القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

حماتي طردت الشغالة يوم صباحيتي ورمت مريلة مطبخ في وشي كامله حكـايات مني السيد حصري

 حماتي طردت الشغالة يوم صباحيتي ورمت مريلة مطبخ في وشي كامله حكـايات مني السيد حصري




حماتي طردت الشغالة يوم صباحيتي ورمت مريلة مطبخ في وشي كامله حكـايات مني السيد حصري

مكنش عدّى على فرحي غير يومين بالظبط لما حماتي طردت الشغالة، رمت مريلة المطبخ في وشي، وقالتلي:


«ألف مبروك يا عروسة.. جه الوقت بقى عشان تثبتي إنك تستاهلي تدخلي العيلة دي وتستحقي اللقمة اللي بتاكليها».


جوزي ضحك ببرود وسخرية، وفي نفس اللحظة دي بالذات، مبقتش محتاجة أسأل نفسي خلاص إذا كانت جوازتي منه غلطة ولا لأ؛ الغلطة كانت واضحة زي الشمس.


الست اللي اتطردت دي كانت «أم سعد»، ست غلبانة وشغالة في فيلا عيلة الشناوي في التجمع بقالها حداشر سنة. كانت واقفة عند باب المطبخ، ماسكة شنطتها بإيديها اللي بتترعش، وعينيها مليانة دموع وكسرة نفس.


حماتي، نيرمين هانم، بصتلها بقرف وقالت ببرود: «تقدري تتفضلي إنتِ خلاص، جبنا اللي أصغر منك تقوم بالبيت».


بعدها لفت وبصتلي من فوق لتحت. أنا كنت لسه واقفة بالروب الستان اللي طارق جوزي كان جايبهولي في شهر العسل.


«الفطار يجهز الساعة سبعة بالدقيقة، الغسيل يوم الاتنين، والحمامات تتنضف مرتين في الأسبوع.. وطارق قمصانه كلها تتكوي بمايه ورد وعلى السنجة عشرة».


بصيت على المريلة اللي رمتها على الأرض بين رجليا وقولتلها بصدمة: «حضرتك مشّيتي أم سعد عشان مستنية مني أبقى الخدامة هنا بدالها؟


»


نيرمين هانم ابتسمت باستهزاء: «إنتِ فاكرة نفسك اتجوزتي في عيلة الشناوي عشان تقعدي تدلعي وتحطي رجل على رجل؟ لازم تتعلمي أصول خدمة أسيادك يا حبيبتي».


طارق كان ساند ضهره على رخامة المطبخ، وبصلي وقال باستهانة: «يا بنتي أمي من بتوع زمان، كبري مخك ومشيها معاها بالهداوة».


رديت عليه بذهول: «أمشيها معاها؟!»


وطّى صوته وهو بيبرقلي: «مش عايزين شغل دراما ونكد من أول يومين جواز.. عديها بدل ما نقلبها نكد».


الكلمتين دول لخصولي كل حاجة وفوقوني تماماً.


طول فترة الخطوبة اللي قعدت حداشر شهر، كان طارق مطلع أمه على إنها «ست طيبة بس عصبية شوية وحملها خفيف»، وكان واعدني إننا هنقعد في شقتنا لوحدنا في زايد أول ما نتجوز. لكن تاني يوم الفرح على طول، فاجئني وقاللي إننا هنقعد في قصر أمه في التجمع «كام شهر كده عشان نوفر مصاريف». وأنا ساعتها وافقت وسكتّ عشان مقومش خناقة في الصباحية، وكانت دي أول غلطة عملتها في حق نفسي.


نيرمين هانم شاورت بصباعها على الأرض بغرور وقالت: «شيلي المريلة دي من على الأرض والبسيها.. وبطلي تنحة».


أم سعد همست بصوت مخنوق: «أنا آسفة يا بنتي.. حقك عليا».


بصيت لأم سعد في عينيها وقولتلها بهدوء: «إنتِ ملكيش أي ذنب ومفيش حاجة تعتذري عنها، كرامتك فوق الكل».


ملامح وش نيرمين هانم اتقلبت بغضب. في اللحظة دي، وطيت براحة ولميت المريلة من على الأرض. طارق شفايفه اترسمت عليها ابتسامة نصر صفرا، وفاكر إني خلاص اتكسرت وخضعت لأمرهم.


