سكريبت ام هانى كامله اماني سيد
سكريبت ام هانى كامله اماني سيد
نقلت محافظة تانيه وحبيت بنت واتجوزتها على مراتى وبعد فتره حسيت أن مراتى وابنى التانيين عبء عليه واللى طلع الموضوع فى دماغى مراتى الجديده لما قالتلى الوضع ده انا مش هقبل بيه كتير ووجود واحده تانيه على زمتك ده مالوش معنى انل التاس بتعايرنى انى زوجه تانيه فقررت اروح اعرفها
انى اتجوزت عليها وان مراتى الجديده رافضه وجود ضره وفعلاً سافرت وقعدت مع اهلى وامى رفضت الطلاق قالتلى دى هى اللى بتخدمنى وشيلانى وكفايه انها رضيت انى اتجوز عليها قصص وروايات أمانى سيد وانى اسيبها على زمتى على الاقل عشان خاطر ابنى بس وقتها العند ركبنى وروحلتها وقولتلها يا ام
هانى انا دلوقتي متجوز وبتحب مراتى التانيه وهى حامل وهتخلف عيل تانى وشرطها انى اطلقك وبصراحه وجودى معاكى مالوش معنى الكلام نزل عليها كالصاعقة؛
الدموع جرت في عينيها بغزارة كأنها بتحاول تستوعب كابوس واقع قدامها. ومن فرط الصدمة والانهيار، وطت على الأرض فجأة، وبحركة مكسورة مسكت طرف هدومي وأخدت إيدي بوستها وهي بتترجاني بنبرة مقطوعة:ـ ابوس إيدك يا همام.. ما تعملش فيا وفي ابنك كده!
البلد هنا ما بيسيبوش حد في حاله، وكلام الناس السام مش هيرحمني ولا هيسبني في حالي.. أنا موافقة أعيش على ذمتك مجرد اسم، ومستعدة أكون خدامة لأمك ليل نهار، أخدمها تحت رجليها.. بس طلاق لأ.. عشان خاطر ابنك الغلبان، حرام تخليه عرضه لكلام الناس وتعييره!
كامله على صفحه قصص وروايات أمانى سيد بدل ما أحس بوجعها أو يرجف قلبي لمنظرها وهي راكعة تحت رجليه، شديت إيدي بقسوة من بين أصابعها المرتعشة، ووقفت منتصب القامة بلا أي رحمة:ـ قلتلك اللي عندي، وانتهى الكلام!
رميت عليها اليمين ببرود، وسبتها مرمية على الأرض بتتحسر على عمرها اللي ضاع، وخرجت من الباب ولا كأن ورايا لا ولد ولا زمة. ومشيت بخطوات سريعة وعيني على الطريق، وفاكر إن خلاص كده الموضوع خلص واتقفلت صفحته.
لكن ما كملتش خطوات معدودة وسمعت صوت صوتها المبحوح وهي بتجري ورايا بعبايتها المبهدلة، وبتصرخ بصوت مقطوع:ـ يا همام!.. استنى يا همام! أبوس إيدك ما تسبنيش!التفت ورايا بصدمة، لقيتها جارية ورايا زي المجنونة، لحد ما وصلت عندي ووقفت وهي بتاخد نفسها بصعوبة وبتترعش من كتر العياط.
ومن غير تردد، قربت منى ومسكت ايدى وكانت هتبوسها وهى بتقول ـ يا همام كرامتي بقت في الأرض، ومش مهم أنا.. بس عشان خاطر ابنك! ما ترميش طوبتنا وتسبني للناس.. أنا مستعدة أعمل المستحيل.. اسمعني.
. أنا هروح بنفس لمراتك الجديدة.. هروح أتحايل عليها وأبوس إيدها بنفسي عشان توافق تسبنى على ذمتك عشان خاطر ابنى اعمل اى حاجه!رميت نظرة مليانة قرف وقسوة لكل اللي حاصل، وبكل بجاحة وجبروت، قربت منها وزقتها برجلي وهي لسه على الأرض بتترجى وتعيط.
