سكريبت العقيد والفتاة كامله
العقيد والفتاة
العقيد رماها من باب القطر في عز الليل والبرد، وهو فاكر إنه خلّص منها للأبد لكنه ماكانش يعرف هي مين، ولا كان يتخيل إن اللي مستنيه بعد كده هيكون أفظع بكتير! العقيد ماكانش بيحب البنت الجديدة من أول لحظة شافها فيها. ظهرت في الوحدة فجأة، من غير مقدمات، ومن غير ما تحاول تتقرب من حد.
كانت لابسة زي عسكري بسيط، من غير أي شارات أو علامات مميزة، وملامحها كانت هادية بشكل غريب.
بنت صغيرة في السن، لكن نظرتها كانت ثابتة.
لما تكلم حد، كانت تبص في عينه مباشرة.
ما بتخافش.
وما بتوطيش عينيها.
وده تحديدًا هو اللي ضايق العقيد.
كان متعود إن كل اللي حواليه يخافوا منه، أو على الأقل يحسبوا كل كلمة قبل ما يقولوها قدامه.
لكن البنت دي كانت مختلفة.
بدأت المشكلة في أول طابور صباحي.
العقيد كان بيمشي قدام الجنود وبيفحص الصفوف، ولما وصل عندها وقف فجأة.
بصلها من فوق لتحت، وبعدها قال ببرود
إنتِ مين اللي بعتك هنا؟
ردت بمنتهى الهدوء
اتنقلت بأمر رسمي.
العقيد ضيق عينيه وقال بسخرية
أمر رسمي إيه؟ أنا اللي بدي الأوامر هنا.
البنت مااتوترتش.
بالعكس، بصت له في عينه وقالت
يبقى لسه الأمر ماوصلكش.
كام جندي حاولوا يخبوا ضحكتهم.
واحد منهم ضحك ضحكة خفيفة جدًا.
العقيد لف ناحية الصف بسرعة، فسكت الجميع فورًا.
وبعدين رجع بص للبنت.
فاكرة نفسك مميزة؟
سكتت.
قرب منها خطوة وقال
أنا شوفت عشرات زيك وفي الآخر كلهم عرفوا حجمهم الحقيقي.
ردت بمنتهى الاختصار
جرّب.
الجملة دي كانت كفاية.
من اللحظة دي، العقيد حطها في دماغه.
وبقى كل يوم يدور على غلطة منها.
في التدريبات، كان بيراقب حركتها أكتر من أي حد.
لو رفعت إيدها متأخر، يعلق.
لو تحركت بسرعة، يعلق.
لو وقفت بطريقة مختلفة، يصرخ.
وفي مرة قال لها قدام كل الجنود
إيدك مش شغالة كويس؟
ما ردتش.
قال بصوت أعلى
أنا بكلمك!
ردت
سمعتك.
العقيد اتعصب.
أمال ليه مش بتردي؟
عشان مافيش سؤال محتاج إجابة.
الجنود سكتوا تمامًا.
العقيد قرب منها وقال
إنتِ فاكرة نفسك فين؟
قالت
في وحدة عسكرية.
لأ، إنتِ في مكان مافيش فيه مجال للعناد.
ردت بهدوء
وأنا مش عنيدة.
أمال إيه؟
بصت له لحظات وقالت
بس مش بخاف.
العقيد ما ردش.
لكن من اليوم ده، كرهها أكتر.
وبقى يقول قدام الناس
المكان ده مش للبنات اللي فاكرين نفسهم أبطال.
وهي كانت دايمًا بتسكت.
الغريب إنها ماكانتتش بتدافع عن نفسها.
ولا كانت بتحاول تثبت إنها أقوى منه.
كانت بس بتبص له بنظرة هادية جدًا.
النظرة دي كانت بتخليه متوتر من غير ما يفهم السبب.
ومع مرور الأيام، بدأ العقيد يحس إن وجودها في الوحدة مش طبيعي.
حاول يسأل عنها.
لكن كل مرة كان بيسأل، كان بيوصل لنفس النتيجة
نقل رسمي.
من جهة أعلى.
وأمر مكتوب.
ومختوم.
لكن مافيش تفاصيل.
وكل ما كان يحاول يعرف أكتر، كان يحس إن فيه حاجة مستخبية عنه.
وده زود غضبه.
بعد كام يوم، صدر قرار إن الوحدة تسافر بالقطار في مهمة ليلية عبر منطقة جبلية.
كان القطار طويل، والرحلة هتستمر ساعات.
