القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 امي اتدفنت حكايات صابرين محمد



امي اتدفنت حكايات صابرين محمد


دفنا أمي بفلوس الجيران بعد ما عاشت عمرها كله تقول إنها مش لاقية تمن دوا الضغط... لكن بعد موتها بتلات تيام بس وأنا بنقل حاجتها لقيت حاجة تحت حتة صاج مصدية خلت رجلي متبقاش شايلاني.

لو هناء لقت الصندوق بلغوا الأستاذ شريف... بس قولوله يلحق قبل ما تعرف إني مش أخوها.

والله العظيم أول ما سمعت الجملة دي حسيت إن قلبي وقع من مكانه، والموبايل ساب إيدي لوحده وكأني فقدت الإحساس بأصابعي فجأة، لكنه ما وقعش على الأرض، وقع في حضني بهدوء غريب، كأن حتى صوت الخبطة كان خايف يكسر السكون التقيل اللي كان مالي البيت من ساعة ما أمي ماتت.

فضلت باصة قدامي ثواني طويلة وأنا مش مستوعبة.

مش أخوها؟

يعني إيه مش أخوها؟

يعني سامح اللي عشت معاه العمر كله، واللي كنت فاكرة إن الدم اللي بيجري في عروقه من نفس الدم اللي بيجري في عروقي، يطلع مش أخويا أصلًا؟

بإيد مرتعشة شغلت الرسالة تاني.

وبعدين تالت.

وبعدين رابع.

وفي كل مرة كانت نفس الجملة بتنزل على قلبي زي السكين.

قبل ما تعرف إني مش أخوها.

ولما ركزت أكتر سمعت صوت نهلة من بعيد، وكان واضح إنها متوترة وخايفة.

قالت بسرعة

اقفل يا سامح... إنت كلمت الرقم الغلط.

وبعدين التسجيل اتقطع.

بس الضرر كان حصل.

لأن الحقيقة وصلت.

والسر اللي كانوا بيحاولوا يخبوه سنين طويلة وقع بين إيديا في ثواني.

فضلت قاعدة مكاني وسط التراب وريحة المطر والورق القديم اللي كان مالي الأرض حواليّا، وأنا حاسة إن البيت نفسه بقى غريب، وكأن كل ركن فيه كان مخبي حكاية وأنا الوحيدة اللي معرفتهاش.

قدامي صورة بتقول إن أمي ماكنتش الست اللي كنت فاكراها.

ودفتر بنك فيه ملايين الجنيهات كانت على بعد خطوة مني طول السنين دي كلها وأنا وأمي بنعد الجنيه قبل ما نصرفه.

ورسالة صوتية بتقول إن الراجل اللي ناداني أختي من يوم ما وعيت على الدنيا يمكن ما يكونش أخويا أصلًا.

أو يمكن يكون مخبي عني حاجة أخطر بكتير.

مديت إيدي على الملف وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع، وفتحت ورقة تانية من الورق القديم اللي كان جوه العلبة.

كانت شهادة ميلاد.

شهادة ميلاد باسم سامح.

وقفت عيني عند الاسم.

وبعدين نزلت على اسم الأم.

فاطمة عبدالعال.

أما خانة الأب فكانت فاضية تمامًا.

لكن اللي شد انتباهي أكتر إن كان فيه جواب قديم متطوي ومتدبس في الشهادة.

أول ما شفت الخط حسيت إن قلبي اتقبض.

خط أمي.

الخط اللي كانت بتكتب بيه ورقة المشتريات.

والخط اللي كانت تسيبلي بيه ملاحظات صغيرة وأنا راجعة من المدرسة.

فتحته بسرعة كأني بغرق ومستنية أي كلمة تنقذني.

وكان أول سطر مكتوب فيه

يا بنتي...

سامح مش ابني.

والله العظيم في اللحظة دي حطيت إيدي على بقي من الصدمة.

وقريت الجملة مرة.

واتنين.

وتلاتة.

لكنها ما اتغيرتش.

كانت زي ما هي.

واضحة وصريحة وموجعة.

أمه كانت بتشتغل معايا، وماتت وهو عنده تلات شهور، وماكانش ليه حد في الدنيا يسأل عليه.

أخدته وربّيته كأنه ابني بالظبط.

وعمري ما قولتله الحقيقة.

لأن مفيش طفل يستاهل يحس إنه اتساب مرتين.

سامح.

الولد اللي أمي شالته وربّته وكبرت معاه.

الولد اللي كان المفروض يبقى أكتر واحد واقف جنبها وهي عيانة.

الولد اللي كان أول واحد يفكر في البيت والورث بعد دفنتها.

الولد اللي سابني أشيل حملها لوحدي وأنا بجري بيها بين الدكاترة والمستشفيات.

طلع أصلًا مش ابنها.

ساعتها حسيت إن الأرض كلها بتتحرك من تحتي.

لكن الصدمة ماوقفتش عند كده.

لأن كل ما كنت بقرأ سطر، كانت الدنيا بتتقلب أكتر.

لكن لو بتقري الرسالة دي، يبقى للأسف مقدرتش أشرحلك الحقيقة


بنفسي.

سامحيني.

وسامحيني كمان على اسمي.

لأن فاطمة عبدالعال مش اسمي الحقيقي.

شهقت من غير ما أحس.

وحسيت إن قلبي بيدق بعنف.

كملت بسرعة.

أنا اتولدت باسم مريم المنشاوي.

وجدك عبدالرحمن المنشاوي كان من أغنى رجال الأعمال في البلد.

ولما رفضت أتجوز الراجل اللي اختاروهولي، حبسوني ومنعوني من الخروج.

ولما اتجوزت أبوكي وحملت بيكي قالوا إني جبت العار للعيلة.

أما أبوكي فكان مدرس ثانوي بسيط، ماكانش غني ولا صاحب نفوذ، لكنه كان راجل محترم وطيب.

وللأسف هددوه لحد ما خرجوه من حياتي.

وفي اللحظة دي بالذات حسيت إن كل حاجة كنت أعرفها عن أمي، وعن نفسي، وعن حياتنا كلها... كانت بتنهار قدام عيني حتة حتة.

وفي اللحظة دي حسيت إن صدري كله بيوجعني، مش مجرد وجع عادي، لا، الوجع اللي بييجي لما تكتشفي فجأة إن نص عمرك كان مبني على حكاية ناقصة، وإن الحقيقة اللي كنتي فاكرة إنك متصالحة معاها طلعت مجرد جزء صغير من الصورة.

أبويا.

الكلمة نفسها كانت غريبة عليا.

أنا كبرت واتربيت وأنا مقتنعة إن ماعنديش أب أصلًا، وكل ما كنت أسأل أمي عنه كانت تسكت، مش السكات اللي فيه كره، ولا السكات اللي فيه غضب، لكن سكات موجوع، سكات واحدة كل ما الماضي ييجي قدامها تحاول تدفنه جواها وتكمل يومها كأن مافيش حاجة حصلت.

كانت دايمًا تقول إنه مشي قبل ما أتولد.

وبس.

لا كانت تشتمه.

ولا كانت تتهمه.

ولا كانت تحاول تكرهني فيه.

كانت تسيب السؤال معلق بينا وتقوم تعجن العيش أو تحضر الأكل وكأن شغل إيديها هو الطريقة الوحيدة اللي تعرف بيها تهرب من الذكريات.

بلعت ريقي بالعافية وكملت قراية.

هربت بمساعدة جدتك... هي اللي ساعدتني أبدأ حياة جديدة، وهي اللي وفرتلي مكان أستخبى فيه بعيد عن الناس اللي كانوا بيدوروا عليا، أما الفلوس اللي لقيتيها فهي مش مجرد فلوس... دي الدليل الوحيد على كل حاجة حصلت.

فضلت باصة للسطر ده ثواني طويلة.

دليل.

مش تحويشة عمر.

مش فلوس ست بخيلة كانت مخبياها تحت السرير.

دليل.

الكلمة دي فضلت ترن في وداني وأنا ببص لدفتر البنك اللي فيه ملايين كانت أمي تقدر تعيش بيهم ملكة لو حبت، لكنها فضلت تبيع فطاير وتقف بالساعات تحت الشمس وتعد الجنيه قبل ما تصرفه.

ساعتها فهمت إن الفلوس دي عمرها ما كانت بالنسبة لها فلوس.

كانت سر.

كانت شاهد.

كانت ورقة احتفظت بيها السنين كلها ومستعدة تموت قبل ما تفرط فيها.

بره البيت المطر كان بيزيد، وصوت النقط وهي بتخبط في السقف القديم بقى أعلى، وفجأة شفت المية بتنزل على الترابيزة اللي أمي كانت بتفرد عليها العجين كل صباح، الترابيزة اللي فضلت سنين شايلة تعبها وشقاها وضحكتها ودموعها من غير ما حد يحس.

قمت بسرعة كأني فقت من الصدمة على صوت المطر.

رجعت كل الورق جوه العلبة.

ولفيت دفتر البنك في كيس بلاستيك.

