سكريبت خطيبى كاملة حكايات رومانى مكرم
سكريبت خطيبى كاملة حكايات رومانى مكرم
خطيبي كلمنى فون وانا بكلمه لقيته مخنوق وباين عليه فضلت اقولو مالك مالك احكيلي في اي؟ مرداش يحكي وبعد إلحاح عليه قالي عايزة الصراحة قولتلو اه احكيلي في اي .. قالي مبقتش شايفك زي البنات ولا بقيتي بتشديني ولا تفرضي عليا انوثتك انتي مش جذابة نهائي وتخينهولم خارجت معاكي وشوفت شنبك باين فالضوء وقر.
فت منك انتى مفكيش ريحة الانوثيه بس الى حصل بعد كده
كانت الصدمة نازلة على قلبي زي المية المغلية، ولساني اتعقد ومش عارفة أنطق كلمة واحدة. صوت النحنحة والجفاء في كلامه وهو بيعددي العيوب كأنه بيمسح بيا الأرض كان بيقطع في صدري كأنه موس حاد.
أنا قاعدة على السرير، سخونة نزلة البرد بتاكل في عظامي، وزوري مقفول من الصديد ومش قادرة حتى أبلع ريقي، وهو فوق كل ده بيغرّز السكينة في قلبي بدم بارد."أنا بقيت أقرف منك.. ومش شايف فيكِ أي أنوثة ولا بتشديني نهائي!
"الكلام كان بيدور في دماغي وزي ما يكون بيكرر نفسه ألف مرة. دموعي نزلت حامية على خدي، وبصيت في شاشة التليفون لقيتها طفيت.. قفل السكة بعد ما رما الكلمتين ودبحني، وسابني أصارع الموت البطيء بين الصهد اللي طالع من جسمي والتعب النفسي اللي هدّ حيلى.
أنا "مريم"، البنت اللي طوال عمرها شقيانة ومستحملة، نزلت الشغل تحيل الشمس المحرقة عشان تساعد في مصاريف جوازها، وشها اللي اتأكسد ولونه بقى "لون ولون" من كتر الفرهدة تحت شمس الظهرية،
جسمي اللي زاد شوية في الإجازة بعد ما انحبست في البيت من التعب وقلة الحركة، ومسام وشي اللي فتحت من كتر الشقا والعرق.
. كل ده بدل ما يتشاف إنه ضهر ومنديل يتربط على جرح، اتشاف إنه "قرف" ومبرر إنه يرميني بالرخيص!فضلت خمس أيام مرمية في السرير مش قادرة أتحرك، والكلمات بترن في ودني: "شنبك باين في الضوء.. وشعر صوابعك.. ومسام إيدك!".
كانت كل كلمة منه بتموت فيا حاجة حلوة، وتزرع بدالها كره ونار بتغلي. في اليوم السادس، والنار بتاكل في قلبي، مسكت التليفون وإيدي بتترعش من كتر الغل. اتصلت بيه. رد عليا ببرود وكأنه ميعرفش هو عمل إيه: "أيوة يا مريم.. خير؟
"استجمعت كل القوة اللي فاضلة في روحي، ومسحت دموعي بإيدي، وقلت بصوت حاد ومزكون بس ثابت زي الجبل: "الخير إنك تلم لعبك ويا دار ما دخلك شر.. خطوبتنا انتهت يا حازم، وكل شيء قسمة ونصيب."سكت ثواني مصدوم، افتكرني هعيّط وأترجاه، بس كبريائي كان أقوى من أي وجع.
كملت قبل ما ينطق كلمة: "اللي تشق عشان تبني بيت، ماتستاهلش واحد عينه فارغة ما بيشوفش غير القشور.. الشبكة وحاجتك هتوصلك لباب بيتك بكرة." وقفلت السكة في وشه، وبلكته من كل حتة!في اللحظة دي، طارت نوبة البرد، والتعب اتبخر ورجع بداله مية عفريت بتنطط في دماغي.
وقفت قدام مراية الدولاب وبصيت لوشي.. الشفايف المتشققة، الهالات السودة، اللون المأكسد، والشعر اللي أهملته من كتر التعب. مسحت وشي وقعدت أكلم نفسي بحدة: "بقى أنا مريم اللي الكل بيحلف بجمالها وروحها يتقال عليا كده؟ بقى عشان وقعت مرضة وأهملت نفسي شوية يبصلي بقرف؟
والله لأوريك مين هي مريم، ولأخليك تأكل في نفسك ندماً!"فقت لنفسي فوقة الفهد اللي راجع يفترس. دخلت الحمام وشغلت المية السخنة، نزلت كل الهم والقرف من على جسمي. طلعت ودخلت على النت، بدأت أعمل سيرش عن كل حاجة تقلب الموازين: ماسكات لتوحيد لون البشرة، جلسات تقشير، تفتيح الأماكن المأكسدة، ووصفات لتضييق المسام.
نزلت الصيدلية وجبت كريمات وسيروم فيتامين C، وعملت جدول قاسي لنفسي: دايت منتظم عشان أنزل الشوية اللي زدتهم، رياضة كل يوم في الصالة، وسويت وتنظيف بشرة وتفتيح ليل نهار. كنت كل ما أحس بتعب أو كسل، افتكر كلمة "بقرف منك"، تقوم النار تولع جوايا وتخليني أقوم أفرك جسمي بالقهوة والليمون والزيوت.
عدى شهر كامل.. شهر وأنا محبوسة في الأوضة زي الفراشة اللي بتغزل شرنقتها. نزلت الـ 8 كيلو اللي زدتهم وجسمي بقى متفصل بالملي، بشرتي رجعت تلمع وزي القشطة بعد ما اللون المأكسد اختفى والمسام اتقفلت، وشعري بقى يبرق وزي الحرير.
#الكاتب_رومانى_مكرم_في يوم، كان عندي مناسبة في عيلة قرايبنا، قررت أخرج للدنيا بشكلي الجديد. لبست فستان أحمر على المقاس بظبط، وطرحة بيضا منورة، وحطيت ميك أب هادي يبرز ملامحي الرقيقة. وقفت قدام المراية وبصيت لنفسي بثقة.. مابقتش مريم المكسورة والمجهدة، بقت برنسيسة كل حتة فيها بتنطق أنوثة وجاذبية.
نزلت من البيت ومشيت في الشارع بثقة وهيبة، والعيون كلها عليا.. وفجأة، وأنا معدية من جنبة القهوة اللي في أول الشارع، كان حازم قاعد مع أصحابه.. وبمجرد ما لمحت عينه جت عليا، وقفت الحركة في الشارع كله!
يا ترى مريم هتسيب عيونه بتاكلها ندم وتكمل طريقها من غير ما تبص وراها، ولا حازم هيتجنن ويحاول يرجع لها بعد ما شاف البرنسيسة اللي ضاعت من إيده؟و جلس حازم على المقعد الخشبي المتهالك أمام القهوة، يقلّب كوب الشاي بغير هدى، وعيناه زائغتان.
كان يظن أن مريم ستنهار، ستتصل به تبكي وتتوسل أن يسامحها أو يعود إليها، لكن غيابها لمدة شهر كامل صهريجيّ الصمت قتله كبرياؤه. وفي اللحظة التي قرر فيها أن يتناسى وجودها، انشق الشارع عن هالة لم يرَ لها مثيلاً.