وقفت قدامها ووطيت صوتى عشان محدش يسمع، وقولت لها بكلمات نازلة زي السكاكين:ـ إنتي إيه يا شيخة؟! إنتي بني آدمة ولا إنتي مالكيش أي کرامة ولا كرامة لنفسك خالص؟! فوقي لنفسك وابعدي عني بقى.. وامشي من قدامي بدل ما أهينك أكتر من كده وسط الناس، وأقسم بالله العظيم لو ما ابعدتي عن طريقي لأنفد تهديدي وأطلع على العيل ده وأقوله قدام الكل إنه "مش ابني" وما يخصنيش!
الكلمة نزلت زي الصاعقة.. أم هاني اتجمدت مكانها، الدموع جفّت في عينيها من فداحة الطعنة، وبصت لي نظرة أخيرة مكسورة ومستسلمة تماماً.. نظرة كأن الروح فارقت جسمها فيها، ومسكت ابنها الصغير اللي كان بيعيط جنبها، وسابت المكان ومشت وهي مجروحة في شرفها وكرامتها وآخر قطرة امل كانت متمسكة بيها.
بعد شهر من إتمام إجراءات الطلاق الرسمي عند المأذون، كنت فاكر إن الحياة هتهدأ وإن صفحتي مع أم هاني اتقفلت للأبد، وكنت لسه عايش في بيتي الجديد مع مراتي الثانية اللي كانت حياتى نعيم وماشيه على مزاجها. وفي يوم، وأنا قاعد، رن التليفون وكان المتصل أمي.
رديت ببرود:ـ ألو يا أمي، خير؟جاني صوت أمي مكسور ومليان قهر ودموع:ـ الحق يا همام.. الحق اللى حصل! الناس في البلد ما بيسيبوش الغلبانة في حالها.. كلامهم زى السم ، طالعين يشيعوا عليها كلام يمس شرفها وبيقولوا إنها "معيوبة" وإن طلاقها ده أكيد وراه سبب كبير، وواحدة واحدة بيشككوا في أخلاقها وفي تربيتها لابنها.
. الست هتمو. ت من القهر، وساكتة ومش قادرة ترفع عينها في وش حد!الكلمات نزلت على وداني زي الصاعقة.. رغم كل القسوة اللي عملتها، حسيت بلحظة وخزة ضمير غريبة، بس العند والقسوة رجعوا سيطروا عليا تاني، ورديت على أمي بجفاء:ـ وانا مالى يا أمي؟
! ما هي خلاص بقت حرة في حالها، خلّي البلد تنفعها دى مش مراتى وانا فى حالى قفلنا الخط، وساعتها حسيت إن النار اللي ولعتها في حياة أم هاني وابنها بدأت تحرق الكل، وإن اللي عملته بإيدي ما كانش مجرد طلاق، ده كان محاولة لق.
تل روح انسانة بريئة مالهاش في الدنيا غير ابنها.
مرّت الأيام، وفترة العدة خلصت، وحال أم هاني ضاق بيها لدرجة صعبة جداً؛ مكنش معاها مليم واحد تصرف بيه على نفسها وعلى ابنها الصغير. أمي حاولت تقف جنبها وتساعدها باللي تقدر عليه، بس للأسف فلوس أمي كانت على قدها، والمعاش أو المساعدة البسيطة مكنوش يكفوا لقمة عيش ولا مصاريف بيت.
حاولت أم هاني تنزل وتدور على أي شغل حلال عشان تستر نفسها وابنها، نزلت تشتغل في خياطة أو تنضف في البيوت، بس للأسف مجتمع البلد مكنش راحمها؛ كل ما تمشي في شارع كانت تلاقي نظرات القسوة والشماتة، والناس بتلقح عليها بالكلام الجارح وتقول كلام يوجع القلب.
وكل واحده تتهمها انها عايزه تسر. ق جوزها والأصعب من كده كان ابنها "هاني"؛ الطفل الصغير اللي لا ذنب له في كل اللي حصل. بقى يروح المدرسة أو يلعب في الشارع، يلاقي عيال الجيران والمدارس يشاوروا عليه ويعايروه ويقولوا له: "أبوك طردكم وقال مش ابني".
