سكريبت تورتة كامله حكايات رومانى مكرم
سكريبت تورتة كامله حكايات رومانى مكرم
سلفتي بعتتلي تورتة مانجو فخمة في عيد ميلادي وتاني يوم كلمتني بصوت كله تصنّع وسألتني إيه رأيك في التورتة؟ عجبتك؟ ابتسمت بهدوء وقلت طارق أكلها كلها السكة تقيلة كأنها اتخضّت وفجأة صوتها اتهز إيه؟! إنتِى بتقولي إيه؟ بتهزري؟! وفي نفس اللحظة… موبايلي رن كان جوزي بيتصل بيا
مريم سلفتي بعتتلي تورتة مانجو فخمة في عيد ميلادي
وصلت العلبة الشيك الكبيرة متغلفة بضمير ومربوط فوقيها شريطة ستان شيك بفيونكة ومقصوص عليها كارت صغير مكتوب فيه
كل سنة وانتي طيبة يا رانيا… استمتعي بحاجة دسمة
الحقيقة؟
التصرف ده كان غريب عليها جدًا
أربع سنين وأنا مستحملة تلميحاتها وسخريتها
رانيا مش أشطر حاجة في الحلويات بصراحة
و
طارق أخو جوزي متعود على أكلنا العالي مش عارفة بياكل إزاي عندك
كانت دايمًا محسساني إني أقل منها ومبتضيعش فرصة للغِيرة
عشان كده لما شلت التورتة وحطيتها في التلاجة حسّيت لأول مرة إن يمكن… الدنيا هتهدى والنوايا اتغيرت
بالليل كنت بعمل العشا
دخل جوزي طارق فتح التلاجة وصفّر بإعجاب
إيه ده! دي شكلها تحفة… من مريم؟
قلت وأنا بغسل الخس
آه هدية عيد ميلادي
باسني على خدي بسرعة وقال
حلو أوي
بعد ما خلصت شاور ولبست بيجامتي روحت المطبخ عشان أفتح العلبة وآكل…
شلت الغطا… لقيت العلبة ممسوحة!
الأطباق والشوك الصغيرة مرصوصة في الجنب زي ما هي
لكن التورتة نفسها؟ مفيش ولا قطعة مانجو ولا حتة كريمة
ممسوحة تمامًا كأن حد لحسها برغيف عيش ومفيش فاضل فيها غير شوية سيروب دبلانين في القعر
ناديته
طارق؟
كان ممدد على الكنبة ماسك الموبايل ولا في دماغه حاجة
قال من غير ما يبصلي
نعم؟
سألته
إنت أكلت التورتة؟
هز كتفه
آه افتكرتك دُقتي منها
قلت مصدومة
كلها؟! دي تورتة عائلية!
قال بضيق
يا رانيا دي تورتة مانجو! هجيبلك غيرها
ساعتها حسّيت إن الموضوع مش في التورتة
الموضوع في إحساسه إن أي حاجة تيجيلي… تبقى من حقه هو الأول
تاني يوم الصبح موبايلّي رن
مريم سلفتي
صوتها كله دلع مصطنع
كل سنة وانتي طيبة يا رانيا تاني… بس كنت عايزة أتأكد إن التورتة وصلت كويس
قلت بابتسامة متصنعة
آه وصلت شكرًا
سألت بسرعة
وعجبتك بقى؟
بصيت على طارق كان واقف في المطبخ بيصب القهوة عادي جدًا
وأول مرة… قررت مبقاش مؤدبة
قلت بهدوء
طارق أكلها كلها
سكتت
سكة طويلة أوي
بعدها صوتها طلع مهزوز
إيه؟! بتقولي إيه؟ هو أكلها كلها؟!
قلت
آه التورتة كاملة
سمعتها بتتمتم كلام مش واضح…
وفجأة صوتها اتغير
بقى حاد مرعوب
قالت بسرعة
رانيا… ركزي معايا هو قال إنه تعبان؟ حس بمغص غريب؟ إنتِ لوحدك دلوقتي؟
معدتي اتقبضت
قلت
ليه يا مريم؟ في إيه؟
سكتت ثواني…
#الكاتب_رومانى_مكرم
وبعدين همست بصوت مكسور
يا نهار أبيض… أنا اللي غلطت
وفجأة… موبايلي هز بمكالمة تانية
طارق
جوزي بيتصل بيا…
من عربيته…
رغم إنه كان من ثواني واقف في المطبخ قدامي بيصب القهوة!
وفي نفس اللحظة سمعت مريم بتهمس بخوف في التليفون
ما ترديش عليه… اقفلي الباب عليكي حالًا
رفعت إيدي اللي بتترعش وحطيت الموبايل على ودني التانية، في نفس اللحظة اللي كانت فيها عينيا متسمرة على الشخص اللي واقف في المطبخ بضهره، بيصب القهوة بنفس الهدوء والبرود.
صوت مريم كان بيقطع في ودني اليمين: “رانيا… اسمعيني كويس، متتحركيش من مكانك، الشخص اللي في المطبخ ده مش طارق!”