خطوات واثقة تتنغم على الأسفلت، فستان أحمر يلتف بقوام ممشوق كأنما رُسم بفرشاة فنان، وبشرة ناصعة تتلألأ تحت شعاع الشمس الدافئ، تعكس أنوثة طاغية ورقة لا تُخطئها عين. اتسعت عيناه، وسقطت ملعقة الشاي من يده لتصطدم بالرخام برنين حاد، بينما جمُدت كلمات أصحابه على ألسنتهم وهم يتابعون طيف هذه الحسناء المارّة.
لم تكن سوى... مريم. قام حازم واقفاً في ذهول، كأنما ضُرب بصاعقة. عيناه أكلتا تفاصيلها: الجسد المفرود، الوجه المشرق الخالي من أي أثر للتعب أو الإجهاد، الأنوثة التي تقطر من كل حركة وسكنة. حاول حازم أن يبتلع ريقه الذي جفّ تماماً، وشعر بدوار يضرب رأسه.
هل هذه هي مريم التي تركها قبل شهر تعاني الحمى والإنهاك؟ هل هذه هي البنت التي تجرأ ونعتها بالتقزز؟مرت مريم من أمامه بكبرياء ملكة، لم تلتفت إليه، لم تمنحه حتى نغمة نظرة شزر، بل تجاوزته وكأنه جدار ميت لا وجود له.
هذه التجاهل كان أشد من أي صفعة على وجهه. شعر بحرارة الغضب والندم تجري في عروقه كالسم. ترك أصحابه يتساءلون وهرول خلفها بخطوات سريعة، وصوته يخرج مخنوقاً ومضطرباً:"مريم!.. مريم استني هنا!"وقفت مريم في منتصف الطريق، لم تتفاجأ، بل ابتسمت ابتسامة ساحرة وثابتة لم تبلغ عينيها الباردتين كالجليـد.
التفتت إليه ببطء، رفعت رأسها بثقة تتألق في عينيها الكحيلتين، وقالت بنبرة هادئة ورزينة تحمل كل معاني الترفّع:"نعم يا حازم؟ في حاجة نسيت تبعتها مع الشبكة؟"وقف حازم أمامها مبهوتاً، جثا كبرياؤه عند قدميها دون أن يشعر.
نظرت عينيه إلى وجهها الصافي الذي يلمع كاللؤلؤ، وإلى قوامها المتناسق الذي يضج بالجمال. ارتبكت كلماته، وتلثم لسانه، وقال بصوت يرتجف نادماً:"إيه ده يا مريم؟ إنتِ... إنتِ بقيتِ كده إزاي؟ أنا... أنا مش مصدق عيني!
مريم، إحنا لازم نتكلم، أنا ظلمتك... أنا كنت غبي ومقنعتش باللي في إيدي!"مد يده ليلمس أطراف معصمها، لكنها تراجعت خطوة إلى الخلف بسرعة وحزم، ونظرت ليده بنظرة جعلته يسحبها فوراً كمن لمس ناراً. ردت عليه بصوت صلب هز أركان الشارع:"تتكلم في إيه يا حازم؟
إنت اتكلمت ووفرت كلامك كله يوم ما كنت مرمية بين أربع حيطان من شدة المرض، يوم ما نسيت إن الشقا اللي غير شكلي كان عشان أبني معاك بيت! يومها شوفت القشور ورجمتني بأبشع الكلام.. جيت دلوقتي لما القشرة تحسنت تسيل لعابك؟
إنت مابتحبش إنسانة، إنت بتدور على عروسة حلاوة تتفشخر بيها قدام الناس!"حازم بلهفة وعيون ملؤها التوسل:"والله كنت غبي يا مريم، الشيطان كان عامي عينيا! ارجعيلي وأنا هثبتلك إني تغيرت، هطلب رضاكي، هجيبلِك النجم من السماء..
أنا بحبك ومش قادر أعيش من غيرك، الشارع كله حس إن روحيت راحت مني من يوم ما بلكتيني!"ضحكت مريم ضحكة قصيرة، ضحكة صافية أظهرت نضارة وجهها ورقتها، لكنها كانت محملة بسخرية مريرة وقالت:"تتغير؟ البناء لما يتهدم من الجذور ما ينفعش ترممه بكلمتين يا حازم.
إنت ماشوفتش مريم اللي ضحت، فا مش من حقك تشوف مريم اللي أشرقت. الكلمة اللي خرجت من لسانك وقت ضعفي كانت كفيلة تموت أي مشاعر حلوة كانت ليك في قلبي.. والنهارده، مريم بقت قوية بدرجة ما تسمحلكش حتى توقفها في الشارع.
"تركته واقفاً في مكان مصدوماً، يلهث كالغريق، ودارت بكامل أنوثتها وأناقتها لتكمل طريقها إلى المناسبة. كان كل خطوة تخطوها بعيداً عنه تعني مسماراً يُدق في نعش غروره. وصلت مريم إلى حفل الزفاف، وكانت عروس الصالة غير المتوجة.
الأنظار لاحقتها، والإطراءات انهمرت عليها من كل جانب، ووالدتها تنظر إليها بدموع الفخر والارتياح. لكن المفاجأة لم تنتهِ عند هذا الحد؛ فبينما كانت مريم تجلس بثقة وتتناول العصير، اقتربت منها إحدى أقارب العريس، وهي سيدة راقية ينضح وجهها بالطيبة والوقار، وقالت لها بابتسامة دافئة:"بسم الله ما شاء الله يا مريم.
. تبارك الرحمن، جمال وأخلاق وشهامة نسمع عنها من كل الناس. ابني مهندس طارق راجع من السفر ويدور على بنت حلال تصونه وتكون ضهره، وأنا مش هبص لغيرك.. تسمحيلي أطلب إيدك رسمياً من والدتك؟"في هذه الأثناء، كان حازم يقف أسفل منزل مريم كالمجنون، يروح ويجيء في الشارع، يحمل في يده وردًا ورسالة اعتذار كتبها بدموعه ونادمه، ينظر إلى النافذة المظلمة ينتظر عودتها، وقلبه يعتصره ألم الفقد؛
فقد أدرك بعد فوات الأوان أن الجوهرة التي فرط فيها أصبحت مطمعاً للجميع، وأن مريم لم تعد تراه أصلاً. عادت مريم إلى منزلها متأخرة، لتجد حازم يركض نحوها فور نزولها من السيارة، ينظر إليها بعيون رجاء متوسلة:"مريم.. أرجوكي، إديني فرصة واحدة، فرصة أصلح فيها كل اللي كسرته.
. أنا مستعد أعتذر قدام الدنيا كلها!"وقفت مريم أمامه تحت ضوء العمود، ينعكس على وجهها النقي بثقة وجاذبية تتلألأ، وقالت له بصوت جاف وواضح:"الفرص بتعطى للي بيغلط في حقنا وهو يحترمنا، مش للي بيطرق على أوجاعنا ويقرف من ضعفنا.
طريقي خلاص اتغير يا حازم.. ووقتك معايا انتهى للأبد."تركته وقذفت كلماتها الأخيرة في وجهه، ثم صعدت السلم بخطوات ثابتة، بينما بقي حازم وسطه الشارع يلملم بقايا كبريائه المكسور، وورده الذي ذبل في يده، يعتصر الندم حسرة على جوهرة لم يعرف قيمتها إلا بعد أن فقدها.
