القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت وصيه حماتى كاملة 





سكريبت وصيه حماتى كاملة 

شوفي يا جيهان.. من أول يوم، لازم الكل يعملك حساب. بلاش تضيعي حياتك في خدمة أهل جوزك. حماتك ليها بنات يخدموها! لكن لو من أول مرة جيتي على نفسك خلاص.. الكل هيدوس عليكى زي مرات أخوكي أشجان كده!


خليكي زي حنان مرات اخوكى التانى محدش يقدر عليها، وجوزك ده لازم يبقى زي الخاتم في صباعك، عشان هو اللي هيقف لأهله لو زغلوكي. اتسمرت أشجان مكانها. ومابقتش مصدقه ودانها. الصدمة شلت حركتها.. "زي حنان؟!" دماغها لفّت في ثواني.


افتكرت حنان مرات أخ جوزها التاني.. حنان اللي بتنزل الضهر، تقعد حاطة رجل على رجل، تطلب القهوة، وما بتمدش إيدها في قشرة بصلة! حنان اللي لو حد قالها كلمة مش عاجباها تقيم الدنيا وما تقعدهاش، وتطلع شقتها وتقفل على نفسها بالأيام. أشجان كانت دايماً شايفاهة المفترية، المقصرة، اللي أسلوبها وحش!




وكانت شايفه نفسها هي "بنت الأصول" اللي شايلة البيت على كتافها من سبعة الصبح.. بتطبخ، وتنضف، وتمسح، وتستحمل العزائم والطلبات، وتقول "حاضر من عينيا" عشان تشتري رضاهم، وفاكرة إن الخدمة والتعب دول هما اللي هيعملوا لها قيمة وهيشيلوهالها جمائل! طلعت في الآخر في نظرهم.. "خدامة"؟


واللي ما بتعملش حاجة، ومحدش قادر عليها، هي اللي ليها شأن وقيمة ومثال يتقال لابنتها عشان تبقى زيها؟! حسّت كأن حد ضــ,,ـــــربها على دماغها، أو كأن أربع سنين من عمرها وصحتها وكرامتها اترموا في الزبالة قدام عينيها.


الإحساس بالظلــ,,ـــــم كان حامي زي النــ,,ـــــار في صدـ,,ـــرها، بس الصدمة كانت أكبر من أي دموع. لما سمعت حماتها وهى بتقول: ـ تعرفى إن بعد مـ،ـو،ت اخوكى ... معتز هـ،ـيـ،ـمـ،ـو،ت على حنان مراته وعايز يتجوزها وهى اللى بتتقل عليه بتقوله انا مش عايزه اشيل مسئولية حد بيقولها انتى هتبقى هانم ومحدش هيدوسلك على طرف!


انقبــ,,ـــــض قلب أشجان وكأن حد بيعصره بأيديه. وقفت ورا الباب، صوابعها متشنجة على الحيطة، ونفسها المكتوم طالع يحــ,,ـــــرق في زورها. كل كلمة كانت بتنزل على دماغها زي المرزبة، تهد كل حاجة بناها الصبر جواتها. استمرت حماتها في الكلام بنبرة فيها مكر وحسرة في نفس الوقت، وهي بصة لجيهان اللي كانت قاعدة تسمع بذهول: ـ تصدقى فى مره سمعته وهو بيقولهـ،ـت اطلـ،ـق اشجان ونتجوز!


تصدقى السوسة قالت له إيه؟.. قالت له وهي بتتمسكن وتبتسم: 'ولما تطلـ،ـقها.. مين يخدم أمك؟'.. عارفة قال لها إيه بكل بجاحة؟ قال لها: 'ده أنا أخليها تخدمك إنتي شخصياً! إنتي تأمري بس وتوافقي.. أنا محدش يملى عيني ولا قلبي غيرك!


'. وافقى انتى وانا اجبلك اللى تخدمك وهتبقى الكل فى الكل حتى مصروف البيت كله هيبقى معاكى انتى. الكلمات نزلت على ودان أشجان زي ما تكون مية نــار. أربع سنين.. أربع سنين من صحيان الفجر، ودعك السجاد، والوقفة بالساعات قدام البوتاجاز في عز الحر، وبلع الإهـ،ـانـ،ـة بابتسامة "حاضر يا أمي عشان خاطر معتز".


