القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سكريبت الحقني ياخالو كامله 



الحقني ياخالو


«الكرسي بيوجعني يا خالو»… قالتها بنت أختي الصغيرة وهي عندها خمس سنين، والدموع بتنزل على خدودها. أمها ردت عليها ببرود: «بطلي كدب بقى.» أما أبوها فكمّل أكله عادي جدًا، كأن مفيش حاجة حصلت. لكن لما البنت شدتني من إيدي وأخدتني ناحية المطبخ، فهمت إن الموضوع مش مجرد كدمة عابرة. فضلت ساكت.


 


ما واجهتش حد.


حجزت لها كشف عند دكتور لليوم اللي بعده، وبدأت أجهز لمفاجأة عمر أبوها وأمها ما كانوا يتخيلوا إنها جاية…


الجزء الأول


— لو رجعتي تاني تقولي الكلام الكدب ده عن باباكي، هييجوا ياخدوكي ويحطوكي في مكان مش هتشوفي فيه ماما ولا بابا تاني!


الجملة دي وصلت لسامح وهو واقف في طرقة البيت.


اتجمد مكانه.


كان سايق حوالي أربع ساعات من القاهرة عشان يقضي ليلة رأس السنة مع أخوه الأكبر «محمود» في بيته الضخم في منطقة راقية بالتجمع الخامس.


بقالهم حوالي تمن شهور ما شافوش بعض.


محمود كان بنى شركة كبيرة للاستشارات في مجال الأمن السيبراني، وكان دايمًا بيتكلم عن العقود الضخمة اللي بيوقعها، ومكاتبه الفخمة في القاهرة الجديدة، وعلاقاته برجال أعمال وشركات كبيرة.


أما سامح، فكان بيشتغل في إعداد أفلام وتحقيقات وثائقية عن قضايا الاحتيال والفساد المالي.


كانوا إخوات…


لكن من سنين، علاقتهم بقت شبه علاقة شخصين غرباء.


البيت كان تحفة.


زينة رأس السنة متعلقة بعناية، سفرة كبيرة تكفي لأكتر من عشر أشخاص، أطباق فاخرة، كاسات زجاج لامعة، وشجرة ضخمة في وسط الصالة.


كل حاجة كانت مثالية…


لكن سامح حس إن فيه حاجة غلط.


خصوصًا لما شاف «ملك».


بنت أخوه الصغيرة، عندها خمس سنين، كانت واقفة جنب كرسيها، لابسة فستان أحمر، وحاطة إيديها جنب جسمها وكأنها خايفة تتحرك.


— اقعدي يا ملك.


قالتها «نهى»، أمها، بنبرة آمرة.


البنت بصت لها وقالت بصوت ضعيف:


— الكرسي بيوجعني يا ماما.


محمود فضّل يقطع اللحمة في طبقه وكأنه ما سمعش حاجة.


— رجعنا لنفس الحكاية؟ اقعدي.


البنت نفذت كلامه.


لكن أول ما قعدت، وشها اتشد من الألم، ودموع صامتة بدأت تنزل على خدودها.


سامح حط الشوكة من إيده.


— هي مالها؟


محمود رد بسرعة:


— مفيش حاجة.


— بس هي بتقول إن الكرسي بيوجعها.


محمود رفع عينه وبص له مباشرة.


— متدخلش يا سامح. دي بنتي أنا.


الجملة دي بدل ما تطمنه…


خلته يقلق أكتر.


طول العشا، ملك تقريبًا ما اتحركتش.


وكل مرة محمود كان يرفع صوته، كان جسمها ينتفض فجأة.


سامح قضى سنين طويلة بيعمل تحقيقات صحفية مع ناس بيخفوا أسرار كبيرة.


واتعلم إن الحقيقة مش دايمًا بتبان في الكلام.


أحيانًا بتبان في نظرة.


في لحظة صمت.


في حركة صغيرة.


أو في حاجة الشخص بيحاول يخبيها.


بعد شوية، قام سامح للمطبخ عشان يجيب مية.


وهناك سمع صوت خطوات صغيرة وراه.


لف…


لقى ملك واقفة عند باب المطبخ.


— خالو سامح…


ابتسم لها رغم القلق اللي كان بيزيد جواه.


— في إيه يا فراشتي؟


كان ده اللقب اللي بيناديها بيه من وهي لسه رضيعة.


البنت بصت ناحية السفرة تتأكد إن محدش بيراقبهم.


وبعدين قربت منه.


— إنت هتصدقني؟


سامح حس بقشعريرة في جسمه.


نزل على ركبته قدامها.


— قوليلي كل اللي نفسك تقوليه. أنا هسمعك.


بدأت ملك تعيط.


وبإيدين بتترعش، رفعت جزء من هدومها وأظهرت له كدمات كانت مخبية تحتها.


بعضها كان واضح إنه لسه جديد…


وبعضها بدأ يختفي.


سامح حس إن نفسه اتقطع.


— الكدمات دي حصلت إزاي؟


البنت سكتت ثواني، وبعدها همست:


— بابا بيدخل أوضتي بالليل…


سامح ما اتحركش.


— وبيقول إن عندنا لعبة سرية.


صوتها كان بيتهز.


— وأنا بقوله إن اللعبة بتوجعني وإنّي مش عايزة ألعب… بس هو بيزعل مني.


سامح حس إن الدم انسحب من وشه.


حاول يحافظ على هدوء صوته.


— قلتي لماما؟


ملك هزت راسها.


— قالتلي إني كدابة.


وسكتت لحظة قبل ما تكمل:


— وقالتلي لو حكيت لأي حد، الشرطة هتيجي تاخد البنات الوحشة وتحطهم بعيد عن أهلهم.


سامح اضطر يسند إيده على رخامة المطبخ.


كل خبرته في التحقيقات، وكل القضايا اللي شافها، وكل الأسرار اللي كشفها…


اختفت في اللحظة دي.


مبقاش قدامه غير حقيقة واحدة:


ملك كانت مرعوبة.


قرب منها وقال بصوت حاول يخليه ثابت:


— اسمعيني يا فراشتي… إنتِ معملتيش أي حاجة غلط.


البنت بصت له.


— ولا حاجة من اللي حصلتلك دي ذنبك.


دموعها زادت.


— هتساعدني يا خالو؟


سامح مسك إيدها الصغيرة.


— آه.


— بجد؟


— بجد.


— توعدني؟


ضغط على إيدها برفق.


— أوعدك.


وفجأة جه صوت نهى من السفرة:


— ملك!


البنت اتخضت.


— تعالي هنا حالًا!


سابت إيد سامح وجريت ناحية السفرة.


سامح فضل واقف في المطبخ ثواني، وعقله شغال بسرعة.


كان نفسه يطلع ويواجه أخوه في نفس اللحظة.


كان نفسه يصرخ فيهم.


لكن جزء تاني منه كان بيقول له إن الغضب دلوقتي ممكن يضيع كل حاجة.


رجع للسفرة بعد دقائق.


محمود كان بيتكلم عن مكتب جديد للشركة، وكأن مفيش أي حاجة حصلت.


نهى كانت بتصب المشروبات للضيوف.


وملك كانت قاعدة مكانها…


ساكتة تمامًا.


سامح ابتسم وقت ما كان لازم يبتسم.


كمل العشا.


وموجهش أي اتهام.


لأنه كان عارف إن محمود مش شخص عادي.


أخوه فاهم جدًا في التكنولوجيا والأمن السيبراني، وبيعرف يحمي معلوماته ويخفي آثار أي حاجة.


ونهى كانت طول الوقت مهتمة جدًا بشكل العيلة قدام الناس.


لو سامح واجههم من غير دليل…


كان ممكن ملك تختفي من قدامه.


وممكن يمنعوها حتى من إنها تتكلم معاه تاني.


لما جه وقت يمشي، حضن ملك فترة أطول من المعتاد.


وقرب من ودنها وهمس:


— قريب يا فراشتي… استحملي شوية بس.


البنت مسكت في هدومه للحظة…


وبعدين سابته.


في نفس الليلة، وهو راجع القاهرة، أخرج سامح تليفونه واتصل بـ«كريم»، صحفي تحقيقات وصديقه المقرب وشريكه في شغل كتير.


— محتاجك تيجي عندي.


كريم سكت.


— حصل إيه؟


سامح رد بصوت منخفض:


— الموضوع له علاقة بملك.


بعد حوالي ساعة، كانوا قاعدين في شقة سامح، قدامهم كوبين قهوة بردوا من غير ما حد يلمسهم.


سامح حكى له كل حاجة.


كريم وشه اتغير.


— لازم نبلغ الجهات المختصة فورًا.


سامح هز راسه.


— هنبلغ.


وبعدين قبض إيده بقوة وقال:


— بس الأول لازم أتأكد إن لما الناس تدخل البيت ده… ملك مش هترجع له تاني.


سنين طويلة، سامح كان بيحقق في قضايا رجال أعمال عندهم فلوس ونفوذ وقدرة على إسكات الناس.


لكن المرة دي…


التحقيق هيكون في أخوه نفسه.


وهو لسه ما كانش يعرف إن اللي هيكتشفه بعد كده…


أكبر بكتير من مجرد سر عائلي.


لكن السؤال كان: إيه اللي كان بيحصل فعلًا داخل أوضة ملك كل ليلة؟


والأخطر…


ليه كانت أمها مصرة إنها تكذب وتخاف من الشرطة؟


يتبع…




في صباح اليوم التالي، سامح ما نامش غير ساعة واحدة تقريبًا.


كان كل ما يغمض عينه يشوف وش ملك وهي بتسأله:


«هتساعدني يا خالو؟»


ويفتكر إيده الصغيرة وهي بتترعش في إيده.


قام من السرير قبل الفجر، فتح اللابتوب، وبدأ يراجع كل حاجة يعرفها عن أخوه محمود.


مش علشان ينتقم منه.


كان عايز يفهمه.


محمود كان دايمًا حريص على صورته قدام الناس. شغل ناجح، بيت مثالي، عربية فخمة، زوجة أنيقة، وبنت صغيرة كل الناس بتقول عليها إنها محظوظة إنها عايشة في البيت ده.


لكن سامح كان عارف إن الصور المثالية أحيانًا بتخبي وراها حاجات محدش شايفها.


الساعة سبعة الصبح، اتصل بكريم.


— صحيت؟


— منمتش أصلًا.


— أنا كمان.


سامح سكت لحظة.


— أنا حجزت لملك عند دكتورة أطفال متخصصة.


كريم قال بسرعة:


— كويس، بس خليك حذر جدًا. ما تسألهاش أسئلة موجهة، وما تخليهاش تحس إنها لازم تقول حاجة معينة.


— فاهم.


— والأهم… ما تواجهش محمود دلوقتي.


سامح قفل عينه لحظة.


— عارف.


