سكريبت حساب مؤجل كامله حكـايات مني السيد حصري
سكريبت حساب مؤجل كامله حكـايات مني السيد حصري
المدارس يوم السبت، والشارع كله مقلوب، أمهات رايحة وأمهات جاية وشايلين أكياس اللبس والشنط، وأنا لسانى أتعوج من كتر الكلام والتحايل. مفيش في البيت غير صوت التلفزيون العالي، وحسام جوزي ممدد رجليه على الكنبة، ماسك تليفونه بيبتسم، وعينيه تايهة في دنيا تانية خالص غير اللي إحنا عايشين فيها.
يا حسام، العيال داخلين المدرسة كمان تلات أيام، مريم هدومها قصرت وباينة نص رجلها، وأحمد الكوتشي بتاعه مقطوع، هنوديهم إزاي بالمنظر ده قدام الناس؟ رد ببرود يقصف العمر، حتى من غير ما يرفع عينه من الشاشة المدارس مش هتطير، وبعدين اللبس القديم ماله؟ شغال وزي الفل.. مش معايا سيولة دلوقتي يا هدى، اصبري لأول الشهر الجاي. أول الشهر الجاي! والعيال اللي هتدخل طابور الصباح مكسورة وسط زمايلها؟ قهرتي زادت لأني عارفة إنه لسه قابض الجمعية من أسبوع، وفلوس المحفظة الإلكترونية بتاعته مليانة، بس هي لامبالاة غريبة، بخل مستفز مبيطلعش غير على عياله.
ملقتش حل غير إني أنزل لحماتي في الشقة اللي تحت. قولت هي اللي هتحنن قلبه، ماهو ابنها الوحيد ومبيكسرلهاش كلمة. نزلت وأنا كلي أمل، وقفت قدامها ودموعي على خدي يا حماتي، المدارس خلاص السبت ومفيش في جيبي جنيه، ولساني نشف مع حسام، كلميه يحس بينا ويطلع
قرشين نجيب بيهم لبس العيال. بصتلي من فوق لتحت ببرود ألعن من ابنها، ومطت شفايفها يعملك إيه يعني؟ هيسرق؟ ممعهوش، الحمل تقيل عليه، بدال ما تصبري على جوزك جاية تشتكيهولي؟ مشي أمورك بالموجود وبلاش فندقة فارغة!
طلعت شقتي والدم بيغلي في عروقي. بدل ما تفتح بوكها وتقولي خدي هاتي لعيال ابنك، جاية تكسرني أكتر. بصيت لحسام وهو نايم وشخيره مالي الصالة، والتليفون جنبه على الترابيزة. في اللحظة دي، الشيطان، أو يمكن قهر الأم، عمى عيني. قربت بالراحة، مسكت التليفون، الباسورد حافظاه، دخلت على محفظته الإلكترونية، المبلغ اللي فيها يوجع القلب من كتر ما هو مستخسره فينا. حولت تلات آلاف جنيه على محفظتي بضغطة زرار واحدة، ومسحت رسالة السحب، ورسالة الإشعار، ورجعت التليفون مكانه وإيدي بترتعش، بس قلبي كان متطمن إن عيالي هيلبسوا زي بقية خلق الله.
نزلت العصر وجريت على السوق، الفرحة مش سايعاني وأنا شايفة ضحكة مريم وهي بتقيس المريلة، وأحمد بيجري بالكوتشي الجديد. نسيت الخوف والذنب، وقولت المهم العيال سترت وشهم. رجعت البيت شايلة الأكياس ولسه بفتح الباب، لقيت حسام واقف في نص الصالة، وشه أسود زي ليل الشتا، وإيده ماسكة التليفون، وجنبه أمه قاعدة بتبتسم بخبث غريب.
دخلت ورجلي بتخبط في بعضها،
حاولت أداري الأكياس، بس هو قرب خطوة واحدة، وصوته كان واطي بشكل يرعب أكتر من الزعيق لبس حلو، وماركات كمان.. منين يا هدى؟ اتلجلجت وقولت من.. من جمعية قديمة كنت حوشتها.. ضحك بسخرية وهو بيقرب التليفون من وشي جمعية؟ طب مكنتيش تعرفي إن محفظة البنك بتبعت إيميل رسمي بكل تحويل على اللاب توب المفتوح في الأوضة جوة؟ ومكنتيش تعرفي إن أمي كانت عاوزة الفلوس دي عشان عمليتها بكرة، وأنا كنت باعتهم ليها ولقيت الحساب اتصفر؟
بصيت لأمه لقيتها بتبتسم بنصر وهي بتقوله شوفت يا بني؟ الحرامية اللي في بيتك سرقت فلوس علاج أمك. الدم جمد في عروقي، ومحستش غير بإيده بتطبق على رقبتي وزقني في الحيطة وهو بيهدر بصوت مرعب بقى بتسرقيني يا واطية؟ بتمدي إيدك على محفظتي وتستغفليني؟
نزل عليا ضرب بإيديه الاتنين من غير رحمة، وكل ما أحاول أصرخ أو أدافع عن نفسي، أمه تزعق اديلها، دي ناقصة رباية وجاية من بيت جعان! مسكني من هدومي، قطعلي كم الجلابية، وفتح الباب وزقني برة طيرني على السلم قدام شقة جارنا اللي كان طالع، رمى أكياس الهدوم في وشي وبقى يفرك الهدوم الجديدة بجزمته قدام الجيران اللي اتجمعوا على صوت الصريخ اتفرجوا على الست الشريفة اللي بتمد إيدها في جيبي، دي متلزمتنيش، ارموا الحرامية دي برة
مدخل العمارة، ملهاش دقيقة هنا!