قبضة في صدري شلت حركتي تمامًا، والدم أتجمد في عروقي. طارق جوزي اللي في العربية كان بيتصل، الموبايل في إيدي بيتهز باسمه وصورته، والشخص اللي قدامي بيلف وشه بالبطيء، شايل فنجان القهوة، وبيبصلي بابتسامة باهتة ومفيهاش أي معالم من طارق اللي أعرفه.
رديت على طارق جوزي الحقيقي بصوت مش طالع: “طارق… إنت فين؟”
جالي صوته من التليفون وسط صوت زحمة العربيات والآلات: “رانيا! إنتِ كويسة؟ مريم اتصلت بيا من دقيقة وكانت بتبكي وبتصرخ، بتقولي إني لازم أرجع البيت فورًا وأطلب الإسعاف.. إيه اللي بيحصل عندك؟ أنا قدامي خمس دقائق وأوصل!”
ساعتها خط مريم اتفصل، والشخص اللي واقف في المطبخ خطى خطوة ناحيتي. عينيه كانت متسعة بشكل مش طبيعي، وفنجان القهوة في إيده كان بيتهز، لكن مش من الخوف.. من حركات تشنجية في جسمه.
قال بصوت مبحوح ومختلف تمامًا عن صوت طارق: “بتكلمي مين يا رانيا؟ مش أنا واقف قدامك؟”
تراجعت خطوة لورا، ضهري خبط في باب الأوضة. مسكت مقبض الباب وعينيا مش مفارقة وشه. كان شبه جوزي جدًا، نفس الملامح والنظارة، لكن التفاصيل الصغيرة كانت مرعبة.. جلده كان شاحب كأنه جثة، ورقبته فيها عروق زرقا متشنجة، وسبابة إيده الشمال كانت بتتحرك في هواء المطبخ بشكل عشوائي.
افتكرت كلام مريم الأخير: “اقفلي الباب عليكي حالًا!”
بدون ما أفكر، زقيت نفسي جوة الأوضة ورزعت الباب، وقفلت الكالون برعشة هزت مفاتيح الشقة كلها. في نفس اللحظة، اتخبط الباب من برة برزعة قوية خلّت الخشب يزيق.
صوت الشخص من برة اتغير تمامًا، بقى حاد وصرخ: “افتحي يا رانيا! أنا طارق! التورتة.. التورتة كانت ليا أنا! هي كانت بعتاها لطارق أخو جوزها.. بس أنا اللي أكلتها!”
مخي بدأ يربط الخيوط ببعضها في ثواني معدودة، وسط صراخ الخبط على الباب. طارق جوزي اسمه طارق.. وطارق أخوه (جوز مريم) اسمه طارق برضه!
مريم مكنتش بعتة التورتة ليا هدية ولا دسامة وعيد ميلاد.. مريم كانت حاطة حاجة في التورتة، حاجة سامة أو مادة بتدمر العقل، وكانت خايفة وطالبة تتأكد إن “طارق جوزها” هو اللي أكلها بحجة إنه متعود ياكل من إيدها أو هياكل من التورتة اللي جاية الشقة.. لكن اللي أكلها كان جوزي أنا، واللي قدامي ده تأثير السم أو المادة اللي كانت في التورتة!
موبايل رن تاني.. كانت مريم.
رديت بعصبية والرعب وأنا سانده بضهري على الباب اللي بيتهز من الخبط: “إنتِ عملتي إيه يا مريم؟! مين اللي برة ده؟! إنتِ حطيتي إيه في التورتة؟!”
صوت مريم كان مليان بكاء وهستيريا: “رانيا اقسم لك مكنتش أقصدك إنتِ ولا جوزك! أنا.. أنا كنت فاكرة إن طارق جوزي هو اللي هيعدي عليكي وياخدها أو إنتوا هتاكلوها سوا.. المادة دي زنيخ ومخدر أعصاب قوي! أنا كنت عايزة أتخلص من طارق جوزي بعد ما عرفت إنه هيطلقني ويطردني برة البيت وكتب كل حاجه باسم أخته! التورتة فيها جرعة تقضيلك على جمل في ساعتين!”
الدموع نزلت من عينيا زي المطر، وصوت الخبط على الباب بقى أشرس، وصوت الضحكات الغريبة اللي طالعة من جوزي برة كانت بترعب الصخر.
صرخت فيها: “جوزي بيموت برة يا مريم! ده مش طارق.. ده واحد تاني خالص! عقله اتلحس وجسمه بيتشنج!”
سمعت صوت سرينة إسعاف وصوت فرامل عربية قوية تحت العمارة. طارق جوزي الحقيقي؟ لأ.. طارق جوزي كان على الخط الثاني، بس مين اللي كان في العربية؟
وفجأة.. صوت الخبط على باب الأوضة وقف تمامًا.
سكون مرعب ساد الشقة. مفيش أي صوت.. ولا حتى نفس.
بصيت من تحت الفتحة الصغار بتاعة الباب، شفت فنجان القهوة مكسور على الأرض، والقهوة مدلوقة ومخلوطة بدم أسود نازل من تحت باب المطبخ.
في نفس اللحظة، سمعت صوت باب الشقة الخارجي بيتفتح بالمفتاح.. وصوت قدمين بتمشي في الصالة، وصوت طارق جوزي بينادي برهبة: “رانيا؟ إنتِ فين؟ أنا جيت ومحمود أخويا معايا!”
