بشتري بضاعة لمحل الملابس كامله حكـايات مني السيد حصري
بشتري بضاعة لمحل الملابس كامله حكـايات مني السيد حصري
بشتري بضاعة لمحل الملابس بتاعي، وابني وقع واتعور في دماغه… والدم غرق الشارع، وحماتي كانت جوه البيت، لكن اللي حصل بعدها خلاني مش عارفة أسامحها لحد النهارده!
اليوم ده كنت مسافرة أشتري بضاعة جديدة للمحل، وكنت من الصبح في مشاوير ولف كتير، وكل اللي في دماغي إني أخلص بسرعة وأرجع لأولادي.
كنت مطمنة عليهم، خصوصًا إن حماتي، أم أبوهم، كانت موجودة في البيت.
لكن وأنا في الطريق، ما كنتش أعرف إن في حاجة حصلت وأنا بعيدة، حاجة لو كنت عرفتها وقتها، كنت هسيب كل حاجة وأرجع جري.
ابني كان بيلعب قدام البيت، وفجأة وقع واتخبط في دماغه.
الخبطة كانت جامدة لدرجة إن الدم نزل بغزارة، والشارع تقريبًا غرق دم.
جارتنا شافته، فاتخضت وجريت تنادي على حماتي:
"يا حاجة! اطلعي بسرعة، الولد اتعور ودمه كتير!"
لكن حماتي ردت عليها بمنتهى الهدوء:
"اتصلي على أمه وأبوه."
الجارة قالتلها:
"ما هي مسافرة! والولد محتاج مستشفى!"
لكن بدل ما تنزل حماتي تشوف حفيدها، ندهت على بنتي.
بنتي عندها 13 سنة.
قالتلها:
"انزلي شوفي أخوكي."
بنتي نزلت وهي أصلاً مرعوبة من منظر الدم، والجارة ما سابتهاش لوحدها.
خدوا الولد وجروا بيه على المستشفى.
الدكتور كشف عليه وقال إن الجرح محتاج خياطة.
عشر غرز في راسه.
بنتي كانت واقفة جنبه وبتعيط، ومش عارفة تعمل إيه.
والست جارتنا كانت بميت راجل.
هي اللي فضلت واقفة معاه، وتهديه، وتطمن بنتي، وتخلص إجراءات المستشفى.
ولما الدكتور خلص وخيط الجرح، الولد كان تعبان ومجهد.
الجارة راحت جابتله عصير، وقعدت جنبه لحد ما شربه واطمنت عليه.
وبعدها رجعتهم البيت.
وأنا؟
ولا حد كلمني.
ولا حد رن عليا.
ولا حتى حماتي قالتلي إن ابني اتعور.
فضلت في مشواري وأنا فاكرة إن كل حاجة تمام.
لحد ما رجعت البيت.
أول ما دخلت، لقيت ابني قدامي وراسه متربطة.
اتخضيت وقلت:
"إيه اللي حصل؟
!"
بنتي بصتلي وبدأت تحكي.
كل كلمة كانت بتخليني أحس إني مخنوقة.
ابني وقع.
الدم كان كتير.
اتنقل المستشفى.
اتخيط عشر غرز.
وحماتي كانت في البيت!
أنا وقتها حسيت إن قلبي اتكسر.
مش عشان ابني اتعور بس…
عشان حسيت إن عيالي ملهمش حد من ناحيتها.
قعدت ألوم نفسي وأقول:
"أنا كنت فين؟ وليه محدش كلمني؟ ولو الجارة ما كانتش موجودة، كان ابني هيعمل إيه؟"
كلمت جوزي وأنا منهارة وقلتله:
"إزاي أمه تكون موجودة والولد يحصل له كل ده ومحدش حتى يكلمني؟
!"
جوزي سكت شوية، وبعدها قال:
"ربنا ستر يا حبيبتي… واعتبري إنهم ملهمش حد. ربنا وقف لابنك ولاد الحلال."
حاول يهديني، بس أنا ما كنتش قادرة أهدى.
من يومها وأنا كل ما أشوف حماتي، أفتكر منظر ابني وهو متعور.
وأفتكر إن واحدة جارتنا هي اللي قامت بدور أهله كلهم.
أنا مش عايزة أعمل مشكلة، ومش عايزة أكبر الموضوع…
لكن جوايا نار.
نفسي أقولها:
"لو كان ده ابن بنتك، كنتي هتعملي معاه كده؟"
وفعلًا، في يوم ما قدرتش أتمالك نفسي.
قررت أروح لها وأواجهها.
دخلت البيت، وقعدت قدامها، وكنت مجهزة كلام كتير جدًا.
لكن قبل ما أتكلم…
بنتي دخلت علينا فجأة، وقالت جملة واحدة:
"ماما… أنا لازم أقولك حاجة حصلت يومها، بس أوعي تزعلي مني…"
ساعتها قلبي وقع من مكاني.