خطيبى حكايات رومانى مكرم 2
صعدت مريم درجات السلم بخطوات متزنة وواثقة، وكان صوت كعب حذائها يرن في البناء الخالي كإيقاع نصر متتابع. فتحت باب شقتها ودخلت، ثم أغلقت الباب وراءها بهدوء شديد، وأسندت ظهرها عليه لثوانٍ معدودة. أغمضت عينيها واستنشقت نفساً عميقاً متواصلاً، لم تكن تنفسات هزيمة أو حسرة، بل كانت زفرة راحة لروح كانت مسجونة تحت ركام الإهانة، واليوم فقط تحررت بالكامل.
في الأسفل، كان حازم يتخبط في الشارع كالمصدوع. ينظر إلى باقة الورد التي انثنت أوراقها بين قبضته المرتعشة، وإلى رسالة الاعتذار التي باتت بلا قيمة. ألقى بالورد على الأرض بنشيج مكتوم، وضرب بيده على حائط البناية بغلّ وندم ينهكان صدره.
كبرياؤه الذكوري الذي كان يدفعه سابقاً للتعالي والتقليل منها، تحول الآن إلى قزامة أمام ثباتها ورقيها. بات يسأل نفسه بذهول: كيف لتلك الفتاة التي كانت تداري خجلها وتتحمل قسوته أن تتغير إلى هذا الحد؟ كيف استحالت هذه الشعلة الثائرة التي لا تصلها نيران توسلاته؟
مرت الأيام التالية ثقيلة على حازم، لم يكن يستطيع النوم أو ممارسة حياته الطبيعية. صورة مريم بالفستان الأحمر، ببريق عينيها وبشرتها الصافية كشمس الصباح، كانت تطارده في كل لحظة. ترك عمله لعدة أيام، وأصبح يقضي معظم وقته في مقهى الشارع يراقب مدخل بنايتها، علّه يلمح طيفها، أو يحظى بفرصة لينظر في عينيها علّ الجليد يتداعى.
لكن مريم كانت أذكى من أن تمنحه حتى متعة رؤيتها؛ كانت تخرج لعملها الجديد الذي تقدمت إليه مؤخراً بكامل بكامل أناقتها وحضورها في أوقات متغيرة، متجاهلة وجوده تماماً وكأنه كائن أثيري لا يرى ولا يُحس. في أحد الأيام، وبينما كانت مريم تجلس في صالة المنزل برفقة والدتها، رن جرس الباب.
فتحت الأم لتجد والدة حازم تقف على العتبة، وعلى وجهها علامات الانكسار والحرج. دخلت السيدة واعتذرت بكلمات مضطربة، ثم انهمرت في الدموع وهي ترجو مريم ووالدتها أن يمنحا ابنها فرصة أخيرة. قائلة بنبرة توسل:"يا مريم يا بنتي، حازم هيموت، بقاله أسبوع ما بيدخلش جوه جوفه لقمة، وبيبكي بالدموع زي الأطفال.
عارف إنه غلط، وجاي يبوس إيدك ورأسك قدام المنطقة كلها.. سامحيه يا بنتي، المسامح كريم، وإحنا أهلك وناسك."خرجت مريم من غرفتها بخطوات هادئة، كانت ترتدي ثوباً بيتياً أنيقاً يبرز رشاقتها ونضارتها. جلست أمام والدة حازم بكل احترامات الأدب، لكن عينيها كانتا حزمتين من الصلابة.
قالت بصوت هادئ ونبرة قاطعة لا تحتمل الجدال:"يا طنط، حضرتك على رأسي من فوق، ولكِ كل التقدير والواجب. بس حازم ما كسنيش أنا بس، حازم كسر الحرمة والأمان اللي بين أي اتنين مقبلين على بيت. ابنك قرف مني وأنا مريضة، ده مش غلطة لسان، ده كشف عن معدن.
اللي يقرف من مرضي وشقايا، ما يستهلش يفرح بجمالي وعافيتي. الموضوع انتهى، والرجوع بقى أبعد له من النجوم."حاولت السيدة الاستعطاف مجدداً، لكن موقف مريم الصارم والمدعوم بابتسامة كبرياء غير قابلة للكسر جعل السيدة تدرك أن الباب قُفل بالضبّة والمفتاح، فخرجت تجر أذيال الخيبة لتنقل الخبر لابنها الذي كان ينتظر على أحر من الجمر في المقهى المقابل.
عندما علم حازم برفض مريم القاطع لرجاء أمه، جن جنونه. شعر أن الأرض تسحب من تحت قدميه، وبات يتملك منه خوف مرعب من أن تضيع منه للأبد، خصوصاً بعدما وصلت إليه تسريبات عن طارق؛ المهندس الوسيم والناجح الذي تقدم لخطبتها رسمياً وعائلته تجهز للزيارة الرسمية.
في مساء اليوم التالي، كانت مريم عائدة من مركز العناية بالبشرة بعد جلسة اهتمام دورية. كانت تمشي بخطوات واثقة، وجهها يفيض بالحيوية، وعطرها الهادئ يسبقها في الممر الصغير المؤدي لمنزلها. وفجأة، خرج حازم من بين ظلال الأشجار على جانب الشارع، واستوقفها بعنف، وعيناه غائمتان بالدموع والغضب والمؤتمرات النفسية.
"مريم! اسمعيني للآخر، ومش هسيبك تمشي المرة دي!" قالها بصوت ملؤه التهديد والرجاء الممتزجين. وقفت مريم دون أن ترف لها جفن، لم تفزع ولم تتراجع، بل رفعت حاجبها بنظرة استخفاف أحرقت ما تبقى من غروره، وقالت ببرود قاتل:"صوتك ما يعلاش يا حازم، وإيدك دي لو قربت خطوة ثانية، هسحبك على أقرب قسم شرطة.
اتفضل قول اللي عندك في أنجز وقت، عشان مش فاضية."سقطت دمعة سريعة من عين حازم وهو ينظر إليها، ينظر إلى التحول الجذري في كل إنش منها؛ من فتاة كانت تداري كسوفها وتعمل فوق طاقتها، إلى امرأة قوية، ساحرة، تفيض بالجمال والكرامة.
جثى حازم على ركبتيه في منتصف الشارع، أمام أعين جيرانهما الذين بدأوا يطلون من الشرفات، وقال بصوت حشرجي مكسور:"أنا تحت رجلك يا مريم.. سامحيني! اضربيني، اهينيني، اعملي فيا اللي إنتِ عايزاه، بس ما تروحيلوش! ما تخليش واحد تاني يأخدك مني!
أنا عرفت قيمتك، عرفت إنك الجوهرة الوحيدة اللي كانت في حياتي وأنا بإيدي رميتها في التراب. أنا مستعد أكتبلك الشقة باسمك، ومستعد أعمل كل اللي تطلبيه.. بس بلاش قسوة، ارحميني!"نظر الجميع في الشارع بذهول؛
حازم المتكبر الذي كان يباهي بجاذبيته وسيمترا جسمه، يجلس على الركبتين يبكي ويتوسل لمريم التي كان يصفها قبل شهر بالتقزز. لكن مريم لم تضعف. لم تبتسم شفقة، ولم تتأثر بهذه التمثيلية المتأخرة. كل ما افتكرته في تلك اللحظة هو صوت النحنحة والجفاء في كلامه يوم كان زادها الحمى والصعد، وكيف ألقى بحمول قسوته على قلبها وهي تتألم.
اقتربت منه خطوة واحدة، نزل مستوى نظرها إليه وهو جليسك على الأرض، وقالت بصوت منخفض وصارم كصليل السيف، سمع كل حرف منه كأنه جرس إعدام:"الرحمة دي تطلبها من ربنا يا حازم.. مش من قلب إنت ذبحته بدم بارد. أنا مش قاسية، أنا بس بقيت بشوفك على حقيقتك..
