سكريبت مرات ابني كامله
سكريبت مرات ابني كامله
مرات ابني كانت كل شوية تيجي بيتي بشنط غسيل كتير، ومتوقعة إني أغسل لها كل حاجة. فبدل ما أفضل أجادلها كل مرة، قررت أتعامل مع الموضوع بطريقة مختلفة. الحكاية بدأت بسلة غسيل واحدة. قالتلي داليا: — معلش، تحطي دول مع غسيلك وإنتِ بتغسلي؟ معنديش مشكلة. سلة واحدة يعني مش نهاية الدنيا. بس بعد كده السلة بقت اتنين.
وبعد فترة قصيرة، كل يوم سبت كانت داليا تيجي هي وابني أحمد وعيالهم، شايلين 3 شكاير غسيل هدوم وسخة لحد السقف.
وبقت حتى مبقتش تسأل.
كانت تدخل تحط الشنط جنب الغسالة، وكأنها متأكدة إن لما يمشوا، هتكون كل هدومهم اتغسلت واتنشرت واتطبقت وبقت جاهزة ياخدوها معاهم.
في الآخر، اتكلمت معاها.
قلتلها:
— يا داليا، أنا عندي 68 سنة. أنا معنديش مانع أساعد من وقت للتاني، بس أنا مش مغسلة هدوم بتاعتك.
ضحكت وقالت:
— ما إنتِ قاعدة في البيت طول اليوم أصلًا!
بصيت لأحمد.
كان قاعد قدام طبقه، وباصص لتحت ومش قادر حتى يبصلي.
والحقيقة إن سكوته وجعني أكتر من كلامها.
السبت اللي بعده، داليا ظهرت قدامي وهي شايلة 4 شكاير غسيل.
المرة دي معملتش مشكلة.
ابتسمت بس وقلتلها:
— سيبيهم تحت.
بصتلي باستغراب.
يمكن كانت مستنية إني أبدأ خناقة تانية.
بعدها، وأنا قاعدة في الجنينة مع الكل، دخلت الشنط أوضة الغسيل.
لكن عمري ما شغلت الغسالة.
بدل كده، عملت الحاجة اللي كنت بفكر فيها طول الأسبوع.
فتحت كل الشنط، وفضيت الهدوم كلها على الأرض.
وبدأت أفرزها.
هدوم داليا لوحدها.
هدوم أحمد لوحدها.
وهدوم العيال لوحدها.
خطتي كانت بسيطة جدًا.
هرتب حاجات كل واحد، وأرجعها له زي ما جت بالظبط.
وسخة.
من غير غسيل.
ياخدوا غسيلهم معاهم ويروحوا يتصرفوا فيه بنفسهم.
لا خناقة.
ولا محاضرة.
ولا حتى كلمة زيادة.
مجرد حدود واضحة.
لكن وأنا في نص فرز هدوم داليا، إيدي وقفت فجأة.
كان وسط هدومها قمصان رجالي رسمية.
قمصان أنا عمري ما شفت أحمد لابسها.
وبعدها لقيت بنطلون غالي جدًا.
واضح إنه أصغر من مقاس أحمد بكتير.
وبعدين لقيت 3 قمصان بيضا مكوية بعناية، ولسه عليهم تيكيتات بتاعة المغسلة.
فضلت باصة على الهدوم قدامي.
وللحظة، أول حاجة فكرت فيها إني أنادي أحمد ينزل.
إيدي راحت فعلًا ناحية موبايلي.
لكن وقفت.
الهدوم دي ممكن يكون وراها حاجة.
وممكن تكون ملهاش أي معنى أصلًا.
أنا معرفتش.
ومكانش عندي معلومات كفاية إني أتهم حد بحاجة.
وبعدين ده أصلًا مش السبب اللي خلاني أفرز الغسيل.
فكملت اللي كنت بدأت فيه.
فرزت كل حاجة بعناية.
وحطيت هدوم كل واحد في شنطة لوحدها.
وسبت كل قطعة زي ما كانت.
لا اتغسلت.
ولا اتنشرت.
ولا حتى اتطبقت.
وبعدين طلعت فوق.
الساعة ستة، داليا قالت إنها نازلة تاخد الغسيل.
بعد كام ثانية، صوتها دوّى في البيت:
— إنتِ عملتي إيه؟!
الكل بص لبعض.
وبدأت أصوات خطوات سريعة ناحية السلم.
أحمد نزل الأول.
والعيال جريوا وراه.
أنا فضلت في المطبخ.
بعد لحظات، البيت كله سكت بشكل غريب.
وبعدين سمعت صوت أحمد:
— داليا… الهدوم دي بتاعة مين؟
وهنا كل حاجة اتغيرت.
لأن القمصان الرجالي الغالية بقت قدامهم في كومة لوحدها.
والبنطلون كمان.
والقمصان البيضا اللي عليها تيكيتات المغسلة الغريبة.
الحاجات اللي كان سهل محدش ياخد باله منها وهي مدفونة وسط 4 شكاير غسيل، بقت دلوقتي قدام عينين الكل.
ولما نزلت أخيرًا ناحية السلم، لقيت وش داليا شاحب.
وأحمد كان بيبص للهدوم…
وبعدين يبص لمراته.
وفجأة، الغسيل اللي داليا كانت متعودة تسيبه عندي كل أسبوع بمنتهى الراحة…
بقى هو آخر حاجة في الدنيا كانت عايزة حد يبص فيها.
أنا مكنتش فتشت في حاجاتها.
ومكنتش بحاول أكشفها أو أفضحها.
أنا بس بطلت أعمل شغل عمره ما كان شغلي من الأساس.
لكن ساعات، أول ما تبطل تنظف فوضى الناس التانية في هدوء…
بتبدأ أخيرًا تشوف إيه اللي كان مستخبي جواها.
حكايات زيزي
— داليا… الهدوم دي بتاعة مين؟
صوت أحمد كان هادي في الأول، لكنه كان هدوء يخوف أكتر من العصبية.
أنا كنت واقفة على أول السلم، إيدي ماسكة الدرابزين، وببص عليهم من بعيد.
داليا كانت واقفة قدام الشنطة المفتوحة، ووشها متغير تمامًا.
قالت بسرعة:
— بتاعة أحمد.
أحمد رفع قميص أبيض من فوق الهدوم.
— أنا عمري ما شفت القميص ده.
— يمكن نسيته عندي.
— وده؟
رفع البنطلون.
داليا سكتت.
أحمد قرب البنطلون من عينه وبص للمقاس.
— ده مقاسي أصغر بدرجتين.
ردت بسرعة:
— يمكن المقاس مكتوب غلط.
— ودول؟
مسك واحد من القمصان اللي عليها تيكيت المغسلة.
قرأ الاسم المكتوب على الورقة الصغيرة المعلقة فيه.
وسكت.
أنا مكنتش شايفة الاسم من مكاني، لكن واضح إن الاسم مش اسم أحمد.
أحمد قلب القميص من جوه، وبص للعلامة.
وبعدين بص لداليا.
— مين “مروان”؟
الدنيا كلها سكتت.
حتى العيال وقفوا لعب.
داليا قربت منه بسرعة وخدت القميص من إيده.
— إنت بتعمل إيه يا أحمد؟ دي هدوم أنا جبتها من عند واحدة صاحبتي.
أحمد ما ردش.
بس عينه فضلت عليها.
قال:
— صاحبِتك اسمها مروان؟
— لا طبعًا.
— أمال الاسم ده مكتوب ليه؟
داليا اتلخبطت.
— معرفش.
في اللحظة دي، أنا حسيت إن وجودي في المكان مالوش لازمة.
مش عشان كنت خايفة.
لكن عشان اللي بيحصل ده مكنش شغلي.
أنا عملت اللي عليا.
جمعت الهدوم وفرزتها.
ولا فتحت دولاب.
ولا فتشت شنطة شخصية.
ولا دخلت في خصوصيات حد.
اللي ظهر قدامي ظهر وأنا بعمل حاجة طبيعية جدًا.
لكن أحمد كان محتاج إجابة.
وهي كانت محتاجة وقت.
فقلت بهدوء:
— أنا هطلع أوضتي.
أحمد بصلي بسرعة.
— استني يا أمي.
وقفت.
قال:
— إنتِ شوفتي الهدوم دي قبل كده؟
هزيت راسي.
— لا.
