوسف بصلي.
وقال:
“أنا اللي كنت بحمي مريم والأطفال طول الخمس سنين.”
اتجمدت.
“إنت؟”
هز راسه.
“كنت بتابع تحركات الناس اللي كانوا بيدوروا عليهم.”
سألته:
“طب ليه ماعرفتنيش؟”
قال:
“لأن لو عرفتي، كان ممكن حد يعرف إني بحميكي.”
أديان قال:
“والنهارده ليه ظهرت؟”
رد:
“لأن الخطر بقى قريب.”
بصيت لإيثان وإيما.
كانوا بخير.
جريت عليهم وضمّيتهم.
إيما قالت:
“ماما، الراجل ده كان بيحمينا.”
بصيت ليوسف.
قال:
“كنت مضطر أقول لهم إن ماما هترجع.”
سألته:
“إزاي عرفت؟”
قال:
“لأن ناهد كانت بتراقب حسابات السفر.”
قلبي اتقبض.
“ناهد.”
هز راسه.
“هي مش لوحدها.”
أديان سأله:
“مين معاها؟”
يوسف قال:
“أخويا.”
المحامي اتدخل:
“أخوه مين؟”
يوسف قال اسمًا جعل الجميع يسكت.
“سامح.”
المحامي بصله بصدمة.
“سامح؟”
يوسف هز راسه.
“أيوه.”
بصينا كلنا للمحامي.
أديان قال:
“إنت قلت لنا إنك محامي أبويا.”
قال:
“أنا فعلًا.”
يوسف رد:
“لكن سامح الحقيقي مات من سبع سنين.”
الهواء اختفى من المكان.
بصيت للمحامي.
“يعني إنت مين؟”
الراجل اللي كنا فاكرينه المحامي فضل ساكت.
وبعدين ابتسم.
وقال:
“كنت أتمنى ما نكتشفش بعض بالطريقة دي.”
أديان رجع خطوة.
“إنت مين؟”
الراجل مد إيده ناحية جيبه.
يوسف صرخ:
“ماتتحركش!”
لكن الراجل طلع ورقة.
وحطها على الترابيزة.
وقال:
“أنا مش عدوكم.”
يوسف قال:
“كذاب.”
الراجل بص له.
“إنت عارف إني بقول الحقيقة.”
يوسف رد:
“أنت عارف الحقيقة لأنك كنت جزء منها.”
بصيت لأديان.
“إحنا في إيه؟”
أديان كان ساكت.
الراجل قال:
“أنا اسمي حسام.”
أديان سأله:
“وحسام ده مين؟”
قال:
“أخو ليلى.”
ليلى شهقت.
“حسام؟”
بصتله كأنها أول مرة تشوفه.
قال لها:
“أنا كنت متأكد إنك هتوصلي للحقيقة.”
ليلى قربت منه.
“إنت كنت عايش؟”
قال:
“طول الوقت.”
“وليه اختفيت؟”
رد:
“لأن أبو أديان كان بيحاول يحميني.”
سألت:
“من مين؟”
قال:
“من الناس اللي كانوا بيحاولوا يستولوا على الشركة.”
أديان قال:
“أنا مش فاهم.”
حسام بصله.
“أبوك ماكانش بيحاول يبعدك عن مريم.”
سكت.
“كان بيحاول يحميك منها.”
اتصدمت.
أديان قال:
“يعني إيه؟”
حسام رد:
“لأن في حد كان بيحاول يستخدم مريم عشان يوصل لك.”
بصيتله بغضب.
“أنا؟”
“أيوه.”
“مين؟”
حسام قال:
“ناهد.”
حسيت إن قلبي اتكسر.
“ناهد كانت بتشتغل معاهم؟”
قال:
“أيوه.”
سألت:
“طب ليه كانت بتقنعني أسيبه؟”
قال:
“لأنهم كانوا عايزينك تسافري.”
قلت:
“ليه؟”
رد:
“عشان لو سافرتي، محدش هيشك إنك حامل.”
أديان قرب منه.
“يعني هم كانوا عارفين؟”
حسام قال:
“من البداية.”
“عارفين إن مريم حامل؟”
“أيوه.”
أديان حط إيده على رأسه.
“إزاي؟”
حسام قال:
“الدكتورة اللي تابعت حملها كانت بتبعت تقارير.”
صرخت:
“إيه؟!”
قال:
“التقارير كانت بتوصل لحد تاني.”