لأن اللي بنتي كانت هتحكيه…
كان مختلف تمامًا عن اللي أنا كنت فاهمته.
واللي حصل في المستشفى يومها… هو اللي هيكشف الحقيقة كلها.
يتبع…
وقفت مكاني متسمرة، عيني رايحة جاية ما بين وش بنتي المخطوف، وملامح حماتي اللي كانت قاعدة على الكنبة بتبص في الأرض وهادية، هدوء حسيت إنه بيستفز كل خلية في جسمي.
النار اللي كانت قايدة جوايا بدأت تزيد، مسكت إيد بنتي وشدتها على جمب بصوت واطي ومخنوق:
في إيه يا حبيبتي؟ زعل إيه اللي بتقولي عليه؟ أنتي خبيتي عني حاجة تانية؟ في مصيبة تانية حصلت في المستشفى وأنا معرفهاش؟
بنتي بلعت ريقها بالعافية، دموعها لمعت في عينيها وبصت لحماتي بخوف، حماتي رفعت راسها ورمقت البنت بنظرة معرفتش أفسرها، وقالت بصوت واطي ومبحوح كأنها طالعة من بئر سحيق:
احكي يا بنتي لأمك، كفاية لحد كده، أنا مكنتش عايزة وجع قلب، بس من حقها تفهم بدل ما هي شيلاني ذنب كاسر ضهري.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة، اتلفت لحماتي وقولت بصوت عالي شوية:
شايلاكِ ذنب؟ وحضرتك مش مذنبة يا ماما؟ حفيدك كان هيروح فيها، الشارع غرق من دمه، والغريبة هي اللي شالته وجريت بيه، وأنتي قاعدة تقولي للبنت انزلي شوفي أخوكي؟ ده أنتي حتى مكلفتيش خاطرك ترني عليا وتقوليلي ابنك بينزف في الشارع!
حماتي مغضبتش، ولا ردت عليا بنبرتها الحادة المعتادة، هزت راسها بس بتعب وسكتت، وسابت البنت تتكلم.
بنتي مسكت إيدي بقوة، كانت صوابعها متلجة وبتترعش:
يا ماما، اسمعيني بس ومتظلميش تيتة. أنتي فاهمة الموضوع غلط خالص، والست أم محمد الجارة دي… مش زي ما أنتي متخيلة.
الكلمة خلتني أقف على طرافي، شديت كرسي وقعدت قدام بنتي وركبي مش شيلاني:
انطقي يا بنتي وريحي قلبي، أم محمد عملت إيه؟ دي شالته وودته المستشفى وجابتله عصير كمان!
بنتي خدت نفس عميق وبدأت تحكي بصوت مهزوز:
يومها، لما أخويا وقع، أنا كنت في الأوضة، فجأة سمعت صوت صريخ فظيع في الشارع، جريت على الصالة لقيت تيتة قايمة تجري ناحية الباب، بس تيتة ركبتها الاتنين أصلاً وجعاها ومش قادرة تدوس، ومع ذلك كانت نازلة على السلم حافية من الخضة.
لما نزلت أول كام درجة، قابلتها طنط أم محمد وهي طالعة تصرخ وتقول الولد غرقان في دمه والشارع مليان دم، تيتة أول ما سمعت الكلمة دي، ضغطها وطى ووشها اصفر وجت تقع على السلم، سندت على الحيطة وقعدت في الأرض مش قادرة تاخد نفسها.
تيتة عندها فوبيا من منظر الدم يا ماما وبتجيلها نوبات قلب، أنتي عارفة ده كويس!
كلام بنتي نزل عليا زي المية الساقعة، أنا فعلًا عارفة إن حماتي بيغمى عليها من ريحة الدم حتى، بس من كتر غيظي من فكرة الإهمال، نسيت النقطة دي تمامًا!
بنتي كملت وهي بتمسح دموعها:
طنط أم محمد مكنتش هادية زي ما قالتلك، دي كانت عمالة تصرخ وتوتر البيت كله وتقول الولد هيموت الولد هيضيع، تيتة من كتر الخوف والدوخة مدت إيدها في صدر جلابيتها وطلعت محفظتها، ورمتها لأم محمد وقالتلها: خدي الفلوس دي كلها، ألفين جنيه كانوا مصاريف البيت، خدي الولد واطلعي بيه على المستشفى الكبيرة اللي في أول الشارع بسرعة وأنا هبعت البنت وراكي!
فتحت عيني على وسعها وقولت:
ألفين جنيه؟ أم محمد مقالتليش إنها خدت مليم من تيتة! دي قالتلي أنا اللي دفعت كشف المستشفى وتمن الخياطة من جيبي لحد ما انتي ترجعي!