الليل كان شديد السواد.
والجو بارد جدًا.
كل ما القطار كان يدخل بين الجبال، صوت الرياح كان يضرب في العربيات كأنه صفير طويل.
ومع مرور الوقت، أغلب الجنود ناموا.
لكن العقيد ماكانش قادر ينام.
كان قاعد لوحده، بيفكر.
وفجأة جات له فكرة.
لازم يتخلص منها.
مش عايز يفضل يشوفها قدامه.
مش عايز يسمع ردودها.
ومش عايز يعرف مين اللي بعتها.
كان عايز الموضوع ينتهي.
بهدوء.
من غير تحقيق.
ومن غير أسئلة.
قام من مكانه وبدأ يمشي في ممر القطار.
لحد ما لمحها.
كانت واقفة عند باب إحدى العربات.
لوحدها.
بتبص من الشباك للظلام.
برا، الجبال كانت بتظهر وتختفي بسرعة، وتحتها كان فيه نهر غامق بيجري وسط الصخور.
العربة كانت بتتهز مع حركة القطار.
العقيد وقف لحظات بيراقبها.
وبعدين قرب منها.
قال بنبرة هادية
مش عارفة تنامي؟
ما التفتتش.
وقالت
محتاجة هوا.
ضحك بسخرية.
هوا؟
وبص لباب القطار.
إحنا في نص الجبال وفي عز الليل.
ردت
عارفة.
قال
دي مش فسحة.
وسكت شوية، وبعدين قال
إنتِ فاهمة أصلًا إنك مش هتقدري تكملي هنا؟
لفت ناحيته ببطء.
وقالت
إنت واثق من نفسك أوي.
قرب خطوة.
وإنتِ بتتكلمي كتير.
ردت
يمكن عشان إنت بتسمع قليل.
العقيد بص لها بغضب.
وبعدين بص ناحية الباب.
كان مفتوح سنة صغيرة، والهواء البارد داخل بقوة.
قرب منها أكتر.
كفاية.
هي بصت له بهدوء.
كفاية إيه؟
وفجأة
مد إيده ومسك كتفها.
هي ما لحقتش حتى تستوعب اللي بيحصل.
وفي حركة مفاجئة، دفعها بكل قوته ناحية الباب.
جسمها اختفى في الظلام.
وللحظة قصيرة جدًا، عينيها قابلت عينيه.
العقيد كان مستني صرخة.
مستني خوف.
مستني إنها تتوسل.
لكن ماحصلش أي حاجة من دي.
هي بس بصت له.
نظرة ثابتة.
هادية.
كأنها كانت عارفة حاجة هو نفسه مايعرفهاش.
وبعدين اختفت تمامًا.
العقيد قفل الباب بسرعة.
وقف ثواني وهو بيتنفس بصعوبة.
بص حواليه.
محدش شاف حاجة.
الجنود نايمين.
والقطار مكمل طريقه.
عدّل بدلته، ومسح أي أثر للتوتر من على وشه، ورجع للعربة.
في الصبح، تصرف بشكل طبيعي جدًا.
ولا كأن حاجة حصلت.
لما حد سأله عنها، قال ببساطة
يمكن اتنقلت لعربة تانية.
وبعدها الأيام عدت.
يوم
واتنين
وتلاتة
ولا حد سأل عنها.
ولا حد عرف هي اختفت فين.
العقيد بدأ يقتنع إن الموضوع انتهى.
لكن بعد كام يوم، حصل شيء غريب.
كانت الساعة متأخرة بالليل.
وفجأة
الكهربا قطعت في الوحدة.
في البداية، محدش اهتم.
حصلت قبل كده.
لكن بعدها بثواني، بدأت حاجات تانية تتعطل.
الكاميرات وقفت.
أجهزة الاتصال فصلت.
الأبواب الإلكترونية اتقفلت.
والأنوار الاحتياطية بدأت ترمش بشكل متقطع.
العقيد خرج من مكتبه.
الممر كان شبه مظلم.
مفيش غير نور أحمر ضعيف بيظهر ويختفي.
وقف مكانه.
وفجأة سمع
صوت خطوات.
خطوة
وبعدين خطوة تانية.
بطيئة.
منتظمة.
جاية من آخر الممر.
العقيد بص ناحية الصوت.
الخطوات قربت.
قلبه بدأ يدق بسرعة.
وفجأة
شافها.
هي.
واقفة في آخر الممر.
نفس الزي.
نفس تسريحة الشعر.
نفس الوقفة.