. كل ده يطلع في الآخر ملوش أي قيمة؟ يطلع إنها مجرد خدامة مضمونة، يساوموا بيها عشان يرضوا واحدة تانية حاطة رجل على رجل وما بتمدش إيدها في قشرة بصلة؟! في اللحظة دي، ولا دمعة واحدة نزلت من عين أشجان. الدموع كانت قليلة أوي على الوجع ده.


حست ببرودة غريبة بتسري في أطرافها، وكأن الطيبة والجدعنة اللي عاشت بيهم مـ،ـاتـ،ـو في ثانية، وحل محلهم جمر مولع في قلبها. خرجت من البيت من غير ما حد يحس وقابلت حنان قدامها ولأول مره تلاحظ نظرات حنان وتريقتها اللى كانت بتاخدها بحسن ونيه وهى بتقول منها: ـ بقولك يا اشجان انا عايزه صنيه كيكه بالبرتقال وشويه قراقيش لحسن اللى كنتى عملاهم خلصوا وانا بحب اصحى افطر حاجه خفيفه وقتها.


بصتلها وانا ساكته وكل اللى فات بيلف فى دماغى وافتكرت مواقف ازاى مكنتش بشك قبل كده بصلتها وقولت بنبرة هادية أوي.. هدوء يخوف، أهدى من المية اللي تحت التلج: ـ من عينيا يا حنان.. من عينيا يا حبيبتي، عيوني ليكي.



حنان اتفاجئت من طريقة كلامي وسكوتي، بس كعادتها ما ركزتِش، مشيت وسابتني وهي رافعة راسها ومطمنة إن الشغالة المطيعة هتنزل على ملا وشها تتفنن لها في الكيكة والقراقيش. أنا بقى واقفة مكاني، حاسة إن الرؤية وضحت فجأة، الغشاوة اللي كانت على عيني أربع سنين اتزاحت بالكامل.


أربع سنين وأنا فاكرة إن الأدب وبوس الأيادي بيعمل قيمة، أتاري القيمة في الزمن ده ما بتاخدهاش غير اللي بتدوس على الكل بقلب بارد! رجعت شقتي.. ما بكيش، ولا صرخت، ولا كسرت حاجة. دخلت وقفت قدام مراية الصالة، بصيت لوشي اللي شحب من التعب والوقفة في المطابخ، لإيديا اللي خشنت من المساحيق والدعك، ولعيني اللي كان فيها طيبة أهلي اللي ربوني عليها.


مسحت على وشي وقلت لنفسي بصوت واطي: "القديمة ماتت يا أشجان.. من النهار ده، حق الأربع سنين دول هيرجع تالت ومتلت، وبنفس أسلوبهم." نزلت بالليل، كانت العيلة كلها ملمومة تحت، معتز جوزي قاعد جنب أمه، وحنان قاعدة حاطة رجل على رجل بتتصفح في تليفونها، والحاجة أمه عمالة تشتكي من وجع ضهرها.




أول ما دخلت، حماتي بصت لي بطلب جاهز: "تعالي يا أشجان، شوفي الشاي واعملي حساب عمك وإخوات جوزك، وتلات كوبايات قهوة مضبوط لحنان ومعتز وجيهان." معتز بصلـ،ـني بثقة، فاكرني هجري أقول "حاضر يا أمي" زي كل يوم.


أنا وقفت في نص الصالة، حطيت إيدي في جنابي، وبصيت لحماتي بعين ثابتة ما فيهاش نقطة ضعف واحدة، وابتسمت ابتسامة باردة وقلت: ـ معلش يا أمي.. أصل ضهري بيوجعني أوي النهاردة ومش قادرة أقف على رجلي. ما تخلي جيهان تقوم تعمل، ولا حنان وهي نازلة تقعد تاخد معاجها الشاي والقهوة؟


هي مش جيهان كبرت وبقت عروسة ولازم تتعلم الخدمة والأصول من دلوقتي عشان لما تروح بيت جوزها ما تبقاش خايبة؟ ولا الخدمة مكتوبة عليا أنا بس في البيت ده؟ السكوت نزل على الصالة زي الصاعقة.


