روايه سوار جهنم الفصل الثامن عشر 18بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه سوار جهنم الفصل الثامن عشر 18بقلم الكاتبه فريده الحلواني
رواية سوار جهنم الفصل الثامن عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا
.الفصل الثامن عشر
( ولسوف يعطيك ربك فترضى) عن جمال الآية دي اللي بتأكدلنا إن ربنا
سبحانه وتعالى هيعطيكي حتى يرضيكي
كل ما الدنيا تضيق بيكي افتكريها وصدقيني هيجي اليوم اللي تعيشي شعور الرضي
والجبر... أنا واثقة
وبحبك .
ضغط ياسر الزناد... دوى في القاعة صوت معدني صغير جاف
لا رصاصة... لا دم... لا شيء
فقط صوت الحطب في المدفأة وأنفاس جودي المقطوعة
سقط تميم على جنبه فوق السجادة يرتجف يغطي رأسه بذراعيه ويهذي بكلمات فلبينية سريعة لا يفهمها أحد كان يلعب دوره حتى آخر نفس
أما ياسر فظل واقفًا والمسدس في يده ممدودًا إلى الفراغ الذي كان فيه رأس تميم منذ ثانية
لم يخفض يده...لم يكن قادرًا على أن يخفضها
كل ما يدور داخل عقله تلك الكلمات التي قالها له راغب سابقًا:
- لو حطّوك في اختبار إنك تجتل حدا مش مهم دوس ومتخافش
المسدس هيكون فاضي مفيهوش طلجة
ظل يفكر إذا كان حديثه خاطئًا سيكون وقتها قاتل حبيب أخته وزوجها وسيقتل نفسه بعدها
هذا ما قرره إذا مات تميم لن يعيش بعده ثانية أخرى.
ضحك ديمتري... ضحكة طويلة هادئة صفّق معها بيديه مرتين كأنه يشاهد عرضًا في المسرح
ثم اقترب وأخذ المسدس من يد ياسر بلطف وقال:
– الآن صدّقتك يا ابن شعبان
الرجل الذي يعرف هذا المسكين... كان سيتردد ولو نصف ثانية
وأنت لم تتردد.
ربت على خده بخفة وأكمل:
– أنت إما بلا قلب... أو أن قلبك في مكان آخر
وكلاهما يعجبني.
نفث فيكتور دخان سيجاره ثم قال بالروسية وهو ينظر إلى تميم المُلقى على الأرض:
– وهذا... نرميه في النهر الليلة
رفع إيفان يده من على ذراع مقعده الضخم وقال بصوته الخشن:
– لا
التفت إليه الجميع:
– البطل يحتاج ممرضًا في البيت يا فيكتور
الطبيب العجوز لن يأتي كل يوم
هذا المسكين لا يعرف أحدًا ولا يعرفه أحد
والرجل الذي لا يعرفه أحد... هو أفضل خادم في الدنيا
نظر إلى تميم وقال بالإنجليزية:
– ستنام في القبو... وتأكل مما نأكل وتُعالج جرح ضيفنا
إذا حاولت أن تخرج من الباب... ستخرج إلى النهر
هزّ تميم رأسه بسرعة وهو يبكي ويُقبل يده في الهواء
لم يرى أحد في القاعة أن عينيه... كانتا جافتين تمامًا.
في الثانية بعد منتصف الليل كان ياسر جالسًا على حافة فراشه في الطابق الثاني
يداه ترتجفان فوق ركبتيه ولا يستطيع أن يوقفهما كان يرى المسدس في يده كلما أغمض عينيه
يسمع صوت التكة يتكرر في رأسه... لو كان فيه رصاصة واحدة... واحدة بس
كان تميم الآن جثة فوق السجادة... وبيده هو
انفتح الباب بهدوء
دخل تميم بزي الممرض الأزرق يحمل صينية عليها شاش ومطهر وكوب ماء
وضع الصينية على الطاولة دون كلمة بدأ يفك الرباط عن كتف ياسر ببطء
كان الاثنان يعرفان أن في ركن السقف كاميرا صغيرة سوداء
قال تميم بالإنجليزية بصوت عالي وهو يمسح الجرح:
– الجرح نظيف يا سيدي... لا يوجد التهاب
وضع إصبعين على معصم ياسر كأنه يقيس النبض
دق عليه دقتين خفيفتين... ثم دقة
الشفرة القديمة اللي اتفقوا عليها في الشقة الآمنة:
- أنا كويس... اصبر
أغمض ياسر عينيه وأخذ نفسًا طويلًا مرتعشًا
لأول مرة منذ ساعات... توقفت يداه عن الارتجاف.