بنتي عيطت أكتر وقالت:
ما هو ده اللي حصل يا ماما، تيتة زقتني وقالتلي انزلي وراها يا بنتي اوعي تسيبي أخوكي، شوفي هيعملوا إيه وطمنيني كل دقيقة، ولما سألتها طب ما نكلم ماما؟ تيتة زعقت فيا وقالتلي لأ، أمك مسافرة بالعربية في طريق سفر وسريع، لو سمعت إن ابنها سايح في دمه هتعمل حادثة وتموت، خلينا ننقذ الولد الأول ونداويه وبعدين نقولها لما نوصل!
الكلام كان بيلف في دماغي زي الساقية، حماتي كانت خايفة عليا أنا كمان من الصدمة في الطريق؟ بصيت لحماتي، لقيتها قاعدة باصة للسجادة بكسرة نفس، ست عجوزة وضعيفة، مش هي الحما المتجبرة اللي رسمتها في خيالي.
قولت لبنتي بصوت متقطع:
طب وبعدين؟ لما وصلتوا المستشفى إيه اللي حصل؟ وليه أم محمد قالتلي كل الرواية دي؟
بنتي بصت في الأرض بخوف وقالت:
وصلنا المستشفى الاستثماري القريبة، الدكتور بص على الجرح وقال لازم يدخل عمليات صغرى حالًا ويتخيط، وطالبين تأمين ألف ونص، طنط أم محمد طلعت الفلوس اللي تيتة ادتهالها ودفعتهم، بس الحساب كله طلع بألف وميتين جنيه تقريبًا بالدوا والشاش، وباقي الفلوس كان مع طنط أم محمد في شنطتها.
الدكتور وهو بيخيط، أخويا كان بيصرخ بطريقة تقطع القلب، الدكتور طلب من طنط أم محمد تطلع برة الأوضة عشان كانت موترة الكل وعمالة تلطم في الممر، وهي طالعة، فتحت الشنطة بتاعتها عشان تطلع مناديل، ووقعت منها ورقة من غير ما تاخد بالها، ورقة روشتة كانت ملفوفة في فلوس تيتة الباقية. أنا وطيت أجيب الورقة دي يا ماما… ولقيت مكتوب فيها حاجة تانية خالص!
سكتت بنتي فجأة واترعشت، مسكت دراعها وقولت بحرقة:
مكتوب فيها إيه يا بنتي متجننيش!
بنتي بصت لحماتي وبعدين بصتلي وقالت بصوت واطي جدًا:
الروشتة كانت بتاريخ قديم، بس الورقة اللي ملفوفة فيها كانت إيصال أمانة باسم جوز طنط أم محمد، والأهم من كده… إن طنط أم محمد وهي برة، مكنتش بتعيط على أخويا ولا حاجة، أنا طلعت أشرب مية، لقيتها واقفة في ركن بعيد في الطرقة بتتكلم في التليفون وبتقول: الولد اتخبط جامد في دماغه وهعمل من الحبة قبة، وأمه تاجرة ومعاها فلوس وبتسافر تجيب بضاعة، هفهمها إني شيلت الليلة كلها ودفعت من جيبي وحماتها رمت الواد، وساعتها هطلع منها بمبلغ محترم يفك الضيقة بتاعتنا!
الدم غلي في عروقي لدرجة إني حسيت بوداني بتصفر، كل مشهد افتكرته من يومها بدأ يتعاد في دماغي ببطء.
أم محمد وهي داخلة عليا البيت، وشها اللي كان مرسوم عليه الحزن المصطنع، كلامها المسموم اللي كان بينزل زي النقط على وداني: شوفتي حماتك؟ رمت حتة اللحمة في الشارع وقالت ماليش دعوة، شوفتي أنا اللي سترتكم ودفعت من لحمي ودمي عشان الواد ميموتش، أنتي لازم تعوضي عليا بقى وتعرفي مين حبيبك ومين عدوك!
وأنا زي المغفلة، من كتر الصدمة والوجع، مسمعتش، مفكرتش، جريت طلعت من شنطة البضاعة ألفين وخمسمية جنيه واديتهم لأم محمد وبوست راسها وقولتلها ده حق جميلك فوق راسي!
يعني الست دي خدت ألفين جنيه من حماتي، ودفعت منها مصاريف المستشفى، وأخدت الباقي في جيبها، ورجعت خلتني أدفع تاني وزرعت بيني وبين حماتي سم هاري بقاله أسابيع بيحرق في علاقتنا وفي بيتي!