حماتي فتحت بؤها ومش مصدقة، معتز اتعدل في قعدته ووشه احمر من الصدمة، وحنان رفعت عينها من التليفون وبصت لي بذهول. معتز رفع صوته ووزعق: "أشجان! إيه الطريقة دي اللي بتتكلمي بيها مع أمي؟! اتعدلي يا ست هانم وقومي شوفي طلبات البيت!


" قربت منه خطوتين، وبصيت في عينه بكل جرأة، وقلت له بصوت واطي بس كل كلمة فيه كانت بتطلع زي السكــ,,ـــــينة: ـ لأ يا معتز.. مش قايمة. والبيت ده له ناسه اللي ياكلوا منه ويخدموه. أنا أربع سنين شايلة البيت ده على دماغي وأنا فاكرة إن ليا قيمة، أتاري اللي ملهاش قيمة هي اللي بتسكت وتستحمل.


حنان ضحكت باستخفاف وقالت: "جرى إيه يا أشجان؟ أنتِ اتجننتِ ولا إيه؟ جرى لك إيه على المطبخ والشغل؟" لفيت لحنان، وبصيت لها من فوق لتحت بنظرة خلت الضحكة تتجمد على شفايفها، وقلت لها: ـ لا يا حبيبتي ما اتجننتش.. بس حبيت أتعلم منك.


مش أنتِ القدوة والمثال اللي حماتي بتديه لجيهان عشان تبقى هانم ومحدش يدوس لها على طرف؟ من النهار ده، أنا كمان هبقى هانم. وعايزة تشوفيني بعملك كيكة البرتقال والقراقيش؟ أبقي تعالي حلمي بيهم يا حنان.. أصل الخدمة خلاص شطبت من عندي!


حماتي وقفت بغضب وهي بتصرخ: "أنتِ بتقللي أدبك في بيتي يا أشجان؟! ده معتز يطـ،ـلـ،ـقـ،ـك ويرميكي برة!" رديت وأنا باصة لمعتز اللي وشه كان بيجيب ألوان: ـ يطـ،ـلـ،ـقـ،ـني؟ يطـ،ـلـ،ـقـ،ـني إزاي يا أمي؟ أومال مين اللي هيخدمك لما يطـ،ـلـ،ـقني؟


ومين اللي هيخليني أخدم مراته الجديدة اللي هيمــ,,ـــــوت عليها وهي بتتقل عليه؟ مش ده الكلام اللي كنتِ بتقوليه لجيهان ورا الباب من شوية؟ البيت كله اتكهرب. حماتي لونها خطف وبصت لمعتز برعب، ومعتز اتسمر مكانه ومبقاش عارف ينطق ولا كلمة، وحنان عينيها وسعت من الصدمة.




أمانى السيد


فتحت باب شقتي ودخلت، وقفلت الباب ورايا بالترباس. لأول مرة من أربع سنين أسمع صوت الترباس وهو بيتقفل ويبقى له معنى.. كان معناه إن المساحة دي ملكي، وإن الأيام اللي كنت بفتح فيها الباب وسدرة صدري مفتوحة للكل راحت ولقت.


وقفت في نص الصالة، قلبي كان بيدق بسرعة من أثر المواجهة، بس ما كانش دقات خوف.. كانت دقات حد بيتنفس لأول مرة بعد ما كان مقمور تحت المية. تحت، كان صوت الصراخ ودب الزعيق ابتدى يعلى.


سمعت صوت معتز وهو بيزعق لأمه، وصوت حماتي وهي بتصرخ وتولول إن إزاي أشجان تتجرأ وتسمع كلامنا وتتكلم بالشكل ده، وصوت حنان وهي بتدخل في النص وتزود النار عشان تدافع عن نفسها. بعد عشر دقائق بالضبط، سمعت خطوات معتز وهي طالعة على السلم.. خطوات سريعة وتقيلة، طالع بغضب الدنيا كله.




خبط على الباب بكل قوته: "افتحي يا أشجان! افتحي الباب ده بدل ما أكسره على دماغك!"قعدت على الكنبة، حطيت رجل على رجل، وقلت بصوت هادي وواضح وصل له برة:"اللي عايز يتكلم يتكلم بأدب.. لو هتعلي صوتك أو تمد إيدك على الباب، أنا هكلم أخويا أحمد يجيلي فوراً، ومش هتمشي هادية زي ما أنت فاكر.