تنيت المريلة بنظام تام، وحطيتها على الرخامة جنب طارق، وقولتلها بهدوء تام:


«عينيا.. من النهاردة أنا اللي هستلم إدارة أمور البيت كله بنفسي».


ضحكة نيرمين هانم رجعت تاني على وشها وقالت: «كنت متأكدة إنك هتفهمي الكلام وتجيبي ورا».


أنا فاهمة كل حاجة فعلاً.. بس هما اللي مكانوش فاهمين حاجة خالص.


اللي ميعرفهوش طارق ولا أمه، إني قبل ما أتجوزه كنت شغالة تمن سنين كاملة في أكبر مكاتب المحاسبة القانونية والتحقيقات الضريبية، تخصصي كشف غسيل الأموال، والتلاعب في التركات، والشركات الوهمية.


وقبل فرحنا بتلات أسابيع، والمحامي بتاعي بيراجع عقد الاتفاق اللي هما أصروا إني أمضيه، اكتشفت مفاجأة عمرهم.


القصر اللي نيرمين هانم عايشة فيه وعاملة بيه سيدة مجتمع وبتتحكم في الناس بسببه، مش ملكها أصلاً ولا مكتوب باسمها!


ولا حتى الشركات اللي بتصرف على مظهرها والبراندات اللي بتلبسها تخصها.


كل الأملاك دي داخلة في حصر تركة ووقف عائلي مقفول، وبعد وفاة جد طارق الكبير من ست شهور، طارق بقى هو الحارس والمسؤول الوحيد عن إدارة التركة دي.


والمصيبة اللي طارق مخبيها عليهم كلهم وعارف إني عرفتها، إنه كان مديون بره بملايين، ورهن أصول وأوراق رسمية تخص التركة دي في البنوك من ورا باقي الورثة والواصيين عشان يسدد ديونه الخاصة.. يعني مجرد بلاغ واحد رسمي مني للنائب العام والرقابة المالية كفيل يجمّد كل مليم تحت إيديهم ويوديه ورا الشمس بتهمة خيانة الأمانة والتزوير.


بصيت لنيرمين هانم وابتسمت ابتسامة هادية جداً: «متقلقيش يا طنط.. أنا هظبطلك كل حسابات البيت ده.. بالمليم».


ومكنتش تتخيل أبداً أنا قصدت إيه بكلمة «حسابات».


نيرمين هانم سابت المطبخ وخرجت بخطوات واثقة وكعب جزمتها بيخبط في الرخام كأنها ملكة متوجة في قصرها، وطارق طبطب على كتفي بخفة وهو بيضحك وقاللي وهو خارج وراها:


«أهو كده.. عجباني عقليتك، أصل مش ناقصين وجع دماغ من أولها.. اعمليلي بقى فنجان قهوة مظبوط وهاتيهولي فوق في التراس».



وقفت ثواني أتنفس وأستوعب المشهد. المطبخ كان واسع جداً، الرخام الإيطالي بيلمع، والأجهزة كلها مستوردة، بس الطاقة اللي في المكان كانت تِكتم النفس. بصيت على المريلة المتطبقة قدامي، ومديت إيدي فتحت درفة التوابل اللي على اليمين، لقيت علبة صغيرة من المعدن كنت لمحت أم سعد وهي بتحط فيها فواتير المشتريات الصبح.


طلعت تليفوني، وصورت كل ورقة فيها. فواتير اللحمة، الخضار، اشتراكات النادي، مصاريف بنزين العربيات، وكل قرش نيرمين هانم بتصرفه من الفيزا اللي مربوطة بحساب التركة.


طلعت الدور التاني، كانت أوضة المكتب بتاعت جدهم الله يرحمه مقفولة بالمفتاح من يوم الوفاة. طارق كان فاكر إنه دافن كل أسراره فيها. بصيت حواليا في الطرقة الطويلة المفروشة بسجاد عجمي تقيل، مكنش فيه حس؛ نيرمين قاعدة في الجنينة بتتكلم في التليفون بصوت عالي وبتطلب أوردرات من محلات دهب وألماظ، وطارق قاعد في التراس بيتفرج على ماتش في تليفونه ومستني القهوة.