بعد ساعة، كان واقف قدام عيادة الدكتورة «سارة».


لكن المشكلة إن ملك ما كانتش معاه.


هو ما كانش يقدر ياخدها من بيت أهلها من غير إذن.


فدخل لوحده، وحكى للدكتورة كل اللي حصل.


الدكتورة فضلت ساكتة لحد ما خلص.


وبعدين قالت:


— اسمعني يا أستاذ سامح. لو فيه اشتباه إن طفلة بتتعرض لأذى، الموضوع مش بيتعامل معاه كخلاف عائلي. لازم حماية الطفلة تكون الأولوية.


سامح هز راسه.


— أنا مستعد أعمل أي حاجة.


— حتى لو الشخص اللي بتشتبه فيه أخوك؟


سامح بص للأرض.


— حتى لو كان أخويا.


خرج من العيادة وهو ماسك ورقة في إيده.


ما كانش فيها الحل.


لكن كان فيها أول خطوة حقيقية.


ركب عربيته واتصل بكريم.


— لازم نتحرك رسمي.


— موافق.


— بس قبل ما نعمل أي حاجة، عايز أشوف ملك مرة تانية.


— ليه؟


— علشان أطمن عليها.


في نفس اللحظة تقريبًا، تليفونه رن.


الاسم اللي ظهر على الشاشة كان:


«نهى».


سامح اتردد قبل ما يرد.


— ألو؟


صوت نهى كان هادي بشكل غريب.


— سامح… إنت كنت بتتكلم مع ملك امبارح؟


قلبه دق بسرعة.


— آه.


— قالتلك إيه؟


سامح سكت.


— أنا بس بسأل.


— ليه؟


نهى اتنهدت.


— علشان من ساعة ما مشيت وهي متغيرة.


سامح حاول يخلي صوته طبيعي.


— يمكن علشان كانت تعبانة.


— هي دايمًا بتعمل نفسها تعبانة.


الجملة دي خلت سامح يقبض على التليفون بقوة.


— نهى، هي طفلة.


— وأنا أمها وأعرفها أكتر منك.


— أكيد.


— طيب ما تيجي تزورها النهارده.


سامح اتفاجئ.


— النهارده؟


— آه.


— محمود موجود؟


— لأ. نزل الشركة.


سامح حس إن فيه حاجة مش طبيعية.


نهى نفسها كانت بتدعوه للبيت.


وده كان عكس كل اللي حصل امبارح.


— هاجي.


قفل المكالمة.


كريم كان مستنيه في العربية.


— قالت إيه؟


سامح بص له.


— قالتلي أروح البيت.


كريم اتنهد.


— دي ممكن تكون فرصة.


— أو فخ.


— بالضبط.


بعد حوالي ساعة، وصل سامح لبيت محمود.


الباب اتفتح.


نهى كانت واقفة قدامه بابتسامة هادية.


— اتفضل.


دخل.


أول حاجة لاحظها إن البيت كان هادي بشكل غير طبيعي.


مفيش صوت تلفزيون.


مفيش صوت لعب.


مفيش حتى صوت ملك.


— فين ملك؟


نهى قفلت الباب.


— فوق.


— لوحدها؟


نهى ابتسمت ابتسامة صغيرة.


— نامت.


سامح بص للسلم.


— أطلع لها؟


— طبعًا.


طلع السلم ببطء.


لكن قبل ما يوصل للدور العلوي، سمع صوت باب بيتقفل.


بص ناحية الصوت.


كان باب غرفة محمود.


الباب كان مفتوح شوية.


سامح وقف.


دخل.


الأوضة كانت مرتبة جدًا.


مكتب كبير.


شاشات كمبيوتر.


خزنة صغيرة.


ملفات.


وأجهزة إلكترونية.


سامح بص حواليه.


كان فيه شيء غريب.


على المكتب، لقى ورقة مطبوعة.


مد إيده ناحيتها.


لكن قبل ما يلمسها، سمع صوت نهى من وراه:


— بتدور على إيه؟


سامح لف بسرعة.


نهى كانت واقفة عند الباب.


— كنت بدور على ملك.


— أو على حاجة تانية؟


سامح ابتسم.


— إنتِ اللي قولتيلي أطلع لها.


نهى بصت له ثواني.


— ملك مش هنا.


— إزاي؟


— خرجت مع جدتها.


سامح حس إن معدته اتقبضت.


— جدتها مين؟


— أمي.


— وإنتِ ما قولتيليش؟


— ما لقيتش وقت.


سامح فضل باصص لها.


— نهى… إمبارح ملك كانت خايفة جدًا.


وشها اتغير للحظة.


لكنها رجعت هادية.


— ملك طفلة حساسة.


— قالتلي إن الكرسي بيوجعها.


— بتبالغ.


— وقالتلي إنها بتخاف.


نهى رفعت صوتها فجأة:


— قلتلك إنها بتكدب!


سامح ما ردش.


لأن صراخها أكتر حاجة أكدّت له إن الموضوع مش طبيعي.


نزلت نهى صوتها.


— سامح، إنت أخو محمود.


— عارف.


— ومحمود تعب في حياته علشان يوصل للي هو فيه.


— وأنا ما قلتش غير كده.


— يبقى ما تخربش بيته بسبب كلام طفلة.


سامح قرب خطوة.


— لو مفيش حاجة غلط، ليه خايفة؟


نهى سكتت.


وفي اللحظة دي…


سامح سمع صوت خافت جدًا جاي من آخر الطرقة.


صوت طفلة.


«خالو سامح…»


سامح لف بسرعة.


— ملك؟


نهى اتحركت قدامه.


— قلتلك مش هنا.


لكن الصوت اتكرر.


أوضح المرة دي.


«خالو…»


سامح جري ناحية الصوت.


فتح باب الغرفة الأخيرة.


ما لقيش ملك.


الغرفة كانت فاضية.


لكن الشباك كان مفتوح.


وعلى الأرض كانت لعبة ملك الصغيرة.


الدبدوب الأحمر اللي كانت متعلقة بيه.


سامح انحنى ورفعه.


كان لسه دافي.


بص لنهى.


— ملك كانت هنا.


نهى ما ردتش.


سامح بدأ يحس إن قلبه بيجري أسرع من تفكيره.


— فين بنتك؟



نهى بصت له.


ولأول مرة…


الخوف ظهر بوضوح في عينيها.


لكن قبل ما تتكلم، سمعوا صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة.


وبعدين صوت محمود:


— أنا رجعت.


نهى وشها شحب.


وسامح بص ناحية الباب.


محمود دخل.


أول ما شاف أخوه واقف فوق، وقف مكانه.


— إنت بتعمل إيه هنا؟


سامح ما ردش.


كان ماسك الدبدوب في إيده.


محمود بص للدبدوب.


وبعدين بص لنهى.


وفي اللحظة دي، سامح فهم إن فيه حاجة بينهم الاتنين.


لكن اللي ما فهموش…


ليه محمود كان مرعوب أكتر من نهى؟


محمود قرب خطوة.


— سامح… اديني الدبدوب.


سامح شد إيده للخلف.


— ليه؟


محمود اتوتر.


— ده بتاع ملك.


— عارف.


— طيب ادينيه.


سامح بص له مباشرة.


— فين ملك؟


محمود سكت.


— سألتك… بنتك فين؟


نهى قالت بسرعة:


— عند أمي.


لكن محمود بص لها بنظرة خلتها تسكت فورًا.


سامح لاحظ النظرة.


وكانت كفاية.


فيه كذبة.


لكن مين فيهم كان بيكدب؟


سامح أخرج تليفونه بهدوء.


— أنا هاتصل بوالدة نهى.


محمود اتحرك بسرعة.


— استنى.


— ليه؟


— عشان…


سكت.


سامح ابتسم ابتسامة باردة.


— عشان إيه يا محمود؟


محمود بص له.


ولأول مرة من سنين، سامح شاف أخوه مش كرجل أعمال ناجح…


لكن كرجل محاصر.


وفجأة…


جاء صوت رسالة على تليفون سامح.


فتحها.


رقم غريب.


الرسالة كانت صورة واحدة فقط.


صورة لملك.


كانت قاعدة في مكان ما، ماسكة الدبدوب نفسه…


وتبص للكاميرا بعينين مليانين خوف.


وتحت الصورة جملة قصيرة:


«لو عايز تنقذها، ما تثقش في أخوك.»


سامح رفع عينه ببطء ناحية محمود.


لكن محمود كان بيبص على الشاشة…


ولما شاف الصورة، وشه اتغير تمامًا.


وقبل ما سامح يسأله مين بعت الرسالة…


محمود


سامح فضل واقف مكانه، عينه ثابتة على محمود، والدبدوب الأحمر لسه في إيده.


— يعني إيه مش عند أم نهى؟


محمود ما ردش.


سامح قرب منه خطوة.


— أنا بسألك يا محمود… ملك فين؟


محمود مرر إيده على وشه وقال بصوت مبحوح:


— مش عارف.


سامح ضحك ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.


— مش عارف؟ دي بنتك!


— عارف إنها بنتي!


— أمال إزاي مش عارف مكانها؟


نهى كانت واقفة عند باب الغرفة، وشها أبيض ومش قادرة تنطق.


سامح بص لها.


— وإنتِ؟ إنتِ كنتي بتقولي إنها عند أمك.


نهى بدأت تعيط.


— أنا…


— متقوليش أنا آسفة. قولي الحقيقة.


محمود رفع صوته:


— سامح، اهدى!


سامح لف له بعصبية.


— أهدى؟ بنت أخويا اختفت وإنت بتقولي أهدى؟


— أنا بحاول أحميها!


— من مين؟


محمود سكت.


سامح قرب أكتر.


— من مين يا محمود؟


محمود بص للباب كأنه خايف حد يكون واقف وراه، وبعدين قفل الباب بسرعة.


— من شخص مش هتقدر عليه.


— أنا مش محتاج أقدر عليه. أنا محتاج أعرف مين.


محمود حط إيده على جبينه.


— الموضوع بدأ من حوالي ست شهور.


سامح عقد حاجبيه.


— ست شهور؟


— أيوه.


— وإنت ساكت؟


— كنت فاكر إني هحل الموضوع.


— حل إيه؟


محمود سحب كرسي وقعد.


كان واضح إنه لأول مرة مش عارف يقول الكلام منين.


— في الأول وصلتني رسالة على الإيميل.


— من مين؟


— مفيش اسم.


— محتواها؟


محمود بص لأخوه.


— كانت صورة ليا وأنا خارج من الشركة.


سامح سكت.


— وبعدها صورة لنهى وهي بتاخد ملك من المدرسة.


— يعني حد كان بيراقبكم؟


— أيوه.


— والشرطة؟


محمود هز راسه.


— ما بلغتّش.


سامح انفجر:


— ليه؟


— لأن الرسالة اللي بعدها كانت أخطر.