في نفس الساعة في بيت سفيان كانت جودي جالسة على أرض غرفتها في الظلام ظهرها إلى الفراش لم تخلع الفستان الكحلي منذ رجعت ولم تتحدث مع أحد
كانت ما زالت ترى المسدس على جبين الممرض المسكين... ترى يد ياسر ثابتة لا ترتعش
كانت لا تعرف أيهما أرعبها أكثر
دق الباب دقتين ثم انفتح قبل أن ترد
دخل فهد ببيجامة رياضية في يده كيس ورقي كبير تفوح منه رائحة الثوم:
– صاحية يا جودي؟
– امشي يا فهد
– مش همشي
جلس على الأرض بجوارها وفتح الكيس:
– شاورما فراخ... من عند أبو سمير اللبناني اللي في شارع تلاتة
نزلت جبتها من ورا بابا وأسر
– الساعة اتنين يا فهد؟!
– أبو سمير بيفتح لحد أربعة... أنا عامل حسابي
مد إليها ساندوتشًا ملفوفًا فهزّت رأسها... وضعه على ركبتها عنوة وقال:
– كُلي... إنتي من الصبح مكلتيش حاجة
أنا مش هسيبك تقعي من طولك عشان أنا اللي هشيلك
نظرت إليه للحظات ثم ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة ثم مسكت الساندوتش
أكلت قضمة... ثم قضمة ثم انفجرت بالبكاء فجأة... لم يقُل فهد شيئًا
لفّ ذراعه حول كتفيها وشدها إليه وضع ذقنه فوق رأسها كما كانت تفعل هي معه وهو صغير
بعد دقائق قالت بصوت مخنوق:
– هو كان هيقتله يا فهد
كان هيقتل راجل غلبان قدامي ومتهزّش
– بس مقتلوش
– عشان المسدس كان فاضي
– إنتي مُتخيلة إن ياسر مكانش عارف
رفعت رأسها ونظرت إليه فقال بهدوء غريب:
– أنا قعدت معاه يوم الغدا في الحمام عشر دقايق
ده مش الراجل اللي يقتل حد غلبان يا جودي
ده الراجل اللي يرمي نفسه قدام رصاصة لواحدة مش بتاعته
يبقى لو مسك مسدس قدام الكل... هيكون عارف حاجة إحنا مش عارفينها
أكمل وهو يمسح دموعها بكم البيجامة:
– وبعدين هو مديون ليا بشاورما طول عمره
يعني لازم يعيش عشان يدفع
ضحكت جودي وسط دموعها وأسندت رأسها إلى كتفه:
– إنت عقلت وبقيت بتفكر إمتى يا فهد؟!
– من ساعة ما بقيت أنا اللي بنزل أجيب الأكل بالليل
بعد لحظة همس وعينه على الباب:
– جودي... العربية السودا اللي وصّلتك رجعت
وقفت تاني على أول الشارع أنا شوفتها من الشباك
فيها واحد بيكتب رقم كل عربية بتدخل الشارع في ورقة
ردّت عليه بحزن شديد وقد كاد عقلها أن ينفجر من شدة التفكير :
- أنا نفسي أفهم الناس دي كشفت نفسها قدامنا إزاي كده
من أول العزومة اللي كانت في بيت عمو منصور لحد ما جم
أخدوني عشان اروح هناك ...انا مش قادرة اسأل بابا
بس هتجنن يا فهد نفسي أفهم
نظر لها بجدية جديدة عليه ثم قال:
- عشان عارفين إن أبوكي كشفهم يا جودي
شهقت ووضعت كفيها فوق ثغرها بصدمة فأكمل:
- بابا بين نارين دلوقت يا يقولهم ملكومش دعوة ببنتي
فيشكوا في ياسر اللي أنقذ حياتك أو يسمع كلامهم لحد ما ربنا يخلصنا منهم
سألته برُعب:
- طب ما ممكن يعملوا فيا حاجة لما أكون هناك
نظر لها بحزن ثم قال:
- ميقدروش عشان مصلحتهم لسه معانا
انما لو مروحتيش... واحد فينا هيموت عشان يجبروا
بابا إنه ينفذ كلامهم ويحافظ على الإتنين الباقيين
بكت بقهر وهي تقول:
- كل ده عرفته ومخبيه عليا ؟!