دخلت أوضة النوم بتاعتنا، طلعت اللاب توب بتاعي، وفتحت الفلاشة المشفرة اللي مفيش بني آدم يعرف مكانها غيري. نزلت كل كشوفات الحسابات اللي المحامي بتاعي جمعها قبل الفرح. الأرقام كانت مرعبة؛ طارق ساحب قروض بضمان أسهم مش بتاعته لوحده، وعامل توكيلات مضروبة باسم أعمامه المسافرين في الخليج، وفاتح اعتمادات مستندية لشركات استيراد وهمية متسجلة بأسماء عمال شغالين في المخازن عندهم.


عملت فنجان القهوة لطارق، وطلعت بيه على التراس بوش هادي تماماً ومبتسم. حطيته قدامه على الترابيزة الصغيرة.


طارق رفع عينه من التليفون، وبصلي بابتسامة صفرا وقال: «تسلم إيدك يا غالية.. شوفتي؟ الموضوع طلع بسيط إزاي؟ أمي بس كلمتها لازم تمشي عشان البرستيج، لكن إنتِ هنا الكل في الكل».


قعدت على الكرسي اللي قصاده، وحطيت رجل على رجل وقولتله بنبرة ناعمة مليانة مكر: «أنا كل اللي يهمني راحتك يا طارق.. بس كنت عاوزة أسألك، هو عمك فريد وعمتك سهير مش ليهم نصيب في عوايد شركة الشحن اللي في بورسعيد؟»


طارق وشه شحب في ثانية، وفنجان القهوة في إيده اتهز ونقطت نقطة على بنطلونه. بلع ريقه وبصلي بعينين ضيقة وسألني: «وإنتِ إيه اللي فكرك بشركة بورسعيد فجأة كده؟ وإيه اللي جاب سيرة أعمامي في الكلام؟»


رديت عليه ببرود وتلقائية مصطنعة: «أبداً يا حبيبي، أصل مامتك تحت كانت بتقول إنها عايزة تغير ديكور الدور الأرضي كله وتعمل بيسين جديد، فبقول في بالي المصاريف دي كلها مش المفروض بتتقسم على الورثة في التقرير المالي السنوي ولا إنت بتشيلها لوحدك؟ أصل مش عايزاك تتزنق في سيولة، خصوصاً بعد ما شوفت إشعار البنك الأهلي اللي جه على إيميلك إمبارح بالليل بخصوص القسط المتأخر بتاع القرض».


طارق حط الفنجان بغشم على الترابيزة لدرجة إنه اتشرخ، ووقف مكانه وقرب مني، وشه كان محتقن بالدم وعروق رقبته نفرت: «إنتِ بتفتحي إيميلي الخاص؟ وإزاي تتجرأي تدخلي في حسابات العيلة وشغلها؟ إنتِ هنا ست بيت، تفطري وتطبخي وتسمعي الكلام، فاهمة ولا لأ؟ الكلام ده ميتفتحش تاني نهائي!»


بصيتله من غير ما رمش واحد يتهز في عيني.

رفعت حاجبي وقولتله بمنتهى الثبات: «أنا مش بس بفتح إيميلك يا طارق.. أنا المحاسبة القانونية اللي كانت بترجعلك كل ميزانية وتوقفك على رجلك، ونسيت تقرأ البنود الصغيرة في ورقة المحامي اللي مضيتني عليها. التوكيل المالي اللي إنت طلبت مني أعملهولك عشان تدير بيه شقتي اللي ورثتها عن والدي؟ أنا بدلت الصيغة بتاعته الصبح عند المأذون وخليته توكيل فحص وإشراف على كافة الأنشطة المشتركة اللي باسمك».


طارق اتسمر مكانه وفضل يبصلي وهو مش مستوعب الصدمة: «إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ اتجننتي؟»


في اللحظة دي، سمعنا صوت كعب نيرمين هانم طالع على السلم، بتنادي بصوت عالي يرن في الفيلا كلها: «طارق! إنت فين يا ابني؟ انزل كلم مدير البنك التجاري.. بيقول في شيك راجع من حساب الوقف ومفيش رصيد يغطيه، وبيقولوا الحساب اتحط عليه حظر مؤقت!

»


طارق بصلي برعب وذهول، وأنا وقفت بكل هدوء، وعدلت هدومي، وابتسمت له ابتسامة واسعة وقولتله بهمس: «المريلة لسه تحت على الرخامة يا حبيبي.. انزل بقى شوف مامتك عشان شكلك إنت اللي هتحتاج تلبسها قبلي».