قفل الباب بترباسين، وقفت وسط نظرات الناس اللي بتاكل في لحمي، هدومي متبهدلة، والشارع كله بقى سامع بسيرتي، وريحة القهر خنقتني وأنا سامعة ابني وبنتي بيصرخوا ورا الباب افتح لماما يا بابا.
الباب اترزع في وشي برزعّة هزت عضمي، صوت الترباس وهو بيتقفل حسيت كأنه رصاصة دخلت صدري وخرجت من ضهري. قعدت على السلم مش قادرة أصلب طولي، دراعي مقطوع وكتفي باين، وركبتي بتنزف على البلاط الساقع، وأكياس الهدوم الجديدة اللي دفعت فيها كرامتي متمرمغة في التراب تحت جزمة حسام اللي كان لسه دايس عليها.
صوت عياط مريم جوة كان شاقق الشقة نصين يا بابا افتح لماما! حرام عليك يا بابا! وأحمد بيخبط على الباب بإيديه الصغيرة الرقيقة ماما برة لوحدها يا بابا، افتح لماما! وصوت حسام العالي وهو بيزعق فيهم ادخلوا جوة يا ولاد الكلب، اللي هيقرب من الباب هفتحه وادفنه وراها! وأمه من وراه بتزغرد في قلب الصالة بضحكة صفرا مسمومة أحسن، قطيعة تقطعها وتقطع أصلها الواطي، عيش وشوف يا ابني، لولا ستر ربنا وكشفها كان زمانها سارقة دهبنا كمان!
النور بتاع السلم كان مطفي، شقة عم إبراهيم في الدور التالت اتفتحت مواربة، ومراته خرجت راسها تبص، وعينيها مليانة فضول رخيص، تبص على كم الجلابية المقطوع، وتبص
على وشي اللي معلم عليه صوابع حسام الزرقا. نزلت وشي في الأرض من الخزي، القهرة كانت خانقاني لدرجة الدموع نشفت في عيني، مكنتش قادرة أتنفس. حاولت ألم الهدوم اللي اتفرتكت على السلالم، المريلة الكحلي بتاعة مريم اللي كانت بتضحك وهي بتقيسها بقت مليانة تراب ومطبوع عليها علامة كوتشي حسام، والكوتشي الصغير بتاع أحمد مرمي فرردة على السلم وفرردة تحت عند مدخل شقة حماتي.
لميت الحاجة بإيد بترتعش، وكل لمسة للقماش كانت بتفكرني بفرحتي وأنا في المحل لما قولت للبياع قيس دي للبنت ودي للولد.. مكنتش سارقة عشان أتجمل، ولا كنت واخدة الفلوس أشتري بيها روج ولا فستان ليا، واخدة الفلوس عشان عيالي ميروحوش أول يوم مكسورين، علشان مريم متقعدش في الديسك وهي خايفة تبان هدومها القصيرة من زمايلها.
نزلت درجات السلم زي التايهة، كل رجل بتنزل درجة بتقل طن. حماتي قفلت بابها بالمفتاح من جوة وسمعت صوت المزلاج وهو بينزل، كأنهم بيتخلصوا من وباء، كأن البيت ده مكنتش شيلته على كتافي سبع سنين خدمة، أكنس وأمسح وأطبخ وأغسل رجلين أمه لما كانت بتتعب، وفي الآخر بقيت الحرامية الجعانة بنت البيت الجعان!
خرجت من مدخل العمارة للشارع، كان المغرب أذن والشارع زحمة، بياعين الخضار والمحلات منورة والناس
بتفاصل وتشتري لعيالها. مشيت وأنا شادة كم الجلابية المقطوع بإيدي التانية بستر بيه لحمي، وحاطة الطرحة على نص وشي عشان أداري الكدمة اللي تحت عيني والورم اللي في خدي. الناس كانت بتبصلي باستغراب، واحدة ماشية متبهدلة وبتعرج في رجلها وشايلة كيس متبهدل، كأني خارجة من قلب حادثة.
أروح فين؟ أهلي؟ أمي ست كبيرة وغلبانة، عايشة على معاش أبويا الله يرحمه اللي يدوب بيكفي دوا السكر والضغط والعيش الحاف، وأخويا مصطفى شغال باليومية على عربية خضار وعنده تلات عيال وساكن في أوضتين وصالة ومكفي بالعافية. لو روحت وقولتلهم حسام طردني وضربني وهيقولوا عليا سرقت، مصطفى دمه حامي وممكن يروح يرتكب جناية ويضيع، وأمي مش هتستحمل، ضغطها هيعلى وممكن تروح فيها من الصدمة.
بس مكنش قدامي غيرهم، مفيش سقف في الدنيا ممكن يسترني الليلة دي غير الحيطة اللي طلعت منها. وقفت في ركن مظلم في أول الشارع، ممعيش حتى تليفوني اتصل بمصطفى، حسام شده من إيدي ورماه جوة الشقة مع حاجتي. كل اللي كان معايا في جيبي الصغير تلاتين جنيه باقية من فلوس اللبس في السوق.
ركبت توكتوك بصعوبة، السواق بصلي في المراية بقلق وقال خير يا أختي؟ فيكي حاجة؟ قولتله بصوت مخنوق ومتقطع سوق يا أسطى، وديني المساكن.. بسرعة الله
يسترك.