لكن القشعريرة الحقيقية ضربت جسمي لما سمعت الصوت اللي كان ورا باب أؤضتي بيتحرك تاني.. وبيقول بصوت واطي جدًا جنب ثقب المفتاح: “متفتحيش.. اللي دخل الشقة ده مش طارق.. أنا طارق الحقيقي يا رانيا.. افتحي قبل ما يقتلوكي زي ما مريم قتلتني!”
تجمّدت مكانى وأنا ساندة ضهرى بكل قوتى على الباب، قلبى بيضرب فى ضلوعى زى الطبولة. الصوت اللي جاى من ورا ثقب المفتاح كان همس دافئ، خافت، وشبه صوت طارق جوزى فى لحظات تعبه.. لكن الكلام اللي قاله نسّانى إزاى أتنفس.
“متفتحيش.. اللي دخل الشقة ده مش طارق.. أنا طارق الحقيقي يا رانيا.. افتحي قبل ما يقتلوكي زي ما مريم قتلتني!”
فى نفس اللحظة، كان فى الصالة برة صوت خطوات تقيلة بتبعد عن المطبخ وتقرب من أوضة النوم. صوت طارق تاني—أو الشخص اللي دخل بالمفتاح—بينادى بلهفة ورعب حقيقي: “رانيا! إنتِ فين؟ افتحى يا رانيا أنا طارق! محمود معايا ورجليه مش شايلاه.. مريم اختفت من البيت وسيبانا نغرق!”
مسكت الموبايل بإيدى اللي بتترعش زي الورقة. الشاشة كانت لسه شغال على مكالمة مريم اللي اتطفت فجأة، وبقت السكة عبارة عن هسيس وشوشة خط أرضى مقطوع. حطيت الموبايل على ودنى وحاولت أصرخ، بس الصوت اتخنق فى زوري.
بصيت لأسفل الباب.. الدم الأسود اللي كان نازل من المطبخ بدأ يتسرب ويقرب من تحت باب الأوضة، يتسلل بخطوط رفيعة ولزجة. والشخص اللي واقف ورا الباب مباشرة بدأ يهمس تاني، بس المرة دي كان بيضحك ضحكة مكتومة، مرعبة، كأنها طالعة من قاع بئر: “أنا بلعت التورتة كلها يا رانيا.. كانت حلوة أوي.. المانجو كان فيها طعم زنيخ.. بس الكريمة دارت كل حاجة.. افتحيلي آخد شربة مية من إيدك.”
صرخت بعلو صوتي: “طارق! الحقني يا طارق! فى حد ورا الباب!”
سمعت جرى سريع فى الصالة، وخطوات هبدت قدام باب الأوضة برة. صوت جوزى (اللي دخل بالمفتاح) كان طالع مرعوب ومذهول وهو بيكلم محمود أخوه: “محمود! بص على الأرض! إيه الدم ده؟! مين اللي جوة ده يا رانيا؟ افتحي يا رانيا أنا طارق جوزك والله العظيم أنا طارق! أنا نزلت الصبح بدري عشان أصلح عربيتي ومكنتش فى المطبخ!”
هنا عقلي وقف..
لو طارق جوزي نزل الصبح بدري يصلح العربية.. يبقى مين اللي كان واقف فى المطبخ من شوية بيصب القهوة بنفس البيجامة ونفس النظارة وسألني عن التورتة؟! ومين اللي مسك الموبايل وكلمني، ومين اللي أكل التورتة بالليل؟!
الهمس اللي ورا الباب اتغير فجأة لصرخة حادة، وهجم الجثة أو الشيء اللي واقف ورا باب الأوضة بكل قوته على الخشب. خبطة واحدة خلّت اللسان الحديدى بتاع الكالون يتلوي والباب يشرخ من النص!
سمعت صوت طارق جوزي ومحمود برة بيصرخوا، وبدأوا يزقوا الباب من ناحية الصالة عشان يدخلوا، فى الوقت اللي كان الشيء اللي جوة شقتي—بين الصالة والأوضة—بيحاول يكسر الباب عشان يدخلي أنا!
“رانيا! ابعدي عن الباب!” صرخ طارق من الصالة وهو بيضرب الباب بكتفه.
الخشب اتكسر وتفلق نصين، وطارت حتة منه فى الأوضة. من الخرم المكسور، شفت الوش اللي كان واقف ورا الباب.. مكنش طارق! ولا كان محمود!
كان وش راجل ملامحه سايحة، جلده رمادي كأنه شمع محروق، وعينيه الاتنين بيض تمامًا مفيهاش نني، وبقه ينزف نفس المادة السودة اللزجة. كان يأس بيده المكسورة ويمدها جوة الخرم المكسور عشان يوصل لمقبض الباب ويفتحه من جوة!
مديت إيدي ووجدت فازة كريستال تقيلة على التسريحة جنَبي. مسكتها بكل قوتي وضربت بيها الإيد الممدودة من الخرم. الشيء أطلق صرخة مكتومة مش بشرية، والإيد ارتدت لورا. فى نفس اللحظة، طارق ومحمود زقوا الباب الخارجي للأوضة بكل قوتهم، والباب اتفتح وانكسر الكالون تمامًا.