نزلت وسبته واقف مكانه مش قادر حتى يحرك رجله، ودخلت الصالون الرئيسي اللي كانت نيرمين هانم واقفة فيه، التليفون في إيدها ومصدومة، ووشها أبيض زي اللوح بعد ما سمعت كلام الموظف.


أول ما شافتني، بصتلي بغضب وهي بتزعق: «إنتِ مين سمحلك تدخلي هنا بهدومك دي؟ روحي المطبخ شوفي العشا وجهزي السفرة، عندنا ضيوف جايين يباركوا بالليل وناس تقال في البلد!»


قعدت على الكنبة المدهبة الكبيرة في نص الصالون، فردت ضهري وحطيت رجل على رجل قدام عينيها، وفتحت الشنطة بتاعتي وطلعت ملف أزرق تقيل حطيته على طرابيزة الصالون الكريستال.


نيرمين هانم اتجننت وصوتها علي: «إنتِ اتهبلتي يا بت إنتِ؟ إزاي تقعدي كده وأنا واقفة؟ وقومي من على الكنبة دي مفيش حد بيقعد هنا غيري!»


رديت عليها بصوت واطي جداً، بس فيه حزم خلى كل ذرة غرور فيها تتهز: «اقعدي بس يا نيرمين هانم وخدي نفسك.. عشان الضيوف اللي جايين بالليل دول مش جايين يباركوا، دول المحامين بتوع أعمام طارق، ومعاهم أمر تفتيش وجرد رسمي لكل ورقة في القصر ده من محكمة جنوب القاهرة، وطارق زمانه نازل دلوقتي يشرح لحضرتك إزاي القصر ده معروض للحجز القضائي من أول الشهر الجاي».


 

نيرمين هانم وقفت مكانها كأن جردل ماية تلج اتدلق فوق دماغها، وشها اللي كان محقون فيلر ومفرود بغرور بدأ ينكمش وعينيها بتبرق برعب مش مفهوم، بصت للملف الأزرق اللي مرمي على الترابيزة قدامها كأنه قنبلة موقوتة، وبعدين بصتلي وحاولت تستجمع شوية من جبروتها المزيف وصوتها بيترعش حجز إيه وقضائي إيه يا مقصوفة الرقبة إنتِ؟

إنتِ فاكرة نفسك مين عشان تنطقي اسم العيلة دي على لسانك؟ القصر ده باسم عيلة الشناوي من قبل ما أهلك يفكروا يخلفوكي، وإنتِ حتة بت شحاتة لميناها من الشارع وجبناها هنا عشان ننضفك، تقومي تتبلي على ابني وسيدك؟!

في اللحظة دي، طارق نزل يجري على السلم، رجليه كانت بتخبط في بعضها من الخوف وعرقه نازل شلالات على وشه، قميصه مفتوح من فوق ورباط جزمته مفكوك، شكله كان متبهدل تماماً ومفيهوش ريحة الهيبة المصطنعة اللي كان لابسها من يومين بس، وقف على أول الصالون وهو بينهج وبيبص لأمه، وبعدين بصلي، لقى الملف الأزرق مفتوح قدامي وأنا ساندة ضهري وببصلهم بابتسامة هادية وباردة، أبرد من التلج.

نيرمين جريت عليه ومسكت دراعه بغل وهي بتصرخ طارق! انطق يا ابني وقول للبت دي مقامها، قولها إنها هبلة ومش فاهمة حاجة! البنك باعت رسالة بيقول الحساب مقفول، والهانم قاعدة تتبلى عليك وبتقول في حجز وقواضي وأعمامك جايين! فهمني فيه إيه بدل ما أطب ساكتة بأزمتي القلبية هنا؟

!

طارق بلع ريقه بصعوبة لدرجة إن صوت ريقه اتسمع في الصالون الواسع، بص لأمه بنظرة عيل صغير اتقفش وهو بيسرق من حصالة أبوه، وقال بصوت واطي ومبحوح ماما.. اهدي بس.. الموضوع مش كده.. دي سوء تفاهم بسيط في الإجراءات المالية وهحله الصبح مع المستشار القانوني بتاعنا.

ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنت في سقف الصالون المدهب وخليتهم هما الاتنين يبصولي كأني اتجننت، رفعت إيدي وشاورت على الملف سوء تفاهم بسيط برضه يا باشمهندس طارق؟ سوء تفاهم بقيمة اتنين وسبعين مليون جنيه؟ تحب أقرأ لطنط البنود ولا أسيبها تتفاجئ بالليل لما عمها الحاج فريد يدخل ومعاه قوة من مباحث الأموال العامة ومأمور الضرائب العقارية؟

نيرمين رجعت خطوة لورا وسابت دراع طارق، وشها اتقلب لونه أصفر زي الليمونة الميتة، وبصت لابنها بعينين مبرقة اتنين وسبعين مليون إيه يا طارق؟! انطق يا ولد! الفلوس دي راحت فين والوقف اللي جدك سايبه راح فين؟! مش ده الوقف اللي كنا عايشين من ريعه وبنصرف منه على العربيات والنوادي والسفر لباريس كل صيف؟! انطق بدل ما أقتلك بإيديا دول!

طارق حط إيديه الاتنين على راسه، وقعد القرفصاء على السجادة العجمي اللي كانت أمه بتتباهى إنها جايباها بمية ألف من مزاد في سويسرا، وطى راسه في الأرض وهو مش قادر يحط عينه في عينها وقال بانهيار تام البورصة يا أمي.. والرهانات.. والشركات اللي عملتها في دبي عشان أكبر اسمي وأثبت لعمي فريد إني مش عيل خايب، كل الصفقات خسرت، والناس اللي كنت شغال معاهم طلعوا نصابين، وكان لازم أسدد الديون دي وإلا كنت هتحبس بشيكات من غير رصيد، ف.. فاضطريت أرهن أصول شركة الشحن وأخدت قروض بضمان القصر ده وتوكيل جدي اللي كان معايا قبل ما يموت بأسبوع.

. افتكرت إني هلحق أرجع الفلوس قبل ما حد يحس، بس الفوايد ركبت فوق بعضها والمزاد اتحدد خلاص!

نيرمين ضربت على صدرها ولطمت على وشها بصوت عالي يا فضيحتك يا نيرمين! يا خراب بيتك يا نيرمين! القصر يضيع مني؟! العربيات تتاخد مني وأرجع أقعد في شقة إيجار في شبرا زي زمان قبل ما اتجوز أبوك؟! يا لهوي يا ناس! يا لهوي على خيبتي وسواد أيامي!

فضلت تلطم وتصوت، وطارق قاعد تحت رجليها يعيط، وأنا قاعدة بتفرج على المشهد ده بنظرة خالية من أي شفقة، افتكرت أم سعد الصبح وهي مكسورة وبتترجى نيرمين هانم عشان تاخد باقي حسابها المتأخر من شهرين، افتكرت كلام طارق وهو بيضحك ويقولي البسي المريلة ونضفي الحمامات عشان تثبتي إنك تستاهلي تدخلي العيلة، المشهد كان عدالة سماوية سريعة جداً، أسرع مما كنت أنا نفسي أتخيل.

نيرمين فجأة سكتت، وبصتلي بعينين مليانة غل واستعطاف في نفس الوقت، نزلت على ركبتها قدامي على الأرض، الست اللي من ساعتين كانت بترمي عليا المريلة وتقولي إنتِ خدامة هنا، مسكت طرف عبايتي وقالت بصوت مكسور إنتِ.

. إنتِ بتقولي إنك مراجعة حسابات شاطرة.. المحامي بتاعك جاب الورق ده إزاي؟ إنتِ أصلك مين يا بت إنتِ؟ أنقذينا.. انقذي جوزك وبيتك، مش إنتِ مراته وبتحبيه؟ تصرفي! كلمي حد من معارفك، دوري على ثغرة قانونية في التوكيل ولا في الرهن، أرجوكي يا بنتي، دي شرف العيلة واسمها هيتمرمغ في الأرض!