بصيت لحماتي ودموعي نزلت، قولت بصوت مبحوح:
يا ماما… طب وليه مقولتيش؟ ليه سبتيني أفتكر فيكي كده؟ ليه لما دخلت زعقتلك وقولتلك ابنك وابنك، سكتي ومردتيش وقولتيلي ربنا يسامحك وسيبتيني ومشيتي؟
حماتي رفعت عينها المليانة دموع وبصتلي، صوتها كان هادي ومجروح:
عشان أنتي دخلتي عليا شايطة وعينيكي فيها غل السنين يا بنتي. أنتي دخلتي متهجمة عليا وبتسأليني ببرود: لو ابن بنتك كنتي سبتيه؟ الكلمة دي يا أم الغالي قطعت مصاريني. أنتي محاولتيش تسأليني إيه اللي جرالك، ولا شوفتي ركبي المتورمة من النزلة والطلعة على السلم، أنتي صدقتي الغريبة وكدبتي العشرة اللي بينا. قولت لنفسي خلاص، مادام هي شايفة إني معنديش رحمة بولاد ابني، يبقى أي كلام هقوله هيتقال عليه مبررات وكدب. سبتك لضميرك وقولت ربنا هيظهر الحق.
الأرض مكانتش شيلاني من الخجل، حسيت إني أصغر نملة في الدنيا قدام الست دي. إزاي الغضب يعمي الإنسان لدرجة إنه يصدق أقرب كلمة خبيثة ويشك في لحمه ودمه؟
مسكت إيد حماتي وبوستها وأنا منهارة:
حقك عليا يا ماما، أنا غبية، أنا اتعميت لما شفت ابني وراسه مربوطة والدم على هدومه، حقك على راسي والله ما كنت أعرف…
حماتي طبطبت على كتفي بايد ضعيفة، وقالت:
مسامحاكي يا بنتي، قلب الأم بيغفر، بس الغل اللي في قلوب الناس هو اللي يخوف…
وفجأة، الباب خبط خبطات سريعة وقوية.
بنتي اتخضت ورجعت ورا، وأنا مسحت دموعي بسرعة ووقفت مكاني، الخبطات كانت متوترة وعالية، صوت ست بتنادي من ورا الباب وهي بتلهث:
يا أم أحمد! يا حاجة! افتحوا بسرعة، في مصيبة تانية!
كان نفس الصوت… صوت أم محمد!
فتحت الباب ببطء وعيني بتطق شرار، لقيت أم محمد واقفة في وشي، ملامحها مخطوفة بجد المرة دي، ومش عارفة تتكلم، مسكت دراعي وقالت وهي بتنهج:
الحقي يا أم أحمد… الدكتور بتاع المستشفى، اتصل بيا من شوية، وعايز الولد يرجع المستشفى حالًا، في نتيجة تحاليل طلعت بعد ما خيطوا الجرح، وفي حاجة خطيرة جدًا في راسه لازم يشوفها دلوقتي!
يتبع…
وقفت قدام الباب وجسمي كله اتخشب، إيدي كانت لسه ماسكة مقبض الباب الحديد وصوابعي متبتة فيه لدرجة إن مفاصل إيدي ابيضت من كتر الشد.
عينيا كانت مركزة في وش أم محمد. الست اللي كنت من كام دقيقة بس شايفاها الملاك الحارس اللي نجد ابني وستر بيتي، ودلوقتي شايفة قدامي شيطان لابس توب الطيبة، ست بتلعب بمشاعر أم محروق قلبها على ضناها، وبتاكل في عيشنا وتنهش في عرض العشرة اللي بين الجيران عشان شوية ملاليم مبلولة بدم طفل صغير.
أم محمد كانت عمالة تنهج، صدرها طالع نازل بطريقة مبالغ فيها، ومسكت صدريتها بطرحتها المنسولة وهي بتمثل الرعب بإتقان يخلي أي حد يصدقها لو مكنش كاشف كدبها
الحقي يا أم أحمد، ركبي سايبة ومش قادرة أقف! الدكتور مسكني في التليفون وبهدلني، قالي الست دي جارتك؟ قولتلها أيوة، قالي انزلي هاتيها هي والولد فورًا، في نزيف داخلي وتحاليل الدم بتقول إن في كسر شرخي في قاع الجمجمة مش باين في الأشعة العادية، ولو اتأخرتوا الواد ممكن يدخل في غيبوبة لا قدر الله!
في اللحظة دي، حسيت بالهوا بيتسحب من حواليا. لو مكنتش لسه سامعة بنتي وشايفة حماتي المكسورة قدامي، كنت هصرخ وألطم وأجري زي المجنونة أشد الواد في حضني وأرمي نفسي تحت رجليها. بس المرة دي، عينيا شافت حاجات تانية خالص.
شفت عينيها اللي كانت بتبص على شنطة إيدي المحطوطة على ترابيزة الصالة.
شفت نظرة متلهفة، نظرة تاجر خبيث بيجس نبض الزبون عشان يشوفه جاهز للدفع ولا لسه فيه نفس يجادل!