وقع الشيء الرمادي على الأرض بين طارق وبينى.
طارق جوزي وقف مشدوه، عيونه متسعة من الصدمة، ومحمود أخوه سند على الحيطة ووشه أصفر زي الليمونة ورجليه بتترعش.
طارق بص للشيء المرمي على الأرض، وبعدين بصلي وهو مش مصدق: “إيه ده؟! مين ده يا رانيا؟! ده.. ده لبس طارق أخويا!”
قرب محمود ببطء شديد، وركع جنبه وهو بيترعش، وقلب الجثة على وشها.
الملابس كانت فعلاً بيجامة طارق (جوز مريم).. لكن الوش كان متدمر ومتغير بسب أثر السم اللي سرى فى جسمه وفتك بأعصابه وعقله قبل ما يموت!
ساعتها الموقف بقى كابوس ملوش أول من أخر. طارق أخو جوزي (جوز مريم) هو اللي دخل شقتنا بالليل وهو غايب عن الوعي بسبب جرعة السم الأولى اللي أخدها فى بيته، وأكل باقي التورتة اللي مريم بعتتهالي هنا! عقله اتلحس وجاله هلاوس وتشنجات وضياع كامل للهوية، وافتكر نفسه هو صاحب البيت، وظن إنه طارق جوزي!
بصيت لطارق جوزي وأنا بكي بهستيريا: “مريم.. مريم كانت حاطة زنيخ ومخدر أعصاب فى التورتة عشان تقتل جوزها طارق.. وطارق جا هنا بالليل وهو مش حاسس بنفسه وأكل باقي التورتة.. هو ده اللي أكلها كلها يا طارق! مش أنت!”
محمود مسك دماغه وقعد على الأرض يبكي: “مريم قتلت طارق أخويا.. قتلت أخويا!”
وفجأة.. الموبايل اللي كان مرصود على الأرض بيتهز، رن بصوت عالي.
كان الرقم الأرضي بتاع العمارة.. أو بالأحرى، تليفون الأمن بتاع الشارع.
طارق جوزي مسك الموبايل وفتح السبيكر بإيد بتترعش.
صوت الحارس كان مرعوب وبيصرخ: “يا طارق بيه! الحق يا بيه! مدام مريم نازلة من العمارة ماسكة سكينة كبيرة وبتقول إنها طالعة شقتكم عشان تخلص على كل اللي فى البيت قبل ما حد يبلغ البوليس! وهي دلوقتي فى الأسانسير طالعة الدور بتاعكم!”
وفي نفس اللحظة بالضبط.. سمعنا صوت زنة الأسانسير وهو بيقف فى دورنا.. وصوت تكّة الباب الصاج وهو بيتقفل برة فى الطابق!
تورتة حكايات رومانى مكرم 2
صوت زنة الأسانسير المرعبة وهوا بيقفل كان زي إعلان الموت على باب الشقة. محمود كان لسه راكع على الأرض جنّب جثة أخوه المترامية في الدم الأسود، وشه باهت وعينيه مش مفارقة الملامح الشمعية اللي تشوهت بالسم. طارق جوزي اتنفض من مكانه، وبلمحة سريعة شدني من إيدي لورا ضهره، وعينيه بتتطلّع لباب الشقة الخارجي المفتوح على الصالة.
صوت خطوات كعب عالي بتضرب على بلاط الممر البراني.. خطوات سريعة، متخبطة، ومصطحبة بصوت أنفاس متقطعة وصريخ مكتوم زي صرخة مجنونة.
“رانياااا! طااارق!”
صوت مريم كان طالع زعيق مش بشري، حاد ومشروخ، بيتردد صداه في سلم العمارة كله.
طارق زقني بسرعة ناحية المطبخ وهو بيهمس بصوت مرعوب وبيموت من الخوف: “ادخلي جوة يا رانيا وقفي ورا الباب! محمود! قوم معايا بسرعة زق الكنبة على الباب!”
لكن محمود مكنش في وعيه.. كان في حالة ذهول وتخدير نفسي تام، مسك إيد جثة أخوه الميتة وبيتمتم بكلام مش مفهوم: “طارق مات.. مريم قتلت أخويا.. قتلت أخويا.”
وقبل ما طارق يلحق يتحرك خطوة واحدة ناحية الصالة عشان يقفل الباب الخارجي، كانت مريم وقفت على عتبة الشقة.
منظار مرعب يخلي الشعر يقف. مريم كانت واقفة، شعرها المنكوش نازل على وشها المبلل بالعرق والدموع، بجامتها الشيك متغرقة طين ودم من إيديها، وفي إيدها اليمين ساطور مطبخ عريض بيلمع تحت إضاءة نجفة الصالة. عينيها كانت جاحظة وشرايينها الحمرا باينة ومحقونة بالغل والخوف.
أول ما شافتنا، عينيها وقعت على الجثة المرمية على أرضية أوضة النوم وعلى السائل الأسود اللي مغرق السجادة.
سكتت فجأة.. الخطوات السريعة وقفت، والسطور اتدلى في إيدها شوية.