. الطفل يرجع البيت مقهور، هدومه مقطوعه وقلبه مكسور، يرمي نفسه في ح. ضن أمه وهو بيعيط بحرقة ويسألها ليه الناس بتعمل فيهم كدة. أم هاني كانت تاخد ابنها في ح. ضنها وتعيش الليل كله تبكي بحرقة على حال ابنها اللي دفع ثمن قسوتي وعنادي، وهى مش قادرة تعمل حاجة غير إنها تداري دموعها وتدعي ربنا يجيب حقها.
وسط كل السواد والقهر اللي كانت عايشة فيه، ربنا قيّدلهم ست طيبة من جيرانها؛ ست حزنت بجد على حال أم هاني وكسرتها هي وابنها، ودخلت عليها وقعدت تطبطب عليها وهي بتقول لها بقلب مكسور:ـ يا بنتي اللي أنتي فيه ده ما يتسكتش عليه.
. البلد هنا ما بتعطيش حد حق، وعينهم مش هترحمك ولا هيسيبوا ابنك يطلع سوي وسط الناس وهم كل يوم بيعايروه بكلمة شكل. اسمعي مني، سيبي البلد دي كلها، واهربي بابنك على مكان تاني مفيش فيه حد يعرفكم..
ابدئي صفحة جديدة واشتغلي واكلي ابنك حلال بعيد عن القيل والقال والناس اللي ما عندهاش رحمة. الكلام دخل قلب أم هاني، وشافت فيه بصيص أمل وسط الظلمة اللي حواليها، وبدأت تفكر بجدية إنها تلم هدومها هي وابنها وتمشي في سكة مجهول بس أهون بكتير من قسوة وجبروت اللي شافته.
وفعلاً، بعد سفرها لمحافظة تانية ودوران طويل على لقمة العيش، ربنا دلها على شغل في مزرعة كبيرة وواسعة لصاحب عمل شرطه الوحيد وصارم: "الشغل هنا ليكي لوحدك، ممنوع منع باتاً دخول الأطفال أو وجود عيال معاكي في المزرعة!
"الكلمة نزلت على قلب أم هاني كالصاعقة الأكبر.. وقفت قدام صاحب المزرعة وهي بتبتلع غصتها ودموعها محبوسة في عينها، مش عارفة تعمل إيه ولا تروح فين بابنها الصغير؟ هي سافرت وهربت من كلام الناس عشان تحميه، ودلوقتي الشغل اللي هيسترها ويأكلها رافض وجوده!
رجعت بخطوات مكسورة، وهي قاعدة على جنب في الشارع حاضنة ابنها الصغير وبتعيط بمرارة، مش عارفين يروحوا فين ولا يعملوا إيه، والدنيا ضاقت بيها من كل اتجاه. خرجت أم هاني من باب المزرعة بخطوات ثقيلة ومكسورة، ما كانتش عارفه تروح فين ولا تعمل إيه بعد ما اتقفلت في وشها كل الأبواب.
قعدت على الأرض بالقرب من بوابة المزرعة الكبيرة، وضمّت ابنها الصغير لح. ضنها بقوة، كأنها بتداريه عن قسوة الدنيا وظلمها. نزلت دموعها بغزارة وهي باصة لابنها اللي مش فاهم حاجة وعمال يعيط من الجوع والخوف، حست إنها وصلت لنهاية الطريق، وإنها لا قادرة ترجع لبلدها وذلها، ولا عارفة تحمي ابنها وهي تايهة في محافظة غريبة لوحدها مالهاش سند ولا ضهر.
ام هانى بارت 2
أماني سيد
وبينما هي قاعدة على الأرض، ضامة ابنها لصدرها ودموعها بتغسل وشها من كتر القهر والقلة، عربية صاحب المزرعة وصلت ووقفت عند البوابة. نزل الراجل من العربية، وبص باستغراب للست اللي قاعدة بتهتز من العياط هي وابنها برة المزرعة.