- للأسف بابا ميعرفش إني أعرف كله ده
انا سمعت عمو منصور بيقوله من يومين وبابا كان هيتجنن
بس للأسف مفيش في إيده حاجه يعملها غير إنه
يصبر للآخر وإن شاء الله ربنا هياخدهم كلهم ويخلّصنا منهم.
في نفس اللحظة في الشقة الآمنة كان معاذ يقف أمام الطاولة أمامه ثلاثة هواتف
وجهاز لاسلكي لا يصدر إلا صوت تشويش
– ست ساعات
قالها بصوت مكتوم:
– ست ساعات وتميم مبيردش
لا على الموبايل ولا على السماعة ولا على أي حاجة
أخذ مسدسه من على الطاولة وضعه في حزامه وأخذ سترته
وقف راغب أمام الباب بجسده الضخم وقال بهدوء:
– على فين يا معاذ؟
– هروح القصر... أنا غلطان إني سمعت كلامه وخليته ينفّذ
الفكرة المجنونة دي كان لازم أمنعه
هو راح سأل على ياسر كذا مرة عشان عارف و متأكد
إنهم هيشكو فيه و ياخدوه القصر... كان لازم أمنعه
–هتروح لوحدك يا معاذ كيف ديه ؟
تميم عمل الصّح مكناش هنجدر نوصل لياسر غير لو حدا فينا بِجي جوه الجصر
– لوحدي ولا مع جيش... مش فارقة ابعد يا عم راغب
– مش هبعد ومش هَهملك تروح لحالك رجلي على رجلك ويكش يجتلونا كِلياتنا
قبل أن يرُد مُعاذ... رن الهاتف الصغير على الطاولة برقم يعرفه
فتح الشاشة فظهر وجه حسن متعبًا في ضوء أباجورة مكتبه في الإسكندرية:
– إنت لابس الجاكت ليه يا معاذ؟
لم يرد
– رايح فين؟
– تميم مُختفي يا بابا... أنا مش هقعد أستنى لحد ما يجيبولي جثته
نظر إليه حسن طويلًا ثم قال بصوت هادئ جدًا:
– اقعد
– بابا...
– اقعد يا معاذ
جلس معاذ ببطء على المقعد والسترة ما زالت في يده فقال حسن:
– لو دخلت القصر ده... هتطلع منه جثة
وهتطلّع تميم وياسر معاك جثث
كل اللي عملتوه من أول يوم هيبقى ولا حاجة
أنا ربيتك على الصبر يا معاذ... مش تهرب من الانتظار
الانتظار ده أصعب من الرصاص... وأنا عارف
أنا استنيتك ليلة بحالها على باب أوضة العمليات وإنت عندك سبع سنين
ما دخلتش على الدكاترة... رغم إني كنت عايز أكسر الباب.
خفض معاذ رأسه ووضع وجهه بين كفيه سقطت السترة من يده على الأرض
ظل حسن على الشاشة صامتًا لا يقول شيئًا... فقط ينظر إلى إبنه وهو يبكي
بعد ساعة اهتز الهاتف الثاني في يد معاذ:
– سيلا!
– معاذ... أنا لقيت الحل
مسح وجهه بظهر يده وقال:
– حل إيه؟
– أنا مش هسافر
بس هعمل نفسي هسافر سكت فأكملت بسرعة:
– هعمل نفسي هربانة من البيت بالليل في ميعاد الطيارة
ورجالة فيكتور اللي برة هيمشوا ورايا لحد المطار
في الجوازات هيطلبوا موافقة جوزي الكتابية... وأنا معاييش
وجوزي مختفي ومحدش يعرف هو فين... يبقى هيرجّعوني غصب عني
الروس هيشوفوا بعنيهم إني هربت من أهلي عشان ياسر... ومنعوني
كل حاجه تبقى حقيقية قدامهم
صمت معاذ طويلًا ثم ضحك ضحكة خافتة مكسورة لم تسمعها منه منذ سافر:
– إنتي اتجننتي؟!