طول الطريق وشريط حياتي بيمر قدام عيني، من أول يوم دخلت فيه شقة حسام، وراضيته بكل قرفه وبخله. كنت أقول بكرة يتغير، بكرة لما يخلف قلبه يحن، بكرة لما ربنا يوسعها عليه هيفك إيده. وربنا وسعها، بدل الشغلانة بقى عنده اتنين، ودخل جمعيات، وبقى يحط في المحفظة الإلكترونية بالخمسة والعشرة آلاف، بس كل ما الفلوس تزيد في جيبه، قلبه يقسى أكتر، وإيده تكلبش أكتر، وكل قرش يخرج للبيت كأنه بيطلع من روحه، إلا أمه، أمه اللي تطلب يجيلها في ثواني، وأنا وعياله شحاتين، ناكل البايت ونلبس المقطع عشان نوفر للبيه اللي بيحوش للزمن!
وصلت المساكن، نزلت ودخلت العمارة القديمة بتاعتنا، ريحة البيت والأمان فكرتني بطفولتي، بس فكرتني برضه بكسرتي دلوقتي. طلعت الدور الرابع ووقفت قدام الباب ولساني متلجم، إيدي كانت بتترعش وهي بتخبط خبطتين خفاف.
فتحت أمي الباب، أول ما شافتني شهقت وحطت إيدها على صدرها يالهوي! هدى؟! مالك يا بنتي فيكي إيه؟ مين عمل فيكي كده؟! دخلت وارتميت في حضنها، العياط اللي كان محبوس في زوري انفجر مرة واحدة، صوتي كان طالع بشهقات مرعبة هزت كياني كله، مش قادرة أنطق غير حسام يا أمي.. حسام بهدلني وطردني قدام الجيران، رماني في الشارع وساب عيالي جوة!
خرج مصطفى أخويا
من الأوضة على صوت الصريخ، لابس الفانلة والبنطلون وباصصلي بعيون مبرقة، وشاف كمي المقطوع والدم اللي على ركبتي والورم اللي مغير ملامح وشي. عروق رقبته نفرت في ثانية ووشه احمر دم، قرب مني ومسك كتفي السليم مين اللي عمل فيكي كده يا هدى؟ انطقي! الواد ده لمس شعرة منك؟ حسام مد إيده عليكي؟
قعدتني أمي على الكنبة وجابتلي كوباية مية بإيد بترتعش، وحكيت كل حاجة، من أول ما طلبت منه لبس المدارس ورفض ببرود، لحد ما نزلت لحماتي وردها القاسي، لحد ما الشيطان وزني ودخلت حولت تلات آلاف جنيه من محفظته من غير ما يعرف ومسحت الرسايل، ونزلت اشتريت اللبس ورجعت لقيته كاشفني ومستنيني مع أمه.
أمي لطمت على وشها يا مصيبتي السودا! تمدي إيدك على تليفونه وتاخدي من وراه يا هدى؟ ليه يا بنتي تعملي في نفسك وفينا كده؟ الراجل ده خبيث وميأمنش، يقوم يعمل فيكي كده ويفضحك؟! مصطفى زعق في أمه بصوت جهوري متلوميهاش يا أمي! هي شحاتة؟ دي مراته وأم عياله، وعياله داخلين المدرسة عريانين وهو معاه ومبيصرفش! هو اللي مش راجل، هو اللي يستاهل يتداس عليه بالجزم! بقا يمد إيده على أختي ويقطع هدومها ويطردها في الشارع ويفضحها قدام العمارة؟! والله العظيم ما هسيبه، الليلة دي دمه مهدور!
مسكت في رجل مصطفى وأنا ببكي
بهستيريا لأ يا مصطفى أبوس إيدك بلاش دم، العيال عنده جوة، حسام مجنون وممكن يتبلى عليك، أمه قايلاله دي سرقت فلوس عمليتي، هيلبسوني قضية سرقة يا مصطفى، البوليس كان سيرته على لسانهم! مصطفى نفض إيدي بغضب وهو بيولع سيجارة وإيده بترتعش من الغيظ بوليس إيه وقضية إيه يا هبلة؟ هي سرقت غريب؟ دي مراته، والفلوس اللي خدتها جابت بيها لبس لعياله، والفواتير تثبت واللبس يثبت! بس هو عمل كده عشان واطي، مستني اللحظة اللي يكسر عينك فيها عشان يرميكي ويكوش على العيال! بس عليا النعمة من ديني ما هيعدي الموضوع ده بالساهل.
الساعة كانت داخلة على تسعة بالليل، ومصطفى قعد يروح وييجي في الصالة زي النمر المحبوس، وأمي بتكمد وشي بمية تلج وهي بتدعي على حسام وعلى أمه بدعاوي تشيب إلهي يشوف في أمه يوم زي ما حرقت قلب بنتي، إلهي يتبلى في ماله وصحته زي ما فضح البت الغلبانة دي!
