القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت سـم حمـاتي كامله حكـايات مني السيد حصري

 


سكريبت سـم حمـاتي كامله حكـايات مني السيد حصري



حكايات مني السيد حصري 

6 شهور صابرة على سم حماتي ومعايرتها ليا بفقرنا قدام عيالي لحد ما كسر آخر ذرة صبر عندي والباب اللي اتقفل انفجر في وش الجميع.

..!!!

بداية الحكاية  

ريحة التوم مع صلصة الطماطم كانت مالية الشقة، والولاد قاعدين حوالين الطبلية، عمر عنده تسع سنين ومازن سبع سنين، ماسكين المعالق ومستنيين صينية المكرونة بالصلصة وهي طالعة سخنة تلهلب، وجنبها طبق البيض المسلوق المدحرج في معلقة سمنة بلدي ريحتها ترد الروح.

أنا ست بمشي على قدي، الغلا مش سايب حد في حاله، وعشان أوصل أول الشهر بآخره من غير ما أمد إيدي لحد، ومن غير ما أخلي جوزي يدبس في سلفيات تكسر ضهره، ماشية بمبدأ يوم يشيل يوم. يوم كفتة، يوم سمك، ويومين تلاتة أكلات حرشة تمشي الدنيا، والعيال أصلاً بيموتوا في المكرونة بالبيض وبيفرحوا بيها كأنها وليمة. بنضحك، واللقمة هنية ومكفية ومفيش أحسن من الستر ورضا ربنا.

وفجأة.. الباب خبط خبطات سريعة ومحفوظة. قلبي اتقبض في ثانية، وبسرعة مديت إيدي عشان أغطي الصينية بفوطة، بس كان الأوان فات.. حصري على صفحة روايات و اقتباسات المفتاح كان في الباب وهي فتحت ودخلت بهيبتها المعتادة، حماتي.

دخلت الصالة، عينيها لفت في المكان ووقفت فوراً على الطبلية. بصت للصينية بنظرة قرف

مبطنة، ونفخت بصوت عالي وهي بتقول

إيه ده يا حبيبتي؟ هو إنتي ما وراكيش غير المكرونة والبيض؟ العيال وراهم مذاكرة وجسمهم محتاج يتغذى وبيتبني، إنتي على طول مقضياها كده ومستخسرة فيهم؟!

حكايات_مني_السيد

الكلام نزل زي مية نار على قلبي. المشكلة مش في الكلام، المشكلة إنها قالته قدام عمر ومازن! عمر ساب المعلقة من إيده وبص للأكل بقرف بعد ما كان هيتجنن عليه، ومازن رد وراها على طول شوفتي يا ماما؟ تيتا بتقول الأكل ده مش بيغذي، إحنا زهقنا من المكرونة والبيض!

بلعت غصتي بالعافية، وحاولت ابتسم عشان الدنيا متهدش يا ماما ألف حمد وشكر، يوم بيشيل يوم، وإنتي عارفة إحنا في آخر الشهر والعيال بيحبوها.

ردت ببرود وهي بتلف وشها عشان تخرج والله يا بنتي البيوت مش كده، شوفي سمر سلفتك بتعمل إيه لعيالها وانتي تعرفي الفرق.

خرجت ورزعت الباب، وسابت وراها سم بينخر في دماغي. العيال رفضوا ياكلوا، وقعدت أتحايل عليهم دمعتي في عيني عشان ياكلوا لقمة، وفضلت طول الليل أتقلب، هي ليه بتعمل كده؟ ليه عمرها ما بتطلع عندي إلا في اليوم اللي عاملة فيه مسقعة وبطاطس، أو شكشوكة، وعمرها ما شافت الفراخ ولا اللحمة اللي بجيبها من لحم الحي عشان عيالي؟!

بقى لي ست شهور على الحال ده، اتخنقت لدرجة إني بقيت أول ما أسمع صوت شبشبها على السلم، أجري زي الحرامية أخبي حلة الأكل في البوتاجاز وأقفل الباب عشان متشوفش، بس خلاص.. الموضوع زاد عن حده، وبقيت لما أنزل أشتري طلبات ألمحها قاعدة في مدخل العمارة هي وسلفتي، عيونهم عليا وضحكاتهم وهمساتهم مابتخلصش، كلامهم رايح جاي عليا وعلى أكلي وبيتي.


حماتي نزلت وهي بتهز في كتافها وبتبرطم بكلام يسم البدن. بعد نص ساعة، نزلت أشتري كيس ملح من السوبرماركت اللي تحت، وأنا نازلة على طراطيف صوابعي، وقفت مسمرة قدام باب شقة حماتي اللي كان موارب شوية..

صوت ضحك سلفتي نجوى كان طالع، ومعاه صوت حماتي وهي بتقولها كلمة ما صدقتش وداني من اللي سمعته....!

رجلي لزقت في مكانها على الرخام البارد، والأنفاس اتكتمت في صدري زي ما أكون بلعت جمرة نار. كنت واقفة على بسطة السلم، ضهري محمي في الحيطة، وكيس الفلوس الصغير مزنوق بين صوابعي اللي ابيضّت من كتر الشد. الباب كان متوارب يادوب شبر واحد، طالع منه ضوء الصالة الأصفر المخنوق، ومعاه ريحة البخور اللي حماتي متعودة تولعه عشان يطرد العين، ومكنتش عارفة إن العين والحسد والغل خارجين من جوف شقتها هي شخصياً.


صوت نجوى سلفتي طالع بشرقان من كتر الضحك، صوت ميعاد ومستفز، وهي بتخبط على رجلها وتقول لا يا حماتي والنبي بجد؟! مكرونة بصلصة وبيض مدحرج تاني؟! هههههههه والله البت دي مسخرة، دي عاملة زي اللي واخدين فقر الدنيا كله في شوال وماشيين يوزعوا منه! ده أنا لو رميت الأكل ده لكلاب السكك مياكلوهوش!