"السطوة اللي في صوتي خلت إيده تتجمد على الباب. السكوت ساد لثواني، وبعدها سمعت صوته وهو بيحاول يمسك أعصابه، بس النبرة كان فيها خيبة وأول علامات الانهزاز:"افتحي يا أشجان نتكلم.. ما ينفعش الكلام من ورا الباب كده.


"قمت بكل هدوء، فتحت الترباس وفتحت الباب نص فتحة، وقفت سادة الممر بصدر متفرد، وبصيت له في عينه. معتز كان وشه أحمر، وعينيه زايغة بين الغضب والذهول.. بص لي وقال:"أنتِ جرى لعقلك إيه؟ إزاي تتصنتي علينا؟ وإزاي تتكلي على أمي وتكسفيها قدام حنان وجيهان كده؟


أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟"ابتسمت ابتسامة استخفاف وقفت الكلام في زوره، وقلت له:"أنا ما اتصنتش يا معتز.. ربنا هو اللي حطني في السكة عشان أسمع الحقيقة اللي كنتوا مغميين عيني عنها. أربع سنين وأنا فاكرة إنك راجل بتعرف الأصول، وإن أمك شايفاني بنتها، طلعتوا شايفيني 'الخدامة المضمونة' اللي بتساوموا بيها عشان حنان هانم ترضى عنك؟


"قرب مني وهو بيحاول يسيطر على الموقف:"أنتِ فاهمة غلط! أمي كانت بتتكلم كلام مجالس.. كلام ستات كبار! وأنا عمري ما..."قطعت كلامه ورفعت صباعي في وشه بثبات:"أنت عمرك ما وقفت راجل يا معتز! عمرك ما قولت لأمك أشجان دي مراتي ولها احترامها!


سبتني أطحن في صحتي عشان ترضى عنك، وفي الآخر جايبلي واحدة بتتكبر عليك وتقولك 'ولما أتجوزك مين يخدم أمك؟' فتقولها بكل بجاحة 'أخيلها تخدمك أنتِ شخصياً'؟!"معتز بلع ريقه وصدمته كانت واضحة.. ما كانش متوقع إن الكلمة دي بالذات وصلتني.


كملت ونبرتي بتزداد حدة وجمود:"من اللحظة دي يا معتز.. اللعبة اتغيرت. شقتي دي خط أحمر، رجلي مش هتعتب تحت إلا لما أكون عزومة بكرامتي. مصروفي ومصروف شقتي يوصلني أول الشهر من غير نقطة نقص. وأي طلب لأهلك، حنان موجودة وجيهان موجودة.


. خليهم يفر ورجيهم الأصول والجدعنة."معتز حاف يهدد: "ولو رفضت يا أشجان؟ لو قولتلك يا هتمشي على العجين لخبطيه يا بلاش منها الجوازة دي؟"قربت منه وش وش، وقلت له بكل ثقة:"يبقى تعملها يا معتز.. طلقني!


بس قبل ما تنطقها، افتكر إن حنان مش هتبصلك، وأمك مش هتلاقي اللي يشيلها، ومؤخري وحقوقي وقائمتي هتاخدهم مني بالقانون . وريني بقى ساعتها مين فينا اللي هيرجع يبوس الإيدين!"سيبته واقف مذهول ومبرق، ودخلت وقفت الباب في وشه بالترباس تاني. سمعت خطواته وهي بتراجع لورا ببطء.



. خطوات واحد أدرك إن الخدامة المطيعة خلاص ماتت، وإن اللي جوة دي ست عرفت قيمتها ومش هترجع تصغر نفسها تاني أبداً. عدت الليلة دي وأنا سامعة تحت هيصة مش بتخلص. أصواتهم طالعة لحد عندي فوق؛


حماتي بتولول وتشتكي لعمي، وحنان ماسكة في معتز وتعاتبه إزاي يسمحلي أهينها قدام الكل، ومعتز صوته رايح وجاي بين إرضاء أمه والرد على حنان اللي فتحت فيه النار هي كمان. أنا بقى؟ لأول مرة من أربع سنين أنام .