أديان سأل:
“مين؟”
حسام بصلي.
“لشخص قريب جدًا منكم.”
قلت:
“مين؟”
سكت.
ثم قال:
“أخت مريم.”
وقعت الكلمة عليّ كأنها ضربة.
“أختي؟”
هز راسه.
“هي اللي كانت بتاخد التقارير.”
ماقدرتش أتكلم.
كنت فاكرة إن ناهد هي الخيانة الوحيدة.
لكن دلوقتي اسم أختي دخل وسط كل حاجة.
أديان قرب مني.
“مريم…”
بعدت عنه.
“ماتقولش حاجة.”
إيثان قرب مني.
“ماما؟”
نزلت لمستواه.
“أنا كويسة يا حبيبي.”
لكن الحقيقة إني ماكنتش كويسة.
لأن كل ذكرى من خمس سنين بدأت تتغير.
كل مكالمة.
كل زيارة.
كل سؤال.
كل نصيحة.
كل مرة أختي كانت بتقولي فيها:
“ابعدي عن أديان.”
كل ده بقى له معنى تاني.
حسام قال:
“في حاجة أهم.”
رفع الفلاشة.
“الفلاشة دي فيها تسجيلات.”
أديان سأله:
“تسجيلات لمين؟”
قال:
“لأبوك.”
“بيتكلم عن إيه؟”
حسام رد:
“عن الطلاق.”
قلبي اتقبض.
“الطلاق؟”
هز راسه.
“أبوك سجل كل حاجة.”
أديان قرب.
“شغّلها.”
حسام طلع لابتوب صغير.
حط الفلاشة.
ظهر ملف واحد.
ضغط عليه.
الصوت طلع.
صوت راجل كبير.
صوت أبو أديان.
“لو بتسمعوا التسجيل ده، يبقى أنا مت.”
أديان غمض عينه.
الصوت كمل:
“مريم ماكانتشي السبب.”
بصيت لأديان.
“أنا اللي طلبت من ابني يقدم لها ورق الطلاق.”
أديان اتجمد.
الصوت استمر:
“لكن أديان ماكانش يعرف السبب الحقيقي.”
أديان قال:
“ليه؟”
والتسجيل كمل:
“كنت عارف إن في ناس بتراقب ابني، وكنت عارف إنهم لو عرفوا إن مريم حامل، هيستخدموا الأطفال للوصول إلى الحسابات.”
صمت ثواني.
ثم قال:
“لذلك كان لازم أفرق بينهم.”
دموعي نزلت.
أديان كان واقف ساكت.
الصوت كمل:
“والمرأة التي سيظن أديان أنه يحبها… لم تكن إلا جزءًا من الخطة.”
ليلى غمضت عينيها.
الصوت قال:
“ليلى لم تكن حبيبته.”
أديان بص لليلى.
أنا بصيتلها.
أما ليلى فكانت بتعيط.
الصوت كمل:
“أنا طلبت منها أن تظهر في حياته حتى أجبر مريم على الرحيل.”
حسيت إن نفسي اتقطع.
كل السنين اللي قضيتها وأنا فاكرة إن أديان سابني عشان واحدة تانية…
طلعت مبنية على كذبة.
لكن التسجيل ماوقفش.
“ولو مريم أنجبت طفلين…”
سكت الصوت لحظة.
“فهم الورثة الحقيقيون.”
أديان قال:
“أبويا…”
الصوت كمل:
“لكن هناك شخصًا واحدًا لن أتوقع أن يخونني.”
وفجأة توقف التسجيل.
حسام حاول يشغله تاني.
مفيش.
قلت:
“إيه اللي حصل؟”
قال:
“الملف ناقص.”
أديان قال:
“ناقص إزاي؟”
حسام بص للفلاشة.
“الجزء الأخير اتمسح.”
يوسف قال:
“مش اتمسح.”
بصينا له.
قال:
“اتقفل.”
سألته:
“يعني إيه؟”
رد:
“يعني التسجيل الكامل موجود في مكان تاني.”
أديان سأله:
“فين؟”
يوسف بصلي.
“عند مريم.”
اتجمدت.
“عندي أنا؟”
هز راسه.
“أيوه.”
قلت:
“إزاي؟”
قال:
“أبوك حط النسخة الأخيرة في حاجة أخدتيها معاكي يوم السفر.”
بدأت أفتكر.
شنطتي.
ملابسي.