– آه
– وده أحلى جنان سمعته في حياتي
سكت ثم قال بجدية:
– بشرط واحد
– قول
– متخرجيش من الفيلا غير وأنا عارف كل خطوة
أبويا يبقى وراكي من أول الشارع لحد باب الجوازات
– موافقة
– سيلا...
– نعم
– لو حسيتي بأي حاجة غلط... ترجعي فورًا
حتى لو الخطة كلها باظت
أنا ممكن أعيش من غير شغلي... بس مش هعرف أعيش من غيرك.
في العاشرة صباحًا في الإسكندرية جلس حسن في الحديقة ممسكًا هاتفه وأمامه فنجان قهوة برد منذ ساعة كان ينظر إلى السيارتين الغريبتين على ناصيتي الشارع
واحدة سوداء عرفها من أول يوم... وواحدة رمادية ظهرت ليلة وصول الظرف
ولم تتحرك مُنذ تلك الليلة...طلب رقمًا واحدًا:
– صباح الخير يا سالم
– صباح النور يا حسن... خيرمتصل ليه بدري كده؟
– فيه عربيتين قُدّام بيتي يا سالم
واحدة للروس... والتانية مش عارف بتاعة مين
البت محتاجة تروح المطار بالليل وأنا عايز أئمّنها لحد هناك... ومش عارف أثق في مين
صمت سالم على الخط لحظة أطول من اللازم فعرف حسن الإجابة قبل أن يسمعها:
– العربية الرمادية بتاعتي يا حسن
– نعم
– رجالتي... وقبلها كان فيه رجالة تانية اتغيروا
من أول يوم والبيت متحاوط
وقف حسن من على المقعد وقال بحدة:
– من أول يوم... وإنت ساكت مفكّرتش تقولّي يا سالم
بقالنا سنين وإحنا صحاب يا سالم... أكلنا من طبق واحد
وأنا قاعد كل ليلة مش بنام وأنا شايف
عربيات غريبة قدام بيتي ومش عارف دي حماية ولا موت
وإنت عارف ومقولتليش
– عشان لو قولتلك كنت هتبُص عليهم كل خمس دقايق
وكنت هتطلّعلهم شاي... أنا عارفك
أول ما الروس يشوفوك بتبُص هيعرفوا إن فيه حد تاني في الشارع
– يعني أنا عيّل صغير؟
– لأ يا حسن... إنت أب
والأب مبيعرفش يمثّل وهو خايف على عياله
أنا عارف عشان أنا كمان أب
سكت حسن ثم قال بصوت أهدى:
– وإنت خايف على مين يا سالم؟
لم يرد سالم
– على مين؟
– متسألنيش عن حاجة مش هقدر أقولها
بس صدقني... أنا خايف عليك وعلى بيتك قد ما أنا خايف على بيتي
جلس حسن مرة أخرى ببطء ونظر إلى السيارة الرمادية للحظات ثم قال:
– الليلة دي البت خارجة الساعة واحدة
– عارف
– إنت عارف كمان
– رجالتي هيبقوا ورا رجالتهم لحد باب الصالة
ومحدش هيلمس شعرة منها
قال حسن بصوت فيه بقية غضب:
– أنا لسه زعلان منك
– عارف
– لما الحكاية دي تخلص هتعزمني على سمك في المَكس
وإنت اللي هتدفع الحساب
ضحك سالم وقال:
– أنا من إمتى دفعت؟!
– من النهارده.
في الواحدة بعد منتصف الليل كانت الفيلا غارقة في الظلام
فتحت سيلا باب الشرفة الخلفية ببطء في يدها شنطة سفر صغيرة على رأسها حجاب أسود
نزلت إلى الحديقة حافية وحذاؤها في يدها
في الطابق الثاني كان محمد واقفًا خلف الستارة المغلقة... وجهه المتورم ملتصق بالزجاج يكاد لا يتنفس
وفي يده هاتف يضعه على أذنه ويقول:
- المطار كله يتملي برجالتنا مش عايز شِبر مفيهوش
ظابط متنكر فاهم
سمع رد الطرف الآخر وبعدها قال:
- كان لازم أعمل كده يا غبي عشان يفهموا إني على الله حكايتي ومتهور
ماهو طبيعي بما إني ظابط لما اشوف حاجة مش طبيعية حوالين
بيتي لازم اتصرّف وأعرف مين اللي واقف عندنا .