لكن وشها كان شاحب بشكل غريب.
وكان فيه أثر دم على كم الزي.
العقيد اتجمد مكانه.
قال بصوت منخفض
إنتِ
البنت بدأت تمشي ناحيته.
خطوة.
وبعدين خطوة.
وقالت بهدوء
إنت فعلًا كنت فاكر إن الموضوع هيكون بالبساطة دي؟
العقيد رجع خطوة لورا.
ده مستحيل.
قالت
إنت ما سألتش أنا مين.
حاول يستجمع نفسه.
أنا
قاطعته
أيوه.
وقفت قدامه على مسافة قريبة.
إنت عملت غلطة.
العقيد بص لها بخوف وغضب في نفس الوقت.
إنتِ مش من الوحدة دي.
قالت
لأ.
يبقى مين إنتِ؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا.
وقالت
أنا مش من نظامك أصلًا.
في اللحظة دي، الأنوار رمشت مرة تانية.
وفجأة
كل أبواب الممر اتقفلت في نفس اللحظة.
صوت الأبواب المعدنية وهي بتقفل دوّى في المكان.
العقيد لف حواليه.
بقى لوحده.
بص ناحية الباب اللي وراه.
مقفول.
جرب يفتحه.
مافتحش.
طلع جهاز الاتصال.
مفيش إشارة.
طلع تليفونه.
الشاشة كانت سودا.
رفع عينيه ناحيتها.
كانت واقفة مكانها.
هادية جدًا.
قال لها
إنتِ عايزة إيه؟
ردت
نفس الحاجة اللي إنت عملتها.
العقيد رجع خطوة.
أنا ما
قالت
فاكر الليلة دي؟
وسكتت لحظة.
الليل.
البرد.
القطر.
مفيش حد حواليك.
العقيد بدأ يتنفس بسرعة.
إنتِ سقطتي!
قالت
أيوه.
مستحيل تكوني نجيتي.
ردت
بس أنا نجيت.
سكتت.
وبعدين قالت
وكان عندي وقت أفكر.
العقيد حس إن رجليه مش ثابتة.
مين إنتِ؟
قالت
السؤال ده كان المفروض تسأله قبل ما تعمل اللي عملته.
وفجأة
الأرض تحت رجليه اهتزت.
العقيد بص لتحت.
وبعدين رجع يبص وراه.
كان فيه فتحة صيانة عميقة في الأرض.
فتحة ماكانتش موجودة من شوية.
اتراجع بسرعة.
لكنها قالت بهدوء
فاكر؟
ليلة باردة
مكان مافيش فيه حد
وباب مفتوح؟
العقيد بدأ يدور على أي طريق للهروب.
لكن الممر كان مقفول.
كل الأبواب مقفولة.
والاتصالات مقطوعة.
والكاميرات مطفية.
رفع عينه ليها.
إنتِ عملتي إيه؟
قالت
أنا؟
وسكتت لحظة.
أنا بس خليتك تشوف إحساس إنك تكون لوحدك.
قربت خطوة.
العقيد تراجع.
لكن رجله اتعلقت بحافة فتحة الصيانة.
فقد توازنه.
صرخ.
وفي اللحظة نفسها
الأنوار انطفت تمامًا.
حلّ الظلام.
سمع صوت حركة قصيرة
وبعدها
سكون تام.
في الصبح، الجنود اكتشفوا إن العقيد اختفى.
محدش عرف راح فين.
مكتبه كان مفتوح.
موبايله موجود.
أوراقه موجودة.
كل حاجة في مكانها.
إلا هو.
بدأ التحقيق.
لكن المشكلة الأكبر كانت إن الكاميرات كلها كانت متوقفة في نفس الوقت.
ولما المهندسين راجعوا أنظمة التسجيل، لقوا حاجة أغرب.
كان فيه خلل بسيط جدًا في تسجيل إحدى الكاميرات.
ثواني قليلة بس.
وفي وسط التشويش
ظهر ممر مظلم.
وفي آخر الممر
كان فيه شخص واقف.
الصورة كانت مشوشة.
لكن لثانية واحدة فقط، ظهر وجه واضح.
وجه البنت.
كانت بتبص مباشرة ناحية الكاميرا.
وكأنها كانت عارفة إنها بتتسجل.
وبعدها اختفت الصورة.
ولما حاولوا يفتحوا التسجيل مرة تانية
الملف نفسه اختفى.
ومن يومها، محدش قدر يعرف الحقيقة كاملة.


تعليقات
إرسال تعليق