ردت حماتي بصوتها اللي فيه فحيح الأفاعي، نبرة متشفية تشق الصدر سيبك إنتي بس يا نجوى.. أنا سممت عيشتها، خليت عيالها يقرفوا من لقمة بطنها ويكرهوا قعدتها. أنا نازلة وسايبة الواد مازن رافض يمد إيده، وعمر ماسك المعلقة وعينيه مكسورة كأنه شحات. أنا ما ارتاحش إلا لما اكسر شوكتها، البت دي شايفة نفسها على إيه؟ فاكرة ابنها لما ياخدله كلمتين شكر في المدرسة يبقى هي خلاص هانم؟ دي حتة بت فقرية، جاية من حارة مفيهاش ريحة اللضا، وابني طارق هو اللي عملها بني آدمة!

نجوى كملت بغل وهي بتمصمص في شفايفها بس يا حماتي هي بتعرف تمشي بيتها برضه، يعني طارق مش مديها كتير وبتسترها، وإحنا مش عايزين طارق يحس إنها شاطرة وموفّرة، عشان لو حس بكده مش هيسمع كلامك لما تقولي له يقلل مصروفها أو يديكي إنتي تمسكي القرشين!

وهنا نزلت الصاعقة.

. حماتي ضحكت ضحكة صفرا، وقالت بجبروت خلّى ركبي تخبط في بعضها يا بت افهمي، أنا عارفة مواعيد خروجها للسوق بالدقيقة! كل ما


 

ألاقيها طالعة بأكياس خضار أو بطاطس من اللي بتجيبها رخيصة، أعرف إن اليوم ده مفيهوش زفارة، أستقصد أطلع لها في ميعاد الغدا بالذات عشان أهزقها قدام العيال!

وعارفة الأيام اللي بتعمل فيها فراخ أو كفتة؟ بقعد تحت ومطلعش، عشان مديهاش فرصة تحس إنها ست بيت شاطرة أو تفرح عيالها قدامي! إنتي فاكرة إني مش شامة ريحة أكلها؟ شامة وعارفة، بس الغرض إن العيال يفضلوا يبصوا لعيالك إنتي يا نجوى، يشوفوا عيالك بياكلوا بانيه وبرجر وحمام، فيحسوا بالدونية، وطارق يفضل شايف إن مراته مقصرة وعاجزة! مسألة وقت وطارق هيزهق من النكد وعياط العيال، وساعتها الشقة دي والقرشين يبقوا تحت طوعي، وهي ترجع لبيت أبوها بشنطة هدومها زي ما دخلت!

الدنيا لفت بيا.. السلم الرخام اتحول لموج عالي بيسحبني للغرق. الدم ضرب في نفوخي لحد ما وداني صرخت بصفارة طويلة مش سامعة غيرها. يعني الموضوع مش صدفة؟! مش صدفة إنها مكنتش بتهل عليا غير في أيام العدس، وأيام البصارة، وأيام صينية البطاطس الأرديحي؟! ست شهور كاملة، ست شهور بدموعي، وحرقة دمي، وحيرتي مع طارق لما يرجع بالليل يلاقي الولاد زعلانين وبيشتكوا من الأكل ويقولي هو مفيش في البيت ده غير المشاكل يا أسماء؟ متطبخي لهم حاجة عدلة يا ستي وريحينا! ست شهور بتفنن إزاي أدبر الميزانية بالمليم عشان أجيب لطارق وجبة لحمة تليق بشقاه يومين في الأسبوع، وأحرم نفسي عشان عيالي ياكلوا في الستر، وهي كانت بتراقب، بتترصد للقمة عشان تنزع منها طعم البركة والرضا!


أسناني صكت على بعضها برعشة غريبة، مش رعشة خوف.. لأ، دي رعشة الحُمّى اللي بتصحي الميت. رعشة الوجع اللي لما بيزيد عن حده بيتحول لجبروت. لفيت ضهري، مروحتش السوبرماركت، ولا اشتريت ملح. ملح إيه اللي هشتريه وأنا البيت كله عندي ملح ومطروح فيه السم؟ طلعت السلم، خطوة ورا خطوة، مش حاسة بوزني، كأني طايرة على سحاب من نار. فتحت باب شقتي براحة ودخلت.

الصالون كان هادي، عمر ومازن قاعدين في الركن، صينية المكرونة كانت بردت تماماً، وطبقة الصلصة كرمشت وعملت وش ناشف، وطبق البيض المسلوق اللي كنت مدحرجاه بالسمنة البلدي رقد زي ما هو، كأنه ميت في عزا. عمر بصلي بعيون مدمعة، الواد اللي عنده تسع سنين حاسس بالذنب ومش فاهم ماما.. إحنا فقرا أوي كده عشان بناكل مكرونة وبيض؟ هو إحنا مش هنبقى زي ولاد عمتي ولاد طنط نجوى؟

الجملة دي قطعت آخر عرق صبر جوايا. دموعي مانزلتش.. الدموع دي للضعفا، وأنا عيالي مش هيبقوا ضعفا ولا مكسورين لحد. قربت من عمر، نزلت على ركبي، مسكت وشه بين إيديا الاتنين، وعيني في عينه بكل قوة بص لي هنا يا عمر.. بص لي يا مازن. اللقمة دي حلال، أبوك جايب قرشها بعرقه وشقاه من الفجر للمغرب، مفيش فيها قرش حرام، ومفيش فيها سلف، ومفيش فيها هوان. المكرونة دي نعمة ربنا اللي غيرنا بيتمنى يشم ريحتها، وإحنا بيتنا عمران بالستر، فاهمين؟ اللي يقولكم إنكم قليلين، يبقى هو اللي ناقص وعينه فارغة!