طلعت منها تنهيدة طويلة ومكسورة، وبعدين بدأت تضحك.. ضحكة هستيرية عالية ومتواصلة هزت الشقة كلها. ضحكة بكاء وجنون في نفس الوقت.
“أكلتها يا طارق؟” قالتها وهي بتبص للجثة وبتتحرك ناحيتها ببطء، مش حسة بوجودنا ولا شايفانا، كأن كل اللي في العالم أختفى وما فاضلش غير هي والجثة: “كنت فاكرة إنك هتموت في بيتك.. كنت فاكرة إنك هتختفي وهقول للناس إنك سافرت أو جالك جلطة.. إيه اللي جابك هنا؟ إيه اللي خلاك تجري على رانيا في نص الليل عشان تاكل بقيتها؟!”
طارق جوزي خد خطوة لورا بالراحة وهو ماسك كرسي سفرة خشب تقيل في إيده، وقال بصوت بتحاول تسيطر عليه الرعشة: “مريم.. ارمي الساطور ده من إيدك.. البوليس والإسعاف زمانهم في السكة، الحارس بلّغ خلاص!”
مريم لفت وشرارة الجنون ضربت في عينيها لما سمعت كلمة “البوليس”. بصت لطارق وبعدين بصتلي أنا اللي واقفة مستخبية ورا الحيطة بلكة ورعب.
صرخت وهي بتمسك الساطور بإيديها الاتنين ورفعته فوق دماغها: “بوليس؟! مفيش بوليس هيجي يلحق حد! إنتوا كلكم شفتوا! إنتوا كلكم عرفتوا إني أنا اللي حطيت الزنيخ! لو خرجت من هنا هتحبس وطول عمري هتعفن في السجن! إنتِ يا رانيا.. إنتِ السبب! لو مكنتيش قلتيلي إن طارق أكل التورتة مكنتش جيت! لو مكنتيش عزمتيه مكنش مات هنا!”
وفي ثانية، اندفعت مريم زي الوحش الكاسر باتجاه طارق!
رفع طارق الكرسي الخشب يدافع بيه عن نفسه، والساطور نزل بقوة رهيبة فوق الخشب، شق الكرسي نصين وصوت ضربته ضرب في نفوخنا كلنا. طارق اتكعبل في السجادة ووقع على ضهره، والكرسي طار من إيده.
مريم رفعت الساطور تاني وكانت نازلة بيه على صدر طارق!
“طاااارق!” صرخت بعلو صوتي وبدون ما أفكر في أي حاجة، رميت نفسي من مكان استخبائي وهجمت على مريم من ضهرها! مسكت شعرها بقوة وعصرت دراعها اللي ماسك الساطور.
مريم صرخت صرخة مكتومة ولفت بحدة، كوعها خبط في وشي بقوة خليت طعم الدم يملى بؤي، ووقعت على الأرض جنّب طارق.
ساعتها محمود—اللي كان غايب عن الوعي—سماع صريخي وصوت الهرج، كأنه أستوعب الكابوس فجأة. قام من الأرض زي المجهود وجري على مريم، مسك دراعها اللي فيه الساطور وثبته على الأرض بقوة وجسمه كله فوقيها.
“اقتليهم يا محمود! ارمي الساطور!” صرخ طارق وهو بيحاول يقوم ويكتم الدم اللي نازل من جبهته.
محمود كان بيحاربها وهي بتتلوى تحته زي الثعبان، بتعضه وبتصرخ وبتضرب برجليها في كل حتة. نجح محمود إنه يضرب إيدها في بلاط الأرضية لحد ما الساطور طار وتسحب بعيد تحت كنبة الصالة.
مسكنا مريم بالعافية، طارق ومحمود مكتفين إيديها ورجليها وهي بتتلوى وتصرخ بصوت هيستيري وتف وتسب وتلعن فينا وفي الدنيا كلها، وشها بقى شاحب وشفايفها بدأت تزرق من المجهود والجنون.
فجأة.. صراخ مريم وقف.
بدأت جسمها يتشنج بشكل مرعب زي ما حصل لزوجها قبل ما يموت.. عينين مريم لفوا لفوق، وبدأ يطلع من بؤها رغاوي بيضا مخلوطة بدم!
أنا وُقفت مشدوهة ومصدومة: “إيه ده؟! هي مالها؟! هي جرى لها إيه؟!”
محمود بصلها برعب وساب إيدها: “مريم.. إنتِ أكلتي من التورتة؟!”
مريم وهي بتتشنج وصوت أنفاسها بيتقطع ويتحول لهسيس واطي، ابتسمت ابتسامة مرعبة مليانة دم، وهمست بصوت مكسور وطالع بالعافية: “أنا.. أنا دوقتها بالأول.. عشان أتأكد إن طعم المانجو مغطي على الزنيخ.. أنا.. أنا ميتة زيكم.. مفيش حد.. مفيش حد هيطلع من الشقة دي عايش..”
وفي اللحظة دي بالضبط، وبينما مريم بتدخل في سكرات الموت والتشنج على أرضية الصالة.. سمعنا صوت سرينات البوليس والإسعاف بتملى الشارع تحت العمارة.