— يعني أول مرة؟
— أول مرة.
داليا بصتلي نظرة غريبة.
كأنها مستنية مني أقول حاجة تنقذها.
لكن أنا ما قلتش حاجة.
أحمد رجع بص لها.
— طب إيه تفسيرك؟
داليا انفجرت:
— تفسيري إني تعبت من التحقيق ده! يعني إيه؟ أنا كل أسبوع باجي هنا عشان تساعدني في الغسيل، وفجأة بدل ما تساعديني، تقعدي تفتشي في هدومي؟
بصتلها بهدوء.
— أنا ما فتشتش في هدومك يا داليا.
— أمال عرفتي القمصان دي إزاي؟
— لأنك حطيتي أربع شكاير غسيل في أوضة الغسيل، وأنا فرغتهم عشان أرجع كل هدوم لصاحبها.
أحمد بص لأمه.
— هي غسلتهم؟
قلت:
— لا.
داليا بصتلي كأنها أول مرة تفهم.
— يعني إيه لا؟
— يعني الهدوم رجعتلك زي ما جت.
— إنتِ عملتي كده قصد؟
— أيوه.
سكتت.
وبعدين قالت بصوت عالي:
— ليه؟
ابتسمت.
— عشان أنا مش مغسلة هدومك يا داليا.
الكلمة نزلت عليها كأنها صفعة.
لكن المرة دي، محدش قدر يقول إني غلطانة.
أحمد حط القميص على الترابيزة.
وبص لمراته.
— إحنا هنروح.
داليا شهقت:
— هنروح إزاي؟!
— هنروح.
— والغسيل؟
— خديه.
داليا بصت للشنط الأربعة.
— كل ده؟
أحمد رد:
— أيوه.
وبعدين قرب منها وقال:
— وبعدين هنتكلم في البيت.
خرجوا.
العيال مشيوا وراهم وهم مش فاهمين حاجة.
وأنا فضلت واقفة مكاني لحد ما الباب اتقفل.
لما البيت هدي، قعدت على الكرسي.
وبصيت ناحية أوضة الغسيل.
الغريب إن قلبي ما كانش مرتاح.
مش بسبب القمصان.
ولا بسبب داليا.
لكن بسبب أحمد.
ابني.
أنا عارفة ابني كويس.
عارفة إنه ساعات بيسكت كتير.
وعارفة إنه بيكره المشاكل.
لكن النظرة اللي شفتها في عينه وهو ماسك القميص ما كانتش نظرة واحد زعلان من مراته بس.
كانت نظرة واحد بدأ يشك في حاجات كتير.
وفي نفس الليلة، الساعة حوالي عشرة، موبايلي رن.
أحمد.
رديت.
— أيوه يا حبيبي.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
— ماما.
— نعم؟
— إنتِ متأكدة إنك ما تعرفيش حاجة عن الهدوم دي؟
— متأكدة.
— ولا شوفتي داليا جايبة حاجات غريبة قبل كده؟
فكرت.
وقلت:
— أنا كنت بشوف شكاير غسيل كتير، لكن عمري ما فتحتها قبل النهارده.
— طب الهدوم دي كانت فين؟
— في شنطتها.
— كلها؟
— أيوه.
سكت تاني.
قلت:
— يا أحمد، إنت كويس؟
قال:
— مش عارف.
— اتخانقتوا؟
— لأ.
— طيب؟
— داليا قفلت على نفسها الأوضة من ساعة ما روحنا.
قلت:
— يمكن متضايقة من اللي حصل.
ضحك ضحكة قصيرة مالهاش روح.
— أنا كمان متضايق.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— ماما، لو اكتشفت إن في حاجة غلط، هتزعلي مني؟
استغربت.
— ليه أزعل منك؟
— عشان يمكن أكون متأخر في الفهم.
— يا ابني كل واحد بيفهم في وقته.
قال:
— تصبحّي على خير.
— وإنت من أهله.
قفلت.
لكن النوم ما جاش.
قعدت أفكر.
إيه حكاية مروان؟
وليه داليا عندها هدوم رجالي مش مقاس أحمد؟
وليه القمصان عليها تيكيت مغسلة؟
وليه كانت مصرة كل أسبوع تحط أربع شكاير عندي؟
هل كانت بتخبي حاجة وسط الغسيل؟
ولا أنا بدي الموضوع أكبر من حجمه؟
فضلت أسأل نفسي لحد ما الفجر قرب.
وفي اليوم اللي بعده، الساعة تسعة الصبح، سمعت خبط على الباب.
فتحت.
لقيت داليا.
لوحدها.
من غير أولاد.
ومن غير أحمد.
قالت:
— ممكن أدخل؟
بعدت عن الباب.
— اتفضلي.
دخلت وقعدت.
لكنها ما بدأتش كلام.
فضلت تبص في الأرض.
وبعدين قالت:
— إنتِ فاكرة إني كنت باجي بالغسيل عشان أستغلك؟
ما جاوبتش.
قالت:
— أنا عارفة إن ده شكله كده.
قلت:
— أنا مش محتاجة أعرف شكله. أنا بس كنت محتاجة منك تحترمي إن دي مش مسؤوليتي.
هزت راسها.
— عندك حق.
بصيتلها باستغراب.
دي أول مرة تقولها.
قالت:
— أنا غلطت.
— خلاص.
— لا، مش خلاص.
رفعت عينيها ليا.
— أنا غلطت في حاجات كتير.
قلبي اتقبض.
قلت:
— داليا، لو في مشكلة بينك وبين أحمد، دي حاجة بينكم.
قالت:
— أنا مش جاية أتكلم عن أحمد.
سكتت.
قالت:
— أنا جاية أطلب منك خدمة.
— إيه؟
— ما تقوليش لأحمد إنك شوفتي اسم مروان.
بصيتلها شوية.
— ليه؟
— عشان الموضوع مش زي ما هو فاهم.
— وأنا ما قلتلوش حاجة أصلًا.
— بس هو هيفضل يسأل.
— دي حاجة بينك وبينه.
قامت.
وقفت عند الباب.
وبعدين قالت:
— مروان ده أخويا.
وقفت مكاني.
— أخوكي؟
— أيوه.
— طب ما قولتيش كده من الأول؟
عينيها نزلت للأرض.
— عشان أخويا عليه مشاكل.
— مشاكل إيه؟
— مش من حقك تعرفي.
ابتسمت بهدوء.
— وأنا أصلًا مش عايزة أعرف.
لكنها قبل ما تخرج، وقفت.
وقالت:
— الهدوم دي كانت لأخويا.
قلت:
— طيب.
— بس أنا مكنتش بجيبها هنا عشان أغسلها.
سألتها:
— أمال ليه؟
ما ردتش.
خرجت.
وباب البيت اتقفل.
فضلت واقفة مكاني.
لو هي صادقة، يبقى ليه كانت بتحط هدوم أخوها وسط غسيلها؟
ولو مش صادقة، يبقى إيه اللي بتحاول تخبيه؟
بعد حوالي ساعة، أحمد جه.
دخل من غير ما يتكلم.
حط مفاتيحه على الترابيزة.
قلت:
— مالك؟
قال:
— داليا قالتلك إيه؟
— قالت إن مروان أخوها.
بصلي بسرعة.
— قالتلك؟
— أيوه.
قعد.
— وأنا سألتها نفس السؤال.
— وقالتلك إيه؟
— قالت إن الهدوم لأخوها.
— وصدقتها؟
بصيتله.
— يا أحمد، أنا مش عايزة أصدق ولا أكذب. أنا مش عارفة الحقيقة.
حط إيده على وشه.
— أنا كمان.
وبعدين طلع موبايله.
فتح صورة.
وحطها قدامي.
— شوفي.
كانت صورة من صفحة على السوشيال ميديا.
راجل لابس قميص أبيض.
أنا ما أعرفوش.
قلت:
— مين ده؟
— مروان.
— أخو داليا؟
— أيوه.
— طيب؟
— بصي على القميص.
ركزت.
نفس القميص.
نفس اللون.
نفس العلامة.
لكن أحمد قال:
— الصورة دي متصورة من أسبوعين.
قلت:
— وممكن يكون أخوها فعلًا.
قال:
— أيوه.
وبعدين قلب للصورة اللي بعدها.
كان مروان واقف جنب داليا.
لكن اللي شد انتباهي مش وجودهم.