قرب منها بخطوات بطيئة وسألها بنبرة حادة لكن فيها حيرة:ـ إنتي مين يا ست؟ وبتعملي إيه قاعدة هنا على البوابة من الصبح؟ مش أنا قلتلك الشغل هنا للوافدة لوحدها ومنعوت الأطفال؟رفعت أم هاني رأسها المكسورة، وبصت له بعيون حمرا دايبة من الدموع، وبصوت مبحوح يقطع القلب قالت:ـ أنا يا بيه طريدة من بلدي وأهلي.
. جوزي طردني وظلمني ورماني في الشوارع عشان يتجوز غيري، وماسكتش على كده.. ده حب يكسرني في ابني ويكدب في نسبه كمان! أنا سافرت وهربت من كلام الناس السام عشان أحمي ابني، ولما جيت هنا لقيت رزقي مقفول في وشي عشان طفل مالوش غيري في الدنيا..
مش عاوزة أزعجك ولا أضايقك، بس والله ماليش مكان أروح فيه ولا حتى جنيه واحد أشتري بيه لقمة لابني الغلبان!كلماتها نزلت على قلب الراجل كالصاعقة؛ صاحب المزرعة لمس الصدق والوجع الحقيقي في كلامها، وبص للطفل الصغير المرتعش في حضنها، فحس بغصة حارقة في زوره وتأثر جداً بقصتها وقسوة الدنيا عليها.
سكت ثواني وهو بيفرك لحيته، وبعدين بص لها بعطف وقال بصوت دافئ:ـ قومي يا أم هاني.. قومي يا بنتي، اعدلي وقفتك. ربنا ما يرمي عبده أبداً. تعالي معايا.. في غرفة صغيرة منفصلة في طرف المزرعة بعيدة عن الشغل، تقدري تقعدي فيها إنتي وابنك، وتشتغلي وتاكلي عيش حلال وتستري نفسك!
فتحت أم هاني عينيها بذهول وصدمة فرحة مش مصدقة نفسها، وفضلت تترمي على الأرض تدعي له بدموع الامتنان وهي حاسة إن ربنا بعت لها طوق نجاة في أواخر لحظات اليأس. مرّت الأيام، وأم هاني استقرت في الغرفة المنفصلة جوه المزرعة، وكانت بتشتغل بأمانة وإخلاص تفرش وتروح وتخدم بعرقها عشان تربي ابنها بالحلال.
صاحب المزرعة، وكان راجل كبير في السن وطيب القلب، كان عايش لوحده بعد ما ربنا كتب وقدره وتوفي ابنه الوحيد في حادثة زمان، وساب جوه قلبه فراغ كبير ووجع ما بينتهيش. كان كل ما يشوف أم هاني وهي بتكافح عشان ابنها الصغير، وبتفكر بيومه وبكرة، قلبه بيحس بيها وبتفاصيل وجعها اللي شبه وجعه على ابنه.
وفي يوم، وقف قدامها وبص لها باحترام وتقدير كبير وقال لها بنبرة هادية:ـ يا أم هاني.. أنا راجل وحداني، وماليش في الدنيا حد، وابني اللي مات ساب مكانه خاوي.. وأنا شايفك إزاي محافظة على شرفك وكرامتك وبتحاربي الدنيا عشان ابنك.. ما تقعديش لوحدك، ولا تشيلي هم بكرة تاني.
. اعتبريني أهل وسند، وأنا جاهز أتجوزك على سنة الله ورسوله، وأبقى أب للولد ده وأربيه في حضني وكأنه ابني اللي راح، وتعيشي في أمان وستر من غير ما تحتاجي لحد. الكلام نزل على قلب أم هاني زي الهدية اللي ربنا بعتها من السما بعد طول عذاب وظلم..
لقت نفسها قدام فرصة جديدة لحياة كريمة وستر وأمان ليها ولابنها الغلبان، فدمعت عينيها من الفرحة والرضا، ووافقت على قفل صفحة الآلام وبداية حياة جديدة ترجع لها كرامتها وضحكة ابنها. وافقت أم هاني على الزواج من صاحب المزرعة، ورغم فرق السن الكبير بينهما، إلا أنه عوضها عن كل القسوة والظلم اللي شافته في حياتها الأولى مع همام.