وطويت الجواب وحطيته جوا هدومي قريب من قلبي كأني خايفة حد يخطفه مني.

وفي اللحظة دي بالذات سمعت خبطة قوية على الباب.

الخبطة دي ماكنتش خبطة ضيف.

ولا خبطة حد جاي يطمن.

كانت خبطة خلت قلبي يقع في رجلي.

وبعدها سمعت صوت سامح جاي من بره وهو بينادي

هناء... افتحي الباب.

اتجمدت مكاني.

وبعده بثانية سمعت صوت نهلة وهي بتقول بنبرة خلت الدم يبرد في عروقي

إحنا عارفين إنك جوه.

والله العظيم في اللحظة دي حسيت إنهم عارفين.

عارفين حاجة.

عارفين عن الصندوق.

عارفين عن الورق.

وعارفين يمكن أكتر مني أنا شخصيًا.

من غير ما أفكر خدت العلبة وجريت على المخزن الصغير اللي أمي كانت بتحط فيه أجولة الدقيق والأرز، وفضلت أدور بعيني بسرعة لحد ما لقيت جردل قديم


فاضي، فحطيت العلبة جواه وغطيتها بكومة هدوم قديمة كانت أمي محتفظة بيها من سنين.

وبعدين طلعت الموبايل وإيديا كلها كانت بتترعش.

ووسط الخوف واللخبطة والصدمة ماجاش في بالي غير شخص واحد بس.

الممرضة اللي كانت بتتابع أمي في المستشفى.

الممرضة اللي قبل وفاة أمي بأيام مسكت إيدي وهي بتسلمني الروشتة، وكتبت رقمها على ضهر الورقة وقالتلي وقتها

لو احتجتي أي حاجة... أي حاجة خالص... كلميني.

وساعتها لأول مرة من ساعة ما لقيت الصندوق حسيت إن أمي يمكن ما سابتنيش لوحدي فعلًا.

الممرضة ردت بعد الرنة التالتة، وأول ما سمعت صوتي نادتني باسمي بسرعة كأنها كانت مستنية المكالمة دي من وقت طويل.

قالت

هناء؟

بلعت ريقي بالعافية، وحسيت إن الكلام نفسه بقى تقيل جوايا، لكني في الآخر قدرت أقول

لقيت الصندوق.

وفجأة سكتت.

سكات طويل بشكل خلاني أسمع صوت نفسي وأنا بتنفس.

ثانية.

واتنين.

وتلاتة.

وكل ثانية كانت بتزود الرعب اللي جوايا.

لحد ما أخيرًا سمعتها بتتكلم.

لكن أول جملة قالتها خلت قلبي يقف.

قالت

ما تفتحيش الباب.

لفيت وشي ناحية الباب بشكل تلقائي.

سامح كان لسه بره.

وصوت خبطه كان بيوصلني حتى وأنا ماسكة الموبايل على ودني.

فقلت بسرعة

أخويا واقف بره.

ساعتها ردت من غير ما تتردد لحظة واحدة.

كأنها أصلًا كانت مستنية الجملة دي.

قالت

سامح مش أخوكي الحقيقي... صح؟

والله العظيم في اللحظة دي حسيت إن الهوا اختفى من الأوضة كلها.

وقلت بصوت خارج بالعافية

إنتِ عارفة؟

سمعتها تاخد نفس طويل.

النفس اللي الواحد بياخده قبل ما يقول حقيقة تقيلة.

وبعدين قالت

أمك طلبت مني طلب قبل ما تموت.

فضلت ساكتة وأنا سامعة كل كلمة.

فكملت

قالتلي لو في يوم كلمتيني وقلتيلي إنك لقيتي الصندوق... أديكي عنوان وأقولك تروحي له فورًا.

حسيت إن قلبي بدأ يدق أسرع.

فسألتها

عنوان مين؟

قالت

مكتب الأستاذ شريف.

لازم تروحي له النهارده.

دلوقتي.

وقبل الساعة خمسة.

وفي اللحظة دي بالذات دوّى صوت خبط سامح على الباب أقوى من أي مرة فاتت.

لدرجة إني انتفضت مكاني.

وسمعته بيزعق من بره

هناء! افتحي الباب!

بصيت بسرعة على الساعة المعلقة على الحيطة.

كانت تلاتة ونص.

تلاتة ونص.

يعني الوقت بيجري.

والأسرار بتجري معاه.

وأي تأخير ممكن يضيع كل حاجة.

لكن قبل ما أسألها أي سؤال تاني، سمعت صوتها واطي فجأة.

واطي لدرجة إني قربت الموبايل أكتر من ودني.

وقالت

في حاجة تانية أمك سابتها وراها.

حاجة أهم من الفلوس.

وأهم من الصندوق نفسه.

حسيت إيدي بتبرد.

فكملت

وإنتِ مش الوحيدة اللي بتدوري عليها.

الكلمات دي نزلت على قلبي زي حجر.

لأن فجأة كل حاجة اتغيرت.

الموضوع ما بقاش مجرد ملايين.

وما بقاش مجرد ورق قديم.

ولا مجرد حقيقة إن سامح مش أخويا.

لا.

في ناس تانية بتدور.

وفي ناس تانية عارفة.

وفي ناس تانية مستعدة توصل للحاجة دي قبلي.

قفلت المكالمة وأنا حاسة إن رأسي هتنفجر من كتر الأسئلة.

وزقيت الموبايل جوه جيبي بسرعة.

وبعدين بصيت حواليّا في البيت.

البيت اللي عشت فيه عمري كله.

واللي فجأة حسيت إنه بقى مليان أسرار أكتر من الذكريات.

ومن غير ما أضيع ثانية واحدة، جريت ناحية الباب الخلفي.

الباب الصغير اللي بيطلع على بيت الجارة.

فتحت بهدوء وحاولت ما أعملش أي صوت.

وقلبي بيدق بعنف لدرجة إني كنت حاسة إن أي حد قريب مني ممكن يسمعه.

عديت الجنينة الصغيرة بسرعة.

وبعدين بدأت أتسلق السور السلك الواطي اللي بين البيتين.

السلك خدش رجلي وأنا بعدي.

لكن والله العظيم


حتى الوجع ما حسيتش بيه.

لأن الخوف كان أكبر من أي وجع.

أول ما نزلت الناحية التانية لقيت الجارة واقفة تحت السقيفة بتغسل المواعين.

رفعت راسها أول ما شافتني وقالت باستغراب

في إيه يا بنتي؟ بتعملي إيه؟

لكن ماكنش عندي وقت أشرح.

ولا وقت أحكي.

ولا حتى وقت أفكر.

فقلت بسرعة وأنا مكملة جري

هقولك بعدين.

والله هقولك بعدين.

رفعت عينيها ناحية بيتنا.

وفي نفس اللحظة سمعنا صوت سامح وهو بيخبط على الباب بعنف أكبر.

فضلت باصة ناحيتي ثواني.

ثواني قليلة.

لكن حسيت إنها فهمت فيهم إن فيه مصيبة أكبر من أي كلام.

وإن فيه حاجة خطيرة بتحصل.

وبعدين قالت من غير ما تسألني سؤال واحد زيادة

روحي من الحارة اللي ورا.

ولو سألوا عليكي...

هقول إني ما شوفتكيش.

جريت وأنا حاسة إن الأرض نفسها بتجري من تحتي، والشبشب كان بيتزحلق مني مع كل خطوة بسبب المطر اللي غرق الشارع، وقلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني كنت حاسة بيه في زوري، أما جواب أمي فكنت ضماه على صدري بإيدي بكل قوتي، كأني لو سبت إيدي عنه ثانية واحدة هضيع أنا كمان مع كل الأسرار اللي بدأت تتكشف قدامي.

والله العظيم ما كنتش شايفة الطريق قدامي كويس.

لا من المطر.

ولا من الدموع.

ولا من كمية الأفكار اللي كانت بتخبط في دماغي من كل ناحية.

سامح مش أخويا.

أمي مش أمي اللي أعرفها.

أبويا ما سابناش بمزاجه.

وفي ملايين الجنيهات مستخبية فوق سقف بيت عشنا فيه عمر كامل بنعد فيه ثمن رغيف العيش قبل ما نشتريه.

كل خطوة كنت باخدها كانت بتخليني أحس إن حياتي القديمة بتبعد عني أكتر.

ولما وصلت موقف الأتوبيس، ركبت أول أتوبيس رايح ناحية وسط البلد من غير ما أفكر.

قعدت جنب الشباك وأنا بحاول أستوعب اللي بيحصل.

ريحة المطر كانت مالية المكان.

ومتداخلة مع ريحة عرق الناس بعد يوم طويل.

ومع ريحة مخبوزات طالعة من كيس كانت ست كبيرة حاضناه في حضنها.

فضلت باصة من الشباك طول الطريق.

أشوف الشوارع وهي بتجري.

والمحلات.

والناس اللي ماشية تحت المطر.

وبرك الميه اللي مالية الأرض.

وأعمدة النور اللي انعكاسها بيتكسر فوق الميه.

وكل ما أبص حواليّا أحس بغصة أكبر.