صور أمي.
أوراقي.
ظرف الطلاق.
وفجأة افتكرت حاجة.
صندوق صغير كنت حطيته في المخزن من خمس سنين.
صندوق كنت دايمًا بعتبره مجرد حاجات قديمة.
بصيت لأديان.
“أنا عارفة هو فين.”
قال:
“فين؟”
قلت:
“في بيتنا القديم.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“لازم نروح.”
يوسف هز راسه.
“مش دلوقتي.”
سألته:
“ليه؟”
قال:
“لأنهم مستنيينكم هناك.”
وقبل ما نرد، سمعنا صوت عربية بتقف قدام الفيلا.
وبعدين صوت حد بيخبط على البوابة.
يوسف بص ناحية الشباك.
وشه اتغير.
وقال:
“وصلوا.”
أديان مسك إيدي.
وأنا مسكت إيدي التوأم.
وفي اللحظة دي…
وصلتني رسالة على موبايلي من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها:
“لو عايزة تعرفي ليه أديان طلّقك من خمس سنين… تعالي لوحدك.”
وتحت الرسالة صورة حديثة جدًا.
صورة لبيتنا القديم.
وأمام الباب…
كانت واقفة أختي.
فضلت باصة للصورة اللي على موبايلي، ومش قادرة أستوعب إن أختي واقفة قدام البيت القديم.
البيت اللي أنا سيبته من خمس سنين.
البيت اللي دفنت فيه كل ذكرياتي مع أديان.
البيت اللي خرجت منه يومها وأنا مكسورة ومش عارفة إن جوايا طفلين هيغيروا حياتي كلها.
وأهو بعد خمس سنين…
كل الأسرار رجعت لنفس المكان.
أديان بص للموبايل وقال:
“دي أختك؟”
هزيت راسي.
“أيوه.”
يوسف قرب.
“ماتروحيش.”
قلت:
“بس لو هي فعلًا عارفة مكان الصندوق…”
قاطعني:
“دي بالضبط الفكرة. هما عايزينك تروحي.”
حسام قال:
“الرسالة دي فخ.”
بصيتله.
“طب أعمل إيه؟”
رد:
“نخليهم يفتكروا إنك هتروحي.”
أديان قال:
“وأنا أروح.”
بصيتله.
“لأ.”
“مريم…”
“إنت مش هتروح لوحدك.”
سكت.
وبعدين قال:
“أنا مش هسيبك تواجهِي ده لوحدك.”
لأول مرة من خمس سنين حسيت إن الجملة دي كان نفسي أسمعها من زمان.
لكن ماكنتش مستعدة أسامحه.
مش بعد كل اللي حصل.
قلت:
“إحنا هنروح سوا.”
يوسف رفض.
“ده خطر.”
رد أديان:
“أخطر حاجة إننا نستنى.”
وبالفعل بعد أقل من ساعة كنا واقفين قدام البيت القديم.
المكان كان مهجور.
الباب الخارجي مفتوح.
دخلنا بحذر.
كل ركن في البيت كان بيفكرني بحاجة.
هنا كنت بعمل لأديان القهوة.
وهنا كنا بنتكلم بالساعات.
وهنا وقفت يوم ما سلمني ورق الطلاق.
وقفت في نفس المكان اللي انهارت فيه حياتي.
أديان وقف جنبي.
قال:
“أنا آسف.”
بصيتله.
“على إيه؟”
“على كل لحظة كنتِ فيها لوحدك.”
سكت.
قلت:
“الاعتذار مش هيرجع خمس سنين.”
قال:
“عارف.”
“ولا هيرجع أول خطوة لإيثان.”
“عارف.”
“ولا أول كلمة لإيما.”
سكت.
وبعدين قال:
“بس لو الزمن رجع، كنت هحارب عشانكم.”
بصيتله.
“دلوقتي بس عرفت.”
قال:
“أيوه.”
دخلنا الصالة.
سمعنا صوت حركة في الدور التاني.
أديان أشارلي أستنى.
طلع السلم.
بعد ثواني ناداني.
“مريم.”
طلعت.
لقيته واقف قدام باب الأوضة القديمة.
قال:
“هنا كان الصندوق؟”
هزيت راسي.
“أيوه.”
دخلنا.
فتحت الدولاب القديم.
كان لسه موجود.
الصندوق الصغير كان في الخلف.
طلعت المفتاح.
فتحته.