لم تحسسها كبر سنّه بأي نقص، بل كان نعم الأب والسند؛ احتضن ابنها الصغير وأحاطه بحنان وحب صادق وكأنه قطعة من قلبه وعوضه عن فقدان الأب الحقيقي. لم يبخل عليه بشيء، وكان حريصاً على تعليمه بأفضل الوسائل والسبل حتى أدخله أحسن المدارس وتابع مستقبله خطوة بخطوة، ليعوضه عن كل لحظة خوف وقهر عاشها في صغره، وتنقلب حياتهم تماماً من الضياع والفقر إلى الأمان والعز والاحترام.
مرت السنين وجريت الأيام، وهاني كبر وبقى شاب قد الدنيا، وربنا أكرمه وتخرج من كليته وبقى "مهندس" شاطر وناجح، الكل بيحلف بأدبه وعلمه وارتفاع شأنه. بس مهما السنين عدت، والخير والنعمة كتروا في عيشته، هاني ما نساش أبداً..
كلمة واحدة ما اتمحتش من عقله: يوم ما وقف همام -اللي مفروض أبوه- في الشارع وطردهم، ويوم ما طعن في نسبه وقاله قدام كل الناس "مش ابني وما يخصنيش"، ويوم ما كسر قلب أمه وذلها.
الجروح القديمة فضلت حفرة جوه قلبه، وبقت هي الوقود اللي خلاه يثبت نفسه ويطلع، وهو عارف كويس إن الأب مش بالخلفة ولا بالاسم، الأب بالستر والسند والظهر اللي يتسند عليه، زي الراجل العظيم اللي رباه وعوضه عن كل قسوة الدنيا.
مات صاحب المزرعه وساب كل حاجه لهانى وأمه لكن الجرح اللى جوه هانى مكنش قفل وقرر إنه يدور على ابوه عشان يعرف حاله ايه وياخد حقه وحق والدته ويعرفه هانى اللى رفضه وصل لايه
ام هانى البارت 3
أماني سيد
قرر هاني إنه جى الوقت اللي لازم يواجه فيه الماضي، وياخد حق أمه اللي ضاع سنين تحت رجل القسوة والجبروت. اقسم هانى انه هيخلى الشخص اللى اتخلى عنه والمفروض انه ابوه يوطى قصاد امه ويبوس رجليها قصاد كل الناس اللى خذلها قدامهم زمان
زى ما زمان أمه وطت على رجل أبوه عشان مايتخلاش عنها ووافقت تبقى على زمته حتى لو خدامه عشان كلام الناس وهو رماها عشان واحده تانيه ليخليه هو يبقى مكانها ويتحايل عليها تسامحه
بس هاني، برغم كل القسوة اللي جفّت في قلبه، لسه جواه حتة واجعاه أوي على أمه.. مش عشان همام، لأ.. عشان الكسرة اللي أمه شافتها قدام خلق الله زمان. كان شايف إن العدل الحقيقي مش بس إنه يشوف همام مكسور في شقته ، العدل بجد إن الست اللي انكسرت وذلت نفسها، يرجع لها اعتبارها في نفس المكان، وعلى إيد نفس البني آدم اللي داس على كرامتها.
وفعلاً، بدأ هاني يرتب لعبته بخطوات تجيب ابوه لحد عنده وبرجله.
وعمل هاني خطته بهدوء وثبات. بدأ يبعت رجاله ويستقصي عن أخبار همام لحد ما جالو الخبر اليقين: همام فضل مع مراته التانية اللي خلاها ملكة زمان وداس على شرف أمى عشانها.. أهو دي بقى اللي طلعت عينه، وخلف منها بنت بقت دلوقتي في الجامعة.