محمود فتح اللابتوب.


إيده كانت بتترعش وهو بيفتح مجلد مخفي.


طلع ملف صور.


حط أول صورة قدام سامح.


كانت صورة لبيت محمود من الخارج.


الصورة التانية كانت لسيارته.


الثالثة كانت لنهى.


والرابعة…


كانت لملك.


سامح حس إن قلبه وقف.


الصورة كانت متصورة من بعيد، وملك خارجة من بوابة المدرسة.


— مين ده؟


محمود قال:


— معرفش.


— وإزاي عرفت إنهم بيراقبوك؟


— لأن كل صورة كان معاها رسالة.


فتح رسالة.


«إحنا شايفين كل خطوة.»


سامح بص له.


— وفضلت ساكت؟


— كنت خايف.


الجملة نزلت على سامح كأنها حجر.


أخوه محمود اللي عمره ما كان بيعترف بالخوف، قالها بمنتهى الوضوح.


— طيب إيه علاقة ملك بالموضوع؟


محمود سكت طويلًا.


نهى بدأت تبكي.


— أنا اللي غلطت.


سامح بص لها.


— غلطتي في إيه؟


نهى مسحت دموعها.


— من شهرين، ملك سمعت مكالمة.


سامح قرب منها.


— مكالمة إيه؟


— مكالمة بين محمود وشخص اسمه رامي.


سامح استغرب.


— مين رامي؟


محمود رد بسرعة:


— موظف قديم.


— موظف فين؟


— في الشركة.


— وبيعمل إيه؟


محمود سكت.


سامح فهم إن الاسم ده مهم.


— محمود.


— كان مسؤول عن جزء من أنظمة الحماية.


— وطردته؟


— آه.


— ليه؟


— اكتشفت إنه كان بيستخدم صلاحياته بشكل مخالف.


سامح قرب من اللابتوب.


— مخالف إزاي؟


محمود ضغط على ملف تاني.


— كان بيدخل على بيانات عملاء من غير إذن.


— وبلغت عنه؟


— لأ.


— ليه؟


— لأن الموضوع كان ممكن يعمل فضيحة للشركة.


سامح ضرب كفه على المكتب.


— يعني خفت على الشركة؟


محمود قال بسرعة:


— كنت بحاول أحمي مئات الموظفين وعقود الشركة.


— وبعد ما طردته، بدأ يهددك؟


محمود هز راسه.


— أيوه.


— وإنت افتكرت إن الموضوع هينتهي؟


— كنت فاكر.


سامح رجع يبص للصورة.


— طيب ملك عرفت إيه؟


نهى قالت:


— سمعت محمود وهو بيقوله في التليفون إنه مش هيرجع للشركة مهما حصل.


— وبعدها؟


— بعدها بيومين، ملك قالتلي إنها شافت شخص غريب واقف قدام المدرسة.


سامح سأل:


— وصفته؟


— قالت إنه كان لابس جاكت أسود وكاب.


— وقالتلكم؟


نهى هزت راسها.


— أنا خوفت عليها.


سامح بص لها بغضب.


— فخوفك عليها خلاكي تقولي لها إنها كدابة؟


نهى انهارت في البكاء.


— أنا كنت مرعوبة.


— كان ممكن تحضني بنتك بدل ما تخوفيها.


نهى غطت وشها.


محمود قال:


— أنا اللي طلبت منها تعمل كده.


سامح لف له.


— إيه؟


— طلبت منها تقول لملك إن محدش هيصدقها لو اتكلمت.


— ليه؟


— علشان ما تتكلمش مع الشخص الغلط.


سامح قرب منه.


— وإنت شايف إن تخويف طفلة هو الحل؟


محمود ما ردش.


سامح رجع يسأله:


— طيب الكدمات؟


سكتة طويلة.


نهى بصت للأرض.


محمود رفع عينه.


— مش أنا.


سامح حس بغضب شديد.


— مين؟


— معرفش.


— يعني إيه معرفش؟


— من يومين رجعت البيت لقيتها بتعيط.


— وسألتها؟


— سألتها.


— قالت إيه؟


محمود غمض عينه.


— قالت إنها وقعت.


سامح بص له باحتقار.


— وإنت صدقتها؟


— لأ.


— أمال؟


— بدأت أراقب البيت.


سامح وقف فجأة.


— تراقب البيت؟


— ركبت كاميرات.


— فين؟


محمود فتح شاشة تانية.


ظهر تسجيل للطرقة.


سامح بص للشاشة.


— إمتى التسجيل ده؟


— من يومين.


بدأ الفيديو.


الساعة كانت حوالي اتنين بعد منتصف الليل.


ظهر محمود داخل الممر.


وبعده بدقائق ظهرت نهى.


لكن بعدها حصل شيء غريب.


باب غرفة ملك اتفتح.


خرجت ملك وهي ماسكة دبدوبها.


وقفت في الطرقة.


كانت بتبص ناحية السلم.


وبعدين ظهر شخص آخر في آخر الكادر.


شخص طويل.


وشه مش واضح.


سامح قرب من الشاشة.


— وقف.


محمود وقف الفيديو.


— كبر الصورة.


كبرها.


الوجه كان شبه مختفي.


لكن على إيده كان فيه شيء واضح.


خاتم فضي كبير.


سامح قال:


— تعرفه؟


محمود هز راسه.


— لأ.


نهى فجأة قالت:


— أنا شفته قبل كده.


سامح ومحمود بصوا لها.


— فين؟


نهى بدأت تفتكر.


— في الشركة.


— مين؟


— مش عارفة اسمه.


محمود وقف بسرعة.


— نهى… إنتِ متأكدة؟


— أيوه.


— كان بييجي عندك؟


— مش عندي. كان بيقابل محمود.


سامح بص لأخوه.


— مين؟


محمود ما ردش.


— محمود!


— كان مستشار قانوني.


— اسمه؟


محمود قال الاسم بصوت منخفض:


— شريف.


سامح فتح تليفونه وكتب الاسم.


— عنوانه؟


محمود قال:


— مش عندي.


سامح بص له باستغراب.


— إنت بتتعامل معاه ومش عندك بياناته؟


— هو كان تابع لشركة تانية.


— اسم الشركة؟


محمود فتح ملف.


قبل ما يضغط عليه، انطفأت الكهرباء.


البيت كله غرق في الظلام.


نهى صرخت.


— محمود!


سامح حط تليفونه على وضع الإضاءة.


— محدش يتحرك.


سمعوا صوت خطوات في الدور السفلي.


خطوة…


ثم خطوة…


ثم صوت باب بيتفتح.


محمود همس:


— هو هنا.


سامح بص له.


— مين؟


— الشخص اللي بيراقبنا.


سامح حط الدبدوب على المكتب.


— اقفل الباب.


محمود قفل باب الغرفة.


الثلاثة وقفوا ساكتين.


الخطوات كانت بتقرب.


سامح أشار لمحمود يبعد عن الباب.


الخطوات وقفت.


ثواني مرت.


ثم سمعوا صوت رسالة على تليفون محمود.


فتحها.


وجهه اتجمد.


— إيه؟


محمود ورّاه الشاشة.


رسالة واحدة:


«متتعبش نفسك في البحث عن ملك.»


وبعدها رسالة تانية:


«هي بخير.»


سامح مد إيده.


— ابعتهالي.


لكن قبل ما محمود يديه التليفون، وصلت رسالة ثالثة.


«ولو سامح فضل يدور… المرة الجاية مش هتكون مجرد رسالة.»


سامح سكت.


نهى بدأت تبكي.


وفجأة سمعوا صوت ارتطام قوي من الدور السفلي.


سامح فتح الباب.


— استنى!


لكن سامح كان نزل بالفعل.


نزل السلم بسرعة، والموبايل في إيده.


الصالة كانت فاضية.


الباب الرئيسي مفتوح.


الهواء البارد داخل من الشارع.


سامح جري ناحية الباب.


على الأرض كان فيه ظرف أبيض.


انحنى ورفعه.


جواه مفتاح صغير.


وتحته ورقة.


فتحها.


كان مكتوب:


«المفتاح ده هيوصلك للحقيقة… لو قدرت تعرف هو بيفتح إيه.»


محمود وصل وراه.


سامح رفع المفتاح.


— ده مفتاح إيه؟


محمود أول ما شافه، وشه اتغير.


سامح لاحظ.


— إنت تعرفه.


محمود ما ردش.


— تعرفه يا محمود.



محمود قال بصوت منخفض:


— أيوه.


— بيفتح إيه؟


محمود بص للظلام خارج البيت.


— خزنة.


— خزنة فين؟


محمود سكت.


سامح مسكه من كتفه.


— فين يا محمود؟


محمود بص له.


— في بيتنا القديم.


سامح عقد حاجبيه.


— البيت اللي بعناه من سنين؟


— أيوه.


— وإيه اللي في الخزنة؟


محمود بلع ريقه.


— حاجة كنت فاكر إن محدش يعرف عنها.


سامح قرب منه.


— إيه؟


محمود فتح بقه عشان يرد.


لكن قبل ما يتكلم، رن تليفون سامح.


رقم غير مسجل.


رد.


مافيش صوت.


— ألو؟


ثواني من الصمت.


وبعدين جاء صوت طفلة ضعيف جدًا:


— خالو سامح؟


سامح تجمد.


— ملك!


صوتها كان بيعيط.


— خالو… أنا خايفة.


سامح قرب التليفون من ودنه.


— إنتِ فين يا حبيبتي؟


سكتت.


وبعدين قالت:


— أنا في المكان اللي بابا كان بيقول إنه مفيش حد يعرفه.


سامح بص لمحمود.


محمود كان فهم قبل ما يسمع.


— ملك… بصي حواليكي. فين إنتِ؟


صوتها ارتعش.


— في أوضة فيها حاجات كتير… وفي باب حديد.


سامح سأل بسرعة:


— في حد معاكي؟


سكتت.


ثم قالت:


— أيوه.


سامح قلبه وقع.


— مين؟


ملك بدأت تعيط.


— الراجل اللي عنده الخاتم…


وفجأة صوت رجل ظهر في الخلفية.


هادئ جدًا.


— كفاية أسئلة يا سامح.


الخط اتقفل.


سامح فضل ماسك التليفون عند ودنه.


محمود واقف قدامه، وشه مليان خوف.


سامح لف له ببطء.


— خدني على البيت القديم.


محمود هز راسه.


— لو رحنا هناك…


— ملك هناك.


— عارف.


— يبقى هنروح.


محمود بص له لحظات، وبعدها أخذ مفاتيح عربيته.


لكن قبل ما يخرجوا، سامح رجع للظرف.


قلب الورقة.


كان فيه سطر صغير مكتوب على ظهرها:


«ومتنساش يا سامح… إن أخوك مش هو الشخص الوحيد اللي مخبي عنك الحقيقة.»