جواه صور قديمة.
وخاتم.
ورسالة.
وفلاشة تانية.
أديان مسك الرسالة.
لكن قبل ما يفتحها، سمعنا صوت تصفيق من خلفنا.
لفينا.
كانت أختي واقفة عند الباب.
وقفت باصة لي.
ولا قالت كلمة.
قلت:
“إنتِ.”
قالت:
“أيوه.”
أديان وقف قدامي.
“ابعدي عنها.”
ضحكت.
“لسه بتحميها؟”
قال:
“المرة دي مش هسمح لحد يقرب منها.”
أختي بصتلي.
“إنتِ ماكنتيش فاهمة حاجة.”
صرخت:
“خمس سنين وأنا فاكرة إني السبب!”
قالت:
“وأنا كنت بحاول أحميكي.”
ضحكت بمرارة.
“تحميني؟ إنتِ كنتي بتاخدي معلومات عني وتديها لأبو أديان!”
قالت:
“لأن لو ماعملتش كده كانوا هيقتلوكي.”
سكت.
أديان سألها:
“مين كانوا؟”
قالت:
“ناس أخطر مما تتخيل.”
بصيت لها.
“ليه ماقولتيليش؟”
نزلت عينيها.
“لأنهم كانوا مراقبين كل خطوة.”
قلت:
“والطلاق؟”
ردت:
“أنا كنت عارفة إن أبو أديان بيخطط له.”
“وسكتي؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
قالت:
“لأن أديان كان مستهدف.”
أديان سأل:
“ومين كان مستهدفني؟”
قالت:
“أخو أبوك.”
سكتنا.
قالت:
“عمك.”
أديان اتجمد.
“عمي مات من سنين.”
قالت:
“الناس قالت كده.”
ثم طلعت موبايلها.
وفتحت صورة.
رجل كبير واقف في مكان ما.
أديان بص للصورة.
وشه اتغير.
“ده عمي.”
قالت:
“أيوه.”
حسيت إن القصة لسه فيها باب تاني.
لكن أختي كملت:
“هو اللي كان عايز يوصل للحسابات.”
“وحساب الأطفال؟”
“كان عايز السيطرة عليه.”
أديان قال:
“طب وأبويا؟”
قالت:
“أبوك كان بيحاول يمنعه.”
سكتت لحظة.
“وعشان كده كان لازم يخليك تكره مريم.”
أنا قلت:
“عشان تبعدني؟”
هزت راسها.
“عشان تحميكي.”
سألتها:
“وليه ماقالش الحقيقة؟”
قالت:
“لأن الحقيقة وقتها كانت هتقتلك.”
نزلت عيني.
سنين وأنا فاكرة إن أديان اختار واحدة تانية.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
أديان قرب مني.
قال:
“مريم… أنا غلطت.”
بصيتله.
“إنت ماكنتش تعرف.”
قال:
“بس كان لازم أعرف.”
سكت.
“كان لازم أصدقك.”
دموعي نزلت.
أختي قالت:
“في حاجة أخيرة.”
بصينا لها.
قالت:
“الرجل اللي كان بيقود كل ده مات.”
أديان سأل:
“إزاي؟”
قالت:
“من سنة.”
“مين قتله؟”
قالت:
“ماحدش.”
“أمال؟”
قالت:
“مات طبيعي.”
سكتنا.
ثم قالت:
“ومن يومها كل الناس اللي كانوا شغالين معاه بدأوا يهربوا.”
سألتها:
“طب ليه رجعوا دلوقتي؟”
قالت:
“لأنهم عرفوا إن الأطفال موجودين.”
بصيت ناحية الفلاشة.
“ودي فيها إيه؟”
قالت:
“آخر تسجيل.”
حسام اللي كان واقف عند الباب دخل.
أخد الفلاشة.
شغلها.
طلع صوت أبو أديان للمرة الأخيرة.
“لو وصلتم للتسجيل ده، يبقى مريم وأولادي بخير.”
أديان غمض عينيه.
الصوت كمل:
“أنا ظلمت مريم في عيني ابني، وعارف إن ده ذنب كبير.”
سكت لحظة.
“لكن كنت عارف إن ابني لو عرف إن مريم حامل، هيجري وراها، واللي بيراقبوه هيوصلوا ليهم.”
صوت تنفسه كان واضح.
“لذلك اخترت أن أكون أنا الشخص الذي تكرهه مريم وأديان بدلًا من أن يكرهوا بعضهم.”