همام طلع على المعاش، ولقى المرتب البسيط مبيعملش أي حاجة قصاد غلاء الايام وإيجار الشقة. والأصعب من كده، مراته وبنته مبقوش راحمينه؛ البنت شايفة بنات الناس في الجامعة بيلبسوا ويركبوا، وعايزة تجيب زيهم وتصرف، ولا على بالها أبوها بيجيب القرش منين ولا مقهور إزاي، ومراته التانية ليل نهار نكد وتأنيب، بتعيره إنه بقا عجوز مفلس ومبقاجهوش عِز ولا قيمة زي الأول، وتقوله: “هو ده الغنى اللي سيبت بيتك عشانه؟!”.
همام لقى نفسه واقف لوحده في وش مدفع الديون والطلبات اللي لا تنتهي، وهو محني الظهر، مكسور العين، ومش عارفين يصرفوا منين.
هاني كان قاعد في مكتبه، ووصله التقرير ده كأنه هدية على طبق من ذهب. ابتسم بابتسامة قاسية، وقال في نفسه:
ـ تمام.. أدي السكينة اللي هتدبح بها نفسها يا همام.. جه الوقت اللي تخبط فيه على كل الببان وما تلاقيش غير بابنا، عشان ترجع لنفس الساحة اللي طردت منها أمه، وتوطي تبوس رجلها قدام الكل.
مسك هاني تليفونه، وبص لـ عم محمود، الراجل القديم اللي بيثق فيه، وقال له بصوت حاسم:
ـ اسمع يا عم محمود.. الشغلانة اللي كلمتك فيها تبدأ من النهاردة. عايزك تزنق همام في الفلوس من غير ما يحس إن ورا الموضوع مدبر.. خليه هو اللي يجيلنا برجله، ويدور على طوق النجاة بنفسه!
عم محمود نفذ الخطة بدقة وذكاء؛ وبدأ يقفلها على همام من كل النواحي. الدين كتر عليه، وإيصالات الأمانة اللي مضاها عشان مصاريف بنته في الجامعة بقت حبل على رقابته، ومراته التانية ليل نهار صوتها واصل لأخر الشارع بتعايره وتطالب بالفلوس ومفيش في جيبه مليم أبيض
وفي وسط الهموم والضيقة دي كلها، جه عم محمود لحد عند همام، وقعد جنبه على القهوة، وبص له بنظرة شفقة ظاهرها الطيبة وباطنها الشغلانة المظبوطة، وقال له بصوت هادي:
ـ مالك يا أبو هاني وشك أصفر كده وشايل هم الدنيا ليه؟ ما تكبر يا راجل، الدنيا لسه فيها ياما!
همام نفخ بعمق، ودموعه كانت قريبة من عينه، وقال بحسرة:
– أقولك إيه ولا إيه يا عم محمود.. البنت في الجامعة ومصاريفها بقت جبل، ومراتي مش راحماني، والمعاش مبيكملش اسبويعن ، والديون هلكتني.. هموت وانا شايل هم بكرة!
عم محمود ابتسم ابتسامة خفيفة، وضرب كف على كف، وقال له:
ـ تصدق إن البخت ساعات بيضحك للواحد وهو في أشد ضيقته؟ اسمع مني.. في باشمهندس كبير ، شغال في المشاريع والعقار، وعنده فيلا فخمة ومحتاج “حارس أمن” شخصي ومسؤول عن الفيلا والبوابة.. بس شغلانة تانية خالص، ومرتبها.. يا سلام! مرتب مغري جداً، خيالي، هيخليك تسدد ديونك كلها وترتاح وتجيب لبنتك اللي هي عايزاه وزيادة، ده غير الإقامة والمأكل.
عينين همام لمعت.. الفقر والقهر بيخلوا البني آدم يتعلق بقشة. بلع ريقه بسرعة وبص لعم محمود بلهفة وقال:
– بجد يا عم محمود؟! مرتب مغري قد إيه؟ وفين دي؟ ده أنا مستعد أعمل أي حاجة، ، المهم أخد الشغلانه دى ومصاريف بنتي تتدفع وديوني تتسد!