كان في شخص تالت في الخلفية.
راجل كبير في السن.
لابس بدلة.
أحمد قال:
— تعرفي مين ده؟
هزيت راسي.
— لا.
قال:
— ده صاحب الشركة اللي داليا بتشتغل فيها.
سكت.
قلت:
— وبعدين؟
قال:
— مروان أخوها مش موظف في الشركة.
— يمكن كان هناك زيارة.
— ممكن.
وبعدين فتح صورة تانية.
مروان لابس نفس البنطلون اللي كان في الشنطة.
أحمد قال:
— المشكلة إن مروان مسافر بره مصر من ست شهور.
بصيتله.
— إنت متأكد؟
— متأكد.
— طب إزاي هدومه عند داليا؟
— ده السؤال.
فضلنا ساكتين.
وبعدين قلت:
— يا أحمد، ما تستعجلش.
— أنا مش مستعجل.
— يبقى دور على الحقيقة من غير ظلم.
هز راسه.
— عشان كده أنا جيتلك.
قلت:
— ليه؟
قال:
— لأن في حاجة تانية.
— إيه؟
— داليا من شهرين وهي بتسحب فلوس من حسابنا.
قلبي وقع.
— قد إيه؟
قال الرقم.
ما صدقتش.
— وإنت ساكت؟
— كنت فاكر إنها مصاريف البيت.
— وهي قالت إيه؟
— قالت إنها بتساعد واحدة صاحبتها.
قلت:
— وصاحبتها مين؟
— مش عارف.
وفي اللحظة دي، رن موبايلي.
رقم غريب.
رديت.
— ألو؟
صوت راجل قال:
— حضرتك والدة أحمد؟
— أيوه.
— أنا محتاج أقابلك.
— مين حضرتك؟
— اسمي مروان.
اتجمدت.
بصيت لأحمد.
حطيته على السماعة.
— اتفضل.
قال:
— أنا عارف إن داليا قالتلك إني أخوها.
أحمد قام واقف.
مروان كمل:
— وأنا مش أخوها.
الدنيا سكتت.
أحمد قرب من الموبايل.
— إنت مين؟
مروان قال:
— أنا كنت شغال مع داليا.
— فين؟
— في شركة اسمها النور للتجارة.
أحمد بصلي.
مروان قال:
— وداليا طلبت مني أساعدها في موضوع، لكن الموضوع كبر.
— موضوع إيه؟
سكت مروان لحظة.
وبعدين قال:
— لازم أقابلكم وش لوش.
أحمد قال:
— دلوقتي.
— مش ينفع.
— إمتى؟
— بكرة الساعة عشرة.
— فين؟
مروان ذكر عنوان كافيه.
وقبل ما يقفل، قال:
— وخلي والدتك تيجي معاك.
أحمد بصلي.
— ليه؟
مروان رد:
— لأنها الوحيدة اللي ممكن تكون شافت حاجة إحنا مش واخدين بالنا منها.
وقفل.
بصيت لأحمد.
— أنا؟
قال:
— واضح.
اليوم اللي بعده رحنا.
قعدنا في مكان هادي.
وبعد حوالي عشر دقايق، دخل شاب في أواخر الثلاثينات.
وقف قدامنا.
— أحمد؟
— أيوه.
بصلي.
— حضرتك والدته؟
— أيوه.
قعد.
حط قدامه ملف أسود.
وقال:
— أنا هقولكم اللي أعرفه، لكن قبل ما أبدأ، عايزكم تتفقوا معايا على حاجة.
أحمد قال:
— إيه؟
— ما تواجهوش داليا قبل ما تسمعوا كل الكلام.
أحمد سكت.
مروان فتح الملف.
طلع ورقة.
وقال:
— داليا اشتغلت معانا أربع سنين.
— عارف.
— لكن من حوالي ست شهور، اكتشفت حاجة في حسابات الشركة.
أحمد قال:
— سرقة؟
مروان هز راسه.
— لا.
— أمال؟
— في تحويلات مالية اتعملت باسم موظفين وهميين.
أحمد عقد حاجبيه.
— وداليا لها علاقة؟
— أيوه.
قلب ورقة.
— لكن مش بالطريقة اللي تتخيلها.
أنا سألت:
— يعني إيه؟
قال:
— داليا اكتشفت إن مدير الحسابات كان بيستخدم بيانات بعض الموظفين عشان يحول فلوس لحسابات تانية.
— وبلغت؟
— أيوه.
— طيب إيه علاقتها بالموضوع؟
— هي كانت الشاهدة الأساسية.
أحمد قال:
— طب والفلوس اللي كانت بتسحبها من حسابنا؟
مروان بصله.
— دي كانت فلوسها.
أحمد اتصدم.
— إيه؟
— داليا باعت دهبها وحاجات شخصية عشان تسدد مبلغ لحد كان بيهددها.
— مين؟
مروان ما ردش.
أنا قلت:
— وإنت ليه قلتلي إنها مش زي ما أحمد فاهم؟
— عشان في حد كان بيستخدم اسمها.
فتح الملف.
طلع مجموعة صور.
— دي صور من كاميرات الشركة.
في الصور كان واضح داليا وهي بتدخل غرفة الملفات.
وفي صورة تانية كانت بتتكلم مع رجل.
مروان قال:
— الراجل ده كان المدير المالي.
أحمد قال:
— وبعدين؟
— اختفى.
— اختفى؟
— سافر.
— وداليا؟
— فضلت.
أنا سألت:
— طيب إيه حكاية هدومك؟
ابتسم لأول مرة.
— هدومي؟
— القمصان اللي في بيت داليا.
قال:
— دي كانت جزء من الخطة.
أحمد بصله.
— خطة إيه؟
— داليا كانت بتحاول تجمع أدلة.
سكت.
قال:
— المدير المالي كان بيراقبها.
— فكانت بتعمل إيه؟
— كانت بتستخدم شغلي أنا كغطاء.
— يعني؟
— كانت بتقول إنها بتغسل هدومي عندها، لكن في الحقيقة كانت بتحط أجهزة تسجيل صغيرة في بعض الجيوب.
أنا شهقت.
أحمد قال:
— أجهزة تسجيل؟
— أيوه.
— في الهدوم؟
— أيوه.
— وإنت كنت موافق؟
— أنا كنت بساعدها.
أحمد حط إيده على جبينه.
— طب ليه أمي؟
مروان بصلي.
— عشان بيت والدتك كان أكتر مكان آمن تقدر داليا تخبي فيه الحاجات دي من غير ما حد يشك.
سكت.
بصيتله.
— يعني كل شكاير الغسيل؟
هز راسه.
— جزء منها كان فعلاً هدوم.
— وجزء؟
— كان فيه حاجات تانية.
أحمد قال:
— إيه الحاجات؟
مروان فتح ورقة.
— فلاشة.
سكتنا.
— فلاشة فيها تسجيلات وتحويلات ومستندات.
أحمد قال:
— وداليا مخبياها فين؟
مروان قال:
— ده اللي مش عارفه.
بصيت لأحمد.
أحمد بصلي.
وبعدين قال:
— يعني ممكن تكون لسه في بيت أمي؟
مروان هز راسه.
— ممكن.
رجعنا البيت.
وأول ما دخلنا، أحمد قال:
— ماما، متلمسيش حاجة.
ضحكت.
— هو أنا هسرق الفلاشة؟
قال:
— مش قصدي.
بدأنا نفتش أوضة الغسيل.
لكن المرة دي أنا كنت متضايقة.
مش عشان الفلاشة.
عشان فهمت إن كل حاجة كنت شايفاها غريبة، كان ليها سبب.
حتى الغسيل.
بعد ساعة كاملة، ما لقيناش حاجة.
أحمد قال:
— يمكن داليا أخدتها.
قلت:
— أو يمكن الفلاشة مش هنا أصلًا.
وقبل ما نكمل كلامنا، سمعنا خبط شديد على الباب.
أحمد فتح.
كانت داليا.
وشها أصفر.
دخلت بسرعة.
— أحمد، لازم تيجي معايا.
— ليه؟
— هما عرفوا.
— مين؟
داليا بصتلي.
وبعدين قالت:
— الناس اللي كنت بحاول أحميك منهم.
أحمد اتوتر.
— إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
قالت:
— الفلاشة اختفت.
مروان قال إنها ممكن تكون هنا.
داليا بصت لأوضة الغسيل.