لأن العالم كله كان ماشي عادي.

الناس رايحة شغلها.

والبياعين بينادوا على بضاعتهم.

والعربيات بتزمر.

وكأن مافيش بنت قاعدة جوه الأتوبيس لسه مكتشفة من أقل من ساعة إن حياتها كلها كانت كدبة كبيرة.

لما وصلت أخيرًا كنت مبلولة من رأسي لحد رجلي.

هدومي لازقة في جسمي من المطر.

وشعري متبهدل.

ورجلي لسه بتوجعني من الخدش اللي أخدته وأنا بعدي السور.

لكن وقتها ماكنتش حاسة بأي حاجة من ده.

لأن الخوف كان أكبر.

والأسئلة كانت أكتر.

وقفت قدام المبنى اللي الممرضة قالتلي عليه.

وكان مبنى قديم له هيبة غريبة.

مبني بالطوب الأحمر.

وفيه شرفات حديد قديمة.

وبجانب الباب كانت فيه لافتة نحاس لامعة مثبتة على الحيطة.

وقفت أبص لها ثواني طويلة.

وحسيت إن الخطوة اللي هخطيها دلوقتي ممكن تغيّر حياتي كلها.

لأن من ساعة ما فتحت الصندوق وأنا كل دقيقة بكتشف حقيقة جديدة.

وكل حقيقة كانت أخطر من اللي قبلها.

أخدت نفس طويل.

ودخلت.

أول ما دخلت رفعت موظفة الاستقبال عينيها من على المكتب وبصتلي من فوق لتحت.

وكان واضح إنها شافت شكل هدومي المبلولة.

وشافت الإرهاق اللي مالي وشي.

وشافت عينيّا اللي باين عليهم إني ما نمتش ولا ارتحت من أيام.

وقالت بهدوء

عندك ميعاد؟

وقفت قدامها ثواني.

وحسيت إن الكلمات نفسها صعبة تطلع من بقي.

لكن في الآخر قلت

أنا هناء.

بنت فاطمة عبدالعال...

أو


يمكن بنت مريم المنشاوي.

والله العظيم أول ما نطقت الاسم التاني لقيت ملامحها اتغيرت بالكامل.

اختفى البرود من وشها فجأة.

وقامت من مكانها بسرعة من غير ما تسألني أي سؤال.

ولا طلبت بطاقة.

ولا حتى استفسرت أنا مين.

كأن الاسم لوحده كان كفاية.

اختفت جوه المكتب.

وسابتني واقفة لوحدي.

فضلت أبص حواليّا وأنا حاسة إن دقات قلبي بقت أعلى من أي صوت حواليا.

كل ثانية كانت بتعد كانت بتزود توتري.

لحد ما بعد دقيقتين تقريبًا شفت باب داخلي بيتفتح.

وخرج منه راجل كبير في السن.

كان لابس بدلة رمادي أنيقة.

وماسك عصاية في إيده.

وخطواته بطيئة شوية.

أما عينيه فكان فيهم تعب سنين طويلة.

لكن أول ما شافني وقف.

وقف وبصلي بطريقة خلت القشعريرة تمشي في جسمي كله.

لأنه ما بصليش كأنني زبونة جاية تسأل عن قضية.

ولا كأنني بنت غريبة داخلة المكتب لأول مرة.

بصلي كأنه يعرفني.

كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.

كأنه شاف ملامحي قبل كده مئات المرات.

ولما قرب أكتر نطق اسمي بهدوء غريب

هناء.

اتجمدت مكاني.

لأنه ما

 




سألنيش أنا مين.

وما طلبش أعرّف نفسي.

وما بصش حتى للموظفة عشان يتأكد.

عرفني من أول نظرة.

وكأن أمي كانت محضراه لليوم ده من زمان.

وبعدين أشار بعصايته ناحية مكتبه وقال بصوت هادي لكنه مليان معنى

اتفضلي يا بنتي. أنا مستنيكي من سنين.

دخلت وراه المكتب وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني من كتر اللي سمعته وعرفته في الساعات الأخيرة، وأول ما عديت الباب حسيت إني دخلت عالم مختلف تمامًا عن البيت القديم اللي كنت قاعدة فيه من شوية.

ريحة الخشب القديم كانت مالية المكان.

ريحة قهوة متخمرة من وقت قريب.

وريحة ورق وملفات متخزنة بقالها سنين طويلة.

على الحيطة كانت معلقة صورة قديمة للمدينة من زمن فات، وبجوارها برواز كبير باين عليه إنه قديم وغالي، وكل حاجة في المكتب كانت بتقول إن المكان ده شايل أسرار أكتر مما شايل أوراق.

قفل المحامي الباب بنفسه.

وبعدين لف ناحيتي.

أما أنا فكنت حاسة إن ركبي بتترعش بشكل مخيف.

لدرجة إني قعدت على أول كرسي شوفته قبل حتى ما يطلب مني أقعد.

فضلت باصة له ثواني طويلة.

وبعدين خرج السؤال من بقي غصب عني.

قلت

ليه؟

ليه أمي ما قالتليش أي حاجة؟

ليه سابتني أعرف كل ده بعد ما ماتت؟

ساعتها شفت الحزن يعدي في عينيه للحظة.

وقال بهدوء

لأنها كانت خايفة.

مش خوف عادي.

كانت مرعوبة إن عيلة المنشاوي تتحرك قبل ما تموت.

وكانت مرعوبة أكتر إن الأذى يوصلك إنتِ.

بلعت ريقي.

وقلت

وسامح؟

سامح كان عارف؟

تنهد المحامي وهو بيقعد قدامي.

وقال

مش من الأول.

الحقيقة إنه بدأ يعرف من فترة قريبة.

في حد من عيلة المنشاوي وصله.

حسيت إن قلبي اتقبض.

لأن فجأة كل حاجة بدأت تركب فوق بعضها.

استعجاله على بيع البيت.

أسئلته الكتير.

اهتمامه المفاجئ.

وإصراره إنه يدخل البيت بعد وفاة أمي مباشرة.

كأنه كان بيدور على حاجة معينة.

مش على ورث.

ولا على البيت.

على حاجة أكبر.

المحامي مد إيده ناحية أحد الأدراج.

وطلع ملف كبير.

أكبر من كل الملفات اللي شفتها من ساعة ما فتحت الصندوق.

ملف تخين ومتقسم بأوراق ومستندات كتير.

وحطه قدامي على المكتب.

وقال

ده آخر ملف سابته والدتك.

فتحت الملف ببطء.

أما هو فكمل كلامه

دي الوصية الرسمية.

وصية مريم المنشاوي... المعروفة عند الناس باسم فاطمة عبدالعال.

الوصية متوثقة بالكامل.

ومتسجلة قانونيًا.

وفيها كل التعليمات اللي كانت عايزة تتنفذ بعد وفاتها.

والله العظيم في اللحظة دي حسيت إن إيدي بدأت ترتعش.

لأن كل مرة كنت بفتح فيها ورقة جديدة كنت باكتشف إن حياتي كلها كانت مختلفة عن اللي كنت فاكراه.

بصيت لأول صفحة.

وكانت الكلمات واضحة قدام عيني.

واضحة لدرجة خوفتني.

لأن أول اسم شوفته كان اسمي أنا.

اسمي مكتوب في أول السطر.

بخط كبير ورسمي.

وقفت عيني على الكلمات وأنا مش قادرة أتنفس.

هناء عبدالعال...

كملت قراية.

ومع كل كلمة كان قلبي بيدق أسرع.

الابنة الشرعية والوحيدة المعترف بها للسيدة مريم المنشاوي...

شهقت من غير ما أحس.

لكن الصدمة الحقيقية كانت في السطر اللي بعده.

السطر اللي خلاني أرفع عيني للمحامي وأنا مش مصدقة اللي بقراه.

لأن الورقة كانت بتقول إن كل ممتلكات أمي...

وكل حساباتها وكل حقوقها آلت بالكامل ليا أنا وحدي.

حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.

الكلمات اللي كانت مكتوبة قدامي كانت كبيرة جدًا على إني أستوعبها مرة واحدة.

ورغم إني من ساعات بس اكتشفت إن أمي كانت مخبية ملايين، وإن حياتها كلها كانت سر، وإن سامح مش أخويا الحقيقي، إلا إن أول حاجة خرجت من بقي كانت

أنا مش عايزة فلوسهم. قولتها من قلبي. بكل صدق.

لأن الفلوس دي فجأة حسيتها تقيلة.

تقيلة بالوجع. تقيلة بالسنين



اللي أمي عاشتها وهي مستخبية.

تقيلة بالخوف اللي أكل عمرها كله رفعت عيني ناحية الأستاذ شريف.

فلقيته بيبصلي بنظرة حزينة كأنه سمع الجملة دي قبل كده.

كأنه كان متوقعها.

وهز راسه بهدوء وقال

أمك كانت عارفة إنك هتقولي كده وبعدين فتح درج جانبي في مكتبه.

وطلع ظرف صغير قديم شوية وعليه اسمي بخط أمي.

أول ما شفت الخط حسيت إن قلبي وجعني.