سامح رفع عينه ناحية نهى.


كانت واقفة في الصالة.


ساكتة.


لكن نظرتها كانت مختلفة.


ولما سامح قال:


— نهى… إنتِ تعرفي حاجة؟


نهى بدأت تهز راسها بالنفي.


لكن عينيها راحت مباشرة ناحية محمود.


وسامح فهم إن الرحلة للبيت القديم…


مش هتكون علشان ينقذ ملك وبس.


هتكون علشان يعرف مين كان بيكذب عليه من البداية.


جملة خلت سامح يحس إن الأرض اتحركت من تحته:


— ملك مش عند أمي…


ومحدش يعرف هي فين دلوقتي غير الشخص اللي بيهددني من شهور.


سامح فضل واقف مكانه، عينه ثابتة على محمود، والدبدوب الأحمر لسه في إيده.


— يعني إيه مش عند أم نهى؟


محمود ما ردش.


سامح قرب منه خطوة.


— أنا بسألك يا محمود… ملك فين؟


محمود مرر إيده على وشه وقال بصوت مبحوح:


— مش عارف.


سامح ضحك ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.


— مش عارف؟ دي بنتك!


— عارف إنها بنتي!


— أمال إزاي مش عارف مكانها؟


نهى كانت واقفة عند باب الغرفة، وشها أبيض ومش قادرة تنطق.


سامح بص لها.


— وإنتِ؟ إنتِ كنتي بتقولي إنها عند أمك.


نهى بدأت تعيط.


— أنا…


— متقوليش أنا آسفة. قولي الحقيقة.


محمود رفع صوته:


— سامح، اهدى!


سامح لف له بعصبية.


— أهدى؟ بنت أخويا اختفت وإنت بتقولي أهدى؟


— أنا بحاول أحميها!


— من مين؟


محمود سكت.


سامح قرب أكتر.


— من مين يا محمود؟


محمود بص للباب كأنه خايف حد يكون واقف وراه، وبعدين قفل الباب بسرعة.


— من شخص مش هتقدر عليه.


— أنا مش محتاج أقدر عليه. أنا محتاج أعرف مين.


محمود حط إيده على جبينه.


— الموضوع بدأ من حوالي ست شهور.


سامح عقد حاجبيه.


— ست شهور؟


— أيوه.


— وإنت ساكت؟


— كنت فاكر إني هحل الموضوع.


— حل إيه؟


محمود سحب كرسي وقعد.


كان واضح إنه لأول مرة مش عارف يقول الكلام منين.


— في الأول وصلتني رسالة على الإيميل.


— من مين؟


— مفيش اسم.


— محتواها؟


محمود بص لأخوه.


— كانت صورة ليا وأنا خارج من الشركة.


سامح سكت.


— وبعدها صورة لنهى وهي بتاخد ملك من المدرسة.


— يعني حد كان بيراقبكم؟


— أيوه.


— والشرطة؟


محمود هز راسه.


— ما بلغتّش.


سامح انفجر:


— ليه؟


— لأن الرسالة اللي بعدها كانت أخطر.


محمود فتح اللابتوب.


إيده كانت بتترعش وهو بيفتح مجلد مخفي.


طلع ملف صور.


حط أول صورة قدام سامح.


كانت صورة لبيت محمود من الخارج.


الصورة التانية كانت لسيارته.


الثالثة كانت لنهى.


والرابعة…


كانت لملك.


سامح حس إن قلبه وقف.


الصورة كانت متصورة من بعيد، وملك خارجة من بوابة المدرسة.


— مين ده؟


محمود قال:


— معرفش.


— وإزاي عرفت إنهم بيراقبوك؟


— لأن كل صورة كان معاها رسالة.


فتح رسالة.


«إحنا شايفين كل خطوة.»


سامح بص له.


— وفضلت ساكت؟


— كنت خايف.


الجملة نزلت على سامح كأنها حجر.


أخوه محمود اللي عمره ما كان بيعترف بالخوف، قالها بمنتهى الوضوح.


— طيب إيه علاقة ملك بالموضوع؟


محمود سكت طويلًا.


نهى بدأت تبكي.


— أنا اللي غلطت.


سامح بص لها.


— غلطتي في إيه؟


نهى مسحت دموعها.


— من شهرين، ملك سمعت مكالمة.


سامح قرب منها.


— مكالمة إيه؟


— مكالمة بين محمود وشخص اسمه رامي.


سامح استغرب.


— مين رامي؟


محمود رد بسرعة:


— موظف قديم.


— موظف فين؟


— في الشركة.


— وبيعمل إيه؟


محمود سكت.


سامح فهم إن الاسم ده مهم.


— محمود.


— كان مسؤول عن جزء من أنظمة الحماية.


— وطردته؟


— آه.


— ليه؟


— اكتشفت إنه كان بيستخدم صلاحياته بشكل مخالف.


سامح قرب من اللابتوب.


— مخالف إزاي؟


محمود ضغط على ملف تاني.


— كان بيدخل على بيانات عملاء من غير إذن.


— وبلغت عنه؟


— لأ.


— ليه؟


— لأن الموضوع كان ممكن يعمل فضيحة للشركة.


سامح ضرب كفه على المكتب.


— يعني خفت على الشركة؟


محمود قال بسرعة:


— كنت بحاول أحمي مئات الموظفين وعقود الشركة.


— وبعد ما طردته، بدأ يهددك؟


محمود هز راسه.


— أيوه.


— وإنت افتكرت إن الموضوع هينتهي؟


— كنت فاكر.


سامح رجع يبص للصورة.


— طيب ملك عرفت إيه؟


نهى قالت:


— سمعت محمود وهو بيقوله في التليفون إنه مش هيرجع للشركة مهما حصل.


— وبعدها؟


— بعدها بيومين، ملك قالتلي إنها شافت شخص غريب واقف قدام المدرسة.


سامح سأل:


— وصفته؟


— قالت إنه كان لابس جاكت أسود وكاب.


— وقالتلكم؟


نهى هزت راسها.


— أنا خوفت عليها.


سامح بص لها بغضب.


— فخوفك عليها خلاكي تقولي لها إنها كدابة؟


نهى انهارت في البكاء.


— أنا كنت مرعوبة.


— كان ممكن تحضني بنتك بدل ما تخوفيها.


نهى غطت وشها.


محمود قال:


— أنا اللي طلبت منها تعمل كده.


سامح لف له.


— إيه؟


— طلبت منها تقول لملك إن محدش هيصدقها لو اتكلمت.


— ليه؟


— علشان ما تتكلمش مع الشخص الغلط.


سامح قرب منه.


— وإنت شايف إن تخويف طفلة هو الحل؟


محمود ما ردش.


سامح رجع يسأله:


— طيب الكدمات؟


سكتة طويلة.


نهى بصت للأرض.


محمود رفع عينه.


— مش أنا.


سامح حس بغضب شديد.


— مين؟


— معرفش.


— يعني إيه معرفش؟


— من يومين رجعت البيت لقيتها بتعيط.


— وسألتها؟


— سألتها.


— قالت إيه؟


محمود غمض عينه.


— قالت إنها وقعت.


سامح بص له باحتقار.


— وإنت صدقتها؟


— لأ.


— أمال؟


— بدأت أراقب البيت.


سامح وقف فجأة.


— تراقب البيت؟


— ركبت كاميرات.


— فين؟


محمود فتح شاشة تانية.


ظهر تسجيل للطرقة.


سامح بص للشاشة.


— إمتى التسجيل ده؟


— من يومين.


بدأ الفيديو.


الساعة كانت حوالي اتنين بعد منتصف الليل.


ظهر محمود داخل الممر.


وبعده بدقائق ظهرت نهى.


لكن بعدها حصل شيء غريب.


باب غرفة ملك اتفتح.


خرجت ملك وهي ماسكة دبدوبها.


وقفت في الطرقة.


كانت بتبص ناحية السلم.


وبعدين ظهر شخص آخر في آخر الكادر.


شخص طويل.


وشه مش واضح.


سامح قرب من الشاشة.


— وقف.


محمود وقف الفيديو.


— كبر الصورة.


كبرها.


الوجه كان شبه مختفي.


لكن على إيده كان فيه شيء واضح.


خاتم فضي كبير.


سامح قال:


— تعرفه؟


محمود هز راسه.


— لأ.


نهى فجأة قالت:


— أنا شفته قبل كده.


سامح ومحمود بصوا لها.


— فين؟


نهى بدأت تفتكر.


— في الشركة.


— مين؟


— مش عارفة اسمه.


محمود وقف بسرعة.


— نهى… إنتِ متأكدة؟


— أيوه.


— كان بييجي عندك؟


— مش عندي. كان بيقابل محمود.


سامح بص لأخوه.


— مين؟


محمود ما ردش.


— محمود!


— كان مستشار قانوني.


— اسمه؟


محمود قال الاسم بصوت منخفض:


— شريف.


سامح فتح تليفونه وكتب الاسم.


— عنوانه؟


محمود قال:


— مش عندي.


سامح بص له باستغراب.


— إنت بتتعامل معاه ومش عندك بياناته؟


— هو كان تابع لشركة تانية.


— اسم الشركة؟


محمود فتح ملف.


قبل ما يضغط عليه، انطفأت الكهرباء.


البيت كله غرق في الظلام.


نهى صرخت.


— محمود!


سامح حط تليفونه على وضع الإضاءة.


— محدش يتحرك.


سمعوا صوت خطوات في الدور السفلي.


خطوة…


ثم خطوة…


ثم صوت باب بيتفتح.


محمود همس:


— هو هنا.


سامح بص له.


— مين؟


— الشخص اللي بيراقبنا.


سامح حط الدبدوب على المكتب.


— اقفل الباب.


محمود قفل باب الغرفة.


الثلاثة وقفوا ساكتين.


الخطوات كانت بتقرب.


سامح أشار لمحمود يبعد عن الباب.


الخطوات وقفت.


ثواني مرت.


ثم سمعوا صوت رسالة على تليفون محمود.


فتحها.


وجهه اتجمد.




— إيه؟


محمود ورّاه الشاشة.


رسالة واحدة:


«متتعبش نفسك في البحث عن ملك.»


وبعدها رسالة تانية:


«هي بخير.»


سامح مد إيده.


— ابعتهالي.


لكن قبل ما محمود يديه التليفون، وصلت رسالة ثالثة.


«ولو سامح فضل يدور… المرة الجاية مش هتكون مجرد رسالة.»


سامح سكت.


نهى بدأت تبكي.


وفجأة سمعوا صوت ارتطام قوي من الدور السفلي.


سامح فتح الباب.


— استنى!


لكن سامح كان نزل بالفعل.


نزل السلم بسرعة، والموبايل في إيده.


الصالة كانت فاضية.


الباب الرئيسي مفتوح.