مجرد شق صغير في ماضيّ وقفلت عليه بدبة مصلبة. دموعك دي مش عشان بتحبني، دموعك عشان انكسرت وعينك فارغة ومش قادرة تستوعب إن الحاجة اللي ركبتها بالرخيص بقت أثمن من إنك تطولها. قوم ولم باقي كرامتك اللي فضلت، لأن لو طارق جاه بكرة ولقاك واقف هنا.
. مش هتحب اللي هيحصل."قالت كلماتها وتركته جثواً على الأرض بين ذهوله ودموعه وضحكات الجيران الشامتة في خلفية المشهد. صعدت إلى شقتها، ودخلت غرفتها لتستعد لليوم التالي؛ اليوم الذي سيتقدم فيه طارق رسمياً، الرجل الذي رأى جوهرها وقيمتها، وقبل أن يتطلع لجمالها الخارجي، احترم شقاءها وأصلها الطيب.
وقفت مريم أمام المراية، ابتسمت لنفسها ابتسامة نصر حقيقية، أغلقت الستائر على الشارع المظلم في الأسفل حيث كان حازم يلملم خيبته ويمشي بخطوات مكسورة، معلنة بداية فصل جديد تماماً في حياتها، فصل لا مكان فيه للضعف أو للذين يقيّمون القلوب بقشور الوجوه.
أشرقت شمس اليوم التالي محملة بعبير جديد ودانت لبيت مريم نغمة استثنائية من البهجة والارتياح. كانت الشقة تفوح برائحة البخور والورد، والديكورات البسيطة تضفي دفئاً على المكان، بينما كانت مريم تقف أمام مرآتها في غرفتها، ترتدي فستاناً هادئاً باللون الأزرق الملوكي ينسدل بنعومة على جسدها المتناسق، ومكياجاً رقيقاً يبرز صفاء بشرتها المشرقة وبريق عينيها الواثقتين.
لم تكن هذه التجهيزات لمجرد استقبال خطيب جديد، بل كانت احتفالاً بذاتها التي رممتها من الرماد، وبكرامتها التي استردتها بكامل القبرياء. على الجانب الآخر من الشارع، كان حازم يقبع في شقته كالمعتوه، الستائر مغلقة، والغرفة غارقة في الظلام والبعثرة.
كان يجلس على حافة سريره، يعتصر هاتفه بين يديه، وعيناه المحمرتان تنظران عبر ثقب الستارة إلى مدخل بناية مريم. كان ينظر إلى العمال وهم يدخلون باقات الزهور الكبيرة، وشعور بالفقد والخصاء النفسي يقطع أحشاءه. كانت الفكرة التي تطارده كالكابوس هي أن رجلاً آخر سيمسك يد مريم، رجلاً آخر سيتغزل بنضارتها وأنوثتها التي طالما غفل عنها وقابلها بالقسوة والجفاء.
في تمام الساعة السابعة مساءً، توقفت سيارة سوداء فارهة أمام بناية مريم. نزل منها المهندس طارق برفقة والده ووالدته. كان طارق رجلاً ثلاثينياً، يفيض بالرزانة والوسامة المتزنة، تعلو وجهه ابتسامة دافئة ونظرات تنطق بالاحترام والتقدير. صعدت العائلة إلى المنزل، وكان الاستقبال بحفاوة بالغة من والدة مريم وأقاربها.
عندما دخلت مريم الصالون تحمل صينية الضيافة، وقفت القلوب في الغرفة من جمال حضورها. لم تكن مجرد فتاة حسناء، بل كانت امرأة تشع بالثقة والأصل الطيب. نظرات طارق لها لم تكن نظرات تقييم أو شهوة قشور، بل كانت عيناه تلمعان بتقدير حقيقي لرقيها ورزانتها.
جلس طارق بجوارها بعد أن أذن له الجميع، وبدأ الحديث بنبرة رجولية هادئة تحمل كل معاني التقدير:"يا مريم.. أنا سمعت عنك كتير من أمي وقرايبنا، سمعت عن شقاكِ، وعن أصلك الطيب، وعن شهامتك مع أهلك. والنهاردة لما شفتك، عرفت إن الكلام كان قليل جداً في حقك.
أنا مش جاي أدور على عروسة وخلاص، أنا جاي أطلب إيد إنسانة يشرفني تكون شريكة حياتي وأم أولادي، إنسانة أشيلها على رأسي وأقدر كل لحظة تعب عاشتها."كانت كلمات طارق تقع على قلب مريم كالمقشر الشافي، تمسح آخر آثار الندوب التي تركها كلام حازم المسموم.
ابتسمت مريم بوقار، وقالت بصوت ناعم ومستقر:"شكراً لكلامك يا باشمهندس طارق.. اللي بيقدر معدن الإنسان وبيحترم ظروفه، هو اللي يستاهل يتقفل عليه باب واحد."وفي الوقت الذي كان يتم فيه الاتفاق بين العائلتين وسط زغاريد الفرح وأجواء البهجة، كان حازم يدور في الشارع كالمجنون.
لم يتحمل منظر أضواء شقة مريم ولا أصوات الضحكات الخافتة التي تصل إلى الشارع. جمع كل قوته المتبقية، وسار بخطوات مضطربة نحو البناية، مصمماً على أن يفسد هذا اللقاء، أن يصرخ أو يفعل أي شيء يعيد به مريم إلى ملكيته التي خسرها بأحمق التصرفات.
صعد حازم السلم بسرعة، وعندما وصل إلى باب الشقة، وقف يلهث والغل ينهك صدره. رفع يده ليدق الباب بقوة، لكن قبل أن تلمس يده الخشب، انفتح الباب فجأة!كان طارق ووالده يهمان بالخروج للترتيب لبعض الأوراق مع والد مريم.
وقف حازم مبهوتاً، وعيناه تلتويان بين طارق بحضوره الهادئ والواثق، وبين مريم التي كانت تقف في الخلفية بجوار والدتها، تبتسم بجمال ساحر وأناقة لا توصف. نظر طارق إلى حازم باستغراب، مشيراً إلى هيئته المزرية وعينيه المرتعشتين، ثم التفت إلى مريم وسألها بهدوء:"في حاجة يا مريم؟
مين الأستاذ؟"تقدمت مريم بخطوات هادئة وثابتة، وقفت بجانب طارق، ونظرت إلى حازم بنظرة باردة خالصة من أي عاطفة، نظرة جعلت حازم يشعر أنه أصغر من الهباء. وقالت لنفسها قبل أن تنطق: "جاء الوقت الذي تسدد فيه الفاتورة بالكامل يا حازم.
"التفتت مريم إلى طارق ووالده وقالت بنبرة صريحة وواثقة لا يشوبها أي تردد:"ده الأستاذ حازم.. جارنا في الشارع، وكان خطيبي السابق. شخص ما عرفش يقيمة النعمة يوم ما كانت في إيده، وجاي النهاردة يدور على بواقي حاجة مش ملكه.
"ثم التفتت مباشرة إلى حازم، ودنت منه خطوة واحدة، وقالت بصوت حاد ومسموع للجميع:"خير يا أستاذ حازم؟ في حاجة نسيتها هنا؟ ولا جاي تبارك للبشمهندس طارق على الخطوبة؟"اتسعت عينا حازم بذهول، وتلعثم لسانه وهو ينظر إلى طارق الذي فهم الموقف فوراً.