حماتي قامت ببطء من ورايا، ساندة على عكاز خشب قديم كان مركون جنب الدولاب، ووقفت ورا ضهري مباشرة. حسيت بأنفاسها الهادية ونبض إيدها وهي بتتحط على كتفي تطمنتي وتثبتني، همست في ودني بصوت واطي جدًا ميسمعوش غيري
اثبتي يا بتي الحية لما بتدخل الجحر بتدخل براسها، شوفيها عايزة تدق على إيه قبل ما تصدقي حرف واحد من لسانها المسموم ده.
بلعت ريقي وبصيت لأم محمد بنظرة باردة، حاولت على قد ما أقدر إني أخبي النار اللي بتغلي في عروقي، ورسمت على وشي ملامح الرعب المصطنع عشان أسايرها في لعبتها
تحاليل إيه وكسر إيه يا أم محمد؟ هو الدكتور كان سحب منه دم أصلاً؟ ده أنتي قولتيلى أول ما دخلتوا المستشفى خيطوا الجرح على طول واديتوه بنج موضعي وروحتوا!
أم محمد اتلجلجت لثانية واحدة، رمشت بعينيها بسرعة وبدأت تفرك في إيديها، وبعدين تداركت نفسها وضربت على صدرها
يا حسرة قلبي، أنتي بتسأليني في التفاصيل والواد في خطر؟ ده سحبوا منه عينتين دم أول ما دخلنا الطوارئ، تحاليل سيولة وميكروبات، وأنا من خضتي على الواد ووقفتي قدام الدكتور نسيت أقولك! الدكتور قالي لازم يتعمله أشعة مقطعية فورية في المركز التخصصي اللي جنب المستشفى، والمركز ده مبيفتحش بالليل إلا بدفع كاش وتأمين كبير، قولتله حاضر يا دكتور، أنا هجري على أمه وأجيبها بالفلوس وبالولد ونركب تاكسي ونلحقه قبل ما يقفلوا باب الطوارئ!
قربت خطوة منها، كان في ريحة
غدر واضحة في كل كلمة بتنطقها، وسألتها بصوت هادي جدًا بس تقيل زي الرصاص
والمركز ده عايز كام تأمين يا أم محمد؟ والدكتور ده اسمه إيه؟
أم محمد مسحت وشها بطرف طرحتها كأنها بتمسح عرق ناتج عن الجري، وقالت بعينين بتلمع بالطمع
الدكتور طلب تلات آلاف جنيه تأمين غير تمن الصبغة اللي هتتحقن في الوريد، يعني ليلتنا دي هتخشلها في أربعة آلاف ونص، ده غير تمن الإسعاف اللي هياخده. بس الفلوس تروح وتيجي يا أم أحمد، المهم ضناكي! هاتي الفلوس من جوة عقبال ما ألبس عبايتي، ولا أقولك هاتي الفلوس وأنا أسبقك على المركز أحجزلك الدور لحد ما تلبسي الولد وتنزلي ورايا!
هنا، كان لازم الستارة تنزل والمسرحية تنتهي.
بصيت لبنتي اللي كانت واقفة بعيد وعينيها مليانة خوف، وشاورتلها بإيدي تدخل جوة عند أخوها.
بنتي فهمت الإشارة وجريت قفلت باب الأوضة على نفسها وعلى أخوها الصغير.
حماتي وقفت جنبي، كتافها اتفردت، والست العجوزة اللي كانت من شوية بتعيط من قهرتها، ظهرت فيها هيبة سنين العز والجدعنة.
اتكلمت حماتي بنبرة خلت أم محمد تترعش مكانها
إيصال الأمانة بتاع المعلم سيد جوزك اللي متأخر عليه من ست شهور ده مقاسه تلات آلاف ولا أربعة ونص يا ولية يا ناقصة؟
الكلمة نزلت على وش أم محمد زي كرباج من نار. ملامحها اتغيرت في لحظة واحدة، لون وشها هرب، وفكها نزل لتحت، وعينيها راحت جاية بيني وبين حماتي وهي مش مستوعبة اللي بتسمعه.
أم محمد حاولت تتكلم وتعمل نفسها بريئة
إيصال أمانة إيه يا حاجة؟ أنتي بتخرفي بتقولي إيه في الوقت ده؟ الواد هيموت وأنتوا جايين تتكلموا في كلام فارغ؟
أنا مسبتهاش تكمل.
