سكريبت انا وأختي كامله
سكريبت انا وأختي كامله
أنا وأختي متزوجتان، وبعد وفاة والدي جاءت أمي لتعيش معي… لكنني، وبكل صراحة، رفضت وجودها في بيتي. لم أكن أريد أن أتحمل مسؤوليتها، ولم أفكر وقتها إلا في راحتي وراحة زوجي.
كانت أمي لا تملك في هذه الدنيا غيري أنا وأختي سمر، ولذلك عندما تحدثت معي سمر عن ضرورة أن تعيش أمي مع إحدانا، لم أتردد في البحث عن أي عذر حتى أتخلص من المسؤولية.
لكنني لم أكن أعلم أن القرار الذي اتخذته في تلك اللحظة سيعود عليّ يومًا بثمن لم أتخيله.
قالت لي سمر بهدوء: «سآخذها لتعيش معي، فهي أمي، وهي البركة والخير الذي سيدخل بيتنا».
وبالفعل، أخذت سمر أمي إلى منزلها، بينما بقيت أنا في بيتي مع زوجي وأطفالي، أراقب من بعيد.
كانت أمي تتقاضى معاشًا قدره أربعة عشر ألف جنيه شهريًا، كما كانت تملك شقة مسجلة باسمها تؤجرها مقابل أربعة آلاف جنيه شهريًا، أي أن دخلها الشهري كان يصل إلى ثمانية عشر ألف جنيه.
وبسبب صعوبة حركة أمي، منحت سمر توكيلًا رسميًا لتتولى صرف معاشها وإيجار شقتها، وتدبر لها احتياجاتها وعلاجها.
في البداية لم أهتم كثيرًا.
قلت لنفسي: «سمر هي التي تحملت المسؤولية، ومن الطبيعي أن تنفق أمي من مالها على علاجها وطعامها».
لكن مع مرور الوقت، بدأت أرى أشياء لم أستطع تجاهلها.
كلما ذهبت إلى منزل سمر، كنت أجد أمي تعيش في راحة واهتمام لم أكن أتوقعهما.
كانت تجلس في الصالة مرتاحة، وتمسك هاتفها وتطلب ما تشتهيه من الطعام.
مشويات، بيتزا، حلويات، فاكهة، ومختلف الأكلات التي تحبها.
وكانت تقول لسمر وهي تضحك:
«هيا يا بنتي، اطلبي لك ولزوجك وللأطفال على حسابي».
فتضحك سمر وتجيبها:
«ربنا يخليكِ لنا يا أمي».
أما حازم، زوج سمر، فكان الأمر معه أكثر إثارة لدهشتي.
كنت أظنه سيتضايق من وجود حماته في منزله، أو على الأقل سيشعر أن وجودها عبء عليه، لكنني فوجئت بأنه يهتم بها بطريقة جعلت الغيرة تأكل قلبي.
كان يذهب بنفسه إلى الصيدلية ليحضر لها دواءها، ويعود محملًا بأجود أنواع الفاكهة، ثم يجلس بجوارها ويقشرها لها بيده.
وكان يقول لها مبتسمًا:
«أنتِ نور البيت يا أمي، ووجودك بيننا بركة».
كنت أسمع هذه الكلمات وأشعر بشيء يحترق داخلي.
كنت أعود إلى منزلي وأنا غاضبة، وأسأل نفسي:
«لماذا تعيش أمي مع سمر بهذه الراحة؟ ولماذا ينفقون من مالها وكأنهم جميعًا أصحاب هذا المال؟».
وفي إحدى الليالي، كنت أجلس مع زوجي أشرف نشرب الشاي، فقلت له:
«ذهبت اليوم إلى منزل سمر، ورأيت أشياء كثيرة. أمي تنفق بلا حساب، تطلب الطعام وتشتري أشياء كثيرة، وحازم يهتم بها جدًا… وكل هذا من أموال أمي التي يحصلون عليها كل شهر».
وضع أشرف كوب الشاي على الطاولة، ونظر إليّ بنظرة مختلفة، ثم قال:
«وأنتِ ساكتة على كل ده؟».
قلت بتردد:
«لكن يا أشرف، أمي راضية، وسمر هي التي ترعاها وتعيش معها».
ابتسم ابتسامة غريبة وقال:
«منى، أنتِ ابنتها مثل سمر تمامًا. لماذا تتنازلين عن حقك؟».
سكتُّ ولم أجب.
فأكمل:
«معاش أمك وإيجار شقتها ملك لها، نعم، لكن ليس من حق سمر وحدها أن تتصرف في كل هذه الأموال. أنتِ أيضًا ابنتها، ولكِ حق فيها».
قلت:
«لكن أمي هي التي تنفق على نفسها».
ضرب أشرف يده على الطاولة وقال بعصبية:
«وهذا هو الخطأ! سمر وزوجها يبالغان في تدليلها حتى تستمر الأموال في الإنفاق على بيتهم. هل يعقل أن تحصل سمر على كل شيء ونحن نجلس متفرجين؟».
بدأت كلماته تتسلل إلى رأسي شيئًا فشيئًا.