وبعدين قالت:
— أنا كنت مخبياها.
أحمد قال:
— فين؟
قالت:
— في حاجة أنا كنت متأكدة إن محدش هيلمسها.
بصتلي.
أنا قلت:
— فين؟
قالت:
— في شنطة الغسيل.
أحمد اتنرفز.
— أنهي شنطة؟
قالت:
— الشنطة الكبيرة اللي كانت فيها هدومي.
قلت:
— أنا فرغتها.
داليا قربت مني.
— إنتِ رميتي حاجة؟
— لا.
— متأكدة؟
— متأكدة.
قالت:
— يبقى الفلاشة لسه في البيت.
بدأنا ندور من جديد.
لكن داليا كانت بتدور بعصبية.
فتحت الأدراج.
قلبت السلال.
فتشت تحت الغسالة.
وأنا واقفة ببص لها.
فجأة سألتها:
— داليا.
— نعم؟
— إنتِ ليه كنتِ مصرة تحطي الغسيل عندي؟
سكتت.
— قولي.
قالت:
— عشان مكنتش عارفة أحط الفلاشة فين.
— وليه هنا بالذات؟
— عشان عارفة إنك بتخافي حد يلمس حاجتك.
ضحكت رغم الموقف.
— يعني إنتِ استغليتي حبك للغسيل؟
قالت:
— استغليت ثقتي فيكي.
سكت.
وبعدين قالت:
— بس أنا غلطت.
قلت:
— جدًا.
نزلت عينيها.
— عارفة.
وفجأة، سمعت صوت أحمد:
— ماما!
جريت ناحية المطبخ.
كان واقف قدام الغسالة.
في إيده قطعة صغيرة.
قال:
— دي كانت فين؟
بصيت.
كانت علبة بلاستيك صغيرة.
داليا قربت.
فتحتها.
جواها فلاشة.
داليا شهقت.
— دي هي.
لكن قبل ما أحمد ياخدها، سمعنا صوت تليفون داليا.
ردت.
وشها اتغير.
قالت:
— ألو؟
صوت من الناحية التانية كان بيقول كلام مش واضح.
داليا قالت:
— لا.
سكتت.
— قلتلك مش هديها لك.
أحمد بصلي.
داليا قالت:
— ابعد عن أمي وابني.
وبعدين قفلت.
أحمد قال:
— مين ده؟
داليا قعدت.
— المدير المالي.
— إزاي؟
— رجع.
سكتنا.
— وعايز الفلاشة.
أحمد قال:
— طيب نبلغ الشرطة.
داليا هزت راسها.
— لازم نكون متأكدين إن النسخة اللي معانا كاملة.
مروان قال:
— هي كاملة.
أحمد بصله.
— وإنت جيت هنا إزاي؟
— داليا كلمتني.
— قبل ما تيجي؟
— أيوه.
— يعني كنتوا مخططين لكل ده؟
مروان قال:
— كنا بنحاول نحميكم.
أحمد وقف.
— أنا مش عايز حد يحميني بالكذب.
داليا بدأت تعيط.
— أنا كنت خايفة عليك.
— خفتي عليا من إيه؟
— لأنهم كانوا عايزين يضغطوا عليك.
— وأنا كنت عايش معاك في بيت واحد ومش عارف حاجة!
— كنت بحاول أحميك.
— بالكذب؟
سكتت.
أنا بصيت لأحمد.
قلت:
— يا ابني، مش كل كذبة سببها خيانة.
أحمد بصلي.
— بس كل كذبة بتكسر الثقة.
كلامه كان صحيح.
داليا مسحت دموعها.
وقالت:
— أنا غلطت.
وبعدين طلعت ورقة من شنطتها.
— بس دي آخر حاجة.
حطتها قدام أحمد.
— إيه دي؟
— عقد البيت.
أحمد بص للورقة.
— بيتنا؟
هزت راسها.
— أنا كنت ماضية على ورقة بيع من غير ما أعرف إنهم بيستخدموها ضدي.
سكت.
قال:
— يعني إيه؟
— يعني لو الفلاشة وقعت في إيديهم، كانوا هيقدروا يضغطوا عليا بالعقد ده.
أحمد بصلي.
أنا حسيت إن الدنيا كبرت فجأة.
الغسيل اللي كان مجرد شكاير مرمية جنب الغسالة، طلع وراه قصة كاملة.
لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب.
لأن في نفس الليلة، الشرطة دخلت البيت.
واتاخدت الفلاشة رسميًا.
واتفتح تحقيق.
وبعد أيام، بدأت التفاصيل تظهر.
المدير المالي كان بالفعل متورط في تحويلات غير قانونية.
لكن داليا لم تكن متورطة.
كانت شاهدة.
ومروان كان زميلها اللي ساعدها.
أما الفلوس اللي كانت بتسحبها من حسابها، فكانت بتصرف جزء منها على محامي، وجزء على علاج والدتها، وجزء على سفر أخوها الحقيقي اللي كان مريضًا.
أما قصة “مروان أخوها”، فكانت كذبة قالتها في لحظة خوف.
لكن الحاجة اللي وجعتني أكتر من كل ده، إن داليا بعد ما كل شيء انتهى، جت وقعدت قدامي.
قالت:
— أنا كنت فاكرة إنك بتكرهيني.
قلت:
— ليه؟
— عشان كل مرة كنت بجيب الغسيل، كنتي بتبصيلي بطريقة كأني بعمل حاجة غلط.
ضحكت.
— لأ يا داليا، أنا كنت ببصلك عشان كنت مستغربة إنك شايفة إني شغالة عندك.
ابتسمت لأول مرة من فترة.
قالت:
— أنا آسفة.
— على إيه؟
— على كل حاجة.
— أهم حاجة إنك فهمتي إن المساعدة حاجة، والاستغلال حاجة تانية.
هزت راسها.
— فهمت.
وبعدين قالت:
— أنا مش هجيب غسيل عندك تاني.
قلت:
— ممكن تجيبي.
بصتلي باستغراب.
— بجد؟
— أيوه.
ابتسمت.
— بس بشرط.
— إيه؟
— تغسليه بنفسك.
ضحكت.
ولأول مرة من شهور، ضحكنا إحنا الاتنين.
لكن الموضوع ما انتهيش عند كده.
بعد أسبوع، يوم السبت، داليا وأحمد والعيال جم.
دخلوا البيت.
أنا كنت في المطبخ.
وفجأة سمعت صوت داليا:
— ماما.
بصيتلها.
كانت شايلة شنطة صغيرة جدًا.
حطتها قدامي.
قلت:
— إيه دي؟
قالت:
— غسيل.
بصيت للشنطة.
— دي كلها؟
— أيوه.
— فين الباقي؟
ضحكت.
— غسلته في البيت.
أحمد قال:
— وأنا ساعدتها.
بصيتله.
— إنت؟
قال:
— أيوه.
ضحكت.
— الدنيا اتغيرت.
قعدوا.
والأطفال بدأوا يلعبوا.
وبعد شوية، داليا قامت تساعدني في المطبخ.
قلت:
— سيبيها عليا.
قالت:
— لأ.
— ليه؟
— عشان إحنا جايين نتغدى، مش جايين نرمي شغلنا عليكي.
ابتسمت.
لكن وأنا بحط الأطباق، أحمد قرب مني.
قال بصوت واطي:
— ماما.
— نعم؟
— أنا عايز أقولك حاجة.
— قول.
— أنا كنت غلطان.
— في إيه؟
— لما كنت بسكت وهي بتحط الغسيل.
بصيتله.
قال:
— كنت فاكر إن سكوتي بيحل المشاكل.
— وطلع؟
— بيكبرها.
ابتسمت.
— اتعلمت.
قال:
— منك.
حطيت إيدي على كتفه.
— أنا مش عايزاك تتعلم مني كل حاجة.
ضحك.
— طب إيه؟
— اتعلم إن البيت مش مكان حد يشيل فيه شيل غيره من غير تقدير.
هز راسه.
— حاضر.
وفي اليوم ده، بعد ما أكلنا، داليا قامت من نفسها ولمت الأطباق.
وأحمد غسلهم.
والعيال جمعوا لعبهم.
وأنا قعدت في الجنينة أشرب الشاي.
ولأول مرة من شهور، حسيت إن بيتي رجع بيتي.
لكن بعد أسبوعين، حصلت حاجة ما كنتش متوقعة.