فجأة، تليفون مصطفى رن برقم غريب. مصطفى بص للشاشة وفتح السبيكر من غير ما يتكلم ألو؟ جه صوت حسام، بس مكنش بيزعق زي الصبح، كان صوته بارد، مليان سم وثقة تقهر أيوة يا مصطفى.. أختك عندك صح؟ مصطفى فضل ساكت ثانية عشان يمسك أعصابه، وبعدين رد بفحيح عندي يا حسام.. وعندها راجل هياخد حقها تالت ومتلت من نفوخك، اسمع بقى يا واطي... قاطعه حسام بضحكة مستفزة قطعت كلامه وفر صوتك وجهدك عشان هتحتاجه في المحاكم يا حبيبي. أختك المصونة سرقت من محفظتي تلات آلاف جنيه، ومش بس كده، ده كمان مسحت الرسايل وعملت تحويل بدون علمي، وأنا عملت محضر رسمي في قسم الدقي بتهمة الاستيلاء على أموال وخيانة أمانة، والرسايل متسجلة بالدقيقة والثانية على نظام البنك، واللاب توب كان متصل وسجل كل حركة. مصطفى زعق
محضر إيه يا كلب الفلوس؟ دي جابت بيهم هدوم لعيالك اللي مستخسر فيهم اللقمة! رد حسام ببرود أشد اللبس ده مش بتاعي ومطلبتوش، وأمي كان ميعاد دفع حجز المستشفى بتاعها بكرة الصبح، والفلوس دي كانت مخصصة لده، المحضر متسجل بسرقة فلوس علاجية، وشهود الجيران على إنها كانت بتهرب بالفلوس، وأمي شاهدة. والعيال؟ العيال قاعدين في حضن أبوهم ومعززين مكرمين، وأختك لو لمحت خيالها جنب البيت هنا، هخلي البوليس يجي يكلبشها من قفاها قدام أمك.
أنا سمعت كلمة العيال من هنا ومقدرتش أستحمل، صرخت في التليفون حسام! ولادي يا حسام! بنتي مريم بتخاف تنام لوحدها، وأحمد علاجه لازم ياخده بكرة الصبح، ولادي ملكش دعوة بيهم! حسام سمع صوتي وضحك بانتصار عيالك؟ مفيش عيال لواحدة حرامية مأمنهاش على بيتي، العيال أصلح ليهم يتربوا مع أمي الست المحترمة، وانتي شوفي بقى مين هيطلعك من القضية دي.. وورقة طلاقك مع المحضر، هنضف بيتي منك ومن قرفك للأبد. وقفل السكة في وشنا.
الصالة وقعت في سكوت تام، سكوت مرعب مبيقطعهوش غير صوت تنفس مصطفى العالي وهو باصص في الفراغ، وأمي سابت قطنة التلج من إيدها وقعدت على الأرض تلطم على ركبها يا لهوي يا بنتي، هيسجنك وياخد العيال؟ ده ناوي على خراب كامل، ده مش بنادم ده شيطان!
مصطفى بصلي بعيون مفيهاش أي تردد، عيون اتملت شر وغضب مالهوش آخر البس جلابيتك يا أمي، وانتي يا هدى خشي اغسلي وشك والبسي إسدال مقفول وتعالي ورايا. أنا اترعبت ومسكت في قميصه رايح فين يا مصطفى؟ هتعمل إيه؟ رايح تضربه؟ أرجوك بلاش هو مستنينا نعمل مصيبة عشان يثبتها علينا! مصطفى زق إيدي براحة وقال بجمود مش رايحله هو.. هو فكر نفسه ذكي وعامل فيها قانونجي وواثق من نفسه
عشان رمى المحضر، إحنا رايحين القسم الأول، هنعمل تقرير طبي بإصاباتك ووشك اللي اتورم ودراعك ده، ونعمل محضر ضرب وسب وقذف وطرد من مسكن الزوجية وسرقة عفش، ونشوف بقى مين اللي القانون هيجيبه من قفاه.. وبعد ما نخلص من القسم، قسماً بعزة جلال الله لهكون كاسر باب شقته وجايب العيال بحكم القوة لو القانون نام!
نزلنا السلم وأنا رجلي بتسحب في الأرض سحب، القهرة اللي في قلبي كانت بتتحول لحاجة تانية.. نار عمري ما حسيت بيها قبل كده. كنت طول عمري الست الطيبة الغلبانة اللي بتوطي راسها عشان المركب تمشي، اللي بتستحمل البخل والإهانة وتصبر وتقول كله عشان خاطر الولاد. بس لما توصل إن ولادي يتحرموا مني، ويتعلموا إن أمهم حرامية، ويقعدوا تحت رحمة حماتي اللي بتكره التراب اللي بمشي عليه.. هنا الصبر بقى موت.
روحنا المستشفى العام، الريحة بتاعة الديتول والدم، وزحمة الحوادث في الاستقبال. الدكتور اللي كشف عليا بص لوشي بأسى وهو بيكتب في التقرير كدمات شديدة في الوجه والفك، سحجات وكدمات حول الرقبة نتيجة محاولة خنق، جرح قطعي في الركبة الشمال يحتاج غرزتين، وكدمات متفرقة في الكتف والدراع مع اشتباه في جزع بمفصل الكتف الأيمن. كل كلمة كان بيكتبها الدكتور كنت بحس إنها مسمار بيتدق في نعش أي رحمة كانت متبقية في قلبي لحسام.
طلعنا بالتقرير وروحنا على قسم الشرطة، كانت الساعة عدت اتناشر بالليل. دخلنا النبطشية، أمين الشرطة بص على التقرير وعلى وشي المتشوه وعلى مصطفى اللي عيونه بتقدح شرار خير يا جماعة؟ في إيه؟ مصطفى اتكلم
بثبات وقوة محضر اعتداء وضرب مبرح وطرد من مسكن الزوجية واحتجاز أطفال قُصّر ضد المدعو حسام عبد العزيز. أمين الشرطة قعد على المكتب
وبدأ يسجل البيانات، وفجأة وهو بيكتب في الدفتر، رفع عينه وقال حسام عبد العزيز؟ حسام اللي شغال في التوريدات؟ مصطفى قاله أيوة، هو. أمين الشرطة مط شفايفه وبصلي بنظرة مريبة، وقام من ورا المكتب ودخل أوضة الظابط جوة، وغاب خمس دقايق وخرج وهو بيقول الظابط عاوزكم انتوا الاتنين جوة بسرعة.