لكن الصوت اللي خلّى شعر جسمنا يقف من الرعب.. كان صوت جايلنا من جوة المطبخ!
صوت خطوات هادية.. بتتحرك ببطء في الضلمة بتاعة المطبخ.. وصوت فنجان قهوة بيتحط على الرخامة.. وصوت طارق أخو جوزي (الجثة المرمية في الأوضة) وهو بيكح كحة مكتومة وبيقول من جوة المطبخ: “رانيا.. القهوة زبطت.. تعالي خدي فنجانك.”
انقبضت صدورنا الثلاثة في نفس اللحظة، وتجمّدت حركة طارق ومحمود فوق جثة مريم التي كانت تفارق الحياة بتشنجات مرعبة على أرضية الصالة.
الصوت القادم من ظلام المطبخ لم يكن مجرد صدى أو تهيؤات.. كان صوت خطوات بطيئة واثقة تتجه من المطبخ نحو الصالة، تتبعها برودة مفاجئة سرت في أرجاء الشقة كأن باب ثلاجة عملاقة فُتح في وجوهنا.
محمود بص لجثة أخوه المرمية في الأوضة، والدم الأسود اللي مالك السجادة، وبعدين بص لناحية المطبخ وعينيه محقونة بالدم والذهول: “ده.. ده صوت طارق أخويا! إزاي؟! هو مش ميت قدامنا جوة؟!”
طارق جوزي وقف بشويش، سحب زهرية ورد رخام تقيلة من على الطاولة، وشاورلي بإيده إني أرجع لورا. كنت حاسة إن أرجلي مش شيلاني، ضهري لزق في الحيطة وطعم الدم في بؤي بيزيد مرارة.
من عتمة المراهق الموصل للمطبخ، برز خيال..
خرج شخص بيمشي ببطء، رافع راسه، لابس نفس بيجامة طارق أخو جوزي، بس الملامح.. الملامح مكنتش ملامح إنسان حقيقي! وش شاحب كأنه منحوت من شمع رمادي، عينيه مظلمة ومفيهاش أي لمعة حياة، وفي إيده اليمين ماسك فنجان القهوة اللي القهوة الدسمة السخنة بتطلع منه بخار دافي.
توقف الشخص على أطراف الصالة، وبص لمريم وهي بتموت على الأرض، وبعدين رفع عينيه وبصلنا واحد واحد.. وابتسم ابتسامة عريضة مش طبيعية، فتحت بؤه لحدود خلّت جلود وشنا تقشعر.
“إنتوا مستغربين ليه؟” الصوت خرج من حنجرته بس مكنش صوته لوحده.. كان مزيج بين صوت طارق أخو جوزي، وصوت همس خفي تاني مرعب: “التورتة مكنتش واحدة يا رانيا.. مريم لما طمعت في ورثي وعلاقتي بيكي وبأخويا.. مكنتش عارفة إن السحر والزنيخ اللي حطتهم في التورتة فتحوا باب لحاجة تانية خالص.”
أنا صرخت وأنا بحط إيدي على بؤي، طارق جوزي صرخ فيه بصوت مبحوح: “إنت مين؟! إنت مش أخويا! طارق أخويا مات على الأرض جوة!”
الشيء اللي واقف قدامنا حط فنجان القهوة على بنش الصالة بجميع الهدوء، وخطى خطوة ناحيتنا. محمود، من كتر الصدمة والجنون، هجم عليه بصرخة هستيرية عشان يضربه: “أنا هقتلك يا مجرم يا ابن…!”
بس قبل ما محمود يلمسه، الكائن ده حرك إيده بسرعة غير بشرية، ضرب محمود في صدره ضربة خفيفة ظاهريًا، بس طيرت محمود في الهواء وترزعته في حيطة الصالة! محمود وقع على الأرض مغمي عليه ونازل من مناخيره دم.
طارق جوزي صرخ وهجم عليه بالزهرية الرخام، ضربه بيها على دماغه بقوة خلّت الزهرية تتفلق نصين!
لكن الكائن حتى متهزش! راسه المضروبة لفت الجنب التاني برفق، وبعدين رجعت ببطء لطارق، ومسكه من زوره بإيد واحدة ورفعه عن الأرض! طارق كان بيفرفر بين إيديه، رجليه بتضرب في الهواء ووجهه بدأ يحمر ويحرق من خنق الرقبة.
“طارق!” صرخت بعلو صوتي. جريت على المطبخ وأنا مش شايفة قدامي من الدموع والهلع، مسكت أثقل سكينة تقطيع لحوم وجريت بيها على الصالة.
نزلت بالسكينة بكل قوتي في ضهر الكائن ده!
السكينة غرزت لجوا، بس مطلعش دم.. طلعت نفس المادة السودة اللزجة المخلوطة بريحة سيروب المانجو المصدية اللي كانت في علبة التورتة!
الكائن ساب طارق، وطارق وقع على الأرض بيكح وبياخد نفسه بالعافية. الكائن لفلي بالبطيء، مسك السكينة المغروزة في ضهره، سحبها ببرود ورمادها على الأرض. قرب مني وأنا بتراجع لورا لحد ما ضهري خبط في باب الشقة الخارجي المقفول.