كنت قاعدة في الجنينة، لقيت عربية وقفت قدام البيت.
نزل منها رجل غريب.
وقف عند الباب.
وخبط.
فتحت.
قال:
— حضرتك والدة أحمد؟
— أيوه.
— أنا محامي.
— خير؟
— عندي ورق لازم أسلمه لحضرتك.
— ورق إيه؟
طلع ظرف.
— متعلق بالقضية.
أخدته.
فتحت الظرف.
وكان جواه مستندات.
قرأت أول صفحة.
اتجمدت.
كان فيه اسم داليا.
واسم أحمد.
واسم شخص ثالث.
وشركة.
لكن اللي شدني أكتر إن المستندات كانت بتتكلم عن تحويل ملكية عقار.
العقار بتاعي.
بيتي.
رفعت عيني للمحامي.
— إيه ده؟
قال:
— حسب المستندات، في محاولة تمت لتسجيل العقار باسم شركة قبل حوالي سنة.
حسيت رجلي ضعفت.
— مين عمل كده؟
— ده اللي التحقيق بيحاول يعرفه.
— وداليا؟
— اسمها موجود.
رجعت خطوتين.
— يعني إيه؟
— مش معناها إنها مذنبة.
— طب ليه اسمها؟
— لأنها كانت شاهدة على بعض الإجراءات.
قفلت الظرف.
— أنا عايزة ابني.
طلعت موبايلي.
اتصلت بأحمد.
رد بسرعة.
— أيوه يا ماما؟
قلت:
— تعالى البيت حالًا.
— في إيه؟
— المحامي هنا.
سكت.
— محامي مين؟
— محامي القضية.
قال:
— أنا جاي.
بعد حوالي نص ساعة، وصل.
قرأ الأوراق.
وبصلي.
— ماما، إنتِ عارفة حاجة عن الورق ده؟
— لأ.
— داليا تعرف؟
— مش عارفة.
اتصل بيها.
جت بعد عشرين دقيقة.
أول ما شافت الورق، وشها اتغير.
قالت:
— أنا كنت عارفة إنهم ممكن يحاولوا يعملوا كده.
أحمد قال:
— ليه ما قولتيش؟
— عشان كنت بحاول أحل الموضوع.
— لوحدك؟
— أيوه.
— لحد إمتى؟
داليا سكتت.
وبعدين قالت:
— لحد ما خسرت كل حاجة.
أحمد قرب منها.
— إنتِ خسرتي ثقتي.
دموعها نزلت.
قالت:
— عارفة.
أنا تدخلت.
— كفاية.
الاتنين بصوا لي.
قلت:
— لو فضلنا نحاسب بعض طول الوقت، هنضيع الحقيقة.
المحامي قال:
— حضرتك عندك حق.
وبعدها بدأنا نراجع الورق.
واكتشفنا إن محاولة نقل الملكية حصلت من خلال مستند قديم.
المستند كان فيه توقيع مزور.
لكن التوقيع كان شبه توقيعي جدًا.
أحمد بصلي.
— ماما، إنتِ وقعتِ على الورقة دي؟
— أبدًا.
المحامي قال:
— يبقى لازم نثبت التزوير.
سألنا عن أصل الورقة.
قال:
— موجود عند الشركة.
أحمد قال:
— والشركة مين؟
المحامي ذكر الاسم.
أنا حسيت بقشعريرة.
نفس الشركة اللي داليا كانت بتشتغل فيها.
رجعت كل الخيوط لبعضها.
الغسيل.
مروان.
الفلاشة.
التحويلات.
والبيت.
كل حاجة كانت مرتبطة.
وبعد شهور من التحقيق، اتثبت إن مجموعة من الأشخاص كانت بتحاول تستولي على عقارات بأوراق مزورة.
داليا كانت واحدة من الناس اللي اكتشفوا الموضوع.
ومروان كان شاهدًا.
أما أنا، فكنت ببساطة واحدة من أصحاب العقارات اللي كانوا بيحاولوا يستولوا عليها.
لكن اللي ما حدش عرفه وقتها، إن داليا كانت عارفة إن بيتنا واحد من البيوت المستهدفة.
وعشان كده كانت بتخبي المستندات في شنط الغسيل.
لأنها كانت متأكدة إن محدش هيفتحها.
إلا أنا.
والحاجة اللي ضحكت عليها بعدين، إن أنا فعلًا فتحتها.
لكن مش عشان أسرق أسرارها.
فتحتها عشان أرجع كل واحد غسيله.
وفي النهاية، اللي كانت داليا بتحاول تخبيه، ظهر من غير ما أنا أبحث عنه.
بعد سنة، كانت الأمور كلها خلصت.
القضية انتهت.
والبيت فضل باسمي.
وأحمد وداليا بدأوا من جديد.
لكن داليا اتغيرت.
بقت تيجي تزورني من غير شكاير.
ولو جابت حاجة، تجيب أكل.
مرة جاتلي بكيس كبير.
قلت:
— إيه ده؟
قالت:
— ملوخية.
ضحكت.
— طب ماشي.
— بس أنا اللي طبختها.
— طيب لو طلعت وحشة؟
— ارميها.
ضحكت.
قلت:
— اتعلمتي بسرعة.
قالت:
— الغسيل علمني.
قعدنا.
وقالت:
— فاكرة أول مرة جبتلك سلة غسيل؟
قلت:
— فاكرة.
— كنت فاكرة إنك هتفضلي تسكتي.
— وأنا كنت فاكرة إنك هتفهمي من نفسك.
ضحكت.
— إحنا الاتنين غلطنا.
هزيت راسي.
— بس المهم إننا اتعلمنا.
وبعدها دخل أحمد.
حط كيس على الترابيزة.
داليا بصتله.
— إيه ده؟
قال:
— هدوم.
أنا بصيتله.
— إنت جايبلي غسيل؟
ضحك:
— لا يا أمي.
طلع من الكيس غسالة صغيرة جديدة.
— دي ليكي.
بصيتله باستغراب.
— ليه؟
— عشان الغسالة القديمة تعبت.
قلت:
— أنا مش محتاجة.
قال:
— أنا محتاج أجيبلك حاجة تريحك.
داليا قالت:
— وأنا دفعت نص تمنها.
بصيتلها.
— إنتِ؟
قالت:
— أيوه.
— ليه؟
ابتسمت.
— عشان دي أقل حاجة أعملها بعد اللي حصل.
بصيت للاتنين.
وفجأة حسيت إن كل التعب اللي فات ما راحش هدر.
مش عشان القضية.
ولا عشان الفلوس.
لكن عشان حاجة أهم.
أنا كنت طول عمري فاكرة إن الأم لازم تستحمل.
تستحمل أولادها.
وتستحمل مرات ابنها.
وتستحمل طلباتهم.
وتستحمل زعلهم.
وتستحمل إن حد يقول لها:
“إنتِ قاعدة في البيت.”
وكأن قعدة الأم في بيتها معناها إنها ملك لكل اللي حواليها.
لكن في الحقيقة، المساعدة لما تكون بحب تبقى جميلة.
إنما لما تتحول لواجب مفروض، بتتحول لمصدر وجع.
وأنا يوم السبت ده، لما فرغت أربع شكاير غسيل على الأرض، كنت فاكرة إني بحط حد للغسيل.
لكن من غير ما أقصد، كنت بحط حد لحاجات كتير في حياتي.
حد للاستغلال.
حد للسكوت.
حد للخوف من زعل الناس.
وحد لفكرة إن عشان أبقى أم كويسة لازم أوافق على كل حاجة.
وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة في الجنينة، داليا وأحمد والعيال قدامي.
حفيدتي الصغيرة قربت مني وقالت:
— تيتة.
— نعم يا حبيبتي؟
— ماما قالتلي ماحطش هدومي عندك.
ضحكت.
— قالتلك ليه؟
قالت:
— قالتلي عشان تيتة مش شغالة عندنا.
بصيت لداليا.
كانت بتضحك.
قلت:
— شاطرة.
البنت قالت:
— طب لو هدومي اتوسخت؟
قلت:
— تغسليها.
قالت:
— بس أنا صغيرة.
قلت:
— يبقى ماما تساعدك.
داليا ضحكت.
— شايفة؟ حتى الأطفال اتعلموا.
قلت:
— لازم يتعلموا.