ومفيش مخلوق في الدنيا دي هيخليكم تطاطوا راسكم، لا تيتا ولا غير تيتا، فاهمين؟!

الولاد اتخضوا من لهجتي، دي مش مامتهم الطيبة اللي بتبكي وتتحايل عليهم عشان ياكلوا، دي ست تانية خالص ملامحها حديد. مازن بلع ريقه وهز راسه بسرعة، وعمر مد إيده ومسك المعلقة وبدأ ياكل، وبص لي وقالي والله طعمها حلو يا ماما.. والله الصلصة بتاعتك أحلى صلصة. ابتسمت بمرارة، وطبطبت على كتفهم، وشيلت الصينية من قدامهم بعد ما أكلوا، وأنا عقلي شغال زي التوربين، بيبني خطة جهنمية.. خطة تردلي اعتباري واعتبار شقا سنيني اللي عايزين يهدوه عشان شوية غل وسواد قلوب.

الساعة دقت ستة المغرب، وده ميعاد رجوع طارق جوزي. طارق راجل طيب، بس مسالم بزيادة، ومن نوع الرجالة اللي بيخافوا من كلمة أمك زعلانة، ونجوى وحماتي كانوا عارفين نقطة ضعفه دي كويس وعازفين عليها لحن الخراب.

دخل طارق، وشه مجهد، والقميص الأبيض بتاعه معفر بتراب اليوم في الورشة ومحل قطع الغيار. رمى المفاتيح على الترابيزة وقعد على الكنبة بتعب مساء الخير يا أسماء.. هاتيلي شوية مية باردة الله يرضى عليكي، اليوم كان طاحونة.

جبت له المية، وقعدت جنبه بهدوء مريب. سألته بصوت ناعم، مفيهوش أي نكد حمد الله على سلامتك يا أبو عمر.. بقولك إيه، الجمعية اللي كنت قابضاها أول الشهر، فاكرها؟ طارق شرب المية وبصلي باستغراب آه فاكرها، قولتي هتشيليها عشان مصاريف المدارس والدروس بتاعت الواد عمر، فيها حاجة؟ لا يا حبيبي، مافيهاش حاجة، بس الجمعة الجاية إنت عارف إن عمك وأولاده جايين من البلد يزوروكم في بيت العيلة، وأمك كانت بتقول تحت إنها عايزة تعمل عزومة تلم الكل، بس مصاريف الشهر مقصرة معاها. طارق اتعدل في قعدته وعينيه وسعت بجد؟ أمي قالت كده؟ والله كتر خيرها إنها عايزة تلمنا، بس نجوى قالتلي إمبارح إنهم مش هيقدروا يشاركوا عشان سلفة المدرسة بتاعت كريم.

ابتسمت بمكر خبيث جوايا ولا يهمك، إحنا اللي هنشيل العزومة كلها يا طارق! إحنا عيالها برضه، ومينفعش عمك ييجي من البلد ويلاقي سفرة بيت الحاج مفيهاش ما لذ وطاب.

أنا هدفع من فلوس الجمعية، وهنزل بنفسي السوق

 

الكبير يوم الخميس، وهعمل عزومة البيت كله يتحاكى بيها.. بس بشرط. طارق مسك إيدي وباسها بفرحة غامرة، حس إن مراته بتكبره وبتشيل عنه وتجامل أهله شرط إيه يا ست البنات؟ ده أنتي تؤمري أمر! الشرط إنك متقولش لأمك ولا لنجوى إني دافعة مليم، ولا تقولهم إني هطبخ حاجة، لحد يوم الجمعة الصبح! سيبها مفاجأة، أنا هجيب الخزين كله يوم الخميس بالليل متأخر وهي نايمة، ويوم الجمعة الصبح هنزل المطبخ الكبير اللي تحت بتاع العيلة، وأقف أفرش السفرة مع نجوى وأمك وتبقى العزومة طالعة باسمك إنت، موافق؟ طارق من فرحته قام وحضني أصيل يا أسماء.. بنت أصول والله، وعمري ما هنسالك الوقفة دي!

مكانش يعرف.. المسكين مكنش فاهم إن دي مش عزومة كرم، دي كانت مصيدة هنصبها عشان أطلع العقارب من جحورها، وأخلي كل كلمة اتقالت في حقي تترد في نحورهم قدام العيلة كلها!

جه يوم الأربعاء، والخميس.. في اليومين دول، اتعمدت أعمل أغرب تصرفات في الدنيا. نزلت السوق يوم الأربعاء، وجبت شوية جرجير، وحزمتين فجل، وعيش ناشف، وباذنجان رومي مدمل، وطلعت بيهم على مهلي قدام باب شقة حماتي. حماتي كانت قاعدة على العتبة كالعادة بتنقي رز مع نجوى، وأول ما شافتني بالأكياس الرخيصة دي، شفت لمعة الشماتة في عيونها. قالت لي بصوت عالي سمّع العمارة إيه ده يا ستي أسماء؟

هو البتنجان بقى وجبة المغذيات خلاص؟ ههههه، الله يعين الواد طارق، خارج من الصبح عشان ترجعيه على مسقعة وبابا غنوج! نجوى ضحكت بمياعة معلش يا حماتي، كل واحد على قده، بس برضه المسقعة باللحمة المفرومة غالية، هي أكيد عاملاها بصلصة بس!