في البداية حاولت تجاهلها، لكن الشيطان يجيد تزيين الطمع، والمال قادر على تغيير طريقة تفكير الإنسان.
قلت لنفسي:
«هي أمي أنا أيضًا… ولماذا لا يكون لي نصيب؟».
وفي اليوم التالي، استيقظت وأنا أشعر أنني اتخذت قراري.
ارتديت عباءتي، وخرجت من المنزل، وأنا مصممة على مواجهة أختي وأمي.
لم أكن أعرف أنني ذاهبة إلى تلك الزيارة وأنا أحمل في قلبي شيئًا أخطر من مجرد سؤال عن المال.
كنت ذاهبة لأطالب بما ظننته «حقي».
وصلت إلى منزل سمر، وطرقت الباب.
فتحت لي سمر وهي تبتسم، وقالت:
«أهلًا يا منى، لقد أنرتِ البيت».
دخلت دون أن أبادلها ابتسامتها.
وجدت أمي جالسة في الصالة، بينما كان حازم عند الباب يستلم طلبية جديدة، وبجواره كيس أدوية أحضرها لأمي.
جلست وأنا أراقب كل شيء بعين مختلفة.
لم أعد أرى اهتمامهم بأمي حبًا…
بل أصبحت أراه مالًا يُنفق.
أحضرت لي سمر مشروبًا باردًا وجلست بجواري وهي لا تزال مبتسمة.
قالت:
«مالك يا منى؟ شكلك متضايقة».
نظرت إليها، ثم نظرت إلى أمي.
كان قلبي يخفق بسرعة، لكنني تماسكت وقلت بصوت قوي:
«أنا جاية النهارده علشان نتكلم بصراحة».
توقفت سمر عن الابتسام.
رفعت أمي عينيها نحوي باستغراب.
أما حازم، فتقدم وجلس يستمع.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قلت:
«اسمعي يا سمر… واسمعي يا أمي كمان. لازم نتكلم عن الفلوس اللي بتدخل البيت كل شهر».
سادت لحظة صمت.
ثم أكملت:
«المعاش والإيجار ليّ فيهم نصيب زي سمر بالضبط. ومن الشهر ده، أنا عايزة حقي ونصيبي من الفلوس دي يوصل لبيتي».
نظرت سمر إليّ وكأنها لم تصدق ما سمعته.
أما أمي، فاتسعت عيناها من شدة الصدمة.
ثم أضفت الجملة التي لم أتوقع أن تكون بداية لانهيار كل شيء:
«زوجي قال كلمته… وكلامه ما ينفعش أتجاهله».
اختفت الابتسامة من وجه سمر.
ووضع حازم يده على الطاولة دون أن ينطق بكلمة.
أما أمي، فظلت تنظر إليّ طويلًا، وكأنها للمرة الأولى تكتشف شيئًا في ابنتها لم تكن تريد أن تصدقه.
لم يتحدث أحد.
كان الصمت أثقل من أي صراخ.
لكنني لم أكن أعرف أن ما قلته للتو لن يفتح بابًا للمطالبة بالمال فقط…
بل سيفتح بابًا لأسرار وحقائق ستجعلني أندم على كل كلمة خرجت من فمي.
فهل ستدافع سمر عن أمها وتواجهني؟ وهل سيكشف حازم الحقيقة التي أخفاها عني طوال هذه الأشهر؟ والأخطر من ذلك كله… ماذا ستفعل أمي بعدما أدركت أن ابنتها التي رفضت استقبالها في بيتها عادت الآن لتطالب بنصيبها من أموالها؟
وهل سأحصل فعلًا على ما ظننته حقي…
أم أنني سأكتشف أنني خسرت شيئًا أثمن بكثير من المال؟
اتسعت حدقة عين أمي، وتردد صدى كلماتي في أرجاء الصالة كصفعة ثقيلة قطعت أنفاس الجميع. ساد صمت رهيب، لم يكن يصنعه سوى صوت أنفاس حازم المكتومة، ونظرات أختي سمر التي تحولت من الذهول التام إلى مزيج جارح من الخيبة والحزن.
كانت أمي تنظر إليّ، وتلك النظرة بالذات هي ما أربكني؛ لم تكن عينها تحمل غضبًا، بل خيبة أمل عاتية، وكأنها تسأل نفسها إن كانت هذه حقًا الابنة التي سهرت عليها وطعمتها من عافيتها.
خرقت سمر هذا الصمت الثقيل أخيرةً، وقالت بصوت هادئ بشكل مرعب، خالمٍ من أي انفعال:
«حقك؟ حقك في إيه يا منى؟ حقك في معاش أمك وهي على قيد الحياة؟ ولا حقك في إيجار شقتها وهي قاعدة قدامك بتتفس وتسمعك؟».
اندفعتُ ورددتُ بقسوة مدفوعة بكلمات أشرف التي كانت تغلي في رأسي:
«ما تلفيش وتدوري يا سمر! المعاش ثمانية عشر ألف جنيه شهريًا.. أنتم عايشين في تبذير، أكل وشرب وجايبين طلبات ودلع، بينما أنتِ وزوجك بتستفيدوا من الباقي وبتوفروا مصاريف بيتكم على حساب أمي! طالما هي أمنا إحنا الاثنين، ورفضتُ أنا المسؤولية زمان، فده ما يمنعش إن الفلوس دي تتوزع بيننا بالعدل، أو على الأقل ما تتصرفش كلها بيدك أنتِ وزوجك!».