لأن فجأة افتكرت كل الورق الصغير اللي كانت تسيبهولي.

وافتكرت ملاحظاتها.

وافتكرت روشتات الدوا اللي كانت بتكتب عليها طلبات البيت.

وافتكرت إيديها.

مسكت الظرف بإيدين مبلولين من المطر ومن التوتر.

وفتحته ببطء وكانت الرسالة قصيرة.

لكن كل كلمة فيها دخلت جوا قلبي مباشرة.

يا بنتي...

إوعي ترفضي الحاجة اللي دفعت عمري كله تمن إني أحافظ عليها.

مش علشان تعيشي زيهم ومش علشان تبقي واحدة منهم.

لكن علشان عمرك ما تمدي إيدك لحد تاني طول عمرك.

وعلشان تعرفي إننا ماكناش فقراء لأن ربنا أراد كده.

إحنا كنا فقراء لأنني فضلت الجوع على إني أسمح لهم يشتروا روحك.

والله العظيم ما قدرتش أكمل القراية من غير ما دموعي تنزل.

قعدت أبكي.

هناك في مكتب المحامي.

بهدومي المبلولة من المطر وجزمتي اللي لسه عليها طين الشارع.

وبوش متغرق دموع من وجع الفراق ومن كلام أمي اللي كانت بتكلمني من بعد موتها.

كل مرة كنت فاكرة إني فهمت سبب من أسباب اللي عملته.

كانت تسيبلي سبب أكبر.

وأوجع وأقسى.

سيبت الرسالة على المكتب وحاولت أمسح دموعي.

لكن الأستاذ شريف فضل ساكت.

سايبني أعيط.

كأنه عارف إن في دموع متأخرة بقالها سنين.

ولما هديت شوية سمعته بيقول بهدوء

لسه في حاجة تانية.

ضحكت ضحكة صغيرة طالعة من قلب موجوع.

لأن من ساعة ما لقيت الصندوق وكل ما أسمع الجملة دي ألاقي مصيبة جديدة مستنياني.

لسه في حاجة تانية. دايمًا في حاجة تانية. رفع الأستاذ شريف عينيه ناحيتي وأخد نفس طويل.

النفس اللي الواحد بياخده قبل ما يقول خبر هيقلب الدنيا.

وبعدين قال

العيلة ماكنتش بتدفع علشان تسكت أمك وبس.

استقمت في قعدتي من غير ما أحس.

فكمل

أمك كان ليها حق قانوني في جزء من أسهم شركات العيلة.

حقيقتها ماكنتش مجرد بنت هربت من أهلها. هي كانت وريثة.

ولها نصيب رسمي موثق بالقانون.

حسيت إن قلبي بدأ يدق أسرع. أما هو ففتح ملف قدامه وكمل

وجدك توفى من سنتين وفي النسخة الأصلية من الوصية كانت والدتك موجودة ضمن الورثة.

اتسعت عيني.

لكن الأستاذ شريف ما وقفش وقال الجملة اللي خلت الدنيا تسود قدامي للحظة.

قال

لكن العيلة قدمت أوراق رسمية للمحكمة بتقول إن مريم المنشاوي متوفية من سنة ١٩٩١.

فضلت باصة له مش مستوعبة.

مش فاهمة. مش مصدقة.. وقلت بصوت خارج بالعافية إيه؟.إزاي؟

رفع عينيه من الملف وقال بهدوء موجع أعلنوا وفاتها رسميًا...

علشان يقدروا يقسموا التركة كلها من غير ما تاخد حقها.

والله العظيم حسيت إن جسمي كله برد فجأة، كأن حد سحب الدم من عروقي مرة واحدة، وأنا قاعدة قدام الأستاذ شريف أحاول أفهم حجم الكارثة اللي كانت أمي عايشاها طول السنين دي كلها من غير ما حد يحس بيها.

لأن الموضوع ما بقاش مجرد ورث.

ولا مجرد ملايين مستخبية.

ولا حتى مجرد اسم متغير.

الموضوع بقى أكبر من كده بكتير.

أمي كانت عايشة.

عايشة بكل التعب اللي شوفته في عينيها.

عايشة وهي بتنزل السوق تشيل وتبيع وتقف بالساعات على رجليها.

عايشة وهي بتعد ثمن الدوا قبل ما تشتريه.

عايشة وهي تخاف من بكرة ومن المرض ومن الفقر.

وفي نفس الوقت، على أوراق قانونية رسمية ومتختومة، كانت عيلتها دفناها وهي لسه بتتنفس.

دفنوها بالقلم.

وشطبوا اسمها من حياتهم.

واعتبروا إنها ماتت من سنين طويلة عشان


يقدروا ياخدوا كل حاجة من غير ما حد يسأل.

بصيت للأستاذ شريف وقلت بصوت خارج بالعافية

وأمي كانت عارفة؟

تنهد بهدوء وقال

عرفت متأخر.

وبعدين فتح الملف اللي قدامه وأشار على تاريخ معين.

وقال

علشان كده كانت معلمة على يوم سبعتاشر مارس.

فضلت باصة للتاريخ وأنا مستنية يكمل.

فقال

ده اليوم اللي وصلها فيه آخر تحويل مالي.

وفي نفس اليوم وصلها تهديد.

اتقبض قلبي.

وقلت بسرعة

تهديد؟

هز راسه وقال

قالولها تقبل الدفعة الأخيرة وتسكت.

ولو رفضت...

هييجوا وراكي إنتِ.

حطيت إيدي على صدري من غير ما أحس.

كأن قلبي محتاج حد يمسكه قبل ما يقع.

وقلت بعدم تصديق

ورايا أنا؟

رد بهدوء

أيوه.

لأنك الدليل الحي إن مريم المنشاوي ما ماتتش.

ولأنك كمان واحدة من الورثة.

فضلت باصة قدامي ثواني طويلة وأنا حاسة إن الدنيا كلها بقت مختلفة عن أي حاجة عرفتها قبل كده، لأن فجأة فهمت إن أمي ما كانتش بتحارب علشان نفسها وبس.

كانت بتحارب علشاني أنا كمان.

وفي اللحظة دي بالذات رن تليفون المكتب.

الصوت قطع الصمت اللي كان مالي المكان.

وسمعنا موظفة الاستقبال وهي بترد.

وبعدين مرت أقل من دقيقة.

واتخبط الباب.

رفعت الموظفة راسها من فتحة الباب.

وكان واضح من وشها إنها متوترة.

بصت للأستاذ شريف وقالت

يا أستاذ... الأستاذ عبدالرحمن المنشاوي الصغير موجود بره.

ساعتها قفل الأستاذ شريف الملف اللي قدامه ببطء.

وبص ناحية الباب.

وقال بهدوء

وصلوا.

ما لحقتش أسأله يقصد مين.

لأن الباب اتفتح من غير استئذان.

ودخل راجل في حدود الخمسين سنة.

لابس بدلة غالية.

وجزمته لامعة بشكل ملفت.

ووشه مألوف بطريقة خلتني أبصله أكتر من مرة.

واستغرق الأمر مني ثواني قليلة قبل ما أعرف أنا شوفته فين قبل كده.

شوفته في الأخبار وفي الجرائد وعلى صور الشركات الكبيرة. عبدالرحمن المنشاوي الصغير.

ابن أخت أمي أو ابن خالتي أو واحد من الناس اللي عاشوا عمرهم كله بالاسم اللي اتاخد منها.

دخل عبدالرحمن المنشاوي الصغير المكتب وكأنه داخل مكان يملكه، وكان وراه اتنين محامين لابسين بدلات غالية وماسكين ملفات في إيديهم، لكن اللي خلّى قلبي يتقبض فعلًا إني شفت سامح داخل وراهم.

سامح.

أخويا اللي كنت فاكرة إنه أخويا.

كان قميصه مبلول من المطر، ووشه مليان غضب وتوتر، أما نهلة فكانت واقفة عند الباب، وعينيها بتلف في المكان كله بطريقة خلتني أحس إنها مش شايفة مكتب محاماة أصلًا، لكنها شايفة حياة جديدة بتحلم بيها، حياة كلها فلوس وقصور وحمامات سباحة.

أما عبدالرحمن المنشاوي فابتسم أول ما شافني.

ابتسامة هادئة ومهذبة من بره.

لكنها ما وصلتش لعينيه.

وقال

هناء.

سعيد جدًا إني أخيرًا قابلتك.

وأحب أقول إني آسف جدًا على وفاة والدتك.

والله العظيم ما صدقته.

بنفس الدرجة اللي ممكن أصدق بيها ورقة مزورة.

فضلت باصة له ثواني طويلة.

وبعدين قلت ببرود

ما تجيبش سيرة أمي بالنبرة دي.

الابتسامة ثبتت على وشه للحظة.

وبعدين اختفت.

وفي اللحظة دي اتحرك سامح خطوة لقدام.

وقال

هناء... بلاش تصعبي الموضوع.

الناس دي جاية تساعدك.

ضحكت ضحكة قصيرة من كتر القهر.