الهواء البارد داخل من الشارع.


سامح جري ناحية الباب.


على الأرض كان فيه ظرف أبيض.


انحنى ورفعه.


جواه مفتاح صغير.


وتحته ورقة.


فتحها.


كان مكتوب:


«المفتاح ده هيوصلك للحقيقة… لو قدرت تعرف هو بيفتح إيه.»


محمود وصل وراه.


سامح رفع المفتاح.


— ده مفتاح إيه؟


محمود أول ما شافه، وشه اتغير.


سامح لاحظ.


— إنت تعرفه.


محمود ما ردش.


— تعرفه يا محمود.


محمود قال بصوت منخفض:


— أيوه.


— بيفتح إيه؟


محمود بص للظلام خارج البيت.


— خزنة.


— خزنة فين؟


محمود سكت.


سامح مسكه من كتفه.


— فين يا محمود؟


محمود بص له.


— في بيتنا القديم.


سامح عقد حاجبيه.


— البيت اللي بعناه من سنين؟


— أيوه.


— وإيه اللي في الخزنة؟


محمود بلع ريقه.


— حاجة كنت فاكر إن محدش يعرف عنها.


سامح قرب منه.


— إيه؟


محمود فتح بقه عشان يرد.


لكن قبل ما يتكلم، رن تليفون سامح.


رقم غير مسجل.


رد.


مافيش صوت.


— ألو؟


ثواني من الصمت.


وبعدين جاء صوت طفلة ضعيف جدًا:


— خالو سامح؟


سامح تجمد.


— ملك!


صوتها كان بيعيط.


— خالو… أنا خايفة.


سامح قرب التليفون من ودنه.


— إنتِ فين يا حبيبتي؟


سكتت.


وبعدين قالت:


— أنا في المكان اللي بابا كان بيقول إنه مفيش حد يعرفه.


سامح بص لمحمود.


محمود كان فهم قبل ما يسمع.


— ملك… بصي حواليكي. فين إنتِ؟


صوتها ارتعش.


— في أوضة فيها حاجات كتير… وفي باب حديد.


سامح سأل بسرعة:


— في حد معاكي؟


سكتت.


ثم قالت:


— أيوه.


سامح قلبه وقع.


— مين؟


ملك بدأت تعيط.


— الراجل اللي عنده الخاتم…


وفجأة صوت رجل ظهر في الخلفية.


هادئ جدًا.


— كفاية أسئلة يا سامح.


الخط اتقفل.


سامح فضل ماسك التليفون عند ودنه.


محمود واقف قدامه، وشه مليان خوف.


سامح لف له ببطء.


— خدني على البيت القديم.


محمود هز راسه.


— لو رحنا هناك…


— ملك هناك.


— عارف.


— يبقى هنروح.


محمود بص له لحظات، وبعدها أخذ مفاتيح عربيته.


لكن قبل ما يخرجوا، سامح رجع للظرف.


قلب الورقة.


كان فيه سطر صغير مكتوب على ظهرها:


«ومتنساش يا سامح… إن أخوك مش هو الشخص الوحيد اللي مخبي عنك الحقيقة.»


سامح رفع عينه ناحية نهى.


كانت واقفة في الصالة.


ساكتة.


لكن نظرتها كانت مختلفة.


ولما سامح قال:


— نهى… إنتِ تعرفي حاجة؟


نهى بدأت تهز راسها بالنفي.


لكن عينيها راحت مباشرة ناحية محمود.


وسامح فهم إن الرحلة للبيت القديم…


مش هتكون علشان ينقذ ملك وبس.


هتكون علشان يعرف مين كان بيكذب عليه من البداية.


محمود فتح باب العربية بسرعة، وسامح ركب جنبه، لكن قبل ما محمود يدور العربية، سامح مسك إيده.


— استنى.


محمود بص له.


— في إيه؟


— نهى.


محمود سكت.


سامح بص ناحية البيت من خلال الزجاج.


نهى كانت واقفة عند الباب، مش بتعيط المرة دي، ومش باين عليها الخوف زي من شوية.


كانت واقفة ثابتة جدًا.


— هي مش هتيجي معانا؟


محمود هز راسه.


— لأ.


— ليه؟


— لأنها ملهاش دعوة.


سامح ضحك بمرارة.


— بالعكس… أنا حاسس إن ليها دعوة أكتر مننا كلنا.


محمود شغل العربية.


— لما نرجع هفهمك.


— لأ، هتفهمني دلوقتي.


محمود بص له.


— سامح، ملك أهم.


سامح سكت.


كان عارف إنه عنده حق.


أي سؤال تاني ممكن يستنى.


ملك لأ.


العربية خرجت من المنطقة بسرعة، والليل كان هادي بشكل يخلي أي صوت حوالينهم واضح.


بعد حوالي عشر دقائق، سامح قال:


— البيت القديم فين بالضبط؟


— على طريق مصر إسكندرية الصحراوي.


— لسه موجود؟


— أيوه.


— وإنت قلت إنك بعته.


محمود سكت.


سامح بص له.


— بعته لمين؟


— شركة عقارات.


— وملكية البيت؟


— اتنقلت رسمي.


— يبقى إزاي لسه بتدخل البيت؟


محمود ما ردش.


سامح فهم إن الموضوع أعقد.


— محمود، أنا مش هسيبك لحد ما تقول الحقيقة.


— هقولك.


— إمتى؟


— لما نوصل.


سامح بص من الشباك.


— لو ملك اتأذت…


محمود قاطعه.


— مش هتتأذى.


— إنت متأكد؟


— أيوه.


— إزاي؟


محمود فضل ساكت.


وبعد لحظات قال:


— لأن الشخص اللي أخدها مش عايز يؤذيها.


سامح لف له.


— إنت متأكد من ده؟


— أيوه.


— منين؟


محمود أخد نفس طويل.


— لأنه كان يقدر يأذينا كلنا من زمان.


سامح حس بقشعريرة.


— إنت بتتكلم كأنك عارفه.


محمود بص للطريق.


— يمكن.


— يعني إيه يمكن؟


— يعني أنا قابلته قبل كده.


— فين؟


— في الشركة.


— شريف؟


محمود ما ردش.


سامح فهم.


— هو شريف؟


— معرفش.


— بس شفته؟


— أيوه.


— وإنت مخبي عليا؟


— كنت بحاول أحميك.


سامح ابتسم بسخرية.


— كل الناس هنا بتقول إنها بتحمي بعض، وفي الآخر بنت صغيرة هي اللي بتدفع الثمن.


محمود سكت.


وصلوا بعد حوالي نصف ساعة لمكان بعيد عن الزحمة.


مبنى قديم محاط بسور عالي.


سامح بص له.


— ده البيت؟


— أيوه.


العربية وقفت بعيد شوية.


محمود طفى الأنوار.


— هنكمل على رجلينا.


— ليه؟


— علشان لو حد بيراقبنا، ما يعرفش إننا وصلنا.


سامح نزل.


كان المكان مظلم.


مفيش غير ضوء ضعيف بعيد.


محمود فتح بوابة صغيرة في السور بمفتاح قديم.


دخلوا.


سامح كان ماشي وراه وهو بيبص حواليه.


— البيت ده مقفول من إمتى؟


— أربع سنين.


— ومحدش بيدخله؟


— أنا.


— إمتى؟


— كل كام شهر.


— ليه؟


محمود سكت.


وصلوا للباب.


محمود فتحه.


دخلوا.


البيت كان مليان تراب.


الأثاث متغطي بقماش أبيض.


الجو بارد.


سامح شغل كشاف موبايله.


— فين الخزنة؟


محمود مشي ناحية مكتبة قديمة.


زقها شوية.


ظهر باب صغير في الحيطة.


— هنا.


سامح بص للمفتاح اللي في إيده.


— المفتاح ده ليه؟


— للخزنة.


— وإيه اللي جواها؟


محمود بص له.


— أوراق.


— أوراق إيه؟


— حاجات تخص شغلي القديم.


سامح حط المفتاح في القفل.


قبل ما يلفه، سمع صوت خافت.


— خالو…


سامح اتجمد.


الصوت جاي من خلف الحائط.


— ملك؟


محمود بص ناحية الحائط.


سامح قرب.


— ملك!


جاء صوتها ضعيف:


— أنا هنا!


سامح بدأ يخبط على الحائط.


— إنتِ كويسة؟


— أيوه.


— في حد معاكي؟


سكتت.


وبعدين قالت:


— هو قاللي ما أخافش.


سامح بص لمحمود.


— افتح الخزنة.


محمود لف المفتاح.


لكن الخزنة ما فتحتش.


— إيه ده؟


— المفتاح مش كامل.


— يعني إيه؟


محمود بص للمفتاح.


— فيه جزء تاني.


سامح ضرب الحائط.


— ملك، اسمعيني! إحنا هنطلعك.


صوتها كان بيقرب.


— خالو…


— أيوه.


— متثقش في ماما.


سامح سكت.


محمود كمان.


— ملك، ليه؟


البنت بدأت تبكي.


— لأنها هي اللي جابتني هنا.


سامح بص لمحمود.


— إيه؟


محمود رجع خطوة.


— مستحيل.


— ملك مش هتكدب.


— هي خايفة.


سامح قال:


— ملك، ماما عملتلك إيه؟


الصوت سكت.


وبعدين:


— قالتلي إنها هتوديني مكان آمن.


سامح حس بغضب.


— وبعدين؟


— دخلتني العربية.


— ومين كان معاها؟


— مفيش.


— طيب إزاي وصلت هنا؟


— هي قفلت عليا الباب.


محمود قرب من الحائط.


— ملك، أنا بابا.


سكتت.


— ملك، أنا هنا.


صوتها ارتعش:


— بابا؟


— أيوه يا حبيبتي.


— ليه سبتني؟


محمود بدأ يبكي.


— أنا ما سبتكيش.


— ماما قالت إنك مش عايزني.


محمود غمض عينه.


سامح بص له.


— إنت قلت لها إيه؟


— ولا حاجة.


— طيب هي ليه فاكرة كده؟


محمود ما ردش.


وفجأة سمعوا صوت باب البيت الخارجي بيتفتح.


سامح أشار لمحمود يسكت.


خطوات دخلت البيت.


واحد…


اتنين…


ثلاثة.


حد كان جاي ناحيتهم.


محمود همس:


— اطلع ورا المكتبة.


سامح اختبأ.


الباب اتفتح.


دخل شخص لابس جاكت غامق.


سامح حاول يشوف وشه.


الرجل وقف قدام الخزنة.


ومسك الجزء الثاني من المفتاح.


سامح اتصدم.


المفتاح كان معاه.


الرجل قال بصوت هادي:


— كنت عارف إنك هتيجي.


محمود خرج من مكانه.


— شريف.


الرجل رفع رأسه.


— أخيرًا قلت اسمي.