لم يغضب طارق ولم ينفعل، بل وضع يده بثقة على كتف مريم بحماية ورجولة، ونظر إلى حازم بنظرة هادئة وقاطعة وقال:"أظن يا أستاذ إنك سمعت الآنسة مريم كويس. البيوت ليها حرمتها، والست اللي تختار راجل يقدرها ما يصحش تقف قدام بابها بالطريقة دي.
اتفضل انزل بالهدوء، عشان ما تزعلش من تصرف ثاني."شعر حازم برصاصة معنوية تخترق قلبه. كانت مريم تقف بكل كبريائها وأناقتها بجوار رجل أرفع منه خُلقاً ومقاماً، رجل لم يتردد في حمايتها وإظهار قيمتها أمام الجميع.
تراجع حازم خطوة إلى الخلف، وعيناه تسيلان بالدموع والحسرة، ينظر إلى مريم التي لم تمنحه حتى لحظة شفقة واحدة، بل أدارت ظهرها له بإهمال تام وابتسمت لخطيبها الجديد. نزل حازم الدرجات وهو يتخبط في خطواته، يسقط ويرتطم بالجدران كأنما أُصيب بالعمى.
خرج إلى الشارع والندم يأكله، والكلمات التي ألقاها على مريم يوم مرضها تردد في ذهنه كأنها صدى لعنة لا تنتهي: "بقيت أقرف منك.. ومش شايف فيكِ أي أنوثة." واليوم، رأى الأنوثة والجمال والكرامة تجتمع كلها في امرأة واحدة، ولكنها امرأة أصبحت محرمة عليه إلى الأبد.
عادت مريم إلى الصالون، وأغلقت الباب وراءها، لتتلقى نظرات التقدير من طارق وعائلته الذين كبرت في أعينهم أكثر لشفافيتها وقوتها. وقفت أمام النافذة، ونظرت إلى الشارع حيث كان حازم يجلس على الرصيف يبكي بحرقة في الظلام، فأرخت الستارة الستارة البيضاء الناعمة، معلنةً إغلاق الصفحة القديمة بمسك الختام، والتأهب لفصل جديد من العز والكرامة.
خطيبى حكايات رومانى مكرم2
مرّت الأيام متلاحقة، وبدأت مريم وطارق في خطوات إعداد عش الزوجية بكل شغف وانسجام. كان طارق يحرس أن يشركها في كل تفصيلة، من اختيار ألوان الجدران إلى أثاث المنزل، مؤكداً لها في كل موقف أن هذا البيت يُبنى ليحتضن را حتها وكرامتها قبل أي شيء آخر.
كانت مريم تعيش حالة من السلام النفسي لم تذقها من قبل؛ نضارة بشرتها وصحتها ورشاقتها أصبحت جزءاً أصيلاً من أسلوب حياتها اليومي، ليس بدافع الانتقام كما كان في البداية، بل حبّاً في ذاتها وتكريماً لجسدها الذي تحمل الكثير.
أما حازم، فقد كان ينزرف في قاع من الضياع لا قاع له. استقالته من عمله وعزلته قاتلة الشارع جعلا أفكاره تتآكل. صار يمشي في الطرقات كالمطارد، يُخيل إليه أن الشوارع والبيوت والمارة يتغامزون عليه، يشيرون إلى الرجل الذي فرّط في النعمة يوم مرضها وهوانها، ثم جثا على ركبتيه ينحب كالأطفال حين أشرقت بجمالها وعزتها في يد غيره.
في أحد أيام الشتاء الباردة، كان طارق ينقل بعض المستلزمات إلى الشقة الجديدة التي تقع في بناية راقية في الحي المجاورة. ولأنه كان يود أن تفاجأ مريم باللمسات الأخيرة، طلب منها أن تأتي برفقة والدتها لرؤية المنزل بعد اكتمال تجهيزه.
ارتدت مريم معطفاً أنيقاً باللون البيج يبرز طولها وقوامها المنسق، ووضعت لمسات مكياج هادئة أظهرت عينيها الكحيلتين وجمال بشرتها النضرة. نزلت من بنايتها بثقة ورقة، وكانت السعادة ترتسم على وجهها كضوء الصباح. لكن الشارع لم يكن خالياً.
كان حازم يجلس في سيارته القديمة الرابضة في زاوية الشارع، يراقب مدخل بنايتها بنظرات ذابلة وعينين غائرتين من السهر والتفكير. عندما رآها تخرج وتستقل سيارة الأجرة برفقة والدتها، جن جنونه. كان يُمني نفسه بكل لحظة يراها فيها، وكأن رؤيتها هي المخدر الوحيد لندمه المشتعل.
دون أن يفكر، أدار محرك سيارته وتبعهما عن بُعد، يتتبع أثرها كالمقيد بسحر لا يستطيع الفكاك منه. وصلت مريم ووالدتها إلى البناية الجديدة، وصعدتا إلى الشقة حيث كان طارق في انتظارهما بابتسامته الدافئة وباقة ورد حمراء استقبل بها مريم. دخلت مريم الشقة، وكانت الانبهار يملأ عينيها؛
طارق صمم كل ركن كما كانت تحلم تماماً، بل وأضاف زاوية خاصة لها مليئة بالكتب والزهور الجافة التي تحبها. وقفت مريم في منتصف الصالة، ونظرت إلى طارق بامتنان وعينين تلمعان بالدموع:"أنا مش عارفة أقولك إيه يا طارق.. إنت عوضتني عن كل لحظة وجع شفتها في حياتي.
"مسك طارق يدها برفق واحترام وقال بصوت حنون:"إنتِ ما تستاهليش غير الكرم والعز يا مريم. اللي يشوف جوهرك وما يشيلكيش في عينيه، يبقى ما بيفهمش في الأصول ولا يستاهل يكون راجل في حياتك."في هذه اللحظة بالذات، كان حازم قد صعد درجات البناية بخطوات مرتجفة.
كان الباب المفتوح قليلاً للنقاشين والعمال يتسلل منه صوت طارق وضحكات مريم الصافية. تقدم حازم بخطوات ثقيلة كأنه يسير على جمر موقد، وقسّم نظراته من فتحة الباب. رآها.. رآها وهي تقف في الشقة الجديدة، تضحك بحرية، وتبتسم للرجل الذي صانها واحتواها.
رأى كيف يحيطها طارق بنظرات الأمان والرعاية، وكيف تتفتح أنوثة مريم وجمالها الصافي في حضوره كزهرة وجدت أرضاً طيبة وماءً نقياً. تذكر حازم شقته الضيقة الضائعة، وتذكر كلامه المسموم يوم كان يراها مجرد خادمة لشغله ومصاريف جوازه، يوم نعتها بـ "التخينة" و"القرفة".
تذكر كيف غرس السكينة في قلبها وهي تعاني الحمى والصعد، وأدرك في هذه اللحظة القاسية أن مريم لم تكن ناقصة أنوثة ولا جذابة، بل كان هو الأعمى الذي لم يَرَ النور إلا بعد أن انطفأ في بيته وأضاء في بيت غيره.
سقطت دموع حازم على عتبة الشقة، ولم يستطع السيطرة على نوبة بكاء خفية حبسها في صدره حتى كادت أضلعه تتكسر. التفت ليرحل قبل أن يراه أحد، لكن قدمه اصطدمت بدلو طلاء فارغ كان بجوار الباب، ليرن الصوت بقوة في الممر.