هنا، وقف حازم. لم يصرخ، ولم يغضب، لكنه التفت إلى سمر وقال بنبرة هادئة جافة:
«هاتي الأوراق يا سمر.. هاتي الدفتر والتحاليل من الجوة».
انقبض قلبي فجأة. أي دفتر؟ وأي تحاليل؟
قامت سمر بدقات قلب متسارعة، بينما ظلت أمي واجمة، تنظر إلى الفراغ وتتمتم بصوت خفيض:
«يا خسارة تربيتي.. يا خسارة عمري».
عادت سمر وهي تحمل ملفًا أزرق كبيرًا ودفترًا صغيرًا مدونًا فيه كل شيء بالفرشاة والقلم. ألقى حازم الملف على الطاولة أمامي، وقال بصوت حاد كالسكين:
«اتفضلي يا ست منى.. افتحي الدفتر اقري، وشوفي التبذير اللي أنتِ جاية تحاسبينا عليه!».
فتحتُ الدفتر بيدين ترتجفان رغماً عني، وبدأت أقرأ:
* جلسات علاج طبيعي للمفاصل والظهر: أربع جلسات أسبوعيًا، تكلفة الجلسة 800 جنيه.
* أدوية وسيولة وضغط وسكر ومكملات غذائية خاصة: 4,500 جنيه شهريًا.
* حفاضات كبار السن ومستلزمات رعاية طبية: 2,500 جنيه شهريًا.
* أخصائية تمريض تأتي مرتين أسبوعيًا لمتابعة العلامات الحيوية: 3,000 جنيه شهريًا.
نظر حازم في عيني وقال بنبرة مليئة بالمرارة:
«أُمك اللي أنتِ شايفاها قاعدة مرتاحة بتطلب بيتزا ومشاوي، الدكاترة منعوها من الأكل العادي تمامًا بسبب نسبة اليوريا القاتلة وضغط الدم! الأكل اللي بيدخل البيت ده كله بيجي بمواصفات خاصة جداً، ومن أماكن مخصصة لمرضى السكر والضغط، الوجبة الواحدة بتكلف ضعفين الأكل الطبيعي عشان تقدر تاكل وتحس إنها طبيعية وما تحسش بالحرمان!».
ثم فتح الملف الأزرق وأخرج منه تقريرًا طبيًا معتمدًا وختم مستشفى كبير، وألقاه أمامي:
«اقري دي كمان.. ده التقرير اللي خبيناه عليكِ عشان ما نقلقكيش، وعشان أختك قالت لي: “منى عندها أطفال ومصاريف ومش عايزين نضغطها”. أُمك محتاجة عملية تغيير مفصل كامل خلال شهرين، بتكلفة بتتعدى تسعين ألف جنيه!».
سقطت الصحيفة من يدي. أردف حازم وهو يشير إلى أمي:
«المعاش والـ 18 ألف جنيه اللي عينك عليهم، سمر بتجمع منهم كل شهر القرشين اللي بيتبقوا بعد العلاج والأكل الخاص عشان نسدد ثمن العملية اللي فاضل عليها أسابيع، ومن غير ما نطلب منك ولا مليم ولا نثقل عليكِ! أما الفاكهة اللي أنا بقشرها لها بيدي.. فدي من مالي الخاص، هدية مني لأم زوجتي اللي بعتبرها أمي، والبركة اللي ربنا رزقني بيها في بيتي!».
تسمرتُ في مكاني. شعرتُ وكأن سقف الغرفة ينهار فوق رأسي. كل الفنون والسيناريوهات التي غرسها أشرف في عقلي بدأت تتلاشى كالدخان أمام هذه الحقائق الصادمة.
نظرتُ إلى سمر، فوجدت الدموع تسيل على خديها بالصمت. وقفت سمر وقالت وهي تخنق عبرتها:
«أنا لما أخذت أمي، ما أخذتهاش عشان معاشها يا منى.. أنا أخذتها عشان كنت خايفة عليها من قسوتك وقسوة زوجك. أنتِ رميتيها وتخليتِ عنها في أكتر وقت كانت محتاجة فيه لمتكم، وجاية النهاردة تطالبي بحقك في فلوسها؟ أنتِ بقيتِ إيه؟ هو أشرف غيرك للدرجة دي؟ ولا ده أصلك اللي كان مستخبي؟».
في تلك اللحظة، رفعت أمي يدها المرتجفة، وأشارت إليّ بسبابتها. كان صوتها ضعيفًا وخرج بصعوبة بالغة، لكنه كان ينزل على قلبي كالجمر:
«اسمعي يا منى.. من النهاردة، التوكيل اللي مع سمر مش بس للصرف.. التوكيل ده أنا خليته توكيل رسمي عام، وك كتبت لها الشقة بيع وشراء من الشهر اللي فات! الشقة والمعاش تحت إيد سمر، هي اللي شايلاني وهي اللي حنّت عليّ لما أنتِ قفلتي بابك في وشي!».