دخلنا الأوضة، كان الظابط قاعد ورا مكتبه وبيبص في ورق قدامه، ولما دخلنا رفع عينه، ولقيت في الركن التاني من الأوضة قاعد واحد غريب، لابس بدلة شيك وماسك في إيده ملف أسود كبير، وشكله محامي. الظابط بص لمصطفى وبصلي، وقال بصوت حاسم إنتي هدى محمود؟ قولتله بصوت مرتعش أيوة يا باشا. الظابط رمى ملف قدامه على المكتب وقال جوزك مش بس عامل محضر سرقة خيانة أمانة بخصوص الفلوس بتاعة محفظته.. جوزك ومحاميه ده لسه مقدمين بلاغ من نص ساعة بيتهموكي فيه بسرقة مشغولات ذهبية خاصة بوالدته قيمتها مية وخمسين ألف جنيه، وبلاغ تاني بالهروب من منزل الزوجية وتعريض حياة الأطفال للخطر، وجايبين تنازلات موقعة بإمضتك على مؤخر الصداق وقايمة المنقولات من سنة فاتت!
الدنيا لفت بيا، والأوضة بقت تضيق عليا كأن الحيطان بتطبق على صدري.. حسام مكنش ناوي يطلق ويفضحني وبس، حسام كان مجهز فخ كامل، ملعوب مدروس من شهور طويلة عشان يرميني في الشارع بجلابيتي من غير مليم، وياخد العيال والشقة، ويحبسني كمان. بصيت لمصطفى اللي كان باصص للظابط بذهول وصدمة شلت لسانه، وبصيت للمحامي اللي كان بيبتسملي نفس الابتسامة الخبيثة بتاعة حماتي وحسام.
الظابط شاور لأمين الشرطة اللي واقف ورايا وقال بنبرة مفيهاش أي تفاهم اقفل الباب يا عسكري.. وخد المدام دي على الحجز لحد ما العرض يجهز للنيابة بكرة الصبح! يتبع
حساب مؤجل ج 2 حكـايات مني السيد حصري
الكلمة نزلت على دماغي زي مية سخنة بتغلي خد المدام دي على الحجز!
مصطفى اتنطر من مكانه زي الملدوع، وصوته رعد في أوضة الظابط وهو بيسد طريق العسكري اللي قرب مني حجز مين يا باشا؟! دي المجني عليها! دي جاية بتقرير طبي ودمها لسه بينزف على هدومها، وشها وارم ودراعها مخلوع! الست دي متسجوعة ومطرودة في الشارع بنص هدومها، ودهب إيه وقايمة إيه اللي يتنازل عنها؟ دي بتتباع وتتلفقلها قضية عيني عينك عشان يساوموها على عيالها!
الظابط خبط على المكتب بإيده خبطة هزت الأوضة وقال بجمود صوتك ميعلاش هنا يا أستاذ! في بلاغ رسمي متسجل، وفي فواتير بالدهب المفقود، وإقرار تنازل رسمي هي ماضية وباصمة عليه، وفوق ده كله واقعة تحويل الفلوس مسجلة إلكترونياً باعترافكم إنتم. التقرير الطبي بتاعها هيتضم للمحضر، والنيابة العامة هي اللي تفصل في الكلام ده بكرة الصبح.. اتفضل برة قبل ما أعملك مذكرة تعدي على موظف عام وأبيتك جنبها!
المحامي اللي قاعد في الركن قام وقف وهو بيعدل جاكتته بابتسامة سم، وبص لمصطفى بنظرة كلها استعلاء الأستاذ يهدى شوية، القانون مبيتعاملش بالعواطف.. البلاغ متقدم ومعاه أدلته، ولو حابين نخلص الموضوع ودي والمدام تتنازل عن حضانة الولاد مقابل التنازل عن البلاغات الجنائية، الأستاذ
حسام قلبه كبير وممكن يوافق، فكروا كويس قبل ما المحضر يروح الصبح وتبقى قضية سرقة مقترنة بجناية.
الكلام كان واضح وصريح، بيع وشرا، مقايضة رخيصة على ضنايا. عيالي هما التمن، عاوزين يكسروني وياخدوا مريم وأحمد ويسيبوني أتحسر عليهم بقية عمري وأنا مفيش في إيدي مليم ولا حتى كرامة.
العسكري مسك دراعي السليم وشاورلي أتحرك، مصطفى عيونه كانت بتطق شرار، بس لقيته فجأة بيقرب مني ويهمس بصوت واطي ومبحوح وهو بيضغط على كتفي متخافيش يا هدى.. وحياة أمي وتربة أبويا ما هسيبك، اصمدي لحد الصبح بس، والله العظيم حقك هيرجع وأنا مش هنام الليلة دي.
نزلوني السلم المؤدي لحجز الحريم، الريحة كانت رطوبة وعفن وزحمة أنفاس مكتومة. الباب الحديد التقيل اتفتح بصرخة صدى، واترزع ورايا. قعدت على الأرض في ركن ضيق، ضامة ركبي لصدري، ركبتي اللي بتنزف وجعها مبقاش فارق، وجع جسمي كله اختفى قدام النار اللي كانت قايدة في حشايا. كنت سامعة صوت مريم وهي بتقول افتح لماما يا بابا، وسامعة ضحكة حماتي الشمتانة.