سامح خرج وراه.


شريف بص له.


— سامح.


— إنت اللي بعت الرسائل؟


— أيوه.


— وإنت اللي أخدت ملك؟


شريف هز راسه.


— أنا اللي أخدتها من البيت.


سامح اندفع ناحيته.


محمود مسكه.


— استنى!


سامح صرخ:


— إنت مجنون؟!


شريف رفع إيده.


— ملك بخير.


سامح قال:


— طلعها.


— الأول لازم تسمع.


— مفيش كلام قبل ما تطلعها.


شريف بص لمحمود.


— قول له.


محمود سكت.


— قول له يا محمود.


سامح بص لأخوه.


— تقول إيه؟


شريف رد:


— قول له ليه كنت خايف مني.


محمود أخذ نفسًا طويلًا.


— لأن شريف مش هو اللي بدأ الموضوع.


سامح بص له.


— يعني إيه؟


شريف قال:


— أنا كنت بحاول أحميكم.


سامح ضحك.


— تحمي ملك بخطفها؟


— لو كنت عايز أخطفها، ما كنتش خليتك توصل للمكان.


— أمال ليه؟


شريف فتح باب جانبي في الحائط.


ظهر ممر ضيق.


— تعال.


سامح ما اتحركش.


— ملك فين؟


— آخر الممر.


محمود قال:


— سامح، أنا هروح معاك.


مشوا في الممر.


كان ضيق ومظلم.


بعد دقائق، وصلوا لباب حديد.


سامح سمع بكاء خفيف.


— ملك؟


— خالو!


سامح قرب.


— أنا هنا.


فتح شريف الباب.


ملك كانت قاعدة على كرسي صغير، والدبدوب في حضنها.


أول ما شافت سامح، جريت عليه.


سامح نزل على ركبته وحضنها.


— أنا هنا يا حبيبتي.


— كنت خايفة.


— خلاص.


ملك بصت لمحمود.


— بابا.


محمود قرب منها، لكنها ترددت.


— أنا آسف.


البنت ما ردتش.


سامح لاحظ إن ملك كانت مرعوبة من شيء آخر.


— ملك، إنتِ كويسة؟


هزت راسها.


— أيوه.


— حد أذاكي؟


— لأ.


سامح بص لشريف.


— طيب مين كان بيعمل الكدمات؟


شريف قال:


— اسأل أمها.


سامح سكت.


— نهى؟


شريف أومأ.


محمود صرخ:


— مستحيل!


شريف فتح ملف ورقي.


— عندي تسجيلات.


طلع صورًا وتقارير.


— نهى كانت بتاخد ملك لمكان بعيد كل فترة.


سامح بص للصور.


كانت صور لنهى وهي داخلة مركز طبي.


وفي صورة أخرى، كانت بتتكلم مع شخص غريب.


محمود أخد الصور.


— إيه ده؟


شريف قال:


— من ست شهور وأنا بحاول أوصل للحقيقة.


سامح سأل:


— ليه؟


شريف رد:


— لأن محمود كان متخيل إن التهديدات كلها بسبب الشركة.


— مش كده؟


— لأ.


شريف بص لمحمود.


— التهديدات بدأت قبل ما أطرد من الشركة.


محمود اتجمد.


— إنت بتقول إيه؟


— أنا اكتشفت حاجة جوه حسابات الشركة.


سامح قال:


— إيه؟


— فلوس اتنقلت من حسابات خاصة.


— لمين؟


شريف قال:


— لشخص قريب جدًا من محمود.


سامح بص لأخوه.


— مين؟


شريف ما ردش.


لكن ملك فجأة قالت:


— ماما.


الثلاثة بصوا لها.


ملك مسحت دموعها.


— ماما كانت بتتكلم مع الراجل ده.


سامح قرب منها.


— سمعتيها؟


— أيوه.


— قالت إيه؟


ملك بصت لمحمود.


وبعدين قالت:


— قالت له إن بابا مش لازم يعرف إن الفلوس لسه موجودة.


محمود رجع خطوة.


— فلوس إيه؟


شريف قال:


— دي هي الحقيقة اللي كنت بحاول أوصلك ليها.


سامح بص لمحمود.


— إنت كنت بتدور على ملك…


محمود قال بصوت منخفض:


— وأنا أصلًا كنت بدور على حاجة تانية.


سامح عقد حاجبيه.


— إيه؟


محمود فتح الخزنة أخيرًا بعد ما أخذ المفتاح من شريف.


داخلها كان فيه ملف أسود واحد.


محمود أخده.


فتحه.


أول ورقة كانت عقد تحويل ملكية.


والاسم الموجود في أسفل الصفحة كان اسم نهى.


سامح بص له.


— دي فلوس الشركة؟


محمود هز راسه.


— لأ.


— أمال؟


محمود قلب الصفحة.


سامح قرأ السطر.


ثم رفع عينه ببطء.


لأن الورقة كانت تثبت إن نهى كانت بتتصرف في حساب سري باسم ملك نفسها…


حساب اتفتح يوم ولادتها.


وكان آخر تحويل خرج منه قبل اختفاء ملك بيوم واحد فقط.


لكن قبل ما سامح يسأل عن مصدر الفلوس، شريف قال:


— افتح الصفحة الأخيرة.


محمود قلبها.


وتجمد.


كان فيها اسم الشخص اللي استلم آخر تحويل.


سامح قرب.


قرأ الاسم.


وسكت.


لأن الاسم ما كانش غريبًا عليه.


كان اسم شخص سامح نفسه قابله قبل كده في واحدة من تحقيقاته.


والأخطر…


إن تاريخ التحويل كان هو نفس اليوم اللي بدأت فيه ملك تحكي عن «اللعبة السرية» لأول مرة.



الحقني ياخالو 2


سامح فضل واقف قدام الورقة كأنه مش قادر يستوعب الاسم اللي قدامه. قرأه مرة. واتنين. وثلاثة. وبعدين رفع عينه ناحية محمود. — إنت تعرف الشخص ده؟ محمود ما ردش. سامح قرب الورقة من وشه. — محمود… أنا سألتك. تعرفه؟ محمود أخد نفس طويل. — أيوه. شريف كان واقف بعيد عنهم، وملامحه جامدة.


 


سامح بص له.


— وإنت كمان تعرفه؟


— أيوه.


— طب مين هو؟


محمود قال بصوت خافت:


— الدكتور ياسر.


سامح حس إن الاسم ضربه في دماغه.


الدكتور ياسر كان استشاري متخصص في تقييم إصابات الأطفال والحالات الأسرية المعقدة، وسامح كان قابل اسمه من سنين أثناء تحقيق صحفي عن مركز طبي خاص اتهمه ناس باستغلال حالات أطفال في تقارير غير دقيقة.


وقتها سامح ما كانش عنده دليل كافي يثبت أي مخالفة.


لكن اسم الدكتور فضل في ذاكرته.


— إيه علاقته بملك؟


محمود قال:


— دي مش كل الحكاية.


سامح انفجر:


— كل مرة تقول مش كل الحكاية! بنت أخوك اختفت، ومراتك بتكدب، وشريف بيهددك، وفي حساب باسم بنت عندها خمس سنين، وإنت لسه بتقول مش كل الحكاية!


محمود بص للأرض.


— لأن الحقيقة لو طلعت كلها مرة واحدة… هتفهم ليه أنا كنت ساكت.


سامح قال:


— أنا مش عايزك تحميني من الحقيقة.


وبص لملك اللي كانت قاعدة في الركن.


— أنا عايز أحميها منها.


محمود سكت.


شريف قرب.


— لازم تعرف كل حاجة.


سامح بص له.


— ابدأ.


شريف فتح الملف.


— من حوالي سبع سنين، قبل ما محمود يتجوز نهى، كانت فيه شركة صغيرة مرتبطة بمجموعة استثمارية كبيرة.


— وإيه علاقة ده؟


— الشركة كانت بتشتغل في إدارة بيانات حساسة لعملاء كبار. محمود كان واحد من المسؤولين عن النظام.


— وأنا كنت عارف.


سامح بص لأخوه.


— كمل.


— في يوم اكتشفنا إن فيه تحويلات مالية بتتم من حسابات استثمارية إلى حسابات وسيطة.


سامح قال:


— وفلوس بتختفي.


— بالضبط.


— ومين كان المسؤول؟


محمود رد:


— أنا.


سامح اتصدم.


— إنت؟


— مش أنا اللي سرقتها.


— لكن اسمك كان على النظام.


— لأن النظام كان باسمي.


شريف قال:


— محمود حاول يكتشف مين اللي بيحول الفلوس.


— ووصل لمين؟


محمود بص لشريف.


— لنهى.


سامح سكت.


— نهى كانت شغالة في نفس المجموعة قبل ما نتجوز.


— وكانت بتعرف النظام؟


— أكتر مني.


سامح بدأ يربط الأحداث.


— يعني نهى كانت بتاخد فلوس؟


محمود قال:


— في البداية افتكرت كده.


— وبعدين؟


— اكتشفت إنها كانت بتستلمها لصالح شخص تاني.


— مين؟


محمود سكت.


شريف قال:


— الدكتور ياسر.


سامح بص له.


— ليه دكتور أطفال يدخل في تحويلات مالية؟


— لأنه مش مجرد دكتور.


سامح عقد حاجبيه.


— يعني إيه؟


شريف فتح ملف تاني.


— الدكتور ياسر كان مرتبط بمؤسسة بحثية خاصة.


— مؤسسة بتعمل إيه؟


— بتجمع بيانات طبية عن الأطفال اللي بيتعاملوا مع بعض المراكز الخاصة.


سامح قال:


— بيانات طبية؟


— أيوه.


— وإيه المشكلة؟


شريف رد:


— المشكلة إن جزء من البيانات دي كان بيتاخد من غير موافقة واضحة من الأهالي.


محمود قال:


— وأنا لما اكتشفت، حاولت أوقف الموضوع.


سامح بص له.


— ومن هنا بدأ التهديد.


— أيوه.


— وشريف؟


شريف ابتسم بمرارة.


— أنا كنت موظف عنده وقتها.


سامح فهم.


— ولما اكتشفت؟


— ساعدته.


— وبعدين اتطردت.


— بالضبط.


سامح رجع للورقة.


— طيب ملك دخلت في الموضوع إزاي؟


محمود غمض عينه.


— لما اتولدت ملك، نهى كانت بتقول إنها محتاجة تعمل لها فحوصات كتير.


سامح قال:


— وإنت وافقت؟


— كانت بنتنا الأولى. كنت بصدق كل حاجة بتقولها.


— والدكتور ياسر؟


— كان بيتابعها.


سامح سكت.


— وبعدها بدأت المشاكل؟


محمود أومأ.


— نهى كانت بتاخد ملك لمواعيد من غير ما تقول لي تفاصيلها.