صمت للحظة ثم قال بغموض:
- تميم يرجع بالسلامة بس وهسيب أم القسم ده وأرجع
المخابرات تاني على الأقل أكون مع أخويا في أي حتة
إنما أنا هنا قاعد متكتّف ومُجبر أعمل اللي بيطلبه مني وبس .
في غرفة أخرى كانت غالية جالسة على فراشها في الظلام تشد المسبحة وتبكي بلا صوت
وصلت سيلا إلى السور الخلفي وضعت الشنطة على الأرض
تسلّقت جذع الشجرة القديمة كما كانت تفعل وهي طفلة
قفزت إلى الشارع الجانبي وحين وقفت التفتت ببطء نحو أول الشارع
السيارة السوداء أشعلت أنوارها
مَشت بسرعة إلى الناصية وأوقفت أول سياره أجرة رأتها أمامها:
– المطار... مطار برج العرب لو سمحت
– دلوقت يا مدام؟!
– دلوقت... وبسرعة
انطلق التاكسي وبعده بدقيقة انطلقت السيارة السوداء
بعدها بدقيقتين انطلقت السيارة الرمادية بلا أنوار
وفي آخر الشارع خرجت سيارة حسن من جراج الفيلا بهدوء
في الرابعة إلا رُبع فجرًا كانت صالة السفر في مطار برج العرب شبه فارغة
وقفت سيلا أمام شباك الجوازات أعطت جوازها والتذكرة للموظف الشاب
قلب الجواز ونظر إلى الشاشة ثم رفع عينيه إليها:
– حضرتك متجوزة يا مدام؟
– أيوه
– فين موافقة الزوج؟
بلعت ريقها وقالت بصوت مرتجف:
– موافقة إيه؟
– موافقة كتابية من جوز حضرتك على السفر... الإجراء ده إلزامي في حالتك
– أنا مش معايا
– يبقى آسف يا فندم... مش هقدر أعديكي
هُنا انهارت سيلا لم تكن تمثل كل شيء... كان في البكاء خوف حقيقي وتعب ليالي لم تنم فيها:
– جوزي مُختفي ....
قالتها بصوت عالي جعل المسافرين القلائل يلتفتون
– جوزي مُختفي من شهر ومحدش يعرف هو فين
أجيب موافقة من مين... من مين؟!
وأصلًا إحنا مكتوب كتابنا بس
أنا لازم أسافر... فيه حد هيموت هناك لازم أسافر
خرج ضابط أكبر سنًا من المكتب الزجاجي واقترب منها بهدوء.
وعلى بعد عشرين مترًا عند كشك القهوة كان رجل أشقر طويل يقف بمعطف رمادي يشرب قهوته ببطء لم يكن ينظر إليها لكنه لم يرفع عينيه عنها لحظة
انفتح الباب الزجاجي للصالة بعنف ودخل حسن الجيزاوي بخطوات سريعة وجهه أحمر من الغضب:
– سيلا
التفتت إليه وشهقت كأنها رأت شبحًا وصل إليها وأمسك ذراعها بقوة:
– إنتي اتجننتي... هربانة من البيت بالليل زي الحرامية
هربانة لمين... لمين يا سيلا؟
– سيبني يا حسن
– مش هسيبك
– سيبني... هو هيموت... هيموت وأنا قاعدة
قالتها وهي تحاول أن تسحب ذراعها
– مين اللي هيموت ده... إنتي على ذمة راجل
على ذمة إبني
التفت إلى الضابط وقال بصوت مرتجف من الغضب:
– أنا حماها يا حضرة الظابط...
البنت تعبانة ومش في وعيها أنا هرجّعها البيت
نظر إليه الضابط ثم إلى سيلا ثم أعاد لها الجواز بهدوء:
– اتفضلي مع عمك يا مدام... ومتعمليش كده تاني
جرّها حسن نحو باب الخروج وهي تبكي وتلتفت خلفها إلى البوابة
مروا بجوار كُشك القهوة لم يلتفت حسن إلى الرجل الأشقر
لكنه رآه ورأى الأشقر يخرج هاتفه ويكتب رسالة قصيرة ويبتسم.