وقلت

تساعدني؟

زي ما ساعدت أمي وهي مش لاقية تمن دواها؟

وش سامح احمر فورًا.

وقال بعصبية

ما تلفيش الكلام.

لكن قبل ما أكمل سمعت صوت نهلة جاي من ناحية الباب.

وقالت وهي رافعة حاجبها

يا بنتي كفاية بقى.

أمك نفسها كانت مخبية عنك كل حاجة.

بصي كمية الأسرار اللي كانت عايشة بيها.

في اللحظة دي حسيت النار ولعت جوايا.

وقفت من مكاني مرة واحدة.

وبصيتلها مباشرة.

وقلت

إوعي تجيبي سيرة أمي على لسانك تاني.

ولا مرة.

ولا كلمة.

سكتت نهلة.



أما عبدالرحمن فرفع إيده بهدوء كأنه بيحاول يهدّي الجو.

وقال بصوت ناعم محسوب

كلنا متوترين دلوقتي.

وكلنا تحت ضغط.

لكن الحقيقة إن فيه حل بسيط جدًا لكل اللي بيحصل ده.

وبعدين قعد على الكرسي المقابل وكمل

إحنا ممكن نتفق على تسوية مناسبة ليكي.

تعويض مالي كبير.

كبير جدًا.

ونقفل الملف ده كله من غير مشاكل.

ومن غير فضايح.

ومن غير قضايا.

وساعتها كل واحد يكمل حياته.

وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال

والدتك عاشت بالطريقة اللي كانت عايزة تعيش بيها.

والله العظيم في اللحظة دي حسيت إن قلبي هيخرج من صدري من كتر الغضب.

لأن الراجل ده كان بيتكلم عن سنين وجع أمي كأنها كانت رحلة اختارتها بمزاجها.

عن الجوع كأنه قرار.

وعن الخوف كأنه رفاهية.

وعن الهروب كأنه أسلوب حياة.

فبصيت له مباشرة.

وقلت

أمي ما عاشتش بالطريقة اللي كانت عايزة تعيش بيها.

أمي عاشت مستخبية لأنكم دفنتوها وهي عايشة. أمي اتقتلت على الورق علشان تعرفوا تاخدوا حقها كله.

بص الأستاذ شريف ناحية عبدالرحمن المنشاوي نظرة ثابتة، وبعدين قال بهدوء غريب كان أخطر من أي صوت عالي

الأستاذة هناء عرفت بالفعل موضوع شهادة الوفاة المزورة.

والله العظيم أول مرة أشوف اللون يهرب من وش عبدالرحمن بالشكل ده.

الابتسامة اللي كان محافظ عليها من أول ما دخل اختفت للحظة.

ولثواني قليلة بان عليه الارتباك.

لكن واحد من المحامين اللي واقفين وراه تدخل بسرعة وقال

الموضوع ده قابل لأكتر من تفسير قانوني.

لف الأستاذ شريف ناحيته ببطء.

وبعدين فتح ملف تاني من الملفات اللي كانت قدامه.

وقال

وهي كمان عرفت موضوع التحويلات المالية اللي كانت بتتبعت مقابل السكوت.

وعرفت التهديدات.

وعرفت إن فيه وصية قانونية صحيحة ومكتملة الأركان.

ما كملش جملته.

لأن سامح انفجر فجأة.

وضرب بإيده على المكتب وهو بيقول بعصبية

الوصية دي باطلة!

أنا ابنها!

في اللحظة دي بصيت له.

ولأول مرة من ساعة بدأت الحكاية كلها...

ما بصيتلوش بغضب.

ولا بكره.

ولا حتى بقهر.

بصيتله بحزن.

حزن كبير أوي.

الحزن اللي بيجي لما تكتشفي إن الشخص اللي قدامك ضيّع نفسه بإيده.

وقلت بهدوء

هي ربّتك كابن.

وده لوحده أكتر بكتير مما كنت تستحق.

ساعتها وش سامح اتغير.

والله العظيم شوفته بعيني وهو يستوعب الحقيقة.

استوعب إني عرفت.

استوعب إني قريت الجواب.

استوعب إن السر اللي متخبي طول عمره انتهى.

فتح بقه بالعافية وقال

هناء...

لكنني قاطعته.

وقلت وأنا حاسة بقلبي بيتوجع

أمي أخدتك وهو عندك تلات شهور.

لما ماكانش ليك حد.

ربتك.

وأكلتك.

ودخلتك مدارس.

وشالتك على كتفها زي ما شالتني بالظبط.

وعمرها ما فرقت بيني وبينك.

بل يمكن خافت عليك أكتر ما خافت على نفسها.

صوتي بدأ يهتز رغم إني كنت بحاول أتماسك.

لكنني كملت

وفي الآخر سبتها تموت وهي مش لاقية قرص دوا واحد.

نزل سامح عينيه للأرض.

وامتلت عينيه بالدموع.

لكن والله العظيم ما قدرت أعرف إذا كانت دموع ندم.

ولا دموع خوف.

ولا دموع واحد اكتشف إن اللعبة كلها انتهت.

وبعد ثواني قال بصوت مكسور

نهلة قالتلي إن الست ماعندهاش حاجة.

إنها طول عمرها فقيرة.

إن مفيش فايدة من التعب معاها.

ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة.

لأن أسهل حاجة في الدنيا إن الإنسان يرمي ذنبه على حد تاني.

فبصيت له وقلت

نهلة ما خلتكش قاسي يا سامح.. نهلة ما خلتكش تسيب أمي وهي عيانة. نهلة ما خلتكش ترفض تساعدها ونهلة ما خلتكش تنسى كل اللي عملته علشانك.

وسكتُّ لحظة. وبعدين قلت الجملة اللي خرجت من قلبي قبل لساني

نهلة بس ادتك الإذن. تعمل الحاجة اللي كنت عايز تعملها من زمان.

فتحت نهلة بقها كأنها هترد.

كأن


عندها ألف حاجة عايزة تقولها.

لكن ولا كلمة خرجت.

فضلت واقفة مكانها ساكتة، أما عبدالرحمن المنشاوي فكان قاعد بمنتهى الهدوء، بيخبط بأصابعه على سطح المكتب خبطة خفيفة ومنتظمة، وكأنه مش موجود وسط ناس حياتهم كلها بتنهار قدامهم، وكأن اللي بيتكلموا عنه مجرد صفقة جديدة من صفقاته.

وبعدين رفع عينيه ناحيتي وقال بصوت هادي جدًا

يا هناء...

فكري كويس قبل ما تاخدي أي قرار.

وسكت لحظة قصيرة قبل ما يكمل

الدخول في مواجهة مع عيلة زي عيلتنا ممكن ياخد سنين.

سنين من المحاكم.

وسنين من المحامين.

وسنين من الضغط والتعب والكلام في الجرائد.

وبعدين مال لقدام شوية وقال

إنتِ جاية من حي بسيط.

وعشتِ حياة بسيطة.

وما تعرفيش الدنيا دي بتشتغل إزاي.

ولا الناس اللي في المستوى ده بتلعب إزاي.

فضلت باصة له كام ثانية.

وبعدين اتحركت خطوة ناحية المكتب.

خطوة واحدة بس.

لكنها كانت كفاية تخليه يرفع عينيه ناحيتي باهتمام.

وقلت

عندك حق.

وفجأة ابتسامة صغيرة ظهرت على وشه.

ابتسامة واحد افتكر إنه كسب.

وقال

سعيد إنك فهمتي.

لكنني كملت قبل ما يفرح أكتر.

وقلت

عندك حق.

أنا فعلًا ما أعرفش الناس دي بتشتغل إزاي.

وما أعرفش الصفقات اللي بتتعمل في القصور.

وما أعرفش إزاي ممكن حد

 


 

يدفن بنته وهي عايشة ويكمل حياته عادي.

لكن في حاجة واحدة أعرفها.

سكت المكان كله.

أما أنا فكملت وأنا ببص في عينيه مباشرة

أمي ما سابتش وراها كلام.

أمي سابت ورق.

وسابت تسجيلات.

وسابت تواريخ.

وسابت توقيعات.

وسابت نسخ في أكتر من مكان.

وسابت الحقيقة كلها مكتوبة.

وحفظتها أكتر ما حفظت فلوسها.

وبعدين أخدت نفس عميق وقلت

وأهم حاجة إنها علمتني أعيش وأنا جعانة.

علمتني أستحمل الفقر.

وأستحمل التعب.

وأستحمل الوحدة.

لكن عمرها ما علمتني أخاف.

لا من التهديد.

ولا من الناس اللي فاكرة إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة.

ساد الصمت في المكتب.

صمت تقيل.

لثواني محدش اتكلم فيها.

وفجأة الباب اتفتح مرة تانية.

كل العيون اتلفتت ناحية الباب.

ودخلت الممرضة اللي كنت كلمتها في التليفون.

لكنها ما كانتش لوحدها.

كان معاها ست كبيرة في السن قاعدة على كرسي متحرك.

شعرها أبيض بالكامل.

ولبسها شيك وبسيط في نفس الوقت.