خرج طارق فوراً ليستكشف الأمر، ليجد حازم واقفاً في الممر، انحنت كتفاه، وتدهورت هيئته، وعيناه المحمرتان تنظران إلى الشقة بنشيج مكسور. خرجت مريم خلف طارق، وعندما رأت حازم تقف في الممر بهذه الحالة المزرية، لم تفزع ولم تغضب.
بل وقفت بجوار طارق بكل شموخها وأناقتها، ونظرت إلى حازم بنظرة حزن خفيفة.. ليس حزناً عليه، بل حزناً على إنسان دمر حياته بنفسه بجهله واستعلائه الفارغ. قال طارق بصلابة ورجولة:"أستاذ حازم؟ إنت بتعمل إيه هنا؟ وليه بتلاحق خطيبتي من مكان لمكان؟
"تعلثم حازم، ونظر إلى مريم بعيون توسل وندم يمزق الصدر، وقال بصوت حشرجي خافت:"مريم.. أنا بس... أنا كنت عايز أطمن عليكِ.. أنا مش قادر أعيش، النار بتاكل في صدري كل يوم.. سامحيني يا مريم، قوليلي إنك مسامحاني عشان أقدر أتنفس!
"نظرت مريم إلى وجهه المجهد وعينيه الباكيتين، ثم تمسكت بذراع طارق بثقة وثبات، وقالت بصوت هادئ ورزين، صوت أصدر الحكم النهائي والأخير الذي لا رجعة فيه:"المسامحة دي للي بيغلط وهو جاهل يا حازم.. مش للي بيتلذذ بإهانة الإنسانة اللي شقت عشان تبني معاه بيت.
أنا ما بقتش أكرهك، لأن الكره معناه إنك لسه تشغل جزء من تفكيري.. إنت بالنسبة لي بقيت صفر على شمال الحياة. طريقي مع طارق بدأ، وطريقك إنت اخترته بإيدك يوم ما رميت الكلمة المسمومة وقفت السكة في وشي.
"ثم التفتت إلى طارق بابتسامة دافئة وقالت:"يلا يا طارق ندخل الشقة ونقفل الباب.. عشان الهوا بره بقى بارد ومغبر."أمسك طارق يدها ودخلا إلى الشقة، وأغلق الباب الثقيل بقوة وهدوء في وجه حازم. وقف حازم في الممر المظلم، يصغي لصوت المفتاح وهو يدور في القفل، كأنه قفل أُغلق على قلبه وأمله إلى الأبد.
نزل درجات السلم وهو يتهاوى، يمسح دموعه بأكمامه، يحمل في صدره غصة الندم الأبدي، متيقناً أن مريم أصبحت نجماً في السماء، أبعد من أن تطولها يداه الملوثتان بالقسوة والخفران. ساد الصمت الثقيل في الممر المظلم بعدما انغلق باب الشقة بثبات، بينما كان حازم يتهاوى على الدرج كمن سُلبت منه الحياة.
نزل خطواته يتعثر في كل درجة، يرى الدنيا من حوله ضباباً مغبشاً بالدموع. خرج إلى الشارع والبرد ينهك جسده النحيل، فلم يعد يرتدي سوى قميص مجعد أهمله منذ أيام. جلس في سيارته ووضع رأسه على عجلة القيادة، وانفجر في بكاء هستيري طال انتظاره، بكاء رجل أدرك أنه لم يخسر مريم الفتاة فقط، بل خسر نعمته، وسند يومه، وفرصته الوحيدة في أن يكون إنساناً حقيقياً.
على مدار الأسابيع التالية، تحول حازم إلى أثر بعد عين. ترك مقهى الشارع، وأغلق هاتفه، وصار حبيس غرفته المظلمة في بيت والدته. كانت أمه تدخل عليه الصينية بالوجبات لتعود بها كما هي، تبكي على حال ولدها الذي انكسر عوده وأصبح يتحدث مع نفسه في الليل، يردد باستمرار: "كانت باينة فالضوء.
. أنا اللي قرفت منها.. أنا اللي ذبحتها وهي مريضة!" كان الندم يقرض عقله كالسوس، وكلما حاول أن ينام، تمثلت له صورة مريم بأناقتها الذهبية وبريق عينيها الصافيتين، تنظر إليه بحسرة واستخفاف وتترك خلفها عبق عطرها الراقي ليتنسم هو غبار الحسرة. وفي المقابل، كانت مريم تخطو نحو مستقبله بخطوات ثابتة ومستقرة.
مرت الأيام وسار كل شيء كما خططت له العائلتان. جاء يوم الشراء الأخير لمستلزمات الفرح، وكانت مريم برفقة طارق في أحد أكبر المراكز التجارية. كانت تمشي بجانبه متأنقة، تلبس ثوباً أسود رائع التصميم يبرز نضارة بشرتها التي باتت تلمع كاللؤلؤ، وقوامها الرياضي المتناسق الذي حافظت عليه بقوة وإرادة.
كانت ابتسامتها الدافئة لا تفارق وجهها، بينما كان طارق ينظر إليها بعيون تطفح بالحب والدلال، يشتري لها كل ما تتطلع إليه عينها قبل أن تنطق به. وفي لحظة قدرية، كان حازم قد خرج من عزلته بضغط من أمه التي توسلت إليه أن ينزل للشارع ليشتري بعض الأدوية لوالده المريض.
تصادف وجوده في نفس المركز التجاري بالصدفة، كان يسير منكس الرأس، يجر قدميه جراً، بثياب رثة ووجه شاحب ملأته اللحية المهملة والهالات السوداء. وفجأة، رفعت عينيه المجهدتان لتستقرا على مشهد أعاد شريط عذابه بأكمله. على بعد خطوات قليلة، كانت مريم تقف أمام أحد محلات المجوهرات الراعية، وتضع يدها في يد طارق، يضحكان بحب بينما يضع طارق في أصبعها خاتماً مرصعاً بالألماس، ثم يمسك يدها ويقبلها بامتنان أمام الجميع.
كانت مريم تتألق كأنها نجمة هبطت من السماء، أنوثتها حارقة وجمالها يسترعي انتباه كل من في المكان. وقف حازم مشلول الحركة. اختفت الأصوات من حوله، وتوقفت الزمان عن الدوران. كان ينظر إلى المرأة التي صرخ في وجهها يوماً: "انتي مش جذابة نهائي وتخينة!
"، يراها الآن ساحرة للعيون، يلتفت إليها الرجال بإعجاب ويحترمها الجميع، بينما هي لا ترى في الكون سوى الرجل الذي قدرها وصانها. حاول حازم أن يتراجع للخلف ليداري هيئته المزرية، لكن مريم -وهي تتلفت بابتسامة- وقعت عينها عليه بالصدفة. توقفت مريم عن الضحك لثانية واحدة.
لم تفزع، لم يتغير لون وجهها، ولم ترتبك. نظرت إليه مباشرة من بعيد.. نظرة طالعت فيها شبحه الشاحب وهيئته المكسورة، لكن لم تكن في عينها أي قطرة انتقام أو تشفي، بل كانت نظرة تجاوز تام، نظرة إنسان ينظر إلى غريب لا يعني له شيئاً في هذه الحياة.
ثم أدارت وجهها بهدوء، ومسكت ذراع طارق وواصلت حديثها وضحكها معه وكأن حازم لم يكن موجوداً من الأصل. كانت هذه اللحظة أشد قسوة على حازم من كل المواجهات السابقة. أدرك أن الانتقام الحقيقي لم يكن بالصراخ أو الشجار، بل كان بالوصول إلى مرحلة "اللاشيء".