عم محمود رد عليه ببرود ظاهري:
– مرتب هيحل كل أزماتك وأكتر بكتير.. بس الباشمهندس ده شديد وله شروط، ولو مهتم، أنا ممكن أكلمهالك وأخدك معايابكرة تقابله بنفسك وتتفق معاه.
همام مكملش تفكير، ووافق من فرحته كأنه لقى طوق نجاة في بحر غرقان، وهو مش عارف أصلاً إن السكة دي هترميه قدام الست اللي داس على كرامتها زمان، وإن الباشمهندس اللي مستنيه مش هيرحمه!
تانى يوم الصبح، وبدري قبل طلوع الشمس، كان همام واقف قدام البيت على اعصابه، لابس أنضف هدومه القديمة، وواقف يستنى عم محمود اللي وصل بالعربية على معادهم بالظبط. ركب همام جنبه، وكان طول الطريق بيدعي ربنا إن المقابلة دي تعدي على خير، وإن صاحب الشغل يقبله عشان يلحق بنته ومصاريف الجامعة اللي مطلعين عينه، وعشان يخلص من نكد مراته اللي مش بيخلص.
العربية مشيت مسافة لحد ما خرجت من زحمة المدينة، ودخلت على منطقة فلل فخمة وهادئة، ووقفت قدام بوابة حديدية ضخمة وعالية لفيلا شكلها مبهر وواسع.
نزل همام وعم محمود، وفتح لهم البواب ودخلوا لحد ما وصلوا لحديقة الفيلا الواسعة. وقف عم محمود مع همام على استراحة برة لحد ما يجي الباشمهندس صاحب الفيلا.
بعد دقايق، اتفتح باب الفيلا الرئيسي، وطلع منه شاب بيمشي بوقار شديد، لابس بدلة شيك جداً، ومظهره ينم عن هيبة وقوة، وعينيه مستخبية ورا نظارة شمسية أنيقة.
همام عدل هدومه بتوتر، ووقف بانتظار الشاب ده، وهو متوقع إنه هيكون راجل كبير في السن أو رجل أعمال ضخم. بس مبصش في وش الشاب كويس بسبب المسافة والنظارة.
قرب الباشمهندس منهم بخطوات ثابتة وثقيلة، ووقف قدام همام مباشرة. وقف همام باحترام وانحنى شوية بضهره المنحني وقال بصوت مرتعش:
– صباح الخير يا باشمهندس.. أنا همام اللي عم محمود كلم حضرتك عنه، وجاي عشان شغلانة حراسة الفيلا، وتحت أمرك في أي شرط تطلبه.. المهم عندي أستر بيتي وبنتي.
البشمهندس فضل واقف باصص له بثبات رهيب من فوق لتحت، من غير ما ينطق بكلمة واحدة. وبعدين، ببطء شديد، مد إيده ورفع النظارة الشمسية من على عينه، وبص له بنظرة قاسية ومليانة ذكريات قديمة.
–.. عم محمود كلمني عن ظروفك، وعموماً أنا مش هقفل باب رزق في وش حد ضاقت بيه الدنيا، بس الشغل هنا ليه قواعد ونظام صارم، لو مش قدها من الأول وفر تعبك.
همام هز راسه بسرعة وقال بلهفة:
– قدها يا باشمهندس والله.. قولي أعمل إيه وتحت أمرك في كل كلمة!
هاني ربع إيديه على صدره، وبصله بتعالي وقال:
– تمام.. وظيفتك هنا هتكون “حارس أمن”.. هتقعد اليوم كله على البوابة برة، في الشمس والبرد، ممنوع تدخل جوه الفيلا إلا للضرورة القصوى. وهجيجيبوا لك وجبة الغدا بتاعتك مع العمال هنا، ده غير إنك.. “تحت أمر والدتي”.. لو احتاجت أي حاجة أو طلبت أي طلب للبيت، هتنفذه بالحرف الواحد ومن غير ولا كلمة اعتراض، مفهوم؟!