في العتمة دي، وسط حريم محبوسين في قضايا مختلفة، رفعت وشي للسقف اللي مليان شروخ، ودموعي نزلت من غير صوت، بس قلبي كان بيصرخ لربنا يارب.. إنت شايف وعارف ومطلع، أنا ممدتش إيدي في الحرام عشان أفسد ولا أتجبر،
أنا طلعت من عندهم مكسورة ومتبهدلة ومظلومة، يارب متسيبش ولادي للظالمين، يارب وريني فيهم عدلك، يارب انتقم من اللي فضحني وكسر قلبي واستقوى عليا بفلوسه وكدبه.
برة في الشارع، الدنيا كانت مقلوبة ومصطفى مكانش بيهزر. أول ما خرج من القسم، اتصل بأستاذ عبد المنعم، محامي قديم في منطقتنا، راجل شيبته في القانون وكان صاحب أبويا الله يرحمه. قعد معاه في مكتبه الصغير لحد الفجر، وشرح له كل تفصيلة، من أول الجمعية والفلوس اللي في المحفظة، لحد ورقة التنازل اللي الظابط اتكلم عنها.
أستاذ عبد المنعم عدل نضارته وقال بهدوء حسام ده حمار وبيسوق في الهبل ومفكر نفسه ذكي عشان معاه قرشين. ورقة التنازل عن القايمة والمؤخر دي هتطعن عليها بالتزوير في أول جلسة وتتحول للطب الشرعي، وبصمة هدى وإمضتها واضحة ومعروفة، ومستحيل تكون مضت حاجة زي دي بكامل إرادتها.. أما موضوع الدهب فده ادعاء مرسل ملوش أي إثبات غير فاتورة قديمة ممكن أي حد يجيبها، بس الأهم من ده كله.. الكاميرات والشهود، إحنا لازم نثبت واقعة التعدي والضرب وطردها وإهانتها قدام الجيران، لأن ده هيقلب التربيزة عليه في النيابة.
الفجر شقشق، وفي نفس الوقت اللي كنت فيه قاعدة في الحجز بترعش من البرد والخوف، كان في شقة حسام مسرح تاني خالص
شغال.
حسام كان سهران مع أمه في الصالة بيشربوا شاي، والغرور واكل دماغه. أمه كانت قاعدة تفرك إيديها بفرحة وتقوله جدع يا واد يا حسام، كده تخلص منها ومن نكدها ومن مصاريفها، وتاخد الشقة والعيال، والبت أمها مفيش في إيدها حيلة، بكرة ترضخ وتتنازل عن كل مليم عشان تخرج من التخشيبة، وأنا بكفي أربي العيال وأجوزك ست ستها، واحدة بت ناس معاها قرشين تنفعك! حسام ضحك وهو باصص في تليفونه متقلقيش يا حاجة، الصبح المحامي هيبلغهم إنها لو عايزه تخرج وتتنازل عن العيال تخلص الموضوع، وإلا هسيبها تاخدلها كام شهر حبس احتياطي تتربى فيهم وتعرف إن الله حق.
بس الظالم دايماً بيقع في شر أعماله من النقطة اللي مبيعملش حسابها.
الأولاد في الأوضة التانية كانوا صاحيين، أحمد الصغير مكنش مبطل عياط، والواد حرارته رفعت فجأة من كتر البكا والرعب اللي شافه الصبح، مريم كانت قاعدة جنبه بتكمدله بمية ومش عارفة تعمل إيه، وخرجت للصالة بتعيط بابا، أحمد مولع نار وبيرجع وتعبان أوي، هاتله الدوا بتاع الدكتور! حسام زعق فيها بزهق خشي جوة يا بت ومتقرفيناش، شوية برد وهيروحوا لحالهم! أمه بصتلها بقرف خشي جوة يا بت فقر إنتي وأخوكي، طالعين لأمكم الجعانة!
الولد الصغير حالته ساءت جداً على الساعة سبعة الصبح، تشنجات من الحرارة
وبدأ يقطع النفس. حسام اتخض، ولأنه بخيل وكان خايف يطلب إسعاف تعمل شوشرة، شال الواد بسرعة ونزل بيه يجري على المستشفى، وساب أمه لوحدها في الشقة مع مريم.
في الوقت ده بالظبط، كان مصطفى ومعاه أستاذ عبد المنعم وعدد من جيران العمارة اللي صحي ضميرهم رايحين على سرايا النيابة. الجيران اللي شافوا حسام وهو بيضربني وبيقطع هدومي على السلم، عم إبراهيم راجل طيب ومراته كانت شافت المشهد من العين السحرية، ولما مصطفى راح خبط عليهم وقالهم هدى محبوسة ومتبلي عليها بالسرقة، عم إبراهيم قال عليا الطلاق بالتلاتة ما أشهد زور ولا أسكت على باطل، الست دي محترمة وعمر ما طلع منها العيبة، والواد ده قاسي ومفتري ولازم يتربى!
الساعة عشرة الصبح، اتفتحت كلابشات الحجز، وطلعوني على عربية الترحيلات مع باقي المحبوسين. كنت حاسة إني في كابوس، وشي كان وارم زيادة وعيني مش قادرة أفتحها من الألم، والهدوم اللي عليا متبهدلة. دخلت مبنى النيابة وراسي في الأرض، بس أول ما طلعت الدور التالت، شفت أمي قاعدة على دكة خشب بتبكي، وأول ما شافتني قامت تصرخ، ومصطفى وقف حائل وقالها اجمدي يا أمي، المحامي جوة وهيخلص كل حاجة.