اتسعت عيناي بذهول:
«كتبتِ الشقة لسمر يا أمي؟! حرمتيني من حق الشقة كمان؟!».
ردت أمي بنبرة حازمة قاطعة، لم أعهدها منها من قبل:
«أنا ما حرمتكيش.. أنتِ اللي حرمتِ نفسك يوم ما بعتيني عشان راحتك وراحة زوجك. الفلوس والشقة دي حماية لسمر ولبيتها اللي فتحوه لي، وحماية ليّ أنا عشان لما أموت أكون مطمنة إن سمر أخذت أجر تعبها ورعايتها لي. قومي يا منى.. قومي ارجعي لزوجك، وقولي له: “أمي أخذت حقها منك ومني قبل ما نسألها عن حقنا!”».
وقفتُ مشدوهة، ألتفت بين أمي القاسية بنظراتها، وسمر التي تدير وجهها عني، وحازم الذي ينظر إليّ بقلة احترام لم أذق مثلها في حياتي.
سحبتُ حقيبتي بيدين ترتجفان، وخرجتُ من المنزل بخطوات ثقيلة يحيطها الفراغ. كانت الدنيا تدور بي. لم أكن أفكر في المال الذي ضاع، بل في الهاوية التي دفعتُ نفسي إليها.. كيف سأواجه أشرف الذي ينتظرني في البيت بشرارة الطمع؟ وماذا أقول له بعد أن عدتُ بحقيقة كشفت سوأتي، وحرمتني من أمي ومن شقتها إلى الأبد؟
وصلتُ إلى بيتي، وفتحتُ الباب وأنا أسمع صوت أشرف ينادي من الداخل بلهفة طامعة:
«عملتِ إيه يا منى؟ وافقوا يبعتولنا نصيبنا ولا سكتِ كالعادة؟».
أنا وأختي 2
وقفتُ عند عتبة الباب، أستند على مقبضه الخشبي وأشعر بعجز ثقيل يكبل أطرافي. كان صوت أشرف ينبعث من الصالة محملًا بنبرة الجشع والفضول التي أصبحتُمقتُها في تلك اللحظة:
«ما تردي يا منى! عملتِ إيه مع أختك وزوجها؟ اتكلمتِ في الفلوس؟ حطيتِ حد للتهريج ده ولا رجعتِ إيدك فاضية؟».
خطوتُ خطوات بطيئة ونظرتُ إليه. كان يجلس على الأريكة ينتظر الخبر الذي ظنه نصرًا ماليًا، وفي يده هاتفه. لم أستطع النطق، فقط وقفت أطالعه بنفس العينين اللتين رأيتُ بهما أمي وحازم وسمر منذ قليل.
قام أشرف من مكانه واقترب مني، واشتدت نبرة صوته بغضب:
«مالك واقفة زي التابوت كده؟ ردّي عليّ! أختك قالت لك إيه؟ هيبعتوا نصيبنا من المعاش والإيجار من الشهر ده ولا لأ؟».
انفجرتُ فجأة بصوت يملأه القهر والندم، صوت تحسرت فيه على نفسي وعلى ما بلغتُه من انحطاط:
«نصيبنا؟! نصيبنا في إيه يا أشرف؟! أنت ورطتني.. خلتني أروح أقف قدام أمي وأختي وزوجها وزي المجنونة أطالب بفلوس امرأة مريضة محتاجة كل مليم لعلاجها وعمليتها! خلتني أبيع أمي عشان طمعك وأوهامك!».
تراجع أشرف خطوة إلى الخلف، واستنكر كلامي بنظرة حادة، وقال بعصبية:
«يعني إيه؟ أختك ضحكت عليكِ بكلمتين؟ تلفت لك الحقيقة وجاية تتشاطري عليّ أنا؟ هم بياكلوا حقك وأنتِ جاية تفرغي غضبك فيّ؟!».
صرختُ في وجهه:
«ما حدش أكل حقي غير طمعي وطمعك! أمي محتاجة عملية تغيير مفصل بتسعين ألف جنيه! أمي بتاكل أكل خاص بأضعاف الثمن بسبب الضغط والسكر واليوريا! أمي عندها جلسات علاج طبيعي وتمريض بييجي البيت! الفلوس اللي كنت فاكرهم بيبذروها بتتصرف على صحتها اللي أنا وأنت ما فكرناش نسأل عنها ولا نص يوم!».
ساد صمت قصير في الصالة، لكن وجه أشرف لم يظهر عليه أي ندم، بل تحول شحوبه إلى قسوة أرعبتني. ابتسم ابتسامة ساخرة وقال بنبرة مليئة بالانتهازية:
«عملية؟ أكل خاص؟ وأنتِ صدقتِ المسرحية دي؟ دي حجج ورص أرقام علشان يطيروا الفلوس وما يدوكِش مليم! وبعدين حتى لو كل ده صح.. الشقة فين؟ شقة أمك تؤجر بأربعة آلاف جنيه، دي ملكها، وأنتِ ورثك فيها ثابت. طلبتِ حقك في الشقة ولا سيبتيهولهم كمان؟».