ما قمتش الساعة خمسة الفجر أجري على المطبخ، ولا شيلت هم الطبيخ والعزائم. صحيت الضهر براحتي خالص، عملت لنفسي فنجان قهوة مضبوط، وطلعت قعدت في البلكونة بشربها وأنا لابسة أشياط ما عندي وشايفة الشمس كأنها بتشرق لأول مرة في حياتي.



على الساعة واحدة، سمعت خبط على الباب. المرة دي الخبط ما كانش فيه لا رزغ ولا عافية.. كان خبط متتردد ونبرة هادية. فتحت الباب، لقيت جيهان أخت معتز واقفة، وشها جايب ألوان وواضحة عليها الصدمة والخجل. بصيت لها ببرود وقلت: "خير يا جيهان؟"جيهان بلعت ريقها وقالت بصوت واطي: "أشجان.


. أمي بتقولك انزلي عشان عمي عايز يتكلم معاكي.. وعايزين نعمل غدا النهاردة عشان في ناس جايين لعمي."ابتسمت ابتسامة هادية وقلت لها: "يا حبيبتي يا جيهان.. ألف مبروك على الخطوبة المقادمة، بس أنتِ نسيتي كلام ماما ليكي امبارح ولا إيه؟


مش ماما قالت لك ماتبقيش زي أشجان المكسورة اللي الكل بيدوس عليها، وقالت لك خليكي زي حنان؟ انزلي يا حبيبتي حطي رجل على رجل مع حنان واطلبوا القهوة، وادخلي المطبخ اتعلمي طبخة عشان لما تتجوزي تعجبيهم. أنا ضهري وجاعني وراحة أخد شاور وأريح.


"جيهان فتحت بؤها ومش عارفة ترد: "بس يا أشجان.. ماما مش قادرة تقف وحنان قالت مش هتعمل حاجة!"رديت وأنا بقفل الباب ببطء: "يبقى يطلبوا دليفري يا جيهان.. أو خلو معتز يدخل يطبخ لكم، مش هو اللي بيحب يعمل أصول؟ ياللا يا حبيبتي عشان ما تعطليش نفسك.


"قفلت الباب في وشها، وسمعت خطواتها وهي نازلة تجري. بعد ساعة، نزل معتز من الشغل بدري على غير العادة.. دخل الشقة بالمفتاح، كان شكله مهدود ووشه مسحوب، باين عليه إنه أكل علقة كلام تحت من أمه وعمه لما لقوا المطبخ يفتح النفس على الخراب وما فيش لقمة تتأكل.


دخل عليا الصالة لقاني قاعدة بقرأ في كتاب وبشرب القهوة. وقف قدامي، وبص لي بنظرة فيها حسرة وكسرة لأول مرة أشوفها في عينيه، وقال بصوت مخنوق:"أنتِ عايزة توصلين لإيه يا أشجان؟ أنتِ كده بتهدي البيت!


"قمت وقفت، حطيت الكتاب على الترابيزة وبصيت له بكل ثبات:"أنا ما بهدش البيت يا معتز.. أنا ببنيه من أول وجديد، بس المرة دي ببنيه على عدل ومش على كرامتي وصحتي. البيت اللي يتبنى على إن واحدة تتفرم عشان الباقي ينتعش.. ده مش بيت، دي تسخرة.


أنت قدامك خيارين لا ثالث لهما:"قربت منه وكملت بصوت حاسم:"يا إما تعيش معايا راجل بيحترمني وبيعملي ألف حساب، ومصروفي ينزل في إيدي، وأهلك يتعاملوا معايا بالواجب والحدود.. يا إما تروح تجوز حنان اللي هتموت عليها، وتخليها هي وأمك يوروك الهوان اللي بجد، وورقتي توصلني معززة مكرمة.


"معتز مسك راسه بإيديه الاثنين، وقعد على الكنبة وكأنه اتكتم على نفسه، وقال بنبرة ضائعة:"حنان إيه وزفت إيه اللي أتجوزها!.. أنا كنت بساير أمي عشان ما تزعلش، أنا عمري ما فكرت أستغنى عنك يا أشجان."رفعت حواجبي وقلت له ببرود:"جميل.. وطالما ما تفكرش تستغنى عني، يبقى ترجعلي حقي.