أنا حطيت إيدي على بقي.
أديان بدأ يبكي بصمت.
التسجيل كمل:
“لو عشت، هصلح كل ده.”
“ولو مت، فأتمنى أن يصلح أديان ما أفسدته أنا.”
وانتهى التسجيل.
فضلنا كلنا ساكتين.
أديان مسح دموعه.
وبصلي.
“أنا آسف.”
المرة دي ماقدرتش أقاوم.
بكيت.
مش عشان أرجعله.
لكن عشان لأول مرة عرفت إن السنين اللي قضيتها وأنا شايلة إحساس الرفض…
ماكانتش الحقيقة كاملة.
أديان قرب.
لكنه ما لمسنيش.
احترم المسافة بيننا.
وقال:
“أنا مش هطلب منك ترجعي.”
بصيتله.
“أنا بس عايز أكون أب لأولادي.”
نزلت دموعي أكتر.
قلت:
“هما محتاجين يعرفوك.”
ابتسم بحزن.
“حتى لو إنتِ مش عايزاني؟”
قلت:
“الولاد مالهمش ذنب في اللي حصل.”
في اللحظة دي دخل إيثان وإيما.
إيما جريت عليا.
“ماما!”
ضمّيتها.
إيثان وقف قدام أديان.
بصله فترة.
وقال:
“إنت بابا؟”
أديان نزل لمستواه.
عينيه كانت مليانة دموع.
قال:
“أيوه.”
إيثان سأله:
“إنت كنت فين؟”
السؤال كان أصعب من أي سؤال.
أديان قال:
“كنت بعيد.”
“ليه؟”
سكت.
ثم قال:
“غلطت.”
إيثان فكر شوية.
وبعدين قال:
“ينفع تبقى بابا دلوقتي؟”
أديان ماقدرش يرد.
فقط هز راسه.
إيما قربت منه.
وقالت:
“أنا كنت فاكرة إن بابا مسافر.”
ابتسم.
“وأنا كنت فاكر إن عمري مش هيكون فيه فرصة أقابلكم.”
إيما مسكت إيده.
أديان بص لإيدها الصغيرة.
وبكى.
وأنا وقفت أتفرج.
ماعرفتش إذا كنت هقدر أرجع أكون زوجته.
لكن عرفت حاجة واحدة.
أطفالي مش لازم يدفعوا ثمن أخطاء الكبار.
بعدها بأيام بدأت الأمور تهدى.
الناس اللي كانوا بيراقبونا اختفوا.
الحسابات اتجمدت لحد ما اتأكدنا من كل الأوراق.
والملفات اتسلمت للمحامين.
أما أختي فاعترفت بكل اللي تعرفه.
ليلى قررت تبعد عن كل الموضوع.
وقالتلي قبل ما تمشي:
“أنا آسفة.”
بصيتلها.
“أنا كمان كنت فاهمة غلط.”
ابتسمت بحزن.
“يمكن كلنا كنا ضحايا.”
ما رديتش.
لأن بعض الجروح مش بتختفي بكلمة آسف.
أما أديان…
فماحاولش يفرض نفسه عليا.
كان بييجي يشوف الولاد.
يلعب معاهم.
يذاكر لإيثان.
ويرسم مع إيما.
ومع الوقت بدأوا يتعلقوا بيه.
وفي يوم رجعت البيت متأخرة.
لقيت إيثان نايم على الكنبة.
وإيما نايمة جنب أديان.
وقفت عند الباب.
أديان رفع عينه.
وقال:
“إنتِ جيتي.”
هزيت راسي.
“أيوه.”
قال:
“إيما فضلت مستنياني أقرأ لها القصة.”
ابتسمت رغمًا عني.
“واضح.”
قال:
“مريم.”
“نعم؟”
“أنا مش مستني منك تنسي.”
بصيتله.
“ولا مستني ترجعي زي زمان.”
سكت.
“أنا بس عايز أبني حاجة جديدة.”
فضلت ساكتة.
ثم قلت:
“وأنا مش عارفة إذا كنت أقدر.”
قال:
“مش لازم تعرفي دلوقتي.”
الجملة دي كانت أول حاجة مريحة سمعتها منه من سنين.
عدت الأيام.
وبعد شهور، بدأنا نعيش حياة مختلفة.
مش حياة مثالية.
لكن حياة فيها صدق.