أنا ما ردتش.. بصيت لهم بنظرة مسكينة، مطأطأة راسي زي المغلوبة على أمرها، وطلعت شقتي وقفلت الباب. وأول ما قفلت الباب، ضحكت ضحكة مكتومة طلعت من قاع روحي. اصبروا عليا.. اصبروا على غضب الحليم!

يوم الخميس بالليل، الساعة اتعدت الواحدة بعد نص الليل. الشارع كان هس هس، ومفيش صريخ ابن يومين. عربية نص نقل وقفت تحت العمارة، نزلت أنا وطارق على أطراف صوابعنا. كنا جايبين خزين ملوكي.. جدي بلدي كامل متقطع حتت تملى العين، دكرين بط من التقيل اللي وزنه يهد الحيل، حمام محشي بالفريك، وقفص خضار صابح يتنقى بالواحدة، وسمنة بلدي من الصافي، وشكارة رز بسمتي هندي طويل الحبة، ومكسرات ولوز وبندق. طلعنا كل ده على شقتي فوق، مش تحت في شقة حماتي. رصيت الحاجه في الفريزر والريسبشن عندي، وطارق كان باصص للحاجة ومبهور إيه ده كله يا أسماء؟ إنتي هتأكلي البلد كلها؟! قلت له بعينين فيها لمعة غامضة العيلة كلها هتاكل يا طارق، والكل هيعرف مين هي أسماء، ومين اللي بيستر، ومين اللي عينها مليانة.

وجه فجر يوم الجمعة.. صحيت الساعة خمسة الفجر، صليت ودعيت ربنا ينصرني ويثبت لساني وميخلينيش أظلم، بس استرد حقي. نزلت شقة حماتي على الساعة تمانية الصبح. كانت الشقة بدأت تصحى، وريحة شاي بلبن طالعة، وعم طارق وولاده وصلوا من الصعيد بالجلابيب والعزوة، وقاعدين في المندرة الكبيرة بيشربوا القهوة مع طارق وأخوه جوز نجوى.

دخلت المطبخ بهدوء، لقيت نجوى واقفة لابسة عباية ملونة وبتتأفف، وحماتي واقفة تطلع فرختين بيضا من الفريزر وزن الواحدة ميكملش كيلو، متلجين ولونهم أزرق، وحلة صغيرة فيها شوية رز.

حماتي بصتلي بقرف وقالت أهلاً يا هانم، لسه صاحية؟ كويس إنك نزلتي، ادخلي نضفي الملوخية دي وشوفي البصل ده قشريه، عمك وأولاده زمانهم هيجوعوا، وإحنا مش ناقصين فضايح قدام بتوع البلد. نجوى سألتها بلؤم هو إنتي يا حماتي هتطبخي الفرختين دول بس؟ دول الرجالة لوحدهم تمانية غير العيال والحريم! حماتي ردت ببرود وعينيها عليا أنا نعمل إيه يعني؟ البركة في القليل، مش زي ناس بيبعزقوا في المكرونة والبيض! وبعدين طارق أخوكم مقصر في مصروف الشهر، والبركة في جوزك إنتي يا نجوى اللي جابلنا الفرختين دول من جيبه عشان يسد عيبنا!


هنا.. حسيت بالدم بيفور في عروقي لدرجة الغليان. بصيت لحماتي وابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة باردة برود التلج، وقفت في نص المطبخ، ومسحت إيديا في فوطة، وقلت لها فراخ إيه يا حماتي اللي هتسد عيبنا قدام عمي وأولاده؟ دكرين البط والجدي البلدي اللي فوق في شقتي هما اللي هيسدوا العيب، وهيرفعوا راس ابنك طارق!

حماتي اتسمرت مكانها، ونجوى وقفت والسكينة في إيدها، بؤها اتفتح من الصدمة. حماتي ضيقت عينيها وقالت بنبرة فيها رعشة شك جدي إيه وبط إيه يا مخروبة؟ إنتي هتتجنني على الصبح؟ أنتي حيلتك حاجة غير كيس الملح اللي كنتي نازلة تشحتيه من يومين؟!

قربت منها خطوتين، صوتي كان واطي بس تقيل زي الرصاص لا يا حماتي.. أنا حيلتي كرامتي، وحيلتي شقا جوزي اللي مبعزقتوش في المظاهر الكدابة. أنا حيلتي قرش حلال شايلاه من لحم الحي ليوم زي ده. وطارق فوق مستني إشارة عشان ينزل الصواني الكبيرة اللي هتتحط عليها الدبايح.

نجوى وشهّا جاب ألوان، الغيرة كانت هتاكل في وشها زي النار ومن أين ليكي الفلوس دي كلها يا فالحة؟ أوعي تكوني بتستغفلي طارق وبتاخدي من وراه وبتخبي علينا؟

! بصيت لنجوى، وقربت وشي من وشها، وقلت لها بصوت جهوري سمّع الصالة اللي برة لا يا ستي، مباخدش من

 

ورا جوزي، ولا بنزل أقف تحت باب الشقق أتصنت على سلايفي وأعايرهم بلقمة عيالهم! أنا ست بصون بيتي، ولما بعمل لعيالي مكرونة وبيض بيبقى برضاهم وشبعهم، مش زيك بتجيبي أكل تيك أوي بالدين عشان المنظرة الكدابة وتخلي جوزك يستلف من طوب الأرض!

حماتي رفعت صوتها وبدأت تزعق عشان تلم الناس إنتي اتهبلتي يا بت إنتي؟! بتعلي صوتك في بيتي وقدام سلفتك؟! أنتي فاكرة نفسك مين يا جربوعة، ده أنا اللي ساكتة عليكي بقالي ست شهور وبقول معلش فقرية وعايشة في خيري وخير ابني، جاية دلوقتي تبطري وتتفلسفي علينا؟! والله لأنده لطارق يرمي عليكي يمين الطلاق في وسطيكم هنا ويطردك برة العمارة دي بشنطة هدومك!