تنزل تحت دلوقتي قدام أمك وحنان وحكم العيلة، وتقولهم إن أشجان خط أحمر، وإن اللي هيطلب منها كلمة مش عاجباها هيشوف منك وش مش حاببه. وزي ما حنان ليها شقة ومحدش بيكلمها، أنا ليا شقتي وحياتي.. ها، قولك إيه يا ابن الأصول؟


"معتز بص لي بذهول، حس إن الضعيفة المطيعة خلاص راحت، وإن القديمة مش هترجع تاني أبداً.. وقف وهو بيبلع ريقه، وهز راسه بقلة حيلة. وخرج من الشقة وهو محبطنزلت وراه ببعد خطوات بسيطة، وقفت على أول السلم من فوق عشان أسمع وأشوف بنفسي.


معتز دخل الصالة تحت، وكانت العيلة كلها ملمومة؛ حماتي قاعدة وعينيها حمرة من الغيظ، وعمي قاعد حاطط إيده على عصايته ووشه مقلوب، وحنان قاعدة جنب جيهان حاطة رجل على رجل ومستنية تشوف المأساة اللي معتز هيعملها معايا.



معتز وقف في نص الصالة، اتنفس بنشيج مكتوم، وبص لأمه وقاله بصوت ثابت لأول مرة في حياته:"يا أمي.. الكلام اللي هقوله ده مش هعيده تاني. أشجان مراتي، واللي يمسها بكلمة أو يقلل منها كأنه مسني أنا بالضبط. من النهار ده، أشجان مش شغالة عند حد، ولا مطالبة تخدم حد هنا.


اللي عايز حاجة يعملها لنفسه أو يجيب اللي يخدمه."حماتي وقفت مفزوعة وصرخت: "أنت بتبص لأمك كده يا معتز؟! عشان حتة خدامة تقف قدامنا وتكسر كلامنا؟!"معتز رد عليها ونبرة صوته عليا بثبات:"الخدامة دي هي اللي شالت البيت ده على كتفها أربع سنين وأنا ساكت وفاكر ده أصول، لحد ما حسستوها إن ملهاش قيمة!


أشجان ست البيت فوق، ومحدش ينادي عليها تعمل كيكة ولا قراقيش ولا تمسح سجاد. وحنان هانم زي ما هي قاعدة مريحة شقتها، أشجان من حقها ترتاح في شقتها برضه."حنان وشهت وشاطت وقالت بغل: "أنت بتلقح عليا يا معتز؟ ولا هتقارن نفسك بيا وباللي بعمله؟


!"معتز بص لحنان بنظرة احتقار أول مرة تطلع منه، وقال لها:"أنا ما بلقحش يا حنان.. أنا بقول الحقيقة. وأنتِ بالذات مالكيش دعوة بأشجان تاني، ولا تطلبي منها قشة، ولحد هنا وكفاية أوي."عمي خبط بعصايته على الأرض وقال بحزم:"خلاص يا معتز..


طالما راجل وشايف بيتك، يبقى محدش يدخل بينك وبين مرتك. والبيت ده يمشى بالعدل من النهار ده."حماتي اتخرست ومبقتش عارفة تنطق كلمة، وحنان قامت وهي بتتحرق من الغيظ وطلعت شقتها وقفت الباب وراها برزع هز العمارة كلها.


طلعت أنا شقتي بكل هدوء، وقعدت على الكنبة. بعد دقائق معتز دخل، حط المصروف كله على الترابيزة قدامي، وبص لي وهو مكسور بس حاسس إنه عمل صح لأول مرة:"كده مرتاحة يا أشجان؟"بصيت للمصروف، وبعدين بصيت له ابتسامة هادية بس ثقيلة، وقلت له:"كده ابتدينا نعيش صح يا معتز.


. وبكرة هتعرف إن حقك وحقي ما بضيعش إلا لما بنسكت عليه."من اليوم ده، اتغيرت كل القواعد في البيت. بقيت أنزل بأناقتي، معززة مكرمة، حماتي بقت تحسب لكل كلمة حساب قبل ما تنطقها معايا، وحنان بقت تفيض من غيظها وهي شايفاني قاعدة حاطة رجل على رجل وبطلب قهوتي زيها وأحسن.