مريم لم تعد بحاجة حتى لأن تكرهه؛ لقد أخرجته من كتاب حياتها تماماً، وطوت الصفحة بأقفال من الماس والكرامة. خرج حازم من المركز التجاري يركض في الشارع كالذبيح، وصوت زغاريد المهنئين في المحل يرن في أذنيه.
انهار على الرصيف في منتصف الشارع، يغطي وجهه بيديه وينحب بصوت مكتوم، بينما كانت مريم تكمل تسوقها بابتسامة ناعمة، متأهبة لليوم الذي ستزف فيه عروساً للرجل الذي عرف كيف يصون المضمون قبل أن يبهره الشكل.
خطيبى حكايات رومانى مكرم 4
مرّت الأيام متتابعة، وجاءت الليلة التي طال انتظارها؛ ليلة الزفاف. كانت القاعة المنسقة على أعلى مستوى تتلألأ بالأضواء الدافئة، وأصوات الموسيقى المبهجة تعزف ألحان الفرح والكرامة. دخلت مريم القاعة كالملكات، ترتدي فستان زفاف أبيض ناصعاً، متفصلاً على قوامها الممشوق ببراعة ساحرة، ينسدل بجمال ورقة، بينما كان حجابها المنور ومكياجها المتقن يبرزان نضارة وجهها الصافي وعينيها اللتين تتألقان بثقة ونور.
كان طارق يقف في انتظارها عند أول الممر، وما إن اقتربت منه حتى دمعت عيناه من شدة الإعجاب والفخر، انحنى وقبّل رأسها باحترام ورجولة، ثم أمسك يدها بثبات وقوة كمن يحمل أغلى كنز في حياته.
كانت مريم تتنفس السعادة بكل جوارحها، تشعر أن كل قطرة عرق شقتها في الماضي، وكل حرقة دموع ذرفتها يوم الإهانة، قد عوضها الله عنها بعز وحب وقدر رفيع. أما في الجانب الآخر من المدينة، وفي تلك اللحظات بالذات، كان حازم يتخبط في شوارع الحي المجاورة للقاعة كالمجاذيب.
لم يستطع البقاء في بيته، ولا تحمل صوت أمه وهي تبكي على حاله. كان يسير بخطوات مكسورة، ذابلاً، شاحب الوجه، يرتدي معطفاً متهالكاً، يجر قدميه في البرد القارس وهو يتخيل تفاصيل الحفل التي نقلها له أصدقاؤه رغماً عنه.
دفعه جنونه وندمه المشتعل إلى أن يسير حتى وصل إلى المحيط الخارجي للقاعة. وقف خلف الأسوار الحديدية الخارجية، يحتمي بظلال الأشجار المظلمة، وعيناه المحمرتان تتطلعان عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة الضخمة. رآها.. رآها وهي تتوسط القاعة في رقصتها الأولى مع طارق.
رآها تضحك من أعماق قلبها، وتضع رأسها على صدر طارق بأمان مطلق. رأى كيف يطوقها طارق بذراعيه بحماية وحب، وكيف ينظر إليها الجميع بأعجاب وانبهار شديدين. في تلك اللحظة، امتدت يد حازم المرتعشة لتمسك بالسور الحديدي القاسي، وانهمرت دموعه الساخنة تحرق وجنتيه الجافتين.
كانت الكلمات المسمومة التي ألقاها عليها في ليلة مرضها تتردد في ذهنه كالمطارق: "بقيت أقرف منك.. ومش شايف فيكِ أي أنوثة ولا بتشديني نهائي!".عصر قلبه الندم القاتل؛ الفتاة التي نعتها بالقرف والتقزز لأنها أُجهدت وشقت لبناء بيتهما، أصبحت الآن عروساً كالفراشة، تضج بالأنوثة والجمال، ولكن في أحضان رجل آخر عرف كيف يقرأ معدنها ويحترم شقاءها.
حاول حازم أن يرفع صوته، أن ينادي باسمها من خلف السور علّها تلتفت، لكن صوته خرج حشرجة خافتة ماتت في حلقه من شدة البكاء والكسرة. وفجأة، وأثناء دوران مريم مع طارق في الرقصة، اتجهت نظرتها بالصدفة نحو النافذة الزجاجية المطلة على الحديقة الخارجية.
لفت انتباهها ظل شخص يقف خلف السور في الظلام. توقفت مريم لثانية واحدة، وضيق العروس عينها لتتعرف على ذلك الشبح الواقف في البرد. ورأته.. رأت حازم بمنظره المزرِي، بدموعه ونشيجه المكسور وهو يرجوها بعينيه من بعيد. لكن مريم لم تتأثر، ولم يرف لها جفن، ولم يتغير إيقاع قلبها.
ابتسمت ابتسامة هادئة وثابتة، ابتسامة امرأة أدركت قدرها وعرفت قيمتها، ثم رفعت يدها الناعمة المتأنقة بالإكسسوارات البراقة، ووضعتها فوق يد طارق، ومالت برأسها على كتفه بكامل الدلال والأناقة، محولة نظرها عنه تماماً لتغرق في عيني زوجها. كان تصرفها هذا بمثابة القشة التي كسر ظهر حازم بالكامل.
أدرك أن وجوده، وندمه، وبكاءه، وحتى موته، لن يغير شيئاً في واقع أنها تجاوزته إلى الأبد، وأن صفحته قد طُويت ورُميت في سلة المهملات. سقط حازم على ركبتيه فوق التراب الندي خارج السور، يغطي وجهه بيديه المرتعشتين وينحب بحرقة صامتة، بينما كانت أصوات الزغاريد والموسيقى تتعالى داخل القاعة، معلنة بداية الحياة الجديدة لمريم، وتاركة حازم يكتوي بنار خطيئته التي لا تنطفئ.
مرّ عام كامل على تلك الليلة التي انطوت فيها صفحة الماضي بكامل آلامها. كانت حياة مريم تتدفق بنعومة ودفء في منزلها الجديد، بيتٌ لم تكن جدرانه مجرد حجارة وطلاء، بل كانت حصناً ممتلئاً بالحب والاحترام والأمان.
استقرت مريم في حياتها الجديدة مع طارق، الذي لم يزداده المضيّ في الزواج إلا دلالاً واهتماماً بها. حافظت مريم على ذاتها، على نضارتها، ورشاقتها، وثقتها القوية التي ولدت من رحم القسوة القديمة، لكنها هذه المرة لم تكن تفعل ذلك لتثبت شيئاً لأحد، بل لأنها أحبت المرأة التي أصبحت عليها.
كانت تجلس في شرفتها المطلة على حديقة هادئة، ترتدي فستاناً ناعماً باللون الوردي المطفى، تحتسي قهوتها الدافئة، وبشرتها تتلألأ تحت أشعة الشمس الذهبية كأنها قطعة من حرير، وعيناها تفيضان بالسكينة. وفي إحدى الصباحات، تلقت مريم خبراً أضاء حياتهما بأكملها؛
كانت تحضر مفاجأة لزوجها طارق لتعلمه بأنها تحمل في أحشائها طفلهما الأول. كانت السعادة تغمرها، وتشعر بأن كل خطوة شقاء خطتها في طريقها القديم، وكل كلمة مسمومة تجرعتها، كان الله يعوضها عنها بعز لا ينتهي وحب لا يذبل.