دخلت أوضة وكيل النيابة، كان راجل في التلاتينات، وشه صارم وعينيه حادة بتقرا اللي ورا السطور. قعدت قدامه، وكان واقف
محامي حسام، وأستاذ عبد المنعم المحامي بتاعي. وكيل النيابة بص في أوراق المحضر، وبعدين بص لوشي المتبهدل والتقرير الطبي إنتي هدى محمود؟ قولتله بصوت مخنوق ودموعي بتنزل أيوة يا فندم. سألني منسوب ليكي الاستيلاء على مبلغ تلات آلاف جنيه من المحفظة الإلكترونية لزوجك بدون علمه، وسرقة مصوغات ذهبية بقيمة مية وخمسين ألف جنيه خاصة بوالدته، والتنازل المسبق عن حقوقك الشرعية.. إيه قولك في الكلام ده؟
هنا أستاذ عبد المنعم اتكلم بثبات سيدي الرئيس، قبل ما المتهمة تجاوب، إحنا بنطعن بالتزوير على إقرار التنازل عن القايمة والمؤخر، وبنطلب إحالة الورقة للطب الشرعي لإثبات إن التوقيع والبصمة لا يخصان موكلتي، أو إنهم اتخدوا خلسة وتحت الإكراه أو بتزوير مادي فاضح. ثانياً، بلاغ سرقة الدهب ده بلاغ كيدي كاذب لابتزاز موكلتي للتنازل عن حضانة أطفالها، ومفيش أي دليل ولا شهود عليه. أما واقعة التلات آلاف جنيه، فموكلتي استخدمتها في شراء متطلبات دراسية لأولاد الشاكي، ومعانا فواتير المحلات والملابس المضبوطة اللي حرزها جوزها نفسه ومذكورة في محضر الضرب!
وكيل النيابة بص لمحامي حسام وسأله فين الشاكي نفسه؟ ليه مبيحضرش استكمال التحقيق ومواجهة المتهمة؟ محامي حسام اتلجلج وقال يا فندم هو بيمر بظروف طارئة ابنه تعبان في المستشفى،
وأنا حاضر بتوكيل رسمي عنه وعن والدته.
في اللحظة دي، دخل أمين شرطة واستأذن وكيل النيابة وهمس في ودنه، وبعدها دخل عم إبراهيم جارنا ومعاه اتنين من سكان العمارة. عم إبراهيم رفع إيده وقال قدام وكيل النيابة يا باشا، إحنا جايين نشهد بما يرضي الله عشان منشيلش ذنب قدام ربنا. الست دي متبهدلة ومظلومة، جوزها حسام راجل قاسي وبخيل، سحلها قدام عيونا على السلالم وقطع هدومها وفرج عليها العمارة كلها عشان اشترت لبس لعياله، والست لا سرقت دهب ولا خرجت بحاجة غير جلابيتها المقطوعة دي قدام عينينا كلنا، وإحنا مستعدين نحلف على المصحف!
ملامح وكيل النيابة اتغيرت تماماً، البصيرة والخبرة خلته يفهم المؤامرة كلها في ثواني. بص لمحامي حسام وقال بنبرة حادة البلاغ بتاعكم فيه شبهة كيد واضحة وتلفيق، وإقرار التنازل هيتحال للطب الشرعي وقسم أبحاث التزييف والتزوير، والشهود دول هيتثبت كلامهم رسمي في التحقيق.
وبعد ساعتين من التحقيق وسماع الأقوال ومطابقة التقرير الطبي، صدر القرار اللي نزل على قلبي زي المطر في عز الصيف إخلاء سبيل المتهمة هدى محمود بضمان محل إقامتها، وصرف الشهود، وتكليف المباحث بالتحري حول واقعة التعدي بالضرب وإصابة الشاكية، وإحالة محضر التزوير للنيابة الكلية، واستدعاء المدعو حسام عبد العزيز لسؤاله
في واقعة البلاغ الكاذب والضرب وإحداث عاهة محتملة.
خرجت من أوضة النيابة وأنا مش مصدقة، ارتميت في حضن أمي ومصطفى، كنت ببكي بس البكا المرة دي كان من الفرحة إن ربنا مسبنيش.. بس فرحتي كانت ناقصة، عيالي لسه مش معايا، وأحمد تعبان في المستشفى.
مصطفى مهدّاش، قال لأستاذ عبد المنعم والعيال؟ هنسيبهم في إيده؟ أستاذ عبد المنعم ابتسم وقال إحنا طالعين على طول على نيابة الأسرة، نعمل قرار تمكين مشترك من شقة الزوجية وقرار تسليم الأطفال فوراً بحكم القانون وبقوة الجبر لو لزم الأمر، ده طردها وهي الحاضنة الطبيعية!
وفي نفس الوقت اللي كنا بنتحرك فيه، كانت يد العدالة الإلهية بتشتغل بطريقة أعظم وأسرع من أي محاكم.
حسام كان في المستشفى، والولد أحمد اتحط على جهاز الأكسجين لأن التشنجات سببتله نقص أكسجين حاد نتيجة إهمال الأب وتأخيره في إسعافه. الدكتور خرج وزعق في حسام قدام الناس كلها إنت إزاي تسيب طفل حرارته توصل أربعين وتتأخر عليه كده؟! الولد كان هيدخل في التهاب سحائي ويموت في إيدك، ده إهمال يعاقب عليه القانون!
حسام كان واقف مرعوب والفلوس في جيبه ملهاش أي قيمة قدام منظر ابنه وهو بيموت، واضطر يدفع في ثانية ألوفات في المستشفى الاستثماري عشان ينقذ الولد، نفس الفلوس اللي كان مستخسر فيها تلات آلاف جنيه لبس ليهم، دفع
أضعافها في ساعات وهو مرعوب ودموعه بتنزل من الخوف.