بصيت لإيديها اللي ماسكة هدومي، وبعدت طرف العباية بهدوء وقرف، وقولتلها أولاً، اسمي مدام إيلين، مش بت.. وثانياً، المحامي بتاعي ما جابش حاجة من ورا ضهر القانون، الورق ده كله رسمي ومتوثق، وأنا أصلاً كنت ماسكة ملف المراجعة الضريبية لشركات جدك الله يرحمه من تلات سنين في المكتب بتاعي، يعني حافظة كل مليم دخل وخرج من العيلة دي راح فين، وعارفة بالظبط إنه كتب نصيبه في القصر ده لأعمام طارق عشان كان عارف إن طارق طايش وهيضيعه، والتوكيل اللي طارق استخدمه كان توكيل ملغي بحكم محكمة صدر قبل وفاة جدك بيومين اتنين بس، وطارق خفاه وزوّر تاريخه.

طارق رفع راسه فجأة وبصلي بصدمة ورعب إنتِ.. إنتِ كنتِ عارفة كل ده من الأول؟! كنتِ عارفة ودخلتي البيت ده ليه؟ اتجوزتيني ليه طالما عارفة إني مزور ومفلس ومديون؟!

وقفت على حيلي، وطولي كان فارض نفسه


 

فوقهم وهما الاتنين مرميين على الأرض قدامي، بصيت لطارق في عينيه وقولتله بكل هدوء وثبات اتجوزتك عشان إنت فاكر نفسك ذكي زيادة عن اللزوم، فاكر إنك تقدر تيجي تاخد شقتي اللي ورثتها عن أبويا وتطلب مني توكيل بيع وإدارة عشان ترهنها هي كمان وتغطي بيها بلاويك، فاكر إني البنت الهادية الساذجة اللي بتشتغل في الحسابات وتقدر تضحك عليها بكلمتين حب وشوية وعود كدابة في فترة الخطوبة وتكسر مناخيرها في أول يومين جواز وتخليها خدامة لأمك عشان تحس برجولتك الناقصة! أنا اتجوزتك عشان أسلّم الورق ده للناس الصح في الوقت الصح، وعشان أضمن إن مفيش مليم واحد من شقى والدي الله يرحمه يتداس عليه بجزمتك إنت وأمك.

الباب الخارجي للفيلا رن في اللحظة دي، جرس تقيل وصداه ملا الممرات كلها، نيرمين اتنفضت من مكانها كأن مسها سلك كهربا، وطارق قام يرجع بضهره ورا كأنه بيدور على جحر يستخبى فيه.

مشيت بخطوات بطيئة وواثقة لحد الباب، فتحته، كان واقف بره عمهم الكبير الحاج فريد الشناوي، وجنبه عمتهم سهير، ومعاهم اتنين محامين كبار بشنط جلد سودا، ووراهم في مدخل الجنينة عربيتين شرطة واقفين بالحرس بتوعهم لتنفيذ قرار التمكين والتحفظ.

الحاج فريد بصلي وهز راسه باحترام وقال مساء الخير يا بنتي.. شكراً على التقرير المفصل اللي بعتيه للمكتب النهاردة الصبح بدري، لولاكي كان الباشا ابن أخويا هرب بره البلد بكرة الصبح بالفلوس اللي باقية وباع القصر في مزاد سري من ورانا.


ابتسمت ووسعتله الطريق اتفضل يا حاج فريد، البيت بيتكم.. وأنا مهمتي هنا خلصت.

نيرمين أول ما شافت فريد داخل، صرخت وجريت عليه يا فريد يا أخويا! متصدقش حاجة، دي بت كدابة وعايزة تخرب بيتنا وتوقع بين الإخوات!

فريد بصلها بقرف ونتر إيدها عنه وقال بصوت يهز الحيطان اخرسي خالص يا نيرمين! مسمعش صوتك! سنين وإنتِ عايشة في العز ده من خير أبويا، وعينك مالتش التراب، سايبة ابنك يسرق لحم كتافنا ويبدد شقى عمرنا عشان يركب عربيات بتمانية مليون ويلبس ساعات ألماظ، وإنتِ قاعدة تتبتري وتطردي الغلابة اللي خدموكي وتستعبدي بنات الناس المحترمين! المباحث بره يا نيرمين، وطارق مطلوب للتحقيق في نيابة الأموال العامة بتهمة التزوير في محررات رسمية والاستيلاء على أموال قُصّر وشركاء.

الظباط دخلوا ورا الحاج فريد، وقربوا من طارق اللي كان واقف زي الصنم، كلبشوا إيديه الاتنين قدام أمه، نيرمين فضلت تصرخ وتقطع في هدومها وتضرب على وشها، وهو وشه في الأرض مش قادر يرفع عينه في حد، لا في أعمامه، ولا في الضباط، ولا فيا.