وفي الوقت الذي كانت مريم تخطط فيه لمستقبل مشرق وأمومة هانئة، كان حازم يعيش في قاع المأساة التي صنعها بيده. تدهورت حالة حازم النفسية والصحية بشكل مريع على مدار ذلك العام. أصبح رجلاً ثلاثينياً يبدو وكأنه في الخمسين من عمره؛
شعره تخلله الشيب الباكر، عيناه غائرتان تحيطهما هالات سوداء كئيبة، وجسده الذي كان يباهي به نحُل وانحنت كتفاه تحت ثقل الندم. ترك حيه القديم بعد أن أصبح أضحوكة بين الجميع، وانتقل مع والدته إلى شقة بالإيجار في حي ناءٍ، لكن الشوارع الجديدة لم تستطع أن تبعد عنه أطياف خطيئته.
حاولت والدته بكل الطرق أن تزوجه من إحدى قريباته لتخرجه من مظلمة العزلة، وبعد إلحاح شديد وسكوت تام منه، وافق على الخطوبة رغبة في العثور على طوق نجاة، علّه يجد في غيرها ما ينسيه مريم.
وفي يوم الشبكة، كان حازم يجلس في بيت خطيبته الجديدة، رجل بلا روح، ينظر إلى الأرض بجفاء. وعندما طُلِب منه أن يلبس عروسه الخاتم، رفع عينيه الذابلتين لينظر إلى وجهها. كانت فتاة بسيطة، لكن عينيه لم تريا سوى المقارنة القاتلة.
. لم يَرَ في وجهها نضارة مريم، ولا في حضورها كبرياء مريم، ولا في عينيها بريق مريم الذي حُرِم منه للأبد. في تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت العروس تبتسم له، تذكر حازم ليلة الهاتف المظلمة، يوم صرخ في مريم وهي مريضة: "بقيت أقرف منك.
. ومفكيش ريحة الأنوثة!".شعر حازم بغصة خناق تجتاح حلقه، وبرودة تسري في أطرافه. سحب يده بسرعة ووقف فجأة وسط ذهول الحاضرين، ونظر إلى الحضور بعينين زجاجيتين ملؤهما الرعب والحسرة. لم يستطع النطق بكلمة واحدة، بل استدار وخرج يركض من الشقة، تاركاً أمه والجميع في ذهول وصدمة.
ركض حازم في الشارع البارد، والأمطار الخفيفة تتساقط على وجهه وشعره المبعثر. كان يصرخ في سره بكاءً ونحيباً، مدركاً الحقيقة المرّة التي سترافقه حتى مماته: إنه لن يستطيع أن يحب امرأة أخرى، ولن يرى الجمال في أي وجه، لأن العقاب الأبدي الذي حُكِم به عليه هو أن يظل أسير الذكرى، أن يرى مريم في كل امرأة، وأن يذكر في كل لحظة كيف ألقى بالجوهرة في التراب لتلتقطها يدٌ تعرف قدرها.
وفجأة، توقف حازم عند تقاطع الشارع، يلهث والتعب ينال من جسده المنهك. رفعت عينيه إلى السماء والدموع تخالط ماء المطر على خديه، يعتصر قلبه ألم الندم القاتل، بينما كانت مريم في نفس هذه اللحظة تضع يد طارق على بطنها بحب حار، يبتسمان معاً لمستقبل جديد، أُغلقت فيه أبواب الماضي القاسي بالكامل، واستقرت على عتبته أحكام القدر العادلة.
مرّت أعوام قليلة، واكتملت لوحة العوض في حياة مريم لتغدو قصّة يتردد صداها بين كل من عرفها. كانت تقف في شرفة شقتها الواسعة، ترتدي فستاناً أبيضَ هادئاً كأنما يُنسج من الضوء، وشعرها ينثال على كتفيها بنعومة، بينما كانت تداعب طفلها الصغير الذي يحمل ملامح والده الرزينة.
جاء طارق من خلفها، وحاطهما بذراعيه بلمسة أمان ودلال، ينظر إليها ببريق حبه المعهود ويطبع قبلة دافئة على رأسها، مكرراً كلمته التي لم تتغير مع الأيام: "إنتِ نِعمتي وعزي يا مريم".عاشت مريم في رغد العيش وراحة البال، ليس لأنها جمّلت مظهرها فحسب، بل لأنها قدرّت روحها أولاً، وعرفت أن الكرامة هي تاج الأنوثة الحقيقي.
استعادت نضارتها وجمالها وصحتها، وعاشِت ملكة في بيت رجلٍ أدرك أن الجوهرة الاصيلة تُصان وتُرفع، ولا تُقاس بقشور الأيام ولا بلفحات الشقاء. أما حازم، فقد أصبحت حياته جحيماً سرمدياً لا ينتهي. عاش بقية أيامه جسداً بلا روح، هائماً في شوارع الندم، يُعاقب بأصعب أشكال العقاب؛
عقاب العقل الذي لا يكف عن التفكير، والقلب الذي لا يكف عن النزيف. لم يتزوج، ولم تجد السكينة طريقاً إلى صدره. كان كلما رأى امرأة مجهدة في الطريق، تذكر ليلة قسوته وجفائه، وكلما رأى حسناء ترفل في عزها، تمثلت له مريم بجمالها الأخير وبشرتها النضيرة، ليرن في أذنيه صدى صوته القاسي المسموم، ويتجرع مرارة الخيبة التي صنعها بيده.
صار حازم عبرة لمن يحسبون أن المشاعر لعبة، وأن الوفاء يُقابل بالغدر والاستعلاء. الحكمة:تتجلّى حكمة هذه القصة في أن "الكرامة هي القوام الحقيقي للجمال، والعزة هي جوهر الأنوثة". * الجمال قشرة، والمعدن هو الأثر: إن الرجل الذي يعمى عن أصل المرأة وشهامتها وشقائها لأجله، ولا يرى فيها سوى ظواهر القشور، هو رجل لا يستحق أن يبني بيتاً؛
لأن الأحداث والسنوات والمرض تبتلي الأجساد، ولا يبقى سوى جمال الروح والأصل الطيب. * الكسر في أوقات الضعف جريمة لا تُغتفر: أن تطرق على جرح إنسان وهو مريض أو مجهد، وأن تعايره بآثار التعب الذي تحمله لأجلك، هو تجرد من الإنسانية والمرؤة.
والضربات التي تُوجه للقلوب في لحظات ضعفها تقتلها تماماً، ولا تنفع معها اعتذارات المتأخرين. * الرفعة أبلغ رداً من الانتقام: لم يكن نهوض مريم واهتمامها بنفسها انتقاماً من حازم، بل كان "استرداداً لذاتها". إن أصلح صفعة تُوجه لمن استهان بك، ليس بالشجار ولا بالسبّ، بل بأن تتطور، وتنجح، وتزداد تألقاً وكرامة، حتى يراك من أعلى، ويستوعب أنه كان يمتلك كنزاً وثميناً فرط فيه بأبخس الأثمان.
* العدل الإلهي في العوض: من ترك شيئاً لله عز وجل، صائناً لكرامته ونفسه، عوضه الله بأفضل منه. القسوة التي ظنت مريم أنها نهايتها كانت في الحقيقة بدايتها الحقيقية لتعرف قدر نفسها، وليُساق إليها رجلٌ يرى في شقائها القديم شرفاً، وفي جمالها الحاضر نعمةً يصونها إلى الأبد.

تعليقات
إرسال تعليق