ضحكتُ بكهكهة هستيرية والدموع تتساقط من عينيّ، وقلت بصوت مبحوح:
«الشقة؟ الشقة خلاص يا أشرف.. أمي كتبت الشقة لسمر بيع وشراء من الشهر اللي فات! أمي حرمتني من كل حاجة، أخدت مني التوكيل وكتبت كل حاجة باسم سمر عشان تطمن إن سمر تاخد أجر تعبها، ولأنها عرفت إن بنتها التانية باعتها عشان زوجها وعشان راحتها!».
هنا تغير وجه أشرف تمامًا. لم يعد غاضبًا فقط، بل تحول إلى شخص غريب لم أكن أعرفه طوال سنوات زواجي منه. ضرب قبضة يده في الجدار بقوة وصرخ في وجهي بصوت هز أركان الشقة:
«كتبت الشقة باسم سمر؟! أنتِ تجننتِ؟ سيبتيها تكتب الشقة وسكتِ؟ أنتِ إيه، غبية؟! طالما ما فيش فلوس وما فيش شقة وما فيش ورث، كنتِ رايحة تعملي إيه هناك؟ رايحة تفضحينيا وتخسري كل حاجة وترجعي بطلّي؟».
سقطتُ على الكرسي وأنا أنشج بالبكاء:
«أنا خسرت أمي يا أشرف.. خسرت أختي الوحيدة.. خسرت كرامتي عشان الفلوس اللي عميت عينيا وعينيك!».
اقترب أشرف مني ونظر إليّ بقسوة متناهية، وقال كلامًا نزل على رأسي كالمطرقة:
«لا يا هانم، أنتِ ما خسرتيش أمك وأختك بس.. أنتِ خسرتِ الشقة اللي كنت مستني نبيعها ونعدل بيها ظروفنا! طالما أمك شالت إيدها منك وكتبت كل حاجة لأختك، يبقى ما تلزميش أختك وما يلزمنيش وجودك معايا وأنتِ إيدك فاضية وخرجتِ من المولد بلا حمص! تحسبي حسابك إن العيشة دي مش هتمشي زي زمان، وطالما ما جابتيش حقك، ما تطلبيش مني حنية ولا طولة بال!».
تركني وأغلق باب الغرفة خلفه بقوة، وجلستُ أنا في الظلام أسترجع شريط الأحداث.
تذكرتُ اليوم الذي جاءت فيه أمي إليّ بعد وفاة والدي، تطلب أن تعيش معي. تذكرتُ كيف تهربتُ منها واختلقتُ الأعذار الواهية خوفًا من التعب والمسؤولية. وتذكرتُ كيف استقبلتها سمر بابتسامة وترحاب، وكيف احتضنها حازم وأكرمها وكأنها أمه.
في تلك الليلة، لم أذق طعم النوم. كنتُ أتقلب في فراشي وشيطان الندم يمزق قلبي. عرفتُ أنني لم أخسر المال فقط، بل خسرتُ أمي وأختي وزوجي أيضًا، لأنني اكتشفتُ أن أشرف لم يكن يحبني، بل كان يرى فيّ وفي أهل صفقة مادية ينتظر جني أرباحها، وعندما فشلتُ في جلب المال، ظهر وجهه الحقيقي القبيح.
مع إشراقة الصباح، حزمتُ أمري. كبريائي وجرحي لم يسمحا لي بالجلوس وانتظار الرحمة من أشرف، ولا بالاستسلام لندمي دون محاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه، حتى لو كان الأوان قد فات.
ارتديتُ ملابسي وخرجتُ من المنزل دون أن أحدث أشرف كلمة واحدة. كانت قدمي تقودني نحو بيت سمر مرة أخرى. لم أكن ذاهبة لأطلب المال، ولا لأعتذر اعتذارًا رخيصًا يمحو جريمتي، بل كنتُ ذاهبة لأرجو أمي أن تطردني، أن تشتمني، أن تفعل بي ما تشاء.. لكن بشرط واحد: أن تسمح لي فقط بأن أقبّل يدها وأطلب منها العفو قبل أن يفوت الأوان وتلقى ربها وهي غاضبة عليّ.
وصلتُ إلى العمارة، وصعدتُ الدرجات وأنا أشعر أن كل خطوة هي جبل ثقيل فوق صدري. وقفتُ أمام الباب ورفعتُ يدي لأطرق..
لكن قبل أن تلمس يدي الباب، سمعتُ أصواتًا قادمة من الداخل. كان صوت حركة مضطربة، وصوت سمر وهي تبكي وتصرخ بنحيب هاطف:
«الحقني يا حازم! أمي مش بترد عليّ! اتصل بالإسعاف بسرعة يا حازم! أمي جسمها سقعان ومش بتتنفس!».
تجمدتُ في مكاني أمام الباب، وسقطت حقيبتي من يدي. شُلت أطرافي تمامًا وصوت نحيب سمر يثقب أذني كالإبر: «أمي مش بترد عليّ! اتصل بالإسعاف بسرعة يا حازم!».
لم أفكر، ضربتُ الباب بقوة وهستيرية وأنا أصرخ:
«افتحي يا سمر! افتحي يا سمر أنا منى! افتحي بالله عليكِ!».