وفعلاً، حماتي طلعت للصالة وهي بتصرخ وتولول بصوتها اللي بيسمع الشارع تعالى يا طارق! تعالى شوف مراتك الهانم، بنت الشوارع اللي دخلتها بيتي بتعمل إيه! تعالى شوف قلة أدبها وطولة لسانها على أمك عشان بنقولها اعملي شوية ملوخية للضيوف!

الصالة اتقلبت.. عم طارق وأولاده خرجوا من المندرة مذهولين، وجوز نجوى وقف مبرق، وطارق دخل يجري وشه مخطوف من الخضة.

الكل اتجمع في الصالة الكبيرة، العيون كلها كانت عليا، نظرات استنكار من الرجالة الكبار، ونظرة غضب مشتعلة في عيون طارق اللي افتكر إني هديت المعبد فوق دماغه وخالفت اتفاقنا.

طارق زعق بصوت هز الحيطان في إيه يا أسماء؟! إيه اللي بيحصل هنا؟! إنتي اتجننتي تعلي صوتك على أمي والرجالة قاعدة؟!

حماتي مسكت في جلابية طارق ومثلت إنها هتقع من طولها، وبدأت تعيط بنحيب مصطنع الحقني يا ابني.. مراتك جاية تعايرني في بيتي، بتقولي إنتي وسلفتك جعانين ومش لاقيين تاكلوا، وبتقول على الفرختين اللي جايبينهم للرجالة جيف ومياكلوش كلاب! وبتقول إنها هتطردني من شقتي، وهتذلنا بفلوسها وخيرها! البت دي فاجرة يا طارق، ومتقعدش على ذمتك دقيقة واحدة، يا أنا يا هي في البيت ده النهاردة!

نجوى وقفت جنبها بتسخن النار أيوا يا طارق، شتمت حماتي وقالت لها إنتي ست مسمومة وبتتفرجي على لقمتنا، وده كله عشان حماتي طلبت منها تساعد في تجهيز الغدا لعمك!

الصمت نزل على الصالة زي الكفن. عم طارق، الحاج عبد الرحيم، راجل صعيدي كبير بعمامة وهيبة، خبط بعصايته الأبنوس في الأرض خبطة رنت في البيت كله، وبص لطارق بصوت جهير إيه اللي بنسمعه ده يا ولدي؟ حريم بتعلي صوتها في حضرة الرجالة؟ والكلام المايص ده عيب يتقال في بيت أخوي الله يرحمه! لو مرتك مش متربية، رجعها لبيت أبوها يربيها من جديد!


طارق عروق رقبته نفخت، وعينيه احمرت، ورفع إيده في الهوا وقرب مني وهو فاقد أعصابه، وكان على وشك إنه يمد إيده أو ينطق الكلمة اللي مفيهاش رجوع.. كلمة الطلاق اللي حماتي كانت مستنياها بنظرة انتصار مرعبة مرسومة في عيونها.

بس في اللحظة دي بالذات.. في الثانية اللي كانت هتنهي كل حاجة.. أنا مكنتش بعيط، ولا كنت مرعوبة. وقفت في نص الصالة، رفعت راسي لفوق، وبصيت لطارق في عينيه بكل ثبات خلاه يوقف إيده في الهوا كأنه اتكهرب. طلعت تليفوني من جيبي الصغير في العباية، وضغطت على زرار التشغيل.. وصوت التسجيل بدأ يملى الصالة..

صوت حماتي وهي بتقول لنجوى ورا الباب المتوارب سيبك إنتي بس يا نجوى.. أنا سممت عيشتها، خليت عيالها يقرفوا من لقمة بطنها ويكرهوا قعدتها.

. أنا بستقصد أطلع لها في ميعاد الغدا بالذات عشان أهزقها قدام العيال وأكسر شوكتها... مسألة وقت وطارق هيزهق من النكد وعياط العيال، وساعتها الشقة دي والقرشين يبقوا تحت طوعي، وهي ترجع لبيت أبوها بشنطة هدومها زي ما دخلت!

الصوت كان واضح، نقي، ومفهوش غلطة.. صوت الفحيح رن في ودان الكل زي الرعد. إيد طارق نزلت جنبه ميتة.. وشه اتحول من الغضب لذهول شل حركته تماماً. حماتي حطت إيدها على بؤها وعينيها برقت بجنون، ونجوى رجعت لورا خطوتين كأن عزرائيل واقف قدامها، والحاج عبد الرحيم نزل عصايته على الأرض ببطء، ورفع راسه يبص لحماتي بنظرة موت.

بصيت لطارق، وبعدين بصيت لحماتي اللي كانت بتترعش، وقلت بصوت مسموع وواضح ده السم اللي كنت ببلعه ست شهور عشان خاطرك وخاطر عيالك يا طارق.. ده اللي كان بيتقال في ضهر ابنك اللي كان بينام جعان مكسور الخاطر.. ودلوقتي، العزومة اللي فوق جاهزة، والجدي مستني، بس السؤال هنا.. مين فينا اللي المفروض يلم هدومه ويغور من البيت ده؟

!

وقبل ما حد ينطق بحرف، صوت طارق طلع مخنوق زي الذبيح وهو بيلف وشه ناحية أمه.... يتبع


سـم حمـاتي ج 2 حكـايات مني السيد حصري

 

الهوا في الصالة كأنه اتسحب فجأة، وبقى المكان زي قبر مقفول بقاله سنين، مفيش فيه غير صوت رنين أنفاس طارق وهي طالعة محروقة، متقطعة، كأن جمر بيتقلب في صدره.