أربع سنين ضاعوا في المذلة، بس المهم إن النهاية كانت بيدي أنا.. اللي عملت لنفسي قيمة، وفرضتها على الكل بالقوة والعدل. الأيام اللي بعد كده كانت الاختبار الحقيقي. تغيير الواقع مش بس كلمة تتقال في لحظة غضب، التغيير الحقيقي في القدرة على الثبات وماتضعفيش لما يبتدوا يلعبوا على مشاعرك.



حماتي جربت كل الكروت؛ جربت كارت "المرض والتعب"، وبقت تقعد في الصالة تتأوه بصوت عالٍ وتشتكي من ركبتها وضهرها، مستنية إني أضعف وأجري عليها أقولها "ألف سلامة يا أمي هاتِ عنك". بس أنا كنت بمر من قدامها بثبات، أبتسم ابتسامة هادية وأقولها: "ألف سلامة عليكِ يا أمي.


. ربنا يخليلك جيهان وبناتك يشيلوكي، هم أولى ببرك." وأطلع شقتي وأسيبها لسانها يعجز عن الرد. أما حنان.. فكانت الغل بياكل في قلبها أكل. البساط اتسحب من تحت رجلها، الهالة اللي كانت عاملاها لنفسها إنها الوحيدة "الهانم" والمطاعة اتكسرت.


بقت تحاول بشتى الطرق تفك الضغط عن نفسها وتجر رجلي لمشكلة، لكن أنا كنت بتعامل معاها بمنتهى البرود والذكاء. في يوم، نزلت لقيتها قاعدة مع حماتي، وأول ما شافتني قالت بنبرة مليانة صفار ومكر:"والله يا حنان يا أختي، البيت بقى غريب..



بقى فيه ناس بياكلوا ويناموا ولا كأنهم عايشين معانا، الزمان اتغير والأصول اتنست!"وقفت بثبات، وبصيت لها بابتسامة صافية وقاتلة في نفس الوقت، وقلت لها:"فعلاً يا حنان.. الأصول اتنست من زمان أوي، من يوم ما الناس افتكرت إن الطيبة والجدعنة ضعف، وإن الخدمة فرض ومسؤوليّة على ناس وناس تانية هوانم!


بس الحمد لله، الزمان دار وكل واحد عرف حجمه ومقامه.. مش كده ولا إيه؟"حنان وشهت وشاطت وما عرفتش ترد بكلمة، وحماتي نفخت وبصت للناحية التانية وهي ساكتة. ومعتز؟ معتز بقى راجل تاني خالص. لما لقى إني مش طالبة غير كرامتي وهدوء بيتي، ولما شاف إن البيت ما اتهدش زي ما كانوا بيفهموه، بل بالعكس بقى له كلمة وهيبة أمام أهله.


. بدأ يتغير. بقى يخرج معايا، يعملي ألف حساب، وأول الشهر ينزل المصروف في إيدي مرفوع الراس، ولأول مرة من أربع سنين أحس إن ليّ زوج سند بيحميني مش بيبيعني عشان يرضي غيري. مرت الشهور، وأنا ثابتة على موقفي.


مش بظلم حد، ولا بفتري على حد، بس حاطة حدود من حديد محدش يقدر يتعداها. وفي يوم من الأيام، كنت نازلة رايحة أشتري حاجات، لقيت جيهان واقفة في الممر، بصت لي بنظرة مختلفة تماماً.. ما كانش فيها التكبر بتاع زمان، كان فيها احترام وخوف. قربت مني وقالت بصوت واطي:"أشجان.


. أنا آسفة لو كنت في يوم قللت منك أوضايقتك.. أنا اتعلمت الدرس صح."رديت عليها وأنا ببطبط على كتفها بهدوء:"يا جيهان يا حبيبتي، العمر ما فيهوش متسع إن الواحد يعيشه خدام لغيره وهو مهان. اللي عايز الناس تحترمه، لازم يحترم نفسه الأول وما يسمحش لأي حد يكسر كرامته.


. حتى لو كان أقرب الناس ليه."طلعت للشارع وأنا بتنفس الهواء النقي، حاسة إن كل خطوة بأخطوها بتمسح آثار أربع سنين تعب وهوان. اتعلمت إن الحقوق مش بتتوهب ولا بتستجدى.. الحقوق بتتاخد بثبات، وعزة نفس، وعقل يعرف يرجع حقه من غير ما يخسر نفسه.


أنت الان في اول موضوع

تعليقات