رفعت إيدي بترعش وأنا ببكي: “عايز إيه مننا؟! التورتة كانت لمريم وطارق.. أنا مالِش دعوة!”
قرب وشه من وشي، الريحة اللي طالعة من بؤه كانت خليط من المانجو المزرنخة وريحة المقابر. همس في ودني بصوت مرعب: “المادة اللي مريم حطتها في التورتة مكنتش زنيخ بس.. مريم راحت لدجال عشان تعمل لزوجها عمل بالمرض والموت.. والعمل ده تحضر لما طارق أكل التورتة كاملة بالليل هنا في شقتك.. الكيان اللي جوايا دلوقتي.. مش هيمشي إلا لما ياخد الروح اللي اتعزمت عليه الأول!”
عينيه بصت لطارق جوزي اللي كان بيحاول يزحف على الأرض عشان يوصل للساطور اللي تحت الكنبة.
الكائن رفعت رجليه وكان نازل بيها يفرك جمجمة طارق جوزي!
صرخت بقوة ونطيت في النص، مسكت الكارت الصغير بتاع مريم اللي كان لسه واقع على الترابيزة من الصبح، الكارت اللي مكتوب فيه: كل سنة وانتي طيبة يا رانيا… استمتعي بحاجة دسمة.
افتكرت حاجة.. الجملة اللي الدجال بيحضر بيها الكيان!
صوت أجهزة سرينات البوليس والإسعاف كان خلاص تحت العمارة، وأصوات خطوات أفراد البوليس وهما طالعين على السلم بالسرعة والضرب على السلالم بتهز العمارة.
الكائن اتنفض لما سمع صراخ البوليس برة، وبصلي بحدة وصرخ صرخة هزت أركان الشقة، والشبابيك اتكسرت منها!
وفجأة، باب الشقة الخارجي بدأ يتكسر برزعات قوية من ضباط البوليس برة: “افتح يا طارق! افتحي يا مدام رانيا! البوليس برة!”
الكائن مسكني من شعري ورفعي لفوق وهو بيضحك ضحكة مجنونة: “البوليس مش هيقدر يحميكي من اللي تحت الأرض يا رانيا.. العزومة اتفتحت خلاص!”
وفجأة.. الباب الخارجي اتكسر واتخلع من مكانه ووقع جوة الصالة، ودخلوا ضباط ورجال الشرطة شالين أسلحتهم، والنور الأبيض بتاع كشافاتهم ملأ المكان..
لكن اللي الضباط شافوه لما دخلوا الشقة.. جعل الضابط الكبير يتراجع خطوة لورا ويطلع مسدسه بإيد بتترعش من هول المنظر!
تجمّد رجال الشرطة على العتبة، والكشافات المثبتة على أسلحتهم كانت بتترعش في إيديهم. المنظر جوة الصالة كان كابوس لا يمكن لعقل بشري يستوعبه؛ جثة مريم متشنجة ورغاوي الدم الأسود مغطية وشها، ومحمود مرمي في زاوية القاعة ينزف من أنفه، وطارق جوزي ممدد على الأرض بيصارع عشان يتنفس، وأنا.. كنت مرفوعة في الهواء من شعري بإيد هذا الكائن الشمعي المرعب اللي عيونه بيض تمامًا ومفيهاش أي معالم للحياة.
“ارمي السلاح! نزل الست دي فورًا!” صرخ الضابط الكبير بصوت حاد ومذعور، وهو بيمسك مسدسه بإيديه الاتنين وبوجهه لقلب الكائن.
الكائن بصلهم ببطء شديد، وابتسامته الشيطانية اتسعت لحد ما شفايفه اتشققت ونزل منها نفس السائل الأسود بريحة المانجو المزرنخة. طلع منه صوت ضحك ضخم ومكتوم هز جدران الشقة، وفي ثانية واحدة.. زقني بقوة رهيبة باتجاه الضباط، فطرت في الهواء وانخبطت في الضابط وسقطنا إحنا الاتنين على الأرض.
“افتحوا النار!” صرخ الضابط وهو بيحاول يقوم.
دوت صيحات الرصاص في الصالة المغلقة، طلقات متتالية اتوجهت لجسد الكائن. الرصاص كان بيدخل في جسمه كأنه بيدخل في طين أو شمع يابس، بيعمل ثقوب بيطلع منها دخان ريحته زفرة ومادة سودة، لكنه مكنش بيموت.. مكنش حتى بيتألم! كان بيخطو خطوات ثقيلة ومباشرة نحو رجال الشرطة، وكل طلقة كانت بتخليه يزداد ضخامة وشكله يزداد تشوهًا.
وسط الفوضى والرصاص وصراخ الضباط اللي بدأوا يتراجعوا على السلم في حالة رعب وفزع، افتكرت الكارت الصغير اللي كان في إيدي.. كارت عيد ميلادي اللي مريم كتبته.
افتكرت الهمس اللي سمعته منه لما كان قريب من ودني: “العمل ده تحضر لما طارق أكل التورتة كاملة.. والكيان مش هيمشي إلا لما ياخد الروح اللي اتعزمت عليه الأول.. العزومة اتفتحت!”