التسجيل خلص، بس الصدى بتاعه كان لسه بيلف في السقف، بيخبط في الحيطان ويرد في وش كل واحد واقف.

حماتي وقفت مكانها، دمها هرب من عروقها لحد ما شفايفها بقت زرقة زي الميت، عينيها بتلف في الصالة كأنها بتدور على حفرة في البلاط تنشق وتبلعها قبل ما العيون دي كلها تنهشها. ونجوى اتسمرت ورا عمود الصالة، بتسحب رجلها ببطء، وشها كان بيعرق عرق بارد، ومطبقة إيديها الاتنين على صدرها كأنها بتحمي نفسها من طوبة هتترمي عليها في أي ثانية.

طارق فضل باصص لأمه، إيده اللي كانت مرفوعة عشان يضربني بيها نزلت وسقطت في جنبه ميتة، مشلولة. الصدمة كانت أكبر من عقله، أكبر من طاقته على الاستيعاب. الراجل اللي كان طول عمره شايف أمه هي البركة، وهي الست اللي ضحت وشالت بعد موت أبوه، اكتشف فجأة إن نفس الإيد اللي كانت بتطبطب عليه هي الإيد اللي بتدس السم لعياله في لقمتهم، وبتخطط عشان تهدم بيته طوبة طوبة ببرود أعصاب يخوف.

قرب طارق منها خطوة، خطوة تقيلة كأنه شايل جبل فوق كتافه، وصوته طلع واطي، بس تقيل ومرعب، فيه شرخ ميتصلحش ده أنتي يا أمي؟ ده صوتك؟! عيالي أنا؟! عمر ومازن لحمي ودمي، تخليهم يكرهوا أكل أمهم ويبصوا لغيرهم؟! عشان إيه؟! عشان فلوس؟ عشان شقة؟ عشان تكسري واحدة متكلمتش ولا اشتكت ولا قالت في يوم إني مقصر معاها؟

! ده أنتي يا أمي؟!

حماتي اتلجلجت، حاولت تبلع ريقها اللي نشف، وطلعت منها نبرة مهزوزة، كدابة، مش لاقية أرض تقف عليها يا.. يا طارق، يا ابني افهم، ده.. ده كان كلام حريم، ده تقطيع وقت! إنت هتصدق التليفونات والألاعيب دي وتسيب أمك؟! البت دي مسجلالي عشان تخرب بيتك! إنت مش عارف كيد النسا؟! دي عايزة تفرق بيني وبينك عشان تاخدك لحسابها وتطلعك برة البيت ده!

وهنا، الصوت اللي هز الصالة مكنش صوت طارق.. كان صوت الحاج عبد الرحيم، عم طارق. الراجل الصعيدي وقف بطوله، هيبته بالجلابية الصوف والعباية السمرا وعمامته العالية كانت كفيلة تلجم أي لسان. خبط عصايته في الأرض خبطة تالتة، خلت الكوبايات على السفرة ترن، وعينيه اللي زي الصقر كانت بتبص لمرات أخوه بقرف وازدراء عمره ما ظهر في وشه قبل كده.

الحاج عبد الرحيم اتكلم بنبرة صعيدية حامية تقطع في اللحم كلام حريم يا أم محمود؟! الحريم اللي من صلبنا ومن بيوتنا بيستروا على لحمهم، بيصونوا النعمة ويداروا على العيبة! الحريم الأصايل لما يشوفوا الواد بياكل كسرة عيش حاف، يروحوا يغمّسوها له بعسل من ورا الخلق عشان ميتكسرش قدام عيال عمه! مش يقفوا على الباب يتسنطوا، ويدخلوا يعايروا، ويكسروا خاطر الصغيرين عشان شوية غل وكره عمى عينك وقلبك؟! أخوي الله يرحمه مات وخلّف وراه راجلين، سايبهم في بيته مستورين، تقوم أنتي تخربي بيت ابنك بيدك وتخليه يمد إيده على مراته في حضرة عمه ورجالة عيلته؟!

حماتي حطت وشها في الأرض، أول مرة في حياتي أشوف الست دي راسها في الطين كده، هي اللي كانت بتمشي في الشارع رافعة مناخيرها للسما والكل بيعمل لها ألف حساب.

الحاج عبد الرحيم لف وشه ناحية نجوى، اللي كانت هتدخل في الحيطة من كتر الخوف، وقال بصوت حاد كالسكين وأنتي يا مرت الصغير! أنتي اللي جاية من بيت ناس ونقول عليكي عاقلة، تقعدي مع حماتك تسخني وتضحكي على لقمة ضرتك وسلفتك؟

! فرحانة بولادك وبالمظاهر الكدابة وجوزك مديون لطوب الأرض ومستلف من ورا الناس عشان ترضي غرورك؟! والله لو ابني متجوز واحدة زيك تعمل العمايل دي في بيت العيلة، لكان رماكي لبيت أبوكي من الفجرية بلا رجعة!

جوز نجوى، محمود، اللي كان واقف مذهول ومصدوم في مراته، وشه بقى أحمر زي الدم من الإحراج والخزي. قرب من نجوى ومسكها من دراعها بعنف، جرجرها لورا وقالها بصوت مخنوق من الكسرة اطلعي فوق يا نجوى! اطلعي شقتك ومتورينيش وشك خالص النهاردة.. حسابي معاكي لما العزومة دي تعدي، اطلعي!! نجوى جريت على السلم زي الفار المبلول، رجلها بتخبط في عبايتها، وطلعت شقتها وقفلت الباب وراها برزعة سمّعت العمارة كلها.