مديت إيدي وشدت طرف طرحتها بعنف، قربت وشي من وشها لدرجة إنها حست بنفسي الحامي في ملامحها، وقولت بصوت واطي ومزلزل من الغضب
ابني مفيهوش حاجة، ابني جوة نايم واكل وشارب، وجرحه سطحي ومخياطينه غرز عادية من غير بنج كلي ولا زفت! أنتي جاية تنهبي مين يا أم محمد؟ فاكراني نايمة على وداني ولا هبلة عشان مسافرة وشايلة هم لقمة عيشي؟ فاكرة إنك هتسرقي
من حماتي ألفين جنيه وتيجي تدخلي عليا بدموع التماسيح تاخدي ألفين ونص تانيين، ودلوقتي جاية تكملي الليلة بأربعة آلاف ونص
عشان تسدي دين جوزك الصايع اللي ضيع شقاكي في القهاوي؟
أم محمد اتنفضت وحاولت ترجع لورا وتشد طرحتها من إيدي
أنتي اتهبلتي يا ولية؟ أنتي بتمدي إيدك عليا بعد ما وقفت مع ابنك في الشارع ولميت لحمكم من التراب؟ ده أنا هفضحكم في الحارة كلها وأقول إنكم ناكرين جميل وناس واطية!
حماتي خبطت بعكازها في الأرض خبطة رنت في مدخل العمارة كله، صوت الخبطة خلى أم محمد تقف مكانها متيبسة
افضحي مين يا خطافة الفلوس؟ أنتي فاكرة الحارة مش عارفاكي؟ ولا فاكرة الناس هتصدقك أنتي وتكدب الحجة فاطمة؟ محفظتي اللي خدتيها على السلم ولهفتي منها الفلوس، الروشتة اللي وقعت من شنطتك في المستشفى وبنت ابني جابتها وفيها إيصال سيد جوزك، ولا تحبي أطلب البوليس وننزل دلوقتي حالا للمستشفى نراجع كاميرات المراقبة ونشوف الدكتور كلمك في التليفون ولا مكلمكيش؟
الولية اتهزت هزة جامدة. الكداب لما بيتحاصر بالحقيقة، بيبدأ يتلخبط ويفقد توازنه.
أم محمد بدأت تتراجع خطوة ورا خطوة على بسطة السلم، صوتها الحاد العالي بدأ يتكسر ويقلب لمسكنة رخيصة
أنا أنا مكنش قصدي حاجة، أنا كنت خايفة على الولد، والدكتور هو اللي خوفني، والفلوس اللي خدتها دي كانت مصاريف وعلاجات وأنا مقصرتش معاه، وفيها إيه يعني لما أطلب قرشين عشان أفك زنقتي بعد ما خدمتكم؟
ده جزاتي إني شيلته من الشارع والدم مغرقه؟
قربت منها وأنا بضغط على أسناني
جزاتك تسرقيني وتفترسي ضعفي وأنا مش موجودة؟ جزاتك تشككيني في حماتي وتعملي بيني وبينها شرخ لو فضل كان خرب بيتي وطلقني من جوزي؟ أنتي مش بس ست حرامية، أنتي حية زرعتي السم في بيتي وكنتي مستنية تشوفي البيت بيقع عشان تلمي من وراه الفلوس!
رفعت صباعي في وشها وحذرتها بلهجة عمري ما اتكلمت بيها في حياتي
الفلوس اللي خدتيها، الألفين جنيه بتوع الحجة، والألفين ونص اللي لهفتيهم مني، هيرجعوا النهاردة قبل ما الشمس تطلع. ولو الفلوس دي مرجعتش على الترابيزة دي، ورب الكعبة اللي خلقني وخلقك، لأنزل لعم منصور صاحب البيت، وأطلع لمحضر القسم ومعايا بنتي ومعايا وصل المستشفى اللي بيثبت إنك دافعة ألف وميتين بس، وهخلي جوزك يلبس بدلة السجن النهاردة قبل بكرة في إيصال الأمانة ده، والشارع كله هيعرف حقيقتك يا أم محمد!
أم محمد وشها احتقن بالدم من الغيظ والخزي، بصت لحماتي وحاولت تستعطفها
يا حاجة فاطمة، احنا جيران وعيش وملح، هترضى ترمي جارتك للبوليس عشان قرشين؟
حماتي بصتلها بقرف، تفلت على الأرض جنب رجليها وقالت بلهجة مفيهاش ذرة رحمة
العيش والملح ده للجدعان والناس الأصيلة، مش للكلاب اللي بتنهش في لحم اللي بيأمنلها. غوري في داهية من قدامنا، وساعة زمن لو الفلوس مكنتش هنا، هتشوفي الوش التاني اللي عمري ما وريته لحد في الحارة دي كلها.
أم محمد لفت وشها ونزلت السلم جري، خطواتها كانت سريعة ومتخبطة، كأنها بتهرب من مصيبة كانت هي اللي حافراها بايديها ووقعت فيها بكامل إرادتها.
قفلت باب الشقة وراها، وسندت ضهري على الخشب.