الموضوع مكنش مجرد زنيخ ولا مجرد طمع في ورث.. مريم راحت لدجال عشان تعمل لزوجها عمل بالهلاك الماحق، وربطت الكيان بعزومة ودسامة التورتة! والعمل مكنش موجه لطارق جوزي، ولا ليا.. كان موجه لـ “طارق زوج مريم”. طارق زوج مريم هو اللي أكل التورتة وهو اللي الروح المحضّرة حلت في جسمه ونهت حياته وتحكمت بجثته!
زحفت على الأرض وسط ظلام الصالة والرصاص اللي بيخبط في الحيطان، لحد ما وصلت لطارق جوزي. كان غايب عن الوعي تقريبًا، بس عينيه مفتوحة بضعف.
“طارق! قوم معايا! لازم ننهي العزومة!” صرخت في ودنه وأنا بشده من قميصه.
الكائن كان خلاص مسك أحدث الضباط من رقبته ورفعه، وباقي القوة كانت بتهرب على السلم في حالة هستيرية.
جريت على المطبخ، والتلاجة كانت لسه مفتوحة وبابها بيصرخ. علبة التورتة الفخمة الكبيرة كانت لسه مرمية في قعر التلاجة.. العلبة الممسوحة اللي مفيش فاضل فيها غير سيروب المانجو الدبلان والسائل الأسود اللي اتسرب منها.
مسكت علبة التورتة بإيديا اللي بتترعش، وجبت الولاعة اللي بنولع بيها البوتجاز.
في نفس اللحظة، الكائن ساب الضابط ولفلي.. حس باللي أنا بعمله. خطواته بقت سريعة، ومسعورة، صرخ صرخة هزت أركان العمارة كلها، وجري على المطبخ بفتحة بؤه المرعبة عشان يمنعني.
“العزومة انتهت يا مريم!” صرخت بعلو صوتي وأنا بلمس نار الولاعة بسيروب التورتة والكارت المكتوب فيه اسمها!
المادة السودة وسيروب المانجو المزرنخ مكنوش مجرد بواقي أكل.. كانوا المادة الفتحة للعمل. أول ما النار لمست السيروب والكارت، اشتعلت نار زرقا غريبة وسريعة جدًا، ملأت العلبة في ثانية واحدة وطلعت منها ريحة شياط وبخور خبيث خنق أمتار المطبخ.
الكائن توقف على باب المطبخ فجأة!
إيده الممدودة عشان تطلع روحي اتجمدت في الهواء. بدأ يصرخ صرخات متقطعة ومكتومة كأن حد بيخنقه من الداخل. الجسد الشمعي الشاحب بدأ يتشقق، والمادة السودة بدأت تخرج من عينيه وبؤه وأذنيه بغزارة شديدة، وتبخرت في الهواء أول ما تلمس النار الزرقا.
وقع الكائن على ركبتيه على أرضية المطبخ، ووجهه بدأ يتغير ويرجع لملامح “طارق أخو جوزي” الطبيعية.. ملامح إنسان ميت، شاحب، ومكسور.
بصلي بعيون رجع فيها النني الأسود لأول وهلة، وهمس بصوت طارق الحقيقي، صوت خافت ومجروح: “سامحيني يا رانيا.. مكنتش أعرف..”
وفي لحظة، انطفت النار الزرقا، وسقطت جثة طارق أخو جوزي على أرضية المطبخ.. جثة هامدة تمامًا، مفيهاش أي سر من أسرار الحياة أو الحركة.
ساد الصمت الشقة.. صمت ثقيل وموحش زي صمت المقابر.
بعد دقائق مرت كأنها سنوات، دخلوا رجال الشرطة والإسعاف الشقة بحذر شديد وأسلحتهم مرفوعة. الشقة كانت عبارة عن ساحة حرب ودماء وسوائل غريبة.
نقلوا جثة مريم اللي ماتت بتأثير مادة الزنيخ والتشنجات، ونقلوا جثة طارق أخو جوزي للمشرحة، ونقلوا محمود جوز مريم لغرفة العناية المركزة في المستشفى وهو في حالة صدمة نفسية حادة.
أما أنا وطارق جوزي.. فقعدنا على السلم برة الشقة، ملفوفين ببطانيات الإسعاف.
طارق كان ماسك إيدي بكل قوته، جسمه بيترعش ومش قادر يستوعب إن أخوه وزوجة أخوه انتهوا في ليلة واحدة وفي شقتنا، وإن التورتة الفخمة اللي وصلت على أنها هدية عيد ميلاد.. كانت في الحقيقة دعوة للموت والهلاك.
بصيت لطارق وقلت بصوت واطي ومجهد: “الدنيا هديت يا طارق.. بس الشقة دي مش هنرجعها تاني.”
هز رأسه بموافقة وهو بيعصر إيدي، وفي اللحظة دي.. موبايلي اللي كان في جيبي أهتز بإشعار رسالة جديدة.
طلعت الموبايل بإيد بتترعش، فتحت الرسالة.. كانت من رقم غير معروف، ومكتوب فيها نصًا:
التورتة كانت دسمة أوي يا رانيا.. بس العزومة الجاية.. دورك إنتِ وطارق.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


تعليقات
إرسال تعليق