أحمد قال:
— وإحنا كمان.
وبعد الغدا، لما الكل مشي، دخلت أوضة الغسيل.
الغسالة الجديدة كانت لسه متحطة.
وقفت قدامها.
افتكرت أول سلة.
أول مرة داليا قالت:
“معلش، تحطي دول مع غسيلك؟”
وقتها كنت فاكرة إن الحكاية كلها شوية هدوم.
لكن الحكاية ما كانتش هدوم.
كانت حدود.
وكانت ثقة.
وكانت أسرار.
وكانت كذبة.
وكانت حقيقة ظهرت في الوقت المناسب.
وكانت عيلة كاملة اتعلمت إن المحبة مش معناها إن الواحد يلغي نفسه.
فتحت الغسالة.
وحطيت فيها هدومي أنا.
بس.
قفلت الباب.
وشغلتها.
وقعدت على الكرسي.
وأنا بسمع صوت الغسالة، ابتسمت.
لأول مرة من فترة طويلة، صوتها ما كانش بيفكرني بشكاير داليا.
كان بيفكرني بحاجة أبسط.
إن كل واحد لازم يشيل نصيبه.
مش أكتر.
وفي نفس اللحظة، موبايلي رن.
رسالة من داليا:
“ماما، بكرة هاجي أنا وأحمد. بس متقلقيش، مش جايبين غسيل.”
ضحكت ورديت:
“لو جايبين غسيل هخليكم تغسلوه في الجنينة.”
جالي رد منها:
“حاضر يا مديرة المغسلة.”
ضحكت بصوت عالي.
وبعدين قفلت الموبايل.
وبصيت ناحية الباب.
كان البيت هادي.
لكن المرة دي الهدوء ما كانش وحدة.
كان راحة.
لأني أخيرًا فهمت إن وضع الحدود مش معناه إنك بتبعد الناس عنك.
أحيانًا وضع الحدود هو اللي بيخلي الناس تعرف قيمتك.
وأحيانًا لما تبطل تشيل حمل مش حملك…
تكتشف إن الناس اللي بتحبك بجد هتبدأ تشيل معاك.
أما اللي كان مستفيد من سكوتك…
فهو أول واحد هيزعل لما تسكتي.
وأنا من يومها، كل ما حد يسألني عن داليا والغسيل، أضحك وأقول:
— الحكاية بدأت بسلة غسيل.
لكن اللي محدش يعرفه…
إن السلة دي كانت السبب إن كل واحد فينا عرف مكانه الحقيقي.
وعرف إن البيت مش مغسلة.
وإن الأم مش خدامة.
وإن المساعدة فضل.
مش فرض.
وإن السكوت ساعات بيخلي الغلط يكبر.
لكن كلمة واحدة في وقتها ممكن توقف كل حاجة.
وأهم حاجة اتعلمتها…
إنك مش محتاج تعلي صوتك عشان تحط حدود.
أحيانًا كل اللي تحتاجه إنك تقول بهدوء:
“دي مش مسؤوليتي.”
وتسيب كل واحد يشيل حاجته بإيده.
زي ما حصل يوم السبت ده.
لما أربع شكاير غسيل دخلوا بيتي…
ورجعوا تاني لأصحابهم زي ما جم.
وساعتها بس…
بدأت كل حاجة تتنضف بجد.
أكيد، دي خاتمة كبيرة وممتدة للقصة، تبدأ من بعد ما اتكشفت حقيقة الغسيل وتاخد وقتها لحد نهاية مؤثرة:
عدت أسابيع بعد اليوم اللي ظهرت فيه حقيقة الفلاشة وكل الأوراق اللي كانت مستخبية وسط شكاير الغسيل، لكن رغم إن القضية بدأت تهدى، أنا كنت حاسة إن البيت نفسه لسه محتاج وقت عشان يرجع زي الأول.
مش كل حاجة بتخلص بمجرد إن الحقيقة تظهر.
في حاجات بتحتاج وقت عشان القلوب تستوعبها.
وفي حاجات بتحتاج اعتذار.
وفي حاجات محتاجة أفعال كتير عشان الثقة ترجع تاني.
أحمد كان أكتر واحد اتغير.
ابني اللي طول عمره بيهرب من المشاكل، بقى يتكلم.
واللي كان بيسكت عشان مايزعلش مراته، بقى يقول رأيه.
واللي كان فاكر إن الأم ممكن تستحمل أي حاجة عشان ابنها، بدأ يفهم إن الأم برضه ليها طاقة وليها كرامة وليها حياة.
أما داليا، فكانت أكتر واحدة بتحاول تصلح اللي حصل.
مش بالكلام.
بالأفعال.
في الأول كنت متحفظة.
مش زعلانة منها زي زمان.
لكن برضه مش قادرة أتعامل معاها كأن مفيش حاجة حصلت.
كانت بتيجي تزورني من غير ما أطلب منها.
تقعد معايا في المطبخ.
تساعدني في تحضير الأكل.
ولو شافت حاجة محتاجة تتعمل، كانت تعملها من نفسها.
وفي مرة وأنا قاعدة بقطع الخضار، دخلت داليا وقالت:
— ماما.
— نعم؟
— أنا عايزة أقولك حاجة.
بصيتلها.
— قولي.
قالت:
— أنا عارفة إنك لسه مش زي الأول معايا.
سكت.
قالت:
— ومش هزعل.
كملت تقطيع الخضار.
— ليه؟
قالت:
— عشان أنا اللي خلتك توصلي لكده.
رفعت عيني لها.
— داليا، الموضوع مش بس الغسيل.
قالت:
— عارفة.
وقعدت قدامي.
— أنا كنت بعمل حاجة غلط وبقنع نفسي إنها عادية.
سألتها:
— إيه اللي كنتي بتقنعي نفسك بيه؟
قالت:
— كنت بقول إنك بتحبيني، وإنك هتساعديني عشان أنا مرات ابنك.
سكتت شوية.
— وبعدها بدأت أتعامل مع مساعدتك كأنها واجب.
قلت:
— ودي كانت المشكلة.
هزت راسها.
— أيوه.
وبعدين ابتسمت ابتسامة حزينة.
— الغريب إن أول ما رجعت أغسل هدومي بنفسي، اكتشفت إني كنت مكبرة الموضوع جدًا.
ضحكت.
— يعني إيه؟
— يعني كل أسبوع كنت بجيبلك أربع شكاير وأقنع نفسي إني مش قادرة أخلصهم في البيت.
— وبعدين؟
— طلعت بخلصهم عادي جدًا.
ضحكت.
— طب الحمد لله.
ضحكت هي كمان.
لكن بعد لحظة، سكتت وقالت:
— بس في حاجة تانية.
— إيه؟
— أنا كنت خايفة.
— من إيه؟
— من إني لو قلت لأحمد إني محتاجة مساعدة، يفتكر إني ضعيفة.
بصيت لها.
— يا داليا، طلب المساعدة مش ضعف.
— أنا عارفة دلوقتي.
— واللي يحبك مش هيقيسك بعدد الحاجات اللي بتقدري تعمليها.
هزت راسها.
— اتعلمت ده متأخر.
— المهم إنك اتعلمتي.
مسحت عينها بسرعة.
— أنا كنت محتاجة حد يقوللي الكلام ده من زمان.
حطيت إيدي على إيدها.
— وأنا كنت محتاجة أقولك من زمان إني مش هقدر أعمل كل حاجة عنك.
بصينا لبعض.
وفجأة ضحكنا.
ضحكة بسيطة.
لكنها كانت بداية جديدة.
بعدها بأيام، حصل موقف صغير، لكنه فضل في بالي.
كان يوم جمعة.
أحمد وداليا جم ومعاهم الأولاد.
دخلوا البيت، وأنا كنت محضرة الغدا.
بعد ما أكلنا، حفيدي الصغير وقع منه طبق على الأرض.
الطبق اتكسر.
الطفل اتخض وبدأ يعيط.
داليا قامت بسرعة وقالت:
— خلاص خلاص، ماما هتلمها.
لكن قبل ما تتحرك، أحمد قال:
— استني.
قرب من ابنه وقال:
— تعالى معايا.
وأخده بعيد.
وبدأ يجمع الزجاج بنفسه.
أنا بصيت له.
فاكرين؟
أحمد زمان كان يقعد قدام طبقه ويبص في الأرض وهو ساكت.