حسيت بركبي بتسيب فجأة، كل القوة اللي كنت واقفة بيها اتبخرت في لحظة. اترميت على الأرض جنب الباب، ودفنت وشي بين إيديا وبدأت أعيط بهستيريا. عياط كان مكتوم جواه خوف على ابني، وندم على شكي في حماتي، وحسرة على الدنيا اللي خلت أقرب الناس تبيع وتشتري في بعض عشان شوية ورق ملهمش قيمة.
حماتي قربت مني ببطء، نزلت على ركبها بالعافية رغم الوجع اللي كان في مفاصلها، ومسكت راسي وحطتها على صدرها.
ريحة حماتي كانت زي ريحة أمي الله يرحمها، ريحة صابون الغار والعود القديم، ريحة الأمان اللي اتحرمت منه من ساعات طويلة.
طبطبت على ضهري وقالت بحنية خلت قلبي يتقطع من جوة
اهدي يا بتي اهدي يا أم أحمد. خلاص، الشر انزاح والحق بان، وابنك جوة زي الفل ونايم في فرشته، والفلوس اللي راحت هترجع غصب عن عينها. متوجعيش قلبك بعياط على ناس متستاهلش دمعة واحدة من عينك.
رفعت راسي وبصيت في عينيها اللي كانت مليانة عتاب مخلوط برحمة
سامحيني يا ماما أنا كنت هضيع البيت ده بغبائي وتسرعي. أنا قولت كلام في سري عنك، وقولت كلام وحش لجوزي في التليفون، كنت شايفة إنك مش حاسة بيا وبابني، وإنك رميتي ضنايا عشان أنتي مش طايقاني
حماتي ابتسمت ابتسامة حزينة ومسحت دموعي بإيدها المجعدة
يا هبلة، لو مش طايقاكي، كنت هقعد في بيتك وأربي عيالك؟ لو مش معتبراكي بنتي، كنت هخاف عليكي من الصدمة في الطريق السريع؟ أنا عارفة قلب الأم لما بيتوجع على ضناها مبيشوفش قدامه، وعلشان كده سكتت ومردتش عليكي لما دخلتي تصرخي. أنا قولت البت محروقة على ابنها، والوقت كفيل يبين الأبيض من الأسود. بس يا بنتي، اتعلمي من الدرس ده، العشرة متتهزش من أول ريح، والناس اللي برة البيت مفيش أكتر من عيونهم اللي بتبص على رزقك واستقرارك.
قومت وسندت حماتي وقعدتها على الكنبة المريحة في الصالة، وبوست إيدها ورجلها، وقولت وأنا باخد نفسي
توبة يا ماما، توبة أصدق أي كلمة تتقال على أهل بيتي، والله ما هكررها تاني أبدًا.
الباب بتاع الأوضة اتفتح، وبنتي طلعت وهي ماسكة إيد أخوها الصغير. الواد كان لابس بيجامته وراسه متربطة بالشاش الأبيض، ملامحه كانت بريئة ومكانش فاهم كل الدوشة اللي حصلت حواليه.
أول ما شافني، جري عليا ورمى
نفسه في حضني
ماما! وحشتيني، راسك بتوجعني شوية بس خلاص بطلت أعيط لما تيتة جابتلي اللعبة الصبح قبل ما تسافري!
ضميته لصدري بقوة، شميته وكأني بتنفسه لأول مرة. حسيت بنبضات قلبه الصغيرة، ودموعي نزلت على كتفه، بس المرة دي كانت دموع شكر لربنا إنه حماه ونجاه من كل شر.
بصيت لبنتي اللي كانت واقفة بعيد، وقولتلها
تعالي يا منى، تعالي في حضني يا بنتي. أنتي كنتي بميت راجل النهاردة، لولا نبهتك ولولا إنك فتحتي عينك وكنتي واعية، كان زمان البيت ده متخرب وأم محمد راكبة فوق ضهورنا ومحدش قادر ينزلها.
منى جت واترمت في حضني وهي بتبتسم
أنا كنت خايفة عليكي يا ماما، بس تيتة قالتلي استني لما أمك تهدى واحكي بالراحة عشان متنهارش.
قعدنا كلنا في الصالة، والبيت اللي كان مليان صراخ وتوتر من ساعات قليلة، رجع يهدى ببطء.
بس الهدوء ده مكنش كامل كان لسه في حتة ناقصة.
تليفوني رن، كان جوزي بيتصل من شغله في الوردية المسائية.
رديت عليه وصوتي كان هادي ورزين
أيوة يا أحمد
أحمد اتكلم بقلق واضح في نبرته
ها يا أم أحمد؟ عملتي إإيه؟ روحتي لأمي؟ متعمليش مشاكل يا بنت الناس، أمي ست كبيرة، وإحنا مش عارفين ظروفها إيه، أنا قلبي واكلني عليكي وعلى الولد وواقف في الشغل مش على بعضي!