فتحت سمر الباب ووجهها شاحب كالموتى، والدموع تغرق عينيها. لم تنظر إليّ ولم تعاتبني، بل ركضت نحو الصالة. دخلتُ خلفها كالمجنونة، فوجدتُ أمي ممددة على الأريكة، رأسها مائل إلى الخلف، وعيناها مغمضتان بهدوء مرعب، بينما كان حازم يجلس على ركبتيه يحاول قياس نبضها بآدواته الطبية ويداه ترتجفان بشكل لم أره فيه من قبل.
ارتميتُ على ركبتي بجوار سمر، وأمسكتُ بيد أمي الباردة. كانت باردة كالثلج، خالية من تلك السخونة الحنونة التي طالما شعرتُ بها وأنا صغيرة.
صرختُ وأنا أقبل يدها وبشرة وجهها:
«أمي! ردّي عليّ يا أمي! أنا منى.. سامحيني يا أمي! أنا آسفة، والله العظيم آسفة! قومي اضربيني، قومي اصرخي فيّ، بس كلميني يا أمي! ما تمشيش وأنتِ غضبانة عليّ!».
نظر إليّ حازم بنظرة كسيرة، ثم التفت إلى سمر وقال بصوت خفيض خنقته العبرة:
«النبض ضعيف جدًا يا سمر.. النفس شبه مقطوع، الأزمة القلبية شكلها جات لها وهي نايمة بعد الضغط العالي بتاع إمبارح.. الإسعاف مش هيلحق، لازم ننزل بيها فورًا على المستشفى بسيارتي!».
في ثوانٍ معدودة، حمل حازم أمي بين يديه برفق، وركضنا جميعًا خلفه على الدرج. كنتُ أسير كالمغيبة، أردد الأدعية والتوسلات بصوت مبحوح. فتح حازم باب السيارة الخلفي، وجلستُ أنا وسمر بجوار أمي نندب ونبكي. احتضنتُ رأسها ووضعتها في أحضاني، وأنا أشعر بكل مليم، وكل حرف، وكل نية طمع دخلت قلبيتحول إلى سياط تلمظ جسدي بنار الندم.
وصلنا إلى المستشفى، وركض الطاقم الطبي بالنقالة المتحركة. أخذوا أمي ودخلوا بها إلى غرفة العناية المركزة، وأُغلق الباب الأبيض الكبير في وجوهنا.
سادت لحظات صمت قاتلة في الممر. كنتُ أقف مستندة إلى الجدار، أرتجف بكاملي، بينما كانت سمر تبكي بحرقة في حضن حازم الذي كان يحاول أن يتمالك نفسه.
التفتت سمر إليّ فجأة، وكانت عيناها حمراوين كالجمر، وقالت بصوت مكسور وممتلئ بالحرارة:
«ارتحتِ يا منى؟ مبسوطة دلوقتي؟ جاية النهاردة عشان تكملي اللي بدأتيه إمبارح؟ أمك ما استحملتش الوجع.. طوال الليل كانت بتعيط وتقول: “أنا قصرت مع منى في إيه؟ أنا ليه بنتي تبيعني بالرخص ده عشان فلوس وزوج؟”.. الضغط رفع عندها والقلب ما استحملش الصدمة! لو أمك جرى لها حاجة يا منى.. عمري ما هسامحك، ولا هي هتسلك لك ذنبها ليوم الدين!».
سقطتُ على الأرض عند قدمي سمر، ولم أجد في نفسي أي ذرة كبرياء لأدافع بها عن نفسي. أ مسكتُ بعباءتها وقلت والدموع تخنقني:
«ادعي لي يا سمر.. قوليلها تسامحني! أنا غبية، أنا عملت ذنب كبير وركبتني الشياطين، زوجي عماني وطمعي قتلني.. بس والله العظيم ما كنت عايزة ليها الشر، أنا جاية النهاردة أبوس رجلها عشان تسامحني! متخلينيش أعيش طول عمري ودمها في رقبتي!».
في تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتفي في حقيبتي. أخرجته بيدين ترتجفان، فوجدتُ اسم “أشرف”.
رددتُ بصوت ضعيف:
«ألو يا أشرف..».
جاءني صوته جافًا، خاليًا من أي رحمة أو اهتمام بوضعي، وقال بلا مقدمات:
«إيه يا منى؟ خرجتِ من البيت على فين من غير ما تقولي؟ ها، وصلتي لشيء مع أختك؟ هل فكرتِ في كلامي ورايحة تطالبي بحقك في الشقة القانوني ولا لسه بتلعي دور الضحية؟».
اتسعت عيناي بذهول وأنا أستمع إلى كلماته. أمي تموت خلف الباب المغلق، وهو كل ما يشغله هو الشقة والمال!
نظرتُ إلى باب العناية المركزة، ثم إلى سمر وحازم، وشعرتُ بقرف وشمئزاز من نفسي ومن هذا الرجل الذي بعتُ لأجله عائلتي.
جمعتُ ما تبقى لي من قوة، وقلت له بصوت جامد كالحديد:
«أمي بين الحياة والموت في العناية المركزة يا أشرف.. وأنت كل اللي فارق معاك الفلوس والشقة؟».