الكلمات كانت قاسية، وعرضت همام لموقف يكسر أي راجل، بس همام من كتر الديون وقهر البيت ومصاريف بنته اللي مش رحماه، مداس على كرامته وبلع الغصة وقال بصوت مكسور:
– مفهوم يا باشمهندس.. اللي تامر بيه هيتنفذ بالحرف، وتحت أمر ست الكل في أي وقت.
هاني أشر لعم محمود بعينه وقال ببرود:
– دخله الاستراحة بتاعت عرفه مكانه وشغله من النهاردة، وخلينا نشوف هيثبت إخلاصه ولا لأ.
لف هاني ضهره ودخل الفيلا بخطوات ثابتة وواسعة، وهو حاسس بنشوة غريبة في قلبه.. الخطة بدأت، والراجل اللي رمى أمه زمان وباعهم عشان الفلوس والستات، واقف دلوقتي على بابه بيطلب لقمة العيش وهو مش عارفين حتى إنه واقف قدام ابنه اللي طرده زمان!
دخل هاني جوه الفيلا، وقلبه جواه نار هادية بتلعب. دخل على أمه، أم هاني.. الست اللي ربنا عوضها بعد الصبر الجميل بعز وستر وراحة بال. كانت قاعدة في الصالون الواسع الهادي، بتبتسم بحنان أول ما شافته داخل عليها.
قرب منها هاني، وباس راسها بحب وتقدير كبير، وقعد جنبها على الكنبة وقال بصوت فيه لمعة نصر وخباثة:
– يا ست الكل.. كنت بره بخلص كام مشوار، ولقيت برة على البوابة حارس أمن جديد لسه معينه النهاردة.. راجل غلبان على قد حاله وظروفه صعبة.
أم هاني بصت له بطيبتها اللي ما تتغيرش، وقالت برضا:
– ربنا يرزقه يا بني ويجبر بخاطره.. دام وافق يشتغل ويكسب لقمة حلال، يبقى راجل شقيان، أوعى تضايقه ولا تقفلها في وشه.
هاني ابتسم ابتسامة غامضة، وقال بصوت هامس وقريب منها:
– متخافيش يا أمي.. بالعكس ده أنا هخليه في خدمة ست الكل بنفسها! بس تخيلي.. الراجل ده، وبكلمة واحدة منك، هيكون تحت رجليك.. ولو طلبتي منه أي طلب في البيت أو الخدمة، هيتنطط وينفذه وهو مغمض!
أم هاني استغربت كلام ابنها، وقالت باستفهام:
– ليه يا هاني يا بني؟ هو مين ده ومن امتى بنذل حد شغال عندنا؟ العمال دول أخواتنا وناس شقياينة.
هاني سند ظهره لورا، ونظارة عينيه لمعت، وقال بلهجة جادة وصارمة:
– ما هو ده اللي لازم تعرفيه يا أمي.. الحارس الجديد ده مش أي حد.. ده همام.. طليقك اللي رماكي زمان وطردك في الشارع وداس على كرامتك قدام البلد كلها!
الكلمة نزلت على ودن أم هاني زي الصاعقة.. اتجمدت مكانها، وفنجان الشاي اللي في إيدها اهتز.. ذكريات القسوة، ودموع ابنها وهو صغير، وكلام البلد السام.. كله رجع قدام عينيها في ثانية واحدة! بصت لابنها بذهول وهي مش مصدقة ودنها:
– هـ.. همام؟! همام أبوك يا هاني؟! إنت بتقول إيه يا بني؟! جابه هنا إيه؟!
هاني مسك إيد أمه بحنان وقوة، وبص في عينيها وقال بنبرة مليانة ثقة وتصميم:
– جابه القدر لحد عندنا يا أمي.. عشان تشوفي بنفسك إزاي ربنا بيجيب حق المظلوم. هو جه برجله يطلب لقمة العيش، ودلوقتي واقف على البوابة برة، ومش عارف أصلاً إنه شغال عند ابنه اللي طرده زمان. وأنا جاى أقولك.. الوقت جه عشان تاخدى حقك منه، وتخليه يخدمك بنفسه، وتعرفي الكل إن الله حق!

تعليقات
إرسال تعليق