دلوقتي هو اللي بيتحمل.
هو اللي بيتكلم.
هو اللي بيشيل مسؤوليته.
بعد ما خلص، جه لي.
قال:
— ماما.
— نعم؟
— إنتِ فخورة بيا؟
ابتسمت.
— جدًا.
قال:
— حتى بعد كل اللي حصل؟
قلت:
— خصوصًا بعد كل اللي حصل.
حضني.
وأنا وقتها حسيت إن كل الكلام اللي كنت محتاجة أقوله له من سنين، اتقال من غير ما أقول ولا كلمة.
لكن القصة ما خلصتش عند كده.
بعد حوالي شهر، جالي اتصال من المحامي.
قال إن القضية وصلت لمرحلة مهمة، وإن بعض المستندات اللي كانت موجودة في الفلاشة أثبتت إن ناس تانية كانت متورطة.
وإن داليا ومروان ساعدوا في كشف جزء كبير من الحقيقة.
قفلت المكالمة.
وبصيت قدامي.
افتكرت أول يوم.
أربع شكاير غسيل.
قمصان غريبة.
بنطلون مش مقاس أحمد.
فلاشة مستخبية.
وأسرار محدش كان فاهمها.
كل ده بدأ من حاجة بسيطة جدًا.
الغسيل.
لكن يمكن دي كانت أغرب حاجة في القصة كلها.
إن الحاجة اللي كانت بتضايقني كل أسبوع، هي نفسها اللي كشفت حاجات كانت مستخبية عن الكل.
ومع مرور الوقت، بقيت أضحك كل ما أفتكرها.
وفي يوم، داليا قالتلي:
— ماما، أنا عايزة أشتري غسالة جديدة.
قلت:
— ليه؟
قالت:
— الغسالة بتاعتي باظت.
ضحكت.
— جايالي ليه؟
— عشان آخد رأيك.
قلت:
— خدي اللي يناسبك.
قالت:
— طب إيه رأيك أجيب واحدة كبيرة؟
بصيت لها.
— لأ.
قالت:
— ليه؟
قلت:
— عشان متفتكريش تجيبي الغسيل عندي تاني.
انفجرت في الضحك.
— والله ما أنا جايبة.
ضحكت أنا كمان.
وبعدها بأيام، اشترت الغسالة.
وبعتتلي صورتها.
وكتبت:
“اتطمني، الغسيل في أمان.”
رديت عليها:
“وأنا كمان.”
فضلت الجملة دي في بالي.
وأنا فعلًا كنت في أمان.
مش لأن الغسالة الجديدة عندها.
لكن لأنني أخيرًا اتعلمت أحط حدود من غير ما أحس بالذنب.
وفي ليلة هادية، كنت قاعدة لوحدي في الصالة.
أحمد اتصل بيا.
قال:
— ماما، صاحيه؟
— أيوه.
— كنت عايز أقولك حاجة.
— قول.
— أنا وداليا قررنا نعمل حاجة.
— إيه؟
— هنجيبلك حد يساعدك في البيت يومين في الأسبوع.
قلت بسرعة:
— لا.
ضحك.
— كنت متوقع.
— أنا كويسة.
— عارف.
— أمال؟
— مش عشان إنتِ مش قادرة.
سكت.
— عشان إحنا عايزين نريحك.
الكلمة دي لمستني.
مش لأنني محتاجة حد يخدمني.
لكن لأنني لأول مرة حسيت إن ابني فهم الفرق.
الفرق بين:
“أمي هتعمل.”
وبين:
“أمي تستحق الراحة.”
قلت له:
— خلاص.
قال:
— وافقتي؟
— أيوه.
— من غير جدال؟
— متفرحش أوي.
ضحك.
— حاضر.
وقفل.
حطيت الموبايل جنبي.
وبصيت للبيت.
بيت عشت فيه سنين.
بيت ربيت فيه ابني.
بيت شاف دموعي وضحكي وتعب السنين.
وبيت دخلته شكاير غسيل كتير جدًا.
ضحكت لوحدي.
وقلت:
— يااه يا داليا.
لو كنتي تعرفي الشنطة دي كانت هتعمل فينا إيه.
بعدها بشهور، حصلت حاجة جميلة.
حفيدي الكبير دخل المدرسة.
وفي أول يوم، داليا اتصلت بيا.
قالت:
— ماما، تعالى معانا.
قلت:
— فين؟
— المدرسة.
— ليه؟
— عايزينك معانا.
روحت.
وقفت أشوف حفيدي وهو داخل.
كان ماسك إيد أحمد من ناحية، وإيد داليا من الناحية التانية.
وأنا واقفة وراهم.
حسيت إن الصورة دي أهم من أي ورقة.
وأي قضية.
وأي سر.
لأن العيلة مش معناها إن الناس ما تغلطش.
العيلة معناها إن لما الغلط يحصل، يكون فيه ناس مستعدة تصلحه.
بعد ما رجعنا البيت، حفيدي قال:
— تيتة.
— نعم؟
— أنا بحبك.
قلت:
— وأنا كمان.
— ماما قالتلي إنك كنتي بتغسليلنا هدومنا.
ضحكت.
— كانت بتجيبلي شوية.
قال:
— كتير.
بصيت لداليا.
ضحكت وقالت:
— ما تفضحينيش.
قلت:
— لأ، لازم يعرف الحقيقة.
الولد ضحك.
وقال:
— طب أنا هساعد ماما في الغسيل.
داليا قالت:
— يا سلام.
قلت:
— أهو اتعلم من بدري.
وبعدها بشوية، دخل أحمد وقال:
— ماما.
— نعم؟
— عندي حاجة ليكي.
طلع ظرف.
قلت:
— إيه ده؟
— افتحي.
فتحت.
كان جواه صورة قديمة ليا معاه وهو صغير.
وفي الخلف مكتوب:
“لأمي… اللي علمتني إن الحب مش معناه إننا نستغل بعض، وإن البيت مكان للراحة مش مكان لتحميل الناس فوق طاقتهم.”
قعدت أبص للصورة.
عيني دمعت.
قلت:
— إنت اللي كاتب ده؟
قال:
— أيوه.
— إنت بقيت شاعر ولا إيه؟
ضحك.
— اتعلمت.
حضنته.
وقلت:
— أنا مش عايزة منك حاجة غير إنك تفضل فاكر الكلام ده.
قال:
— مش هنساها.
وبالفعل، من يومها، كل مرة كنت أشوف أحمد بيشيل مسؤولية، كنت أحس إن الرسالة وصلت.
مش ليه بس.
ليا أنا كمان.
لأني أنا كمان كنت محتاجة أتعلم.
كنت محتاجة أعرف إن الأم مش لازم تستنزف نفسها عشان تثبت إنها أم كويسة.
ومش لازم تسكت عشان تحافظ على البيت.
ومش لازم توافق على كل حاجة عشان ما تخسرش حد.
في ناس لما تحط لهم حدود، يبعدوا.
وفي ناس لما تحط لهم حدود، يتعلموا يحبّوك بطريقة أصح.
وداليا كانت من النوع التاني.
يمكن أخطأت.
يمكن اتعودت على شيء غلط.
لكنها اتعلمت.
وأنا كمان اتعلمت.
وبعد سنة كاملة، في يوم سبت، سمعت خبط على الباب.
فتحت.
لقيت داليا واقفة.
في إيدها كيس.
بصيت للكيس.
وقلت:
— إيه ده؟
قالت:
— متقلقيش.
— مش غسيل؟
— لا.
— متأكدة؟
— والله.
فتحت الكيس.
لقيت فيه علبة حلوى.
قالت:
— عملتها بنفسي.
قلت:
— إنتِ بتطبخي دلوقتي؟
— أهو بنحاول.
دخلت.
قعدنا.
وبعد شوية قالت:
— فاكرة اليوم اللي فرغتي فيه الأربع شكاير؟
قلت:
— أنساه؟
ضحكت.
— أنا كنت عايزة أهرب وقتها.
— وأنا كنت عايزة أهرب من البيت.
ضحكنا.
وبعدين قالت:
— بس عارفة؟
— إيه؟
— لو اليوم ده ما حصلش، يمكن كنا فضلنا عايشين بنفس الطريقة.
— يمكن.
— كنت هفضل أحط الغسيل.
— وأنا كنت هفضل أغسله.
— وأحمد كان هيفضل ساكت.
— بالضبط.