أديان بقى موجود في حياة الولاد.
وأنا بقيت أقوى.
ماعدتش الست اللي خرجت من بيتها وهي فاكرة إن حياتها انتهت.
بقيت الست اللي عرفت إن أحيانًا الباب اللي بيتقفل في وشك مش نهاية الطريق.
وفي يوم عيد ميلاد التوأم، وقفنا كلنا قدام التورتة.
إيثان نفخ الشموع.
وإيما قالت:
“عايزة أمنية.”
ضحكنا.
سألتها:
“تمنيتي بإيه؟”
قالت:
“إننا نفضل كلنا مع بعض.”
بصيت لأديان.
هو بصلي.
ولا واحد فينا قال حاجة.
لكننا فهمنا.
مش لازم كل حاجة ترجع زي الأول.
المهم إننا مانكررشي نفس الأخطاء.
بعد ما الولاد ناموا، خرجت أقف في البلكونة.
أديان وقف بعيد عني.
قال:
“مريم.”
بصيتله.
“نعم؟”
قال:
“فاكرة أول يوم شفتك فيه؟”
ابتسمت.
“فاكر.”
قال:
“أنا يومها ماكنتش أعرف إنك هتبقي أهم إنسانة في حياتي.”
قلت:
“وأنا ماكنتش أعرف إنك هتوجعني أكتر حد.”
نزل عينه.
“عارف.”
سكتنا.
ثم قلت:
“بس برضه ماكنتش أعرف إنك هتبقى أبو ولادي.”
ابتسم.
“وأنا ماكنتش أعرف إن عندي طفلين أجمل من الدنيا.”
بصيت للسماء.
وفكرت في الخمس سنين اللي فاتوا.
في وجع.
وخوف.
وسفر.
ووحدة.
وفي طفلين كانوا الدافع إني أكمل.
وفي الحقيقة اللي اتأخرت سنين عشان تظهر.
وعرفت إن الحياة مش دايمًا بتدينا اللي إحنا عايزينه في الوقت اللي إحنا عايزينه.
أحيانًا بتاخد مننا حاجة.
وتسيبنا نعتقد إننا خسرنا.
وبعد سنين ترجع لنا الحقيقة.
مش عشان تمحي الوجع…
لكن عشان تعلمنا إننا كنا أقوى مما تخيلنا.
أنا مريم.
الست اللي في يوم من الأيام خرجت من بيت جوزها بورقة طلاق وهي فاكرة إن كل حاجة انتهت.
لكن بعد خمس سنين رجعت القاهرة ومعاها طفلين ماكانش أبوهم يعرف بوجودهم.
رجعت وأنا فاكرة إني هواجه ماضي أديان.
لكن اللي واجهته كان أكبر من كده.
واجهت أسرار عيلة كاملة.
وعرفت إن الطلاق اللي كسرني زمان…
كان جزءًا من سر أكبر.
وعرفت إن الرجل اللي كرهته سنين…
كان عنده أخطاءه فعلًا.
لكن ماكانش يعرف الحقيقة كلها.
وفي النهاية…
أنا ما نسيتش.
وما مسحتش اللي حصل.
لكن اخترت أسامح.
مش عشان أديان.
ولا عشان أي حد.
سامحت عشان قلبي يستريح.
وعشان ولادي يكبروا من غير ما يشيلوا كراهية مش بتاعتهم.
وأديان؟
فضل أبوهم.
ومع الوقت…
رجع الشخص اللي كنت أعرفه من زمان.
مش لأن الماضي اختفى.
لكن لأننا اتعلمنا إن أي علاقة ممكن تبدأ من جديد لو اتبنت على الصراحة.
وفي آخر ليلة من السنة، كنت واقفة جنب الشباك وإيثان وإيما نايمين.
أديان دخل وقال:
“مريم.”
بصيتله.
مد إيده.
وقال:
“نبدأ من جديد؟”
بصيت لإيده.
وبعدين بصيتله.
ومسكتها.
وقلت:
“من جديد… بس المرة دي من غير أسرار.”
ابتسم.
وقال:
“وعد.”
وساعتها فهمت إن بعض النهايات…
بتكون مجرد بداية لحكاية أجمل.
وإن أصعب خمس سنين في حياتي…
كانت في الآخر الطريق اللي رجعلي أولادي…
ورجعلي الحقيقة…
ورجعلي نفسي.

تعليقات
إرسال تعليق