وفيها هيبة غريبة خلت كل اللي في المكتب يتجمدوا للحظة.

والله العظيم حتى عبدالرحمن نفسه اتغير وشه.

وسامح بطل يتكلم.

ونهلة سكتت.

أما عبدالرحمن فخرجت منه كلمة بالكاد اتسمعت

ستي...

رفعت الست عينيها ببطء.

وبصتلي.

وفي اللحظة دي حسيت إن قلبي اتقبض.

لأن عينيها كانوا شبه عيون أمي بشكل مخيف.

نفس النظرة. نفس الهدوء. نفس الحزن القديم.

فضلت باصة لي ثواني طويلة.

وبعدين قالت بصوت مرتعش

إنتِ هناء؟

ما رديتش. ما عرفتش أرد أصلًا. لأن الصدمة كانت أكبر من الكلام.

وفجأة لقيت الدموع بتلمع في عينيها.

وبعدين قالت أنا بهية المنشاوي أم مريم وجدتك.

والله العظيم حسيت إن الأوضة كلها بتميل بيا للحظة، واضطريت أمسك طرف الكرسي علشان أحافظ على توازني، لأن الست اللي قاعدة قدامي على الكرسي المتحرك ما كانتش مجرد ست كبيرة في السن ظهرت فجأة وسط كل الأسرار دي، دي كانت الست اللي اسمها مكتوب في الأوراق، والست اللي طول عمري ما سمعتش عنها حرف واحد، والست الغنية صاحبة القصور والأراضي والشركات، والست اللي كنت متخيلة طول الوقت إنها سمحت لبنتها تضيع وتتنسى وتموت لوحدها.

وقف الأستاذ شريف من مكانه وقال بهدوء

الحاجة بهية طلبت بنفسها إنها تكون موجودة النهارده.

في اللحظة دي فقد عبدالرحمن آخر جزء من هدوءه.

ولأول مرة من ساعة ما دخل المكتب شفت القناع يقع من على وشه بالكامل.

وقال بعصبية واضحة

حضرتك ما كانش المفروض تخرجي من القصر.

رفعت الحاجة بهية عينيها ناحيته.

وكان في نظرتها تعب سنين طويلة.

تعب ناس شافت أكتر مما قدرت تتحمله.

وقالت بصوت هادي لكنه حاد بشكل خلّى المكان كله يسكت

وأمك ما كانش المفروض تسرق عمر بنتي هي كمان.

لكن أهو...

عدّت سنين طويلة وأنا سايبة ده يحصل.

وقع الصمت على المكتب كله.

صمت تقيل.

صمت مليان بذكريات وأسرار وذنوب عمرها عشرات السنين.

وبعدين مدّت إيدها ناحيتي ببطء.

إيد مرتعشة من السن.

لكنها كانت ممدودة ليا.

أنا بصيت للإيد.

لكن ما اتحركتش.

ما قدرتش. لأن قلبي كان مليان أسئلة أكتر من أي حاجة تانية.

فضلت مكاني. فأنزلت إيدها بهدوء.

وقالت وهي باصة لي مباشرة أنا اللي ساعدت مريم تهرب. أنا اللي طلعتها من البيت. وأنا اللي دبرتلها الاسم الجديد والمكان اللي تبدأ فيه حياتها من أول وجديد.

سكتت لحظة. وبعدين كملت بصوت اتكسر في آخر الكلام

لكنني كنت جبانة. جبانة أكتر مما تتخيلي. سمحت للعيلة تمحيها من حياتها علشان ما نخسرش كل حاجة. وسمحت لهم يدفنوها على الورق وهي لسه عايشة.

ونزلت دمعة من عينها وهي بتكمل كنت ببعتلها فلوس كل سنة.

سنين طويلة. وأحاول أعوض أي حاجة قدرت عليها. لكن بنتي كانت ترفض تصرفها. كانت ترفض تلمسها وكانت بتقولي نفس الجملة كل مرة.

بلعت


ريقي وأنا سامعة.

أما الحاجة بهية فابتسمت ابتسامة موجوعة وقالت كانت بتقولي إنها مش عايزة تشتري رغيف عيش بالحلال.

في اللحظة دي حسيت إن حلقي قفل.

وحسيت بوجع مفاجئ ضرب صدري كله.

لأن صورة أمي وهي بتعد الجنيهات القليلة قبل ما تشتري دوا الضغط رجعت قدام عيني.

صورة أمي وهي تلبس نفس الجاكيت سنين.

وصورة أمي وهي تضحك وتقول إنها بخير رغم إنها ما كانتش بخير أبدًا.

وبصيت للحاجة بهية وأنا حاسة إن دموعي بتتحرق جوا عيني.

وقلت بصوت مبحوح خارج بالعافية

أمي ماتت وهي بتقول إنها مش معاها فلوس تجيب بلوفر جديد للشتا.

قفلت الحاجة بهية عينيها ببطء.

وكأن كل كلمة قولتها كانت بتوصلها متأخرة سنين طويلة.

وقالت بصوت مكسور

أنا عارفة.

هزيت راسي وأنا حاسة إن الدموع والغضب والوجع متلخبطين جوايا بشكل مش قادرة أسيطر عليه.

وقلت

لا.

إنتِ ما تعرفيش.

ما تعرفيش يعني إيه أشوف رجليها متورمين آخر الليل وأقعد أدلكهم بإيديا علشان تعرف تنام.

ما تعرفيش يعني إيه أفضل أحسب الجنيه فوق الجنيه علشان أجيب شريط دوا.

ما تعرفيش يعني إيه أسمعها تقول إنها مش محتاجة حاجة وهي محتاجة كل حاجة.

ما تعرفيش يعني إيه أمشي ورا جنازتها وأنا مش معايا حتى مصاريف الدفنة كاملة.

الجيران هما اللي دفعوا.

الجيران هما اللي وقفوا جنبي.

بينما أنتم...

بلعت ريقي وحاولت أكمل.

لكن المرارة كانت أكبر من الكلام.

وقلت

بينما أنتم كنتم بتحولوا مئات الآلاف علشان تضمنوا إنها تفضل ساكتة.

سكتت الحاجة بهية.

وما حاولتش تبرر.

ما حاولتش تدافع عن نفسها.

ما حاولتش تقول إن عندها أعذار.

والله العظيم يمكن دي كانت أول حاجة محترمة تتعمل في اليوم كله.

إنها سكتت.

وتركت الحقيقة تتكلم.

ونزلت دموعها في هدوء.

وقالت

معاكي حق.

في اللحظة دي اتحرك عبدالرحمن خطوة ناحيتها.

وقال بحدة

ستي...

كفاية كلام.

لكن قبل ما يكمل.

الممرضة اتحركت بسرعة ووقفت بينه وبينها.

وقالت بصرامة

ما تكلمهاش بالطريقة دي.

بصلها عبدالرحمن باحتقار واضح.

وقال

خليكي برا الموضوع.

لكن الممرضة ما اتحركتش.

ولا حتى رمشت.

مدت إيدها في شنطتها.

وطلعت فلاشة صغيرة.

ورفعتها قدام الكل.

وقالت

أنا في الموضوع من يوم ما مريم طلبت مني أحافظ على دي.

في اللحظة دي اتجمد عبدالرحمن مكانه.

وشوفت الخوف يعدي في عينيه لأول مرة.

أما الأستاذ شريف فمد إيده وأخد الفلاشة.

وبص للممرضة.

فقالت

ده تسجيل.

مريم صورته في المستشفى قبل وفاتها بتلات أيام.

والله العظيم أول ما سمعت الجملة دي حسيت إن قلبي وقف.

لأن في حاجات كتير الإنسان يقدر يستعد يسمعها.

لكن مفيش حد يقدر يستعد يسمع صوت أمه بعد ما تموت.

مفيش حد يقدر يجهز نفسه للحظة زي دي.

ركب الأستاذ شريف الفلاشة في الكمبيوتر.

والكل سكت.

حتى الأنفاس بقت مسموعة.

وبعد ثواني ظهر الفيديو على الشاشة.

وظهرت أمي.

أمي فعلًا.

نايمة على سرير المستشفى.

وشها كان شاحب.

وشعرها لازق في جبينها من التعب.

وإيديها متورمين.

والمرض كان باين عليها من أول نظرة.

لكن عينيها...

عينيها كانت لسه زي ما هي.

لسه فيها نفس الحنية.

ونفس القوة.

ونفس النظرة اللي كانت تطمني بيها طول عمري.

وبعدين اتحركت على الشاشة.

وقالت

هناء...

والله العظيم أول ما سمعتها بتنطق اسمي حسيت إن قلبي وقع.

وحسيت إن روحي كلها بتترعش.

أما هي فابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت

لو بتشوفي التسجيل ده...

سامحيني.

سامحيني على كل حاجة ما قدرتش أقولهالك.

وسامحيني على كل الأسرار اللي شيلتها لوحدي.

أخدت نفسًا متعبًا.

وبعدين كملت

أنا ما كنتش فقيرة علشان الزهد.

وما كنتش فقيرة علشان الرضا.

أنا كنت فقيرة علشان الخوف.