رد أشرف ببرود واستخفاف:
«يعني إيه؟ تموت ولا تعيش دي أعمار، إحنا بنتكلم في حقوقنا! اخلصي يا منى، هتجيبي حقنا ولا أقفل الملف ده وأعرف أنا بتصرف إزاي معاكِ؟».
أغمضتُ عينيّ، وأخذتُ نفسًا عميقًا، ثم صرختُ في الهاتف بصوت هز ممر المستشفى كله:
«حقك؟! أنت ما لكش أي حق، لا عندي ولا عند أهلي! أنت بني آدم مريض وطماع، وأنا اللي كنت غبية لما سمعت كلامك وبعت أمي عشانك! أنت طالق يا أشرف.. أقصد أنا مش هعيش معاك ثانية واحدة تانية! ابعت لي ورقتي، لأنك ما تلزمنيش، ولا يشرفني أكون زوجة لواحد معندوش دين ولا أصل!».
أغلقتُ الخط في وجهه وحظرته فورًا، وألقيت الهاتف على الأرض ليتشظى إلى أجزاء.
نظر إليّ حازم وسمر بذهول لم أعهده منهما. اقتربتُ من سمر وجلستُ تحت قدميها على أرضية المستشفى الباردة، وأنا أستغفر الله وأدعو بقلب يحترق.
وفجأة.. خُرِج الطبيب من غرفة العناية المركزة، وهو ينزع كمامته ووجهه يحمل تعابير ثقيلة لا تبشر بالخير.
ركضنا جميعًا نحوه، وسألته سمر وهي تتشبث برداء الطبيب:
«طمنا يا دكتور! أمي عاملة إيه؟ بالله عليك قول إنها كويسة!».
نظر إلينا الطبيب بتردد، وقال بنبرة هادئة ومقلقة في آن واحد:
«إحنا قدرنا نرجع النبض بالعافية بعد صدمات كهربائية.. لكن الحاصل أزمة قلبية حادة مع توقف جزئي في وظائف المخ نتيجة نقص الأكسجين.. أصلها صدمة نفسية شديدة جدًا على جسمها الضعيف. أمكم دلوقتي على أجهزة التنفس الصناعي.. والـ 24 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا: إما تعدي المعجزة.. أو نودعها فورًا».
نزلت الكلمات عليّ كالصاعقة. نظرتُ إلى الشباك الزجاجي لغرفة العناية، ورأيتُ أمي محاطة بالأنابيب والأجهزة، وجسدها الهزيل يرتفع وينخفض بفعل الآلات.
أدركتُ حينها أن المحاكمة الحقيقية قد بدأت.. وأن الساعات القادمة ستحدد ما إذا كنتُ سأحصل على فرصة أخيرة لتسألني أمي وأستسمحها.. أم أنني سأحمل وزر قتْلها بيدي وأعيش باقي عمري مطرودة من رحمة الله ووالدتي.
مرّت الساعات الأربع والعشرون وكأنها دهرٌ كامل. كنتُ أقف أمام زجاج غرفة العناية المركزة لا أتحرك، لا أذوق طعامًا ولا أغمض عينًا. كان صوت أجهزة القياس المنتظم ينبض في رأسي مع كل دقة قلب، وكل شهيق تناد بيه الآلات جثة أمي الهزيلة كان يقطع جزءًا من روحي.
كانت سمر تجلس على أحد المقاعد القريبة، واضعة رأسها بين يديها وتبكي في صمت، بينما حازم يتردد بين الأطباء ويستفسر عن كل صغيرة وكبيرة، يوفر كل الدعم ويشتري كل المستلزمات دون أن يرف له جفن، يثبت لي في كل لحظة معنى “الابن السند” الذي لم أكنه يومًا.
وفي تمام الساعة الثالثة فجرًا، أضاء جرس إنذار في غرفة العناية، ودخل الطبيب ومعه أخصائي القلب يركضان. اضطرب المكان، وجف الدماء في عروقنا جميعًا. وقفتُ ألتصق بالزجاج وأنا ألهث، أدمعي تسيل على خدّي بلا توقف، وأدعو بدعاء واحد يتردد في صدري: «يا رب لا تأخذها وهي غاضبة عني.. يا رب أعطني فرصة واحدة، بس فرصة واحدة أخيرة».
خرج الطبيب بعد نصف ساعة أرهقتها المحاولات، ونزع كمامته وابتسامة خفيفة تعلو وجهه التعبان. قال بنبرة أزاحت جبلًا عن صدورنا:
«المعجزة حصلت.. الاستجابة بدأت والأجهزة اترفعت جزئيًا، النبض استقر، وهي دلوقتي فتحت عينيها وبدأت تستوعب اللي حواليها. بس ممنوع أي انفعال أو ضغط نفسي تمامًا».
سقطتُ على الأرض ساجدة لله، أقبل بلاط المستشفى البارد وأنا أنشج بالبكاء.
سمح الطبيب لسمر بالدخول أولًا. دخلت سمر وقبلت رأسها وأيديها، ورأيتُ من خلف الزجاج أمي تبتسم لها ابتسامة ضعيفة، وتسألها بصوت خفيض لم أسمعه، لكنني رأيت حركة شفتيها وهي تبحث بعينيها عن شيء ما.