في اللحظة دي، طارق كان لسه واقف مكانه، عيونه متبتة في أمه، والصدمة بدأت تتحول لغضب كاسح. قرب من أمه أكتر، وقالها بنبرة ميتة ليه يا أمي؟

أنا قصرت معاكي في إيه؟ كل قرش بيطلع من جيبي بتعرفي بيه، عمري ما دخلت البيت بفاكهة ولا حاجة حلوة لعيالي إلا لما كنت بنزل نصها عندك تحت! أسماء كانت بتتحرم من التوب الجديد وتلف الطرحة القديمة مية مرة عشان لما تحتاجي علاج أروح أجيبهولك قبل ما تطلبي! عيالي كانوا بياكلوا المكرونة والبيض ويقولوا الحمد لله يا بابا، وإنتي تنزلي تكسريهم؟! عايزاني أطلقها؟ عايزة تخربي بيتي عشان أرجع أقعد تحت رجلك زي العيل الصغير تديني مصروفي بإيدك؟! ده اللي ربيتينا عليه؟!

حماتي بدأت تعيط بجد، مش تمثيل المرة دي.. عياط الخزي، عياط الواحدة اللي اتعرت حقيقتها قدام الناس كلها ومبقاش عندها درة ستر تحميها يا طارق يا ابني.. الشيطان شاطر، أنا مكنتش أقصد، أنا بس كنت عايزة.. كنت شيفاها واخدة اهتمامك كله وعيالها ماليين عليك الدنيا.. أنا أمك يا طارق، هتبيع أمك عشان كلمة اتقالت في ساعة غضب؟!

مش كلمة! الصوت ده كان صوتي أنا.. خرجت خطوتين لقدام، وقفت في نص الصالة، عيني في عين حماتي بكل شموخ، وبكل قوة السنين اللي اتدفنت تحت الصبر والسكوت. قلت لها مش كلمة يا حماتي.. ده كان نظام حياة بقالك ست شهور ممشياه علينا. ست شهور وأنا مستحملة نظرات القرف، مستحملة تعليقاتك السمجة، مستحملة لما تقولي للعيال يا معفنين، مستحملة لما تدخلي شقتي بالمفتاح من غير ما تخبطي وتفتشي في الحلل زي المفتشين! ست شهور وكل ما أقول لطارق يقولي معلش دي أمي، دي بركة البيت، استحملي عشان خاطري.

. وكنت بستحمل وأبلع الزلط! بس تيجي لحد كرامة عيالي،


 

 وتخليهم يحسوا إنهم شحاتين في بيت أبوهم؟ لأ.. لحد هنا والسما تتطبق على الأرض!


بصيت لطارق اللي كان باصص لي بنظرة كلها ندم وعذاب، وقلت له طارق.. أنا من يوم ما دخلت البيت ده، دخلته بكرامتي وبأصلي. عمري ما طلبت منك فوق طاقتك، وعمري ما بصيت لإيد حد غيرك. الفلوس اللي في جيبي دي، فلوس جمعيتي اللي كنت شايلاها عشان مصاريف ولادك وعشان أستر بيتك، نزلت وجبت بيها الجدي والبط والحاجة اللي ترفع راسك قدام عمك وأهلك، عشان أنا بنت أصول وعارفة يعني إيه واجب ويعني إيه راجل وشه يفضل مرفوع قدام ناسو.. بس أنا كرامتي مش مداس، ولقمة عيالي مش رخيصة عشان تتهان بالشكل ده!

طارق دمعته نزلت، مسحها بسرعة بضهر إيده، وقرب مني قدام عمه وقدام أخوه وقدام أمه، ومسك إيدي الاتنين وباسهم قدام الكل، وقال بصوت عالي حقك عليا يا أسماء.. حقك على راسي من فوق. أنتي ست البنات، وأنتي اللي صايناني وصاينة عرضي وبيتي. اللي يمسك بكلمة يمسني أنا في شرفي ورجولتي، ومن النهاردة مفيش مخلوق في الدنيا دي له كلمة عليكي، ولا له حكم على لقمتك ولقمة عيالي!

الحاج عبد الرحيم قرب مني، وطبطب على كتفي بحنية الأب، وقال بصوت مليان رضا يسلم البطن اللي شالتك يا بنتي، ويسلم الراجل اللي رباكي وعلمك الأصول. أنتي ميتخافش عليكي، وأنتي اللي يتشال جميلك فوق الراس. اطلعي يا بنتي هاتي الخير اللي عندك، وخلينا ناكل من لقمة الست الأصيلة اللي بتعرف يعني إيه كرم ونخوة.

بصيت لحماتي نظرة أخيرة، مكنتش نظرة شماتة.. كانت نظرة ست خدت حقها تالت ومتلت من غير ما تغلط ولا تمد إيدها، بل بالحق وبالأصول. حماتي دخلت أوضتها وقفلت الباب عليها بالمفتاح، ومخرجتش منه طول اليوم، صوت نحيبها المكتوم كان طالع من ورا الباب، مكسورة ومفضوحة بين حيطان بيتها.


طلعت أنا وطارق شقتنا، ومعانا أولاد عم طارق الكبار، نزلوا الصواني والخزين. وقفت في المطبخ، مش مطبخ حماتي.. وقفت في مطبخي أنا، شقتي اللي كانت مليانة نور وبركة. ريحة الرز البسمتي بالمكسرات والزعفران كانت قالية العمارة، صواني الجدي البلدي وهو طالع من الفرن وشه بيلمع ومتحمر بالسمنة البلدي، ودكرين البط اللي واخدين لون دهبي يرد الروح، وشوربتهم الدسمة اللي نزل فيها لسان العصفور، والحمام المحشي فريك اللي ريحته كانت معبية الشارع كله.