— وإنت ما شكيتش؟


— شكيت.


— إمتى؟


— من حوالي سنة.


— ليه؟


— لأن ملك بدأت ترفض تروح مع أمها لبعض الأماكن.


سامح قال:


— وقالتلك حاجة؟


محمود سكت.


— قالت إن الدكتور بيطلب منها تقعد لوحدها.


سامح شد أعصابه.


— لوحدها؟


— في وجود ممرضة.


— وقالت إيه تاني؟


— قالت إنهم بيسألوها أسئلة كتير.


سامح بص لملك.


كانت قاعدة ساكتة.


قرب منها.


— ملك، فاكرة الدكتور ياسر؟


البنت هزت راسها.


— أيوه.


— كان بيعمل إيه؟


— كان بيسألني أسئلة.


— زي إيه؟


ملك فكرت.


— عن بابا.


سامح بص لمحمود.


— عن إيه؟


ملك قالت:


— كان بيسألني بابا بيروح فين… وبيتكلم مع مين… وهل بيخبي حاجات في البيت.


سامح حس بقشعريرة.


— وإنتِ كنتي بتقولي له؟


— لأ.


— ليه؟


— علشان بابا قالي ما أقولش أسرار البيت لأي حد.


محمود نزل على ركبته قدامها.


— أنا آسف يا ملك.


البنت بصت له.


— إنت زعلت مني؟


— لأ.


— طب ليه كنت بتزعقلي؟


محمود دموعه نزلت.


— علشان كنت خايف.


ملك قالت:


— ماما قالت إنك مش بتحبني.


محمود غمض عينه.


— ماما غلطت.


سامح حس إن الغضب جواه بيزيد.


لكن ملك كانت محتاجة أمان، مش خناقة.


مد إيده لها.


— تعالي يا حبيبتي.


قربت منه.


سامح حضنها.


وبص لمحمود.


— لازم نخرج من هنا دلوقتي.


شريف قال:


— لسه بدري.


سامح لف له.


— إنت قلت إنك هتساعدنا.


— وأنا هساعدكم.



— أمال إيه؟


شريف أشار للملف.


— لازم تعرف مين الشخص اللي استلم التحويل الأخير.


سامح قال:


— الدكتور ياسر.


— لأ.


شريف حط إصبعه على الاسم.


— الاسم ده مجرد واجهة.


محمود رفع عينه.


— إنت متأكد؟


— متأكد.


سامح قال:


— مين؟


شريف سكت.


ثم قال:


— نهى.


سامح تجمد.


— إيه؟


— الحساب باسم الدكتور، لكن صاحب التوقيع الحقيقي هو نهى.


محمود رجع خطوة.


— مستحيل.


شريف فتح صورة من مستندات البنك.


— بص بنفسك.


محمود أخذ الورقة.


قرأها.


ثم جلس.


— يعني هي كانت بتدير الحساب؟


— أيوه.


سامح بص لمحمود.


— وإنت كنت فاكر إنها ضحية؟


محمود قال:


— أنا كنت فاكر إنها بتخاف على ملك.


شريف رد:


— كانت بتخاف عليها فعلًا.


سامح استغرب.


— إزاي؟


— لأنها كانت عارفة إن فيه ناس ممكن تستغلها.


— طب ليه كانت بتخوفها؟


شريف قال:


— لأن نهى كانت بتحاول تمنع ملك من الكلام.


سامح قال:


— بس بطريقة غلط.


— جدًا.


محمود مسك رأسه.


— أنا مش فاهم.


شريف قال:


— نهى دخلت في الموضوع من البداية وهي فاكرة إنها بتحمي بنتها.


— وبعدين؟


— اتورطت.


— إزاي؟


— الفلوس.


سامح فهم.


— لما بدأت تاخد فلوس؟


— أيوه.


— مقابل إيه؟


شريف قال:


— بيانات.


محمود انتفض.


— بيانات ملك؟


شريف أومأ.


— وبيانات أطفال تانيين.


ساد الصمت.


سامح حس إن الصورة بدأت تكتمل.


لكن كان فيه سؤال أهم.


— طيب الكدمات؟


شريف بص له.


— دي مش من الدكتور.


— من مين؟


— من نهى.


محمود وقف.


— لأ!


شريف قال:


— مش بالشكل اللي فاكره.


سامح قال:


— وضح.


— نهى كانت بتجرب على ملك حاجة بسيطة علشان تعرف إذا كانت هتقدر تفتكر تفاصيل معينة.


محمود صرخ:


— إنت بتتكلم عن إيه؟


— كانت بتضغط عليها بأسئلة وبطرق قاسية.


سامح قال:


— وده سبب الكدمات؟


شريف هز رأسه.


— بعض الكدمات.


— وبعضها؟


شريف سكت.


— بعض الكدمات حصلت بسبب محاولة ملك الهروب.


محمود غمض عينه.


— من مين؟


شريف قال:


— من الشخص اللي كان بيراقب البيت.


سامح قرب.


— مين؟


شريف بص لمحمود.


— الشخص اللي كنت فاكر إنه بيهددك.


محمود رفع عينه.


— مين؟


شريف قال:


— حارس قديم كان بيشتغل مع نهى.


سامح قال:


— ليه؟


— لأنه كان عايز ياخد نسخة من الملفات.


— وإنت عرفت كل ده إزاي؟


شريف قال:


— لأنني كنت أراقبهم أنا كمان.


سامح بص له باستغراب.


— يعني إنت كنت بتراقب البيت؟


— أيوه.


— وخطفت ملك؟


— أنا أخذتها من البيت لما عرفت إن نهى ناوية تنقلها لمكان تاني.


سامح قال:


— ومكان إيه؟


شريف فتح هاتفه.


عرض صورة لمبنى.


— مركز تابع للمؤسسة.


محمود بص للصورة.


— ده المركز اللي كانت نهى بتاخد ملك ليه.


— أيوه.


سامح قال:


— وليه ما اتصلتش بالشرطة؟


شريف سكت.


— كنت خايف إن البلاغ يتدفن.


سامح قال:


— وقررت تخطف طفلة؟


شريف نزل عينه.


— غلطت.


سامح قال:


— جدًا.


شريف أومأ.


— عارف.


في اللحظة دي، سمعوا صوت سيارة برا.


شريف اتحرك ناحية الباب.


— لازم نمشي.


سامح مسك إيد ملك.


— مين؟


شريف بص من الشباك.


— شخصين.


محمود قال:


— الشرطة؟


شريف هز رأسه.


— لأ.


سامح قال:


— طيب مين؟


شريف فتح الباب الخلفي للممر.


— مش وقت الكلام.


خرجوا من البيت من باب جانبي.


محمود كان شايل الملف.


سامح ماسك ملك.


وشريف ماشي قدامهم.


وصلوا للعربية.


قبل ما يركبوا، سامح وقف.


— استنى.


— إيه؟


— أنا مش ههرب.


شريف بص له.


— إيه؟


— لازم نبلغ.


— لو بلغنا من غير ما نعرف مكان المركز، ممكن ملك تفضل في خطر.


سامح قال:


— ملك معانا.


— والملفات؟


محمود قال:


— معايا.


شريف قال:


— يبقى لازم نروح لشخص أثق فيه.


سامح قال:


— مين؟


— مستشار قانوني اسمه خالد.


سامح قال:


— أعرفه.


شريف استغرب.


— إنت تعرفه؟


— اشتغلنا سوا في قضية من سنين.


ركبوا العربية.


طول الطريق، ملك كانت نايمة في حضن سامح.


كان واضح إنها منهكة.


سامح بص لها، وبعدين بص لمحمود.


— مهما كان اللي حصل، البنت دي لازم تتحمي.


محمود أومأ.


— عارف.


— والحقيقة لازم تطلع.


— عارف.


— حتى لو فيها نهى.


محمود سكت.


ثم قال:


— حتى لو فيها أنا.


وصلوا إلى مكتب خالد قبل الفجر بقليل.


فتح لهم الباب بعد مكالمة عاجلة.


أول ما شاف ملك، فهم إن الموضوع خطير.


سامح حكى له كل شيء.


خالد فضل ساكتًا، وبعدين قال:


— لازم نتحرك رسمي.


شريف قال:


— بس لازم نطلع ملك من الدائرة دي.


خالد قال:


— هنعمل الاتنين.


اتصل بجهة مختصة، وبدأ الإجراءات اللازمة لحماية الطفلة.


وبعد ساعات من الإجراءات والاستماع لأقوال سامح ومحمود وشريف، بدأت الصورة القانونية تتكشف.


الأدلة الموجودة في الملفات، التحويلات المالية، الرسائل، تسجيلات الكاميرات، وشهادات الأطراف، كلها كانت كفاية لفتح تحقيق واسع.


أما نهى…


فكانت أول واحدة يتم استدعاؤها.


لما وصلت، كانت هادية جدًا.


لكن أول ما شافت ملك قاعدة جنب سامح، انهارت.


— ملك!


ملك قامت.


لكنها ما جريتش عليها.


وقفت مكانها.


نهى قربت.


— ماما آسفة.


ملك بصت لها.


— ليه كنتي بتقولي إني كدابة؟


نهى بدأت تبكي.


— علشان كنت خايفة.


— مني؟


— عليكي.


— بس أنا كنت بقول الحقيقة.


نهى غطت وشها.


— عارفة.


الجملة دي كانت أقسى من أي اعتراف.


محمود كان واقف بعيد.


— نهى…


بصت له.


— أنا عارفة إنك هتكرهني.


محمود قال:


— أنا مش عارف أعمل إيه.


— أنا غلطت.


— ليه؟


نهى سكتت طويلًا.


ثم قالت:


— علشان الفلوس.


محمود غمض عينه.


— كنت محتاجة فلوس؟


— لأ.


— أمال؟


— كنت خايفة.


— من مين؟


— من الناس اللي كانوا حواليك.


نهى بدأت تحكي.


قالت إنها في البداية كانت تتعاون مع المؤسسة لأنها كانت تخشى أن يتم تدمير مستقبل محمود وسمعته إذا ظهرت بعض الملفات.


وبمرور الوقت، تحولت المساعدة إلى ابتزاز.


كلما حاولت التراجع، كانوا يهددونها بكشف معلومات مالية ووثائق قديمة.


ولما ولدت ملك، دخلت الطفلة في دائرة اهتمامهم بسبب ملف سابق مرتبط بعائلتها.


نهى كانت تعرف إن ده غلط.


لكن بدل ما تواجه الحقيقة، اختارت الطريق الأسهل.


الخوف.


والسكوت.


والكذب.


ثم بدأت تحاول السيطرة على ملك حتى لا تتحدث.


لكن الأمور خرجت عن السيطرة.


— أنا كنت فاكرة إني لو خلتها تسكت، هحميها.