خدت نفس عميق وبصيت لحماتي اللي كانت بتلاعب ابني وبتضحك معاه، وقولت لجوزي بصوت كله فخر وامتنان
أمك ست الكل يا أحمد، أمك حمت ابنك وحمتني وأنا في طريقي، والبيت ده ملهوش بركة ولا أمان غير بوجودها فيه. لما ترجع بالسلامة هحكيلك على كل حاجة، بس كل اللي عايزاك تعرفه دلوقتي إن ابنك بخير، وأنا وأمك وبنتك قاعدين سوا، ومفيش بيننا غير كل خير ومحبة.
أحمد سكت ثانية وكأنه مكنش مصدق، وبعدين اتنفس براحة وقال
الحمد لله يا رب ربنا ما يحرمني منكم ولا يفرق بينكم أبدًا، أنا ساعتين وأكون عندكم في البيت.
قفلت معاه، وقبل ما أقوم أعمل لحماتي كوباية يانسون تهدي بيها أعصابها، الباب خبط خبطة واحدة هادية جدًا.
بصيت لحماتي، وحماتي بصتلي بابتسامة نصر خفيفة وقالت
قومي يا بتي شوفي مين، شكل الأمانة رجعت لأصحابها قبل ما يعدي الليل.
مشيت ناحية الباب وفتحته ببطء.
كان واقف برة عم سيد، جوز أم محمد، راجل مهدود الحيل وشكله مكسور، عينه في الأرض ومش قادر يرفعها في عيني. وفي إيده كان ماسك ظرف أبيض مقفول.
مد إيده بالظرف وهو بيتكلم بصوت واطي ومحروج لدرجة إنه مكنش باين
حقكم عليا يا أم أحمد وحق الحجة فاطمة فوق راسي من فوق. الولية اتجننت في عقلها والشيطان ركبها والزنقة عمت عينها. الفلوس أهي كاملة مكملة، الأربعة آلاف ونص بتوعكم في الظرف، وعليهم اعتذار مني ومن بيتي كله لحد ما نموت.
أرجوكم بلاش فضايح، وبلاش محاكم وقسم، إحنا مستورين بالعافية ومش حمل كلمة واحدة في حقنا وسط الناس.
بصيت للظرف وبصيت لعم سيد. حسيت بشفقة خفيفة على الراجل اللي ملوش ذنب غير إنه اتجوز واحدة خبيثة وطماعة، بس مكنش ينفع أتهاون.
أخدت الظرف من إيده، وقولتله بلهجة صارمة
الفلوس دي حقنا وحق الحجة فاطمة، وإحنا مش بتوع فضايح يا عم سيد، ولا بنحب نأذي حد. بس كلمتك وربايتك لبيتك هي اللي هتحكم الجيرة اللي بيننا. من النهاردة مفيش رجل تدخل هنا من بيتكم، ولا في كلام ولا سلام، كل واحد في حاله، وبابكم مقفول عليكم وبابنا مقفول علينا.
ولو لمحت أم محمد بتبص بس ناحية عيالي أو بتجيب سيرتنا في الشارع، الظرف ده مش هيحميها من البوليس المرة الجاية.
الراجل هز راسه بسرعة وقال
من عنيا الاتنين يا أم أحمد، حقك تطلبي أكتر من كده، وأوعدك مش هتشوفوا وشها تاني أبدًا.
لف الراجل ونزل مطأطأ الراس، وقفلت الباب ورايا وربست الترباس كويس.
رجعت الصالة، حطيت الظرف في إيد حماتي
حقك رجعلك يا ست الكل، والفلوس اللي دفعتها رجعت، وربنا نصرنا على الغدر في ليلة واحدة.
حماتي فتحت الظرف وطلعت منه الفلوس بتاعتها، وزقت الباقي ناحيتي
خدي فلوسك يا بنتي حطيها في بضاعتك، وربنا يباركلك في رزقك وفي ولادك. الليلة دي كانت درس لينا إحنا الاتنين، عشان نعرف إن البيوت اللي حيطانها مبنية على المحبة والتسامح، مفيش أي ريح غدر تقدر تهدها، مهما كان كيد الناس ومهما كانت شياطين الإنس حوالينا.
قعدت جنبها، وابني حط راسه في حجري ونام بهدوء، وبنتي قعدت جنب تيتة تسندها.
حسيت في اللحظة دي إن كل التعب والخوف اللي عشته على مدار اليوم اتبدل براحة غريبة، راحة ميعرفهاش غير اللي كان على وشك يخسر كل حاجة في لحظة غضب، وفجأة ربنا نور بصيرته ورجعله أهله وبيته وأمانه.

تعليقات
إرسال تعليق