ولما رجع البيت وهو مهدود الحيل عشان يجيب هدوم للولد وأمه، لقى الكارثة الأكبر مستنياه في الشقة. حماتي، الست اللي كانت بتشعلل النار وبتتبلى عليا بالسرقة، كانت قاعدة لوحدها في الصالة مستنية حسام، وفجأة جالها هبوط حاد في الدورة الدموية وجلطة مفاجئة في المخ نتيجة ارتفاع شديد في ضغط الدم، وقعت على الأرض في الصالة ومقدرتش تنطق ولا تتحرك، ومريم الصغيرة واقفة مرعوبة بتعيط في الأوضة مش عارفة تعمل إيه لحد ما الجيران سمعوا صوت الخبط وكسروا الباب!
لما حسام وصل، لقى الإسعاف شايلاه أمه، مشلولة نصياً ومش قادرة تتكلم ولسانها معوج، نفس اللسان اللي كان بيسبني ويقول عليا حرامية وناقصة رباية، بقى مش قادر ينطق حرف واحد، وعينيها بس اللي بتبص في السقف برعب وذهول!
الدكتور في الإسعاف قاله والدتك جالها جلطة في مراكز الحركة والنطق، ومحتاجة عناية مركزة فوراً.. جهز فلوس كتير عشان الحالة حرجة. حسام
وقف مذهول، الفلوس اللي كان باخل بيها على عياله ومجمعها عشان يذلني بيها، طارت في يوم واحد ما بين مستشفى ابنه ومستشفى أمه، وبقى يلف حوالين نفسه زي المجنون، لا لاقي حد يقف جنبه، ولا الجيران اللي شتمهم الصبح راضيين يبصوا في وشه بعد الفضيحة اللي عملها.
العصر كان أذن، ووصلت أنا ومصطفى والبوليس ومعانا قرار تمكين فوري وتسليم الصغار. لقينا الشقة مفتوحة، والعمارة مقلوبة على خبر جلطة حماتي، وحسام قاعد على السلم برة الشقة، نفس السلم اللي رماني عليه وسحلني، قاعد مهدود، هدومه متبهدلة، عيونه مكسورة وزايغة، والتليفون اللي كان بيتمنظر بيه مرمي جنبه مكسور الشاشة.
أول ما شافني داخلة ومعايا البوليس، رفع عينه ليا، مكنش فيه ولا أثر للوحش الكاسر اللي كان بيضرب ويسب بالأمس. كان راجل مهزوم، مكسور، خسران كل حاجة. مريم أول ما شافتني جريت من جوة الشقة وارتمت في حضني وهي بتصرخ ماما! متسيبنيش يا ماما! وحشتيني يا ماما! حضنتها ودفنت راسي في رقبتها وأنا
ببكي بكل جوارحي، ومصطفى دخل جاب شنط هدومها وخرج.
الظابط شاور لحسام وقال ببرود إنت مطلوب للتحقيق بكرة الصبح في جناية تزوير وبلاغ كاذب وضرب عمدي مع سبق الإصرار، وده قرار تمكين المدام من الشقة وحضانتها لأولادها، اتفضل لم حاجتك الشخصية واخرج برة عشان ننفذ القرار.
حسام مقدرش حتى ينطق كلمة واحدة، كان باصصلي بنظرة كلها ذل، وقام يجر رجليه بالعافية. وقف قدامي على باب الشقة، وصوته كان بيترعش وهو بيقول بصوت واطي ومكسور هدى.. ابني في المستشفى، وأمي بتموت في الرعاية.. متعمليش فيا كده، سامحيني عشان خاطر العيال.
بصيتله في عينه بثبات وقوة عمري ما حسيت بيها في حياتي، وقولتله بصوت واطي بس كان بيقطع زي السيف اللي بيظلم مبيفكرش في ربنا يا حسام، بس ربنا مبيغفلش. إنت استقويت عليا عشان ست غلبانة وضعيفة، وفضحتني قدام الناس وافتريت عليا في شرفي وأمانتي، ودلوقتي ربنا بيوريك جزء من عدله في الدنيا قبل الآخرة. أمك اللي كانت بتقولك اضربها واطردها،
لسانها اتعوج ومبقاش ينطق، وفلوسك اللي كنت بتبخل بيها على لبس عيالك، طلعتها غصب عنك ومكفتش.. العيال في حضني، والشقة دي حقي وحقهم، والقانون بيني وبينك مش هسيب فيه ولا فتفوتة.. اخرج برة يا حسام، الباب اللي رزعتوا في وشي، اتقفل في وشك للأبد.
خرج حسام من العمارة وهو مطاطي راسه في الأرض، والناس كلها بتبصله بقرف بعد ما الحقيقة بانت، وعرفوا إنه راجل جاحد افترى على مراته وولاده.
دخلت شقتي وقفلت الباب ورايا بترباس الأمان، خدت مريم في حضني، وروحنا على طول المستشفى عشان نطمن على أحمد وناخده في حضننا بعد ما حالته استقرت.
قعدت جنب سرير ابني في المستشفى، وماسكة إيد بنتي، وحسيت براحة وسكينة مكنتش حسيت بيهم من سنين. المدارس كانت هتبدأ يوم السبت، وعيالي مش هيدخلوا مكسورين، هيدخلوا وهما عارفين إن أمهم حاربت الدنيا كلها عشانهم، وإن ربنا كبير أوي، بيمهل الظالم لحد ما يفتكر إنه ملك كل حاجة، وفجأة بيسحب منه كل حاجة ويوريه إن العدل هو اللي باقي.
النهاية


تعليقات
إرسال تعليق