كنت بخاف إن كل جنيه

أصرفه من الفلوس دي يبقى ثمنه روحنا.

كنت بخاف إن الفلوس تشتري اللي ما قدرتش تهزمه السنين.

كنت بخاف تشتريكي إنتِ.

ونزلت دموعي وأنا ببصلها.

أما هي فواصلت كلامها بصعوبة

إنتِ ماعليكيش أي دين ليهم.

ولا أي فضل.

ولا أي التزام.

وسامح كمان ماعليهوش.

حتى لو خذلني.

حتى لو وجعني.

أنا حبيته.

وربيته.

واعتبرته ابني.

لكن حبنا لحد...

ما يديهوش الحق يسرقنا.

ولا يسرق حقنا.

ولا يسرق تعب عمرنا بعد ما نموت.

في اللحظة دي نزل سامح راسه للأرض.

وما قدرش يبص للشاشة.

أما أمي فتنفست بصعوبة أكبر.

وبعدين قالت

اسمي كان مريم. لكن بالنسبة ليكي أنا كنت فاطمة. والاسم ده بقى اسمي الحقيقي.

لأنك إنتِ اللي قولتيه بحب.

وما تخليش عيلة المنشاوي تخليكي تحسي إنك صغيرة.

ما تخليش قصورهم تخوفك.

ولا شركاتهم ولا نفوذهم ..هم يمكن عندهم أبراج وشركات وأسماء كبيرة...

لكن إنتِ عندك الحقيقة. وساعات يا بنتي الحقيقة بتبقى أتقل من اسم عيلة كاملة.

والله العظيم أول ما سمعت كلام أمي في التسجيل حسيت إن آخر حاجة كانت ماسكاني من جوايا اتكسرت، وحطيت إيدي على بقي علشان أكتم شهقتي لكن ماقدرتش، والدموع نزلت مني غصب عني، دموع سنين كاملة من الوجع والقهر والحرمان والخوف، بينما أمي على الشاشة كانت بتتنفس بالعافية وكأن كل كلمة بتخرج منها بتاخد معاها حتة من روحها، ومع ذلك كانت مصممة تكمل لآخر لحظة.

وقالت بصوت متعب لكنه ثابت

كل حاجة سبتها ورايا تبقى لهناء... وجزء منها يروح لمؤسسة تساعد الستات اللي أهلهم اتخلوا عنهم زي ما حصل معايا.

وسكتت لحظة تاخد نفسها.

وبعدين كملت

أما البيت... مايتباعش.

والله العظيم في اللحظة دي افتكرت السقف اللي بينقط.

والحيطان القديمة.

وريحة العيش اللي كانت بتعمله بإيديها.

والكرسي اللي كانت بتقعد عليه كل عصر.

أما هي فكملت

صلحوه.

وخلوه مفتوح.

وخلوه يوم الأحد يطلع منه أكل سخن للناس.

ونزلت دموعي أكتر.

لكن اللي كسرني فعلًا كانت الجملة اللي بعدها.

لما قالت

لأن مفيش ست في الدنيا المفروض تضطر تقول إنها شبعت وهي جعانة... بس علشان ابنها أو بنتها ياكلوا.

ساعتها انهرت.

انهرت بمعنى الكلمة.

وحسيت إن رجليا مش شايلاني.

ولولا إن الممرضة مسكتني كان ممكن أقع على الأرض.

أما عبدالرحمن المنشاوي فقام فجأة وقفّل شاشة الكمبيوتر بعنف وهو بيقول

كفاية.

لكن الأستاذ شريف بصله نظرة باردة جدًا وقال

بالعكس.

إحنا لسه بادئين.

وفعلًا...

كل حاجة بدأت من اللحظة دي.

بس مش بالصريخ.

ولا بالخناق.

ولا بالمشاهد اللي الناس بتحب تشوفها.

الحرب الحقيقية بدأت بالورق.

بدأت بالمحاضر.

وبالقضايا.

وبالبلاغات الرسمية.

وبالمستندات اللي أمي كانت مخبياها سنين.

وبالوصية.

وبالنيابة.

وبملفات ضخمة اتحطت على مكاتب ناس مايعرفوناش لكن كان مطلوب منهم يشوفوا الحقيقة.

وعيلة المنشاوي حاولت تعمل كل حاجة علشان تدفن الموضوع مرة تانية.

جابوا أغلى المحامين.

وأشهر المحامين.

وصرفوا فلوس تكفي إنها تشتري شارع كامل.

وقالوا إن أمي ماكانتش واعية وهي بتكتب الوصية.

لكن المستشفى طلعت تقارير كاملة تثبت إنها كانت بكامل قواها العقلية.

وقالوا إني أنا اللي ضغطت عليها ووجهتها.

فطلع الجيران واحد ورا التاني يشهدوا إنهم عمرهم ما شافوا حد واقف جنبها غيري.

وقالوا إن الفلوس كانت هدية عادية.

فطلع دفتر البنك والمستندات اللي مكتوب فيها بوضوح سبب التحويلات.

وقالوا إن مريم المنشاوي ماتت من سنين طويلة.

لكن الحاجة بهية وقفت بنفسها وسجلت شهادتها الرسمية.

واعترفت بكل حاجة.

واعترفت إن بنتها كانت عايشة.

وإن اللي حصل كله كان كذب.

ومع الوقت الحكاية خرجت برا المحاكم.

والصحافة بدأت تتكلم.

والناس بدأت

تعرف.

والخبر انتشر في كل مكان أسرع مما كانوا يتخيلوا.

وكل يوم كانت تظهر حقيقة جديدة.

وكل يوم كانت صورة أمي وهي بتبيع الفطاير علشان تجيب تمن الدوا تقف قدام صورة الناس اللي كانوا بيحاولوا يمحوها من الوجود.

وبعد أسابيع.

وفي يوم من الأيام.

كنت واقفة في البيت القديم.

شايلة جردل وبفضي المية اللي نازلة من السقف المكسور.

لأن البيت لسه محتاج شغل كتير.

ولسه محتاج روح أمي ترجع تدفّيه من جديد.

وفجأة سمعت حد بينادي اسمي.

لفيت.

فلقيت سامح.

واقف لوحده.

من غير نهلة.

ومن غير أي حد.

وشه كان مرهق.

وعينيه حمرا.

كأنه ماعرفش ينام من أيام.

وقال بصوت واطي

هناء...

أنا ماكنتش أعرف كل الحقيقة.

بصيتله ثواني.

وبعدين قلت بهدوء

بس كنت تعرف إن أمي محتاجة دوا.

نزل عينيه للأرض.

وقال

أيوة.

فرديت من غير ما أتردد

يبقى كنت تعرف كفاية.

وسكت.

وبعدين لأول مرة من يوم وفاة أمي شوفته بيعيط فعلًا.

مش بيتظاهر.

مش بيمثل.

بيعيط.

وقال بصوت مكسور

هي أخدتني وربتني.

قلت

أيوة.

قال

وأنا طلعت وحش.

ماعرفتش أواسيه.

وماحاولتش.

لأن في حقايق معينة الإنسان محتاج يواجهها لوحده.

من غير حد يخففها عنه.

وبعد شوية سألته عايز إيه يا سامح؟

قال ولا حاجة.

نهلة سابتني. والله العظيم كنت ممكن أضحك. لكن الحزن كان أكبر من الضحك.

فقلت طبيعي.

لأن الفلوس ماكنتش جاية ناحيتك.

هز راسه.

وبعدين قال

ممكن أزور قبرها؟

بصيتله لحظة طويلة.

وقلت

إنت مش محتاج إذني علشان تكلم واحدة ماتت. إنت كنت محتاج ضميرك يصحى وهي لسه عايشة.

ما ردش. لف ومشي. وأنا وقفت أتفرج عليه وهو بيبعد. ووقتها اكتشفت إني ما بقيتش أكرهه زي الأول.

لكن في نفس الوقت ماقدرتش أفتحله الباب تاني.

وبعد ست شهور الحاجة بهية ماتت.

لكن قبل ما تموت كانت خلصت كل حاجة وقعت على كل الأوراق المطلوبة واعترفت رسميًا إن مريم المنشاوي عاشت وإن حقها اتسرق. وإن بنتها اتظلمت. وإن أنا حفيدتها.

وعمرها ما طلبت مني أناديها يا تيتة. وعمرها ما ضغطت عليا علشان أخدها بالحضن. ويمكن كانت فاهمة إن الدم لوحده مش كفاية.

خصوصًا لما يوصل متأخر أوي بعد عمر كامل من الغياب والندم.

استمرت القضية أكتر من سنة كاملة.

سنة بحالها وأنا كل يوم فيها كنت بصحى على مكالمة من محامي، أو جلسة جديدة، أو ورقة مطلوبة، أو خبر طالع في الجرايد.

وسنة كاملة عيلة المنشاوي بتحاول بكل الطرق ترجع الحقيقة لورا وتدفنها من تاني.

لكن الحقيقة لما بتخرج للنور بيبقى صعب جدًا ترجع تتخبى.