السفرة الكبيرة اللي في الصالة تحت اتفرشت، سفرة ملوكي تليق بعزوة الحاج عبد الرحيم. الرجالة قعدوا، والعيال اتجمعوا. عمر ومازن كانوا لابسين أحسن هدوم عندهم، قاعدين جنب أبوهم وجنب عمهم الكبير، اللي كان بيقطع من لحم الجدي ويحط في أطباقهم بإيده وهو بيقولهم كلوا يا رجالة.. كلوا من خير أبوكم وخير أمكم الست الأصيلة، اللي مفيش زيها في الحريم! عمر ومازن كانوا بياكلوا وفرحانين، عينيهم كانت بتلمع بالفخر، والكسرة اللي كانت في قلوبهم من كام يوم اتمسحت كأنها مكنتش.

طارق قعد ياكل، بس عينه مكنتش بتنزل من عليا. كان باصص لي بنظرة راجل عارف قيمة الجوهرة اللي في إيده، وعارف إنه كان هيخسرها بغباء وضعف.

بعد ما العزومة خلصت، والرجالة شربوا الشاي التقيل على الفحم، الحاج عبد الرحيم نده لطارق وأخوه محمود في المندرة وقفل الباب عليهم. قعدوا ييجوا ساعة، صوت الحاج عبد الرحيم كان حاسم وقاطع. ولما الباب اتفتح، نزل القرار اللي لا رجعة فيه.. الحاج عبد الرحيم نده عليا، وقالي قدام الكل شوفي يا بنتي.. المفتاح اللي كان بيفتح باب شقتك ده، ملوش وجود من النهاردة. كالون بابك يتغير الليلة، ومفيش حد يدخل شقتك إلا بإذنك ورضاكي، حتى لو كانت أم طارق نفسها. وطارق هيمشي بيكي وببيتك باستقلال تام، ومصروف بيتك في إيدك أنتي، تدبري وتعيشي زي ما أنتي شايفة، ومحدش له دعوة أنتي طبختي إيه ولا سويتي إيه، حتى لو طبختي لعيالك عيش وملح، ده سر بيتك ومحدش يتعداه!


بصيت لطارق، هز راسه بتأكيد وقالي من بكرة الصبح يا أسماء، الكالون هيتغير، والمفتاح معاكي أنتي بس. وحقك محفوظ لحد ما أموت.

في اليوم ده، العمارة كلها عرفت الحكاية. الجيران اللي كانوا بيسمعوا همسات نجوى ولمز حماتي في المدخل، شافوا الصواني وهي نازلة، وسمعوا صوت الحق لما نطق. نجوى فضلت محبوسة في شقتها تلات أسابيع مكسوفة تنزل تقابل حد في المدخل، وجوزها محمود خصم منها المصروف ومسك هو تدبير البيت بعد ما عرف إنها كانت بتغرق في الديون عشان بس تتمنظر وتكيد فيا.

أما حماتي.. فخرجت تاني يوم وراحت لدكتور الضغط، ورجعت ساكتة، مكسورة الجناح. مبقتش تطلع عندي ولا خطوة واحدة، وبقت لما تشوفني نازلة على السلم، توطي راسها وتمشي جنب الحيط، بعد ما كانت بتمشي تفرش ريشها زي الطاووس. وأنا.. مكنتش قاسية معاها. لما كانت تعيى، كنت أبعت لها مع عمر صينية شوربة دافية أو علبة الدوا بتاعتها، عشان أثبت لها إن بنت الأصول بتعمل بأصلها وبتربي عيالها على البر، حتى لو اللي قدامها ميستاهلش، بس كان بيني وبينها سور عالي من الاحترام البارد والحدود اللي مفيهاش تهاون.


مرت الأيام، ورجعت شقتي لهدوءها ولبركتها. يوم الخميس اللي بعده، كنت واقفة في المطبخ، حلة المكرونة بالصلصة الحمرا كانت بتكتك على النار، وريحة التوم والسمنة البلدي مالية البيت، وجنبها طبق البطاطس المحمرة المقرمشة وطبق سلطة خضرا يفتح النفس. حطيت الطبلية في الصالة، عمر ومازن جريوا وقعدوا، ماسكين المعالق وبيضحكوا. طارق دخل من باب الشقة، بالمفتاح الجديد بتاعه، شم الريحة وابتسم ابتسامة صريحة طالعة من قلبه. قلع جزمته، وغسل إيده، وجه قعد على الأرض جنب عياله، ومسك المعلقة وقال بصوت عالي سمّع البيت كله بسم الله الرحمن الرحيم.. تسلم إيدك يا أم عمر، والله مفيش أحسن ولا أطعم ولا أبرك من لقمة بيتك، ده الأكل اللي يرد الروح بجد!

العيال ضحكوا وبدأوا ياكلوا بشهية، وأنا قعدت جنبهم، بصيت لعيالي وبصيت لجوزي، وحسيت براحة وسكينة مكنتش حسيت بيها من شهور. عرفت ساعتها إن الصبر لما بيتبعه حق وقوة، بيجيب كرامة مفيش قوة في الدنيا تقدر تهزها، وإن البيوت متتبنيش بالمظاهر ولا باللحمة والفراخ، البيوت بتتبني بالرضا، وبالستر، وباحترام اللقمة الحلال اللي نازلة من عرق الجبين.

الباب اللي كان مفتوح على الغل والمراقبة اتقفل بالضبة والمفتاح، وانفجر في وش كل اللي حاولوا يهدوه، وفضلت شقتي عمرانة بالضحكة، وبالحب، وباللقمة الهنية اللي مكفيانا ومفرّحة قلوبنا، من غير ما نخاف من عين بصاصة، ولا كلمة مسمومة تسرق مننا طعم الحياة.


 

 

تعليقات