خرجت سمر، ونظرت إليّ بنظرة خالية من القسوة القديمة، ونظرت إلى حازم الذي هز رأسه لها بالاستحسان. اقتربت سمر مني، وقالت بصوت هادئ:
«ادخلي يا منى.. أمي بتسأل عليكِ».
تسمرتُ في مكاني، وشعرتُ بركبتيّ لا تحملانني. أخذتُ نفسًا عميقًا ودخلتُ الغرفة بخطوات أثقل من الجبال. كان طنين الأجهزة يعبئ الفضاء، وكانت أمي ترقد شاحبة الوجه، تلتف حولها الأنابيب.
اقتربتُ من السرير، وجثوتُ على ركبتيّ بجوارها. لم أجرؤ على النظر في عينيها. أخذتُ يدها المرتجفة الباردة ووضعتها على وجهي، وبدأت أقبّلها بكاءً ونحيبًا:
«سامحيني يا أمي.. والله العظيم مظلومة من طمعي ومن زوجي ومن الشيطان اللي دخل بيننا. أنا رميت كل حاجة ورميت أشرف وطلبت طلاقي منه.. ما يلزمنيش أي مليم في الدنيا، ولا تلزمني شقة ولا معاش ولا أي حاجة، أنا بس عايزاكِ تسامحيني وما تموتيش وأنتِ زعلانة مني».
ظلت أمي صامتة للحظات ثقيلة. ثم شعرتُ بأصابعها الضعيفة تتحرك على شعري، تمسد عليه برفق ومحبة الأم التي لا تتغير مهما قست عليها الأيام.
رفعتُ رأسي ونظرتُ في عينيها، فوجدتُ دمعة دافئة تنزلق على خدها. قالت بصوت متقطع وبحيود ضعيف:
«يا بنتي.. أنا ما بكرهكيش، الأم عمرها ما تكره ضناها.. بس زعلت إنك بعتيني بالرخص عشان مال وعشان راجل ما يصونكيش. أنا كتبت الشقة لسمر لأن سمر شالتني يوم ما أنتِ قفلتي بابك، وحازم كان ليّ ابن مش زوج بنت.. بس أنتِ بنتي يا منى، وحقك عليّ إني أسامحك عشان ترتاحي وربنا يهديكِ».
احتضنتُ يدها ووضعتها على رأسي وأنا أبكي بصوت هز أركان الغرفة. كان هذا العفو هو الأكسجين الحقيقي الذي أتاح لقلبي أن يتنفس من جديد.
مرت الأيام، وخرجت أمي من المستشفى وعادت إلى منزل سمر لتبدأ مرحلة التعافي.
أما أنا، فلم أعد إلى بيت أشرف أبدًا. أرسلتُ له أخيها أو من ينوب عني ليحضر كل أغراضي، ومضيتُ في إجراءات الطلاق والقضايا دون أن أنظر خلفي لحظة واحدة. اكتشفتُ أنني كنتُ أعيش مع رجل لا يرى فيّ سوى صفقة مادية، وعندما تبخرت الأوهام المالِية، انكشف قُبحه وجشعه.
استأجرتُ شقة صغيرة بالقرب من منزل سمر، وبعتُ كل ما أملك من مجوهرات وأشياء خاصة حتى أبدأ مشروعًا صغيرًا للطهي من المنزل يكفيني ويكفي أطفالي بكرامة دون الحاجة لأحد.
صرتُ أذهب يوميًا إلى بيت سمر.. لم أعد أذهب كضيفة أو متفرجة، بل أذهب لأكون خادمة تحت قدمي أمي. أساعد سمر في طهيها، وأغسل قدمي أمي، وأقيس لها الدواء، وأسهر على راعتها بجانب أختي.
وفي إحدى الليالي، كنا نجلس جميعًا في الصالة؛ أمي على أريكتها المعتادة، وسمر وزوجها حازم وأطفالي يلعبون حولنا. أعدتُ لأمي وجبتها المخصصة بيدي وقدمتها لها، فابتسمت أمي ونظرت إليّ وقالت:
«ربنا يرضى عليكِ يا منى يا بنتي.. البيت كمل بوجودك وجنب أختك».
نظرتُ إلى سمر، فتبادلنا ابتسامة دافئة محت كل أثار الماضي الأليم.
خسرتُ الشقة، وخسرتُ نصيبي من المال، وخسرتُ زوجًا لم يكن يستحقني.. لكنني كسبتُ ما هو أغلى من كنوز الأرض كلها: كسبتُ رضا أمي قبل أن يفوت الأوان، وكسبتُ أختًا وسندًا حقيقيًا، واسترددتُ كرامتي ونفسي التي كادت أن تضيع في ظلمات الطمع.
تعلمتُ أن البركة لا تأتي من المال الذي نكسبه، بل من القلوب التي نرضيها، وأن الأم هي الجنة الوحيدة التي إذا أغلقت أبوابها، لن يفتح لك مال الدنيا بابًا بديلًا.


تعليقات
إرسال تعليق