سكتنا.
وبعدين قالت:
— ساعات الواحد بيحتاج موقف يهزه عشان يفوق.
قلت:
— بس المهم ما يفضلش واقع.
هزت راسها.
— صح.
بعدها قامت تساعدني في جمع الأطباق.
وأنا قلتلها:
— سيبيهم.
قالت:
— لأ.
— ليه؟
— عشان أنا مش ضيفة.
بصيت لها.
وقالت:
— بس برضه مش صاحبة بيتك.
ضحكت.
— كده تمام.
وبينما إحنا بنضحك، دخل أحمد.
قال:
— إيه اللي بيضحك؟
داليا ردت:
— أمك بتحطلي حدود.
قال:
— الحمد لله.
بصيت له.
— إنت فرحان؟
قال:
— جدًا.
قلت:
— طب تعال شيل الأطباق.
قال:
— حاضر.
ضحكنا كلنا.
وبصيت للبيت.
البيت اللي كان زمان مليان صمت.
بقى مليان ضحك.
البيت اللي كنت بحس فيه إني مطالبة أعمل كل حاجة.
بقى كل واحد فيه عارف مسؤوليته.
والأهم…
بقى فيه احترام.
وبعد ما مشيوا، دخلت أوضة الغسيل.
الغسالة كانت شغالة.
بس المرة دي، كان فيها هدومي أنا.
بصيت لها.
وقلت لنفسي:
“الحمد لله.”
يمكن الناس تفتكر إن الحكاية كلها كانت عن مرات ابن جابت غسيل كتير لحماتها.
لكن الحقيقة إن الحكاية كانت أكبر بكتير.
كانت عن واحدة فضلت تسكت لحد ما تعبت.
وعن مرات ابن ما كانتش فاهمة إنها بتتعدى حدودها.
وعن ابن اتعلم إن السكوت مش دايمًا حل.
وعن بيت كان ممكن يتكسر بسبب أسرار، لكنه اتجمع لما الحقيقة ظهرت.
وعن غسيل كان المفروض يتغسل بالمية والصابون…
لكنه في الآخر غسل حاجات أعمق بكتير.
غسل سوء الفهم.
غسل الاستغلال.
غسل الخوف.
وغسل سكوت سنين.
وأنا من يومها لما حد يسألني:
“إيه اللي حصل بينك وبين داليا؟”
أضحك وأقول:
“ولا حاجة.”
وبعدين أسكت لحظة.
وأقول:
“كانت بتجيبلي الغسيل.”
فيضحكوا.
وأقول لهم:
“بس اللي محدش يعرفه إن في يوم واحد، لما قررت ما أغسلوش، حياتنا كلها اتغسلت من حاجات كانت مستخبية.”
ومن يومها وأنا مؤمنة بحاجة واحدة:
الطيبة من غير حدود ممكن تتحول لوجع.
والسكوت من غير حكمة ممكن يتحول لمشكلة.
والمساعدة من غير تقدير ممكن تتحول لواجب.
لكن لما كل واحد يعرف حدوده، ويحترم تعب غيره، ويعتذر لما يغلط، ساعتها البيت يبقى بيت بجد.
بيت فيه أم.
وابن.
وكنة.
وأحفاد.
مش خادمة وأشخاص بيطلبوا منها.
وفي آخر كل أسبوع، لما الغسالة تخلص، أطلع الهدوم وأنشرها في الشمس.
وأبص للسماء.
وأقول:
“يا رب زي ما نضفت الهدوم، نضف قلوبنا من كل زعل.”
وبعدها أضحك.
لأنني كل ما أسمع صوت باب البيت يخبط يوم السبت، أقول لنفسي:
“يا ترى داليا جاية بإيه؟”
لكن داليا عمرها ما جابت شكاير غسيل تاني.
كانت تيجي بكيس فاكهة.
أو طبق أكل.
أو وردة.
أو حتى من غير حاجة.
وكان ده كفاية.
لأن أهم حاجة اتغيرت ما كانتش كمية الغسيل.
اللي اتغير كان طريقة تعاملنا مع بعض.
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة مع أحفادي، حفيدي الصغير سألني:
— تيتة، إنتِ بتحبي ماما؟
بصيت له.
وقلت:
— طبعًا.
قال:
— حتى بعد ما كانت بتجيبلك الغسيل؟
ضحكت.
— حتى بعد كل حاجة.
قال:
— ليه؟
قلت:
— عشان اللي بيحب حد مش معناه إنه ما يزعلش منه.
سكت شوية.
وبعدين قلت:
— الحب الحقيقي إنك تزعل وتتكلم، وتسامح لما تلاقي التغيير، وتفضل محافظ على كرامتك وكرامة اللي قدامك.
الطفل هز راسه كأنه فهم.
وبعدين جري يلعب.
وأنا فضلت قاعدة.
بصيت لأحمد وداليا وهما بيتكلموا في الناحية التانية.
وشفتهم.
وشفت أولادي.
وشفت أحفادي.
وشفت البيت.
وفهمت إن بعض المواقف بتدخل حياتنا وهي شكلها مشكلة…
لكن ربنا أحيانًا يجعل منها بابًا لتصحيح حاجات كتير.
ولو كنت يومها شغلت الغسالة وغسلت الأربع شكاير زي كل مرة، يمكن كنا كملنا بنفس الطريقة.
لكنني لأول مرة قلت:
“لأ.”
والـ”لأ” دي كانت أصعب كلمة قلتها…
وأكتر كلمة أنقذت راحتي.
ومن بعدها عرفت إن كلمة “لأ” مش قسوة.
أحيانًا “لأ” بتكون حب.
حب لنفسك.
وحب للي قدامك.
لأنك لما تسمح للغلط يكبر، إنت مش بتساعد الشخص.
إنت بتعوده على الغلط.
لكن لما توقفه عند حده، بتديله فرصة يتغير.
وده اللي حصل مع داليا.
والنهارده، لو سألتوني عن الأربع شكاير، هقول:
“ما كانوش أربع شكاير غسيل.”
كانوا أربع شكاير شايلين حكاية كاملة.
حكاية اتعلمنا منها إن البيت مش بيتبني بالصمت.
ولا بالتحمل لوحده.
ولا بأن شخص واحد يشيل كل حاجة.
البيت بيتبني لما كل واحد يشيل مع التاني.
ولما اللي يغلط يقول:
“أنا غلطت.”
واللي يتوجع يقول:
“أنا اتوجعت.”
واللي يحتاج يقول:
“أنا محتاج مساعدة.”
واللي مش قادر يقول:
“مش هقدر.”
من غير خوف.
من غير خجل.
ومن غير ما حد يحس إنه أقل من غيره.
وده كان الدرس اللي فضل معايا.
وأنا عندي 68 سنة، اكتشفت إن الإنسان ممكن يقضي عمره كله بيخدم الناس اللي بيحبهم، وينسى يسأل نفسه:
“وأنا؟”
والحقيقة إن السؤال ده مش أنانية.
السؤال ده ضرورة.
لأن اللي بيستنزف نفسه طول الوقت، في يوم من الأيام مش هيبقى قادر يدي أي حاجة.
لكن اللي يعرف إمتى يساعد وإمتى يرفض، يقدر يفضل موجود للناس اللي بيحبها سنين طويلة.
عشان كده، لو في يوم حد حط قدامك حاجة مش مسؤوليتك، وقالك:
“ما إنتِ قاعدة.”
أو:
“ما إنتِ أمي.”
أو:
“ما إنتِ بتساعديني.”
افتكري إن المساعدة اختيار.
وإن تعبك له قيمة.
وإن احترامك لنفسك مش قسوة.
وإن الحدود مش معناها إنك بتقفلي الباب.
أحيانًا الحدود هي اللي بتخلي الباب يفضل مفتوح من غير ما حد يدخل منه ويكسر كل حاجة.
وأنا؟
أنا لحد النهارده، كل يوم سبت، لما أسمع صوت الغسالة وهي شغالة، بابتسم.
وأفتكر داليا.
وأفتكر أحمد.
وأفتكر الأربع شكاير.
وأقول:
“الحمد لله إني يومها ما غسلتهمش.”
لأن لو كنت غسلتهم…
كان ممكن الغسيل ينضف.
لكن يمكن حياتنا كلها كانت تفضل محتاجة تنظيف.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

تعليقات
إرسال تعليق