وفي الآخر خسروا جزء كبير من الحاجات اللي استولوا عليها سنين طويلة.

صحيح ما خسروش كل حاجة، لأن الناس اللي عندها نفوذ وفلوس عمرها تقريبًا ما بتخسرش كل حاجة.

لكنهم خسروا حاجة كانت أهم بكتير من الفلوس.

خسروا قدرتهم على الإنكار.

وخسروا السمعة اللي فضلوا يبنوها عشرات السنين.

وخسروا حقهم إنهم يقولوا إن مريم المنشاوي ما كانتش موجودة أصلًا.

أما أنا فاسترجعت اسم أمي الحقيقي، وحقها القانوني، وكل الأوراق اللي كانت بتثبت مين هي فعلًا.

لكن رغم كل ده عمري ما قدرت أبطل أناديها فاطمة.

لأن الاسم اللي عاش معايا في كل يوم من عمري، والاسم اللي كنت بصحى وأنام عليه، والاسم اللي كنت بقوله وأنا بمسك إيديها في المستشفى، كان أغلى عندي من أي اسم مكتوب في دفاتر العائلات الكبيرة أو سجلات الحكومة.

ولما جه وقت كتابة شاهد القبر طلبت يتكتب اسمها كله

فاطمة عبدالعال، المعروفة أيضًا باسم مريم المنشاوي.

أم عظيمة.

وست شريفة.

وصاحبة حق اتأخر كتير لكنه رجع في الآخر.

ولما الفلوس أخيرًا اتحولت، واتفتحت الحسابات، واتقفلت آخر قضية، واتوقفت آخر محاولة لتعطيل التنفيذ، ما فكرتش للحظة أشتري قصر ولا عربية فارهة ولا أعيش الحياة اللي الناس كلها كانت متوقعة إني أجري وراها.

لأن أول حاجة جت في بالي كانت صورة الجردل اللي كنا بنحطه تحت السقف كل شتوية.

وصوت المية وهي بتنقط طول الليل.

وشكل أمي وهي بتضحك وتقول إن الموضوع بسيط ويتصلح بعدين رغم إنها كانت عارفة إن معندناش تمن التصليح.

علشان كده أول حاجة عملتها كانت إني أصلح السقف بالكامل.

سقف جديد.

وقوي.

وآمن.

ولما نزل المطر أول مرة بعد التصليح قعدت لوحدي في الصالة أبص لفوق أكتر من ساعة كاملة وأستنى النقطة الأولى تنزل.

لكنها ما نزلتش.

ولا نقطة واحدة.

وساعتها قعدت على الأرض وعيطت زي الأطفال.

لأنني لأول مرة حسيت إن البيت نفسه أخد نفس طويل بعد سنين من التعب.

وبعدها بأيام اشتريت بطانية جديدة ناعمة ودافية باللون الأزرق اللي كانت أمي بتحبه.

وفرشتها على سريرها رغم إنها ما كانتش موجودة.

وفضلت واقفة أبص للمكان الفاضي وأفتكر كل مرة شوفتها فيها بتتغطى ببطانية قديمة خفيفة في عز البرد وتقول إنها مش بردانة.

وكل مرة كانت تضحك وتكدب علشان ما تحملنيش هم زيادة.

وساعتها لمست البطانية بإيدي وقلت بصوت واطي كأنها لسه سامعاني

البرد خلاص مش هيوصل لك تاني يا أمي.

وبعدين بدأت أنفذ الحاجة اللي كانت أهم عندها من

 

 

الفلوس نفسها.

فبيتنا القديم ما اتباعش زي ما أوصت.

واتحول لمكان مفتوح للناس كل يوم أحد.

مكان يطلع منه الخير والأكل والدفا.

وسميناه بيت فاطمة.

لأن الاسم ده هو اللي عاش مع الناس.

وهو اللي الناس حبته.

وكل يوم أحد كانت ريحة الفطاير والقهوة والشاي والأكل السخن تملأ المكان.

وكانت تيجي ستات كبار في السن.

وأمهات شايلين الدنيا لوحدهم.

وأطفال جعانين.

وجيران من نفس الناس اللي كانوا زمان بيلموا تبرعات علشان يساعدونا ندفن أمي.

من غير ما يعرفوا إن الست اللي بيودعوها كانت صاحبة حق بالملايين.

وعلقت على الحيطة مريلتها القديمة اللي كانت بتخبز بيها.

وعلقت جنبها المفتاح الصغير اللي كان مربوط بالشريط الأحمر.

وجنبه الصورة اللي لقيتها في الصندوق وهي لابسة الأبيض وبتبتسم ابتسامة ما كنتش شوفتها على وشها طول حياتي.

وتحت الصورة كتبت جملة واحدة فضلت تتكرر في قلبي كل يوم

ما كانتش فقيرة.



..

هم اللي فقروها.

وما كانتش لوحدها...

إحنا بس اتأخرنا.

وساعات سامح بييجي.

مش علشان ياخد حاجة.

ولا علشان يتكلم كتير.

لكنه بييجي يشيل الترابيزات أو يساعد في التنضيف أو يقعد في آخر المكان ساكت أغلب الوقت.

وأنا لحد النهارده ماعرفش إذا كنت هقدر أبصله يوم وأقوله يا أخويا من غير ما أفتكر كل اللي حصل.

لكني في نفس الوقت ما بقتش أكرهه زي الأول.

يمكن لأن أمي نفسها فضلت تحبه لآخر نفس فيها.

ويمكن لأن الحياة عاقبته بطريقة أقسى من أي عقاب كنت أقدر أعمله.

أما نهلة فما رجعتش أبدًا.

وكأنها اختفت في اللحظة اللي اختفى فيها الحلم اللي كانت بتجري وراه.

وكل فترة والتانية كانت توصلني خطابات جديدة من محامي عيلة المنشاوي.

لكن إيديا ما كانتش بتترعش زي زمان.

لأنني ما بقيتش البنت المكسورة اللي كانت قاعدة تحت سقف بينقط ومش عارفة تدفع تمن الدوا.

بقي عندي محامين ومستندات وحقوق.

لكن الأهم

من كل ده إن عندي الحقيقة نفسها.

وعندي صوت أمي وهي بتتكلم من سرير المستشفى بإيديها المتورمة وجسمها المنهك وقلبها اللي كان بيحارب لآخر لحظة.

الفلوس فعلًا كانت صدمة.

والاسم الحقيقي سحب الأرض من تحت رجلي.

لكن أكتر حاجة وجعتني كانت الحقيقة البسيطة اللي اكتشفتها في النهاية.

وهي إن أمي حرمت نفسها من كل حاجة كانت نفسها فيها.

مش لأنها ما كانتش تقدر تشتريها.

لكن لأن كل جنيه من الفلوس دي كان بيفكرها بالناس اللي حاولوا يمحوها من الدنيا.

والناس اللي اشتروا سكوتهم بسنين من عمرها ووجعها.

علشان كده كل ما أشوف أم بتقول إنها شبعت وهي لسه ما أكلتش لقمة واحدة وبتحط أحسن حاجة في الطبق قدام ابنها، بقرب منها وأحط قدامها طبق وأقولها تاكلي هي كمان.

لأن أمي عاشت عمر كامل بتتظاهر إنها مش محتاجة حاجة.

وسابتلي الملايين دي مش علشان أبقى غنية.

لكن علشان أتأكد إن مفيش ست تانية تضطر تختار بين كرامتها

وبين لقمة عيشها.

وساعات كتير بحلم بيها.

أشوفها واقفة في المطبخ بتعجن العجين بإيديها.

لكن وشها ما يبقاش فيه التعب اللي شوفته في آخر أيامها.

وما تبقاش لابسة الهدوم القديمة اللي كانت بترفض تغيرها.

بالعكس.

أشوفها لابسة بلوفر جديد بلون نبيتي جميل كانت نفسها فيه زمان.

وأشوفها بتبصلي وتضحك وتسألني إذا كان السقف لسه بينقط.

فأضحك وأقولها

لا يا أمي.

السقف بقى قوي.

والبيت بقى مليان ناس.

واسمك رجع.

فتضحك الضحكة اللي كنت أعرفها طول عمري.

لكن من غير وجع المرة دي.

ضَحكة مرتاحة.

ضَحكة واحدة أخيرًا عرفت إن تعبها ما راحش هدر.

وساعتها أصحى من النوم وأفهم إن أمي ما سابتليش ثروة ولا ميراث.

أمي سابتلي هدف أعيش عشانه.

وهو إن محدش يقدر يدفن ست وهي عايشة لمجرد إن الحقيقة اللي معاها بتزعج أصحاب السلطة.

وطول ما باب بيت فاطمة مفتوح.

وطول ما القهوة بتتفور على النار.

وطول ما فيه حد جعان بيلاقي طبق أكل قدامه من غير ما يمد إيده ويطلب.

هتفضل أمي عايشة.

في كل ضحكة.

وفي كل لقمة.

وفي كل ست أخيرًا قعدت تاكل من غير ما تعتذر.

وفي كل نقطة مطر بتنزل من السما وما بتلاقيش طريقها لجوه البيت

 


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close