سامح قال:


— إنتِ كنتي بتحميها من العالم كله، لكنك خليتي بيتها نفسه مكان تخاف فيه.


نهى ما قدرتش ترد.


بعدها بدأت التحقيقات الرسمية.


اتضح أن جزءًا من الأموال كان مرتبطًا بعمليات غير قانونية، وأن هناك شبكة من الأشخاص استخدمت بيانات ووثائق بطريقة غير مصرح بها.



أما الدكتور ياسر، فكان عليه أن يواجه أسئلة كثيرة حول دوره الحقيقي.


وشريف نفسه تم التحقيق معه بسبب أخذه ملك دون إذن، رغم أن الأدلة أظهرت أنه كان يحاول منع نقلها إلى مكان آخر.


لم تنتهِ الأمور في يوم واحد.


ولا في أسبوع.


الحقيقة احتاجت وقتًا.


لكن أهم شيء حصل…


إن ملك بقت في مكان آمن.


بعد عدة أسابيع، سامح أخذها في زيارة صغيرة لمكان مفتوح.


كانت ماسكة الدبدوب الأحمر.


وقفت قدام شجرة كبيرة.


وبصت لسامح.


— خالو؟


— نعم يا فراشتي؟


— هو الكرسي لسه بيوجع؟


سامح ابتسم.


— لأ.


— ليه؟


— علشان مفيش حد هيجبرك تقعدي على حاجة بتوجعك تاني.


ملك ابتسمت.


وبعدين جريت ناحية الشجر.


سامح وقف يتفرج عليها.


ولأول مرة من شهور، شافها بتجري من غير ما تبص وراها.


محمود وقف جنبه.


كان شكله مختلف.


مش رجل الأعمال اللي كان بيخبي مشاعره.


ولا الأخ اللي كان شايل أسراره لوحده.


كان مجرد أب فهم متأخر جدًا إن حماية الطفل مش معناها تخويفه.


— سامح.


— نعم؟


— أنا مدينلك بحياتي.


سامح هز راسه.


— مش أنا اللي أنقذت ملك لوحدي.


— مين؟


سامح بص ناحية ملك.


— هي.


محمود ابتسم.


— هي؟


— أيوه.


— إزاي؟


— لأنها رغم إنها كانت خايفة، اتكلمت.


محمود سكت.


سامح قال:


— وده أهم درس في كل اللي حصل.


— إيه؟


— إن الطفل لما يقول إن حاجة بتوجعه، لازم نسمعه.


بعد فترة، بدأت ملك تروح لمتخصصة نفسية للأطفال تساعدها تتجاوز آثار الخوف اللي عاشته.


ما كانش حد بيجبرها تحكي.


كانت هي اللي تختار إمتى تتكلم.


وكل مرة كانت بتتكلم فيها، كانت بتطلع خطوة جديدة من الخوف.


أما محمود، فباع جزءًا من استثماراته وسدد التزاماته القانونية، وقرر يعيد بناء حياته من البداية.


وكان أكتر قرار أخده صعوبة…


إنه اعترف بكل أخطائه بدل ما يحاول يخبيها.


نهى خضعت للتحقيق، وتحملت مسؤولية أفعالها، وبدأت إجراءات قانونية طويلة.


العلاقة بينها وبين محمود انتهت.


لكن محمود ما قطعش عنها حقها في التواصل مع ملك ضمن الإطار اللي يضمن سلامة الطفلة، لأن ملك في النهاية كانت محتاجة تعرف إن أمها أخطأت، لكن من غير ما تحمل نفسها ذنب أخطاء الكبار.


أما شريف…


فاختفى من حياة العيلة بعد ما انتهت التحقيقات الأساسية.


سامح قابله مرة واحدة.


قال له:


— ليه ما جيتش من البداية وقلت الحقيقة؟


شريف رد:


— لأن الخوف بيخلي الإنسان يعمل حاجات غلط وهو مقتنع إنه بيعمل الصح.


سامح قال:


— وده مش مبرر.


— عارف.


— لكن على الأقل اتعلمت.


شريف ابتسم.


— وأنت؟


سامح بص له.


— أنا اتعلمت إن التحقيق مش دايمًا يبدأ بسؤال.


— يبدأ بإيه؟


— يبدأ إنك تصدق الشخص اللي قدامك بما يكفي علشان تسمعه.


بعد شهور، سامح كان في بيت محمود.


ملك كانت بتلعب في الصالة.


دخلت وهي بتضحك.


— خالو!


— نعم؟


— بص!


رفعت الدبدوب الأحمر.


— الدبدوب بقى له سر جديد.


سامح ضحك.


— إيه؟


قربت منه وهمست:


— إنه مش بيخاف.


سامح ابتسم.


— وإنتِ؟


ملك فكرت لحظة.


ثم قالت:


— أنا كمان مبقتش بخاف.


محمود كان واقف عند الباب.


سمع الجملة.


وعينه دمعت.


ملك جريت عليه.


حضنته.


— بابا؟


— نعم يا حبيبتي؟


— أنا عايزة أقعد على الكرسي الكبير.


محمود بص للكرسي.


ثم ضحك.


— اقعدي.


ملك قعدت.


وبعدين قالت:


— مش بيوجع.


سامح ضحك.


محمود مسح دموعه.


— أيوه يا ملك.


وسكت لحظة.


— علشان المرة دي… إحنا سمعناكي.


مرت سنة.


وفي يوم، سامح كان قاعد في مكتبه بيكتب آخر سطور تحقيق جديد.


على مكتبه كانت صورة صغيرة لملك وهي بتضحك.


دخل كريم.


— خلصت؟


سامح قفل اللابتوب.


— خلصت.


— هتنشره؟


سامح بص للصورة.


— مش كل حاجة لازم تتنشر.


كريم فهم.


— عرفت تفرق؟


— أيوه.


— بين إيه وإيه؟


سامح قال:


— بين إنك تكشف الحقيقة… وإنك تكشف أسرار ناس ملهاش ذنب.


كريم ابتسم.


— ملك أخبارها إيه؟


سامح ابتسم.


— بقت بتتكلم كتير.


— دي حاجة كويسة.


— جدًا.


رن تليفون سامح.


كانت ملك.


رد.


— ألو؟


— خالو!


— نعم؟


— ماما بعتتلي جواب.


سامح سكت.


— قالتلك إيه؟


— مش عارفة.


— إنتِ عايزة تقريه؟


— لأ.


— ليه؟


— لما أبقى جاهزة.


سامح ابتسم.


— يبقى استني.


— حاضر.


وقبل ما يقفل، قالت:


— خالو؟


— نعم؟


— شكرًا إنك صدقتني.


سامح سكت لحظة.


وبعدين قال:


— أنا اللي بشكرك يا ملك.


— ليه؟


— علشان علمتيني إن صوت الطفل الصغير ممكن يكشف حقيقة كبيرة.


ضحكت.


— باي.


— باي يا فراشتي.


قفل سامح المكالمة.


وسند ضهره على الكرسي.


افتكر أول يوم شاف فيه ملك قاعدة على الكرسي وبتقول:


«الكرسي بيوجعني يا خالو.»


وقتها كان فاكر إن الحكاية كلها هتكون عن كدمة.


عن خوف.


عن مشكلة داخل بيت أخوه.


لكنه اكتشف إن الوجع الحقيقي ما كانش في الكرسي.


كان في إن طفلة صغيرة قالت الحقيقة…


والكبار اختاروا ما يسمعوهاش.


وفي النهاية، اللي أنقذ ملك ما كانش المال.


ولا نفوذ محمود.


ولا الملفات السرية.


ولا التكنولوجيا.


اللي أنقذها كان إن شخص واحد قرر يوقف كل حاجة ويسمعها.


وعشان كده، سامح احتفظ بالدبدوب الأحمر اللي ملك نسيته عنده مرة.


حطه فوق مكتبه.


وكل ما كان يشوفه، يفتكر إن بعض القصص بتبدأ بجملة بسيطة جدًا…


«أنا خايفة.»


لكن النهاية الحقيقية تبدأ لما حد يرد:


«أنا سامعك… ومش هسيبك لوحدك.»


وملك؟


كبرت.


وبعد سنوات، لما بقت في المدرسة الإعدادية، كانت كل ما تشوف طفل خايف أو ساكت زيادة عن اللزوم، تروح تقعد جنبه من غير ما تسأله أسئلة كتير.


مرة بنت صغيرة كانت قاعدة لوحدها في فناء المدرسة.


ملك قعدت جنبها.


— إنتِ كويسة؟


البنت هزت راسها.


— أيوه.


ملك ابتسمت.


— لو مش كويسة، عادي تقولي.


البنت بصت لها.


وبعد لحظات بدأت تبكي.


ملك ما قالتش لها «متعيطيش».


ولا قالت لها «أكيد الموضوع بسيط».


بس مسكت إيدها.


وقالت:


— أنا مصدقاكي.


الجملة دي كانت كفاية.


لأن ملك كانت عارفة كويس معنى إن طفل يقول الحقيقة…


وما يلاقيش حد يصدقه.


أما سامح، ففضل محتفظًا بالدبدوب الأحمر فوق مكتبه.


وكل مرة حد يسأله:


— ليه محتفظ بيه لحد دلوقتي؟


كان يبتسم ويقول:


— علشان يفكرني إن أصغر صوت ممكن يكون أهم صوت في المكان كله.


ومن يومها، عمره ما سمع طفل يقول:


«أنا بتوجع»…


ويعدّي كلامه كأنه ولا حاجة.


لأن سامح عرف أخيرًا إن الكرسي ممكن يتصلح.


والبيت ممكن يتغير.


والفلوس ممكن ترجع.


والأسرار ممكن تنكشف.


لكن خوف طفل صغير…


لو اتساب يكبر جواه…


ممكن يفضل معاه العمر كله.


وعشان كده، لما ملك كبرت وسألته في يوم:


— خالو، لو كنت رجعت من البيت يومها ومصدقتنيش، كان إيه اللي هيحصل؟


سامح بص لها فترة طويلة.


ثم قال:


— مش عارف.


— ليه؟


— علشان الحمد لله إني ما سمحتش لنفسي أعرف.


ملك ابتسمت.


وحضنته.


وفي اللحظة دي، سامح عرف إن أصعب رحلة في حياته انتهت أخيرًا.


مش يوم اتقبض على المذنبين.


ولا يوم ظهرت الحسابات.


ولا يوم انكشفت الأسرار.


انتهت يوم ملك قدرت تقعد على كرسي…


من غير خوف.


ومن غير ألم.


ومن غير ما تستنى حد يصدقها.


وساعتها فقط، فهم سامح معنى الجملة اللي بدأت بيها كل الحكاية:


«الكرسي بيوجعني يا خالو.»


ما كانش الكرسي هو اللي كان محتاج يتغير.


كان لازم الكبار هم اللي يتعلموا يسمعوا.



تعليقات