وهما ساحبينه وطالعين بيه من الباب، وقف ثانية وبصلي والدموع مالية عينيه وقال ليه عملتي كده يا إيلين؟ ليه مقولتليش وسيبتيني أساعدك ونصلح كل حاجة سوا؟

بصيتله ببرود تام وقولتله عشان اللي زيك مبيتصلحش يا طارق.. اللي يبيع كرامة مراته في أول يومين، ويوافق إنها تتهان وتتذل عشان يرضي كبرياء أمه المريض، ميستاهلش غير إنه يشيل شيلته كاملة.. إنت اللي اخترت تلبس مريلة النصب، اشرب بقى.

سحبوه وخرجوا، ونيرمين وقعت على الأرض في نوبة بكا وصراخ بهيستيريا، والمحامين بتوع أعمامه بدأوا يختموا على الدواليب والأجهزة بالشمع الأحمر تمهيداً لحصر كل مليم في القصر.


أنا طلعت الدور التاني بمنتهى الهدوء، دخلت الأوضة اللي قعدت فيها تلت أيام بس، لميت هدومي كلها في شنطتي الصغيرة، مخدتش مليم زيادة عن اللي دخلت بيه، ولا خاتم دهب من اللي كان جايبهولي في الشبكة، سبت كل حاجة على التسريحة، وجنب الشبكة، حطيت ورقة صغيرة كان المحامي بتاعي مجهزها ورقة دعوى خلع مستعجلة، ومرفق معاها تنازل رسمي عن أي حقوق مالية من فلوسهم الحرام.

ونزلت السلم والشنطة في إيدي، عديت من جنب نيرمين وهي قاعدة على الأرض بتعيط ومحامي الورثة بيطلب منها تلم حاجتها الشخصية بس عشان الفيلا هتتقفل، وقفت قدامها لثانية واحدة، فتحت شنطتي، وطلعت مريلة المطبخ اللي كنت مطبقاها الصبح، رميتها في حجرها بالظبط زي ما رمتها هي عليا.

بصيتلها وقولت بهمس حاسم المريلة دي بتاعتك من الأساس يا نيرمين هانم.. خليها معاكي، يمكن تحتاجيها في الشقة الصغيرة اللي هتقعدي فيها بعد ما تتحجز أملاككم كلها.


خرجت من باب القصر الحديدي الكبير، وشميت هوا التجمع النضيف، الهوا كان خفيف والليل هادي جداً، وقفت على أول الشارع، لقيت تاكسي معدي شاورتله، ركبت وقفلت الباب ورايا.

طلعت تليفوني واتصلت برقم كان متسجل عندي، رد عليا صوت ست طيبة ومبحوحة ألو.. مين معايا يا بنتي؟

ابتسمت من قلبي لأول مرة من تلت شهور وقولت إزيك يا خالة أم سعد.. أنا إيلين، مرات طارق سابقاً.. عايزاكي ترتاحي وتطمني، بكره الصبح المحامي بتاعي هيقابلك وهيسلمك كل مستحقاتك المتأخرة وزيادة عليها مكافأة نهاية خدمة محترمة من حساب التركة، وشغلك في شركة الاستشارات بتاعتي جاهز من يوم الأحد الجاي كمسؤولة عن إدارة المكان بمرتب تلت أضعاف اللي كنتِ بتاخديه في قصر الشناوي.

صوت أم سعد في التليفون اتخنق بالدموع وهي بتدعيلي من قلبها ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي زي ما جبرتي بخاطري.. ربنا يستر طريقك وينصرك على مين يعاديكي.

قفلت السكة، وسندت راسي على شباك التاكسي وأنا بتفرج على شوارع القاهرة والأنوار اللي بتجري في الضلمة، حسيت براحة مفيش بعدها راحة، راحة الست اللي عرفت تاخد حقها بالقانون وبالعقل من غير ما تنزل لمستوى اللي حاولوا يكسروها، خطوة واحدة غلط منهم في أول يومين كشفت كل خيوط اللعبة، بس الفرق إن هما خسروا كل حاجة، وأنا كسبت نفسي، كسبت حريتي، وكرامتي اللي محدش هيقدر في يوم من الأيام يمسها.

 

تعليقات

close