في نفس الوقت في نيويورك كانت الساعة التاسعة مساءًا
أوقف سُفيان سيارته في آخر رصيف مهجور في ميناء بروكلين وأطفأ المحرك
كان منصور قد أرسل التسجيل إلى صديق قديم يعمل في الميناء... فعرف صوت البوق من أول مرة
سفينة شحن قديمة لا يُطلق بوقها هكذا إلا عند هذا الرصيف بالذات
قال أسر وهو يفك حزام الأمان:
– خليك إنت في العربية يا بابا... أنا هبُص الأول
– إحنا الاتنين هندخل سوى
وقبل أن يفتح أحدهما الباب جاء من المقعد الخلفي صوت مكتوم:
– وأنا كمان
التفت الإثنان بفزع
خرج فهد من تحت البطانية المُلقاة على أرض المقعد الخلفي شعره منكوش ووجهه أحمر من الحر
صرخ سفيان:
– إنت بتعمل إيه هنا يا حيوان؟
– جاي معاكم
– إنت اتجننت... إنت عارف إحنا فين!
– عارف... عشان كده جيت
حبيب ده كان بيضربني على قفايا في كل عيد
بس برضه ابن عمي
مدّ أسر يده وشدّ أخاه من ياقة البيجامة وقال:
– هتقعد هنا ومش هتتحرك
– حاضر
– فهد
– قولت حاضر.
دفع أسر الباب الحديدي للمخزن الصدئ بكتفه فانفتح بصرير مخيف
الداخل مُظلم ورائحة رطوبة وزيت أشعل سفيان كشاف هاتفه ومشى ببطء
مقعد معدني في المنتصف... نفس المقعد الذي في الفيديو
حبال مقطوعة على الأرض وطاولة صغيرة عليها قلم وحيد ولا أحد بالداخل
انحنى أسر فجأة والتقط شيئًا من الأرض بجوار رجل المقعد
رفعه إلى ضوء الكشاف
خاتم فضي عريض محفور عليه حرفان... ح م
خاتم حبيب وعلى الأرض تحت المقعد بقعة كبيرة سوداء ناشفة
همس أسر:
– ده دم يا بابا
لم يرد سُفيان وقف ينظر إلى البقعة للحظات ووجهه شاحب
في هذه اللحظة جاء صوت فهد من خلفهما:
– بابا
التفتا فوجداه واقفًا عند الباب بكشاف موبايله
– أنا قولتلك متتحركش
– ما أنا متحركتش كتير... بس شوف ده
كان ينحني عند صندوق قمامة معدني صغير في الركن
أخرج منه كيسًا ورقيًا عليه بُقع زيت وفتحه تحت الضوء:
علبة أكل فارغة... وإيصال صغير مطبوع
– ده من مطعم لبناني في ستاتن آيلاند
التاريخ النهارده يا بابا... الساعة اتنين الضهر
يعني حبيب كان هنا النهارده وكان بياكل
واللي بياكلوه... مش ناويين يموتوه
نظر سفيان إلى الإيصال في يد ابنه ثم إلى بقعة الدم
ثم إلى فهد مرة أخرى فجأة شده إلى صدره وحضنه بقوة حتى تأوّه فهد:
– إنت هتموتني يا بابا
– اسكُت
وضع سفيان الخاتم والإيصال في جيبه وقال بصوت ثقيل:
– متقولوش لعمكم حاجة عن الدم
– بابا...
– مش دلوقت يا أسر قولوله على الإيصال بس
عمكم محتاج أمل... مش محتاج يشوف ده.
في السابعة صباحًا وصلت سيارة حسن إلى الفيلا نزلت سيلا ببطء وعيناها منتفختان من البكاء
كانت غالية تقف عند الباب منذ الفجر
فتحت ذراعيها فارتمت سيلا في حضنها وبكت مرة أخرى... لكن هذه المرة كان بكاء من نجا
قالت غالية وهي تمسح على ظهرها:
– خلاص يا حبيبتي... خلاص رجعتي
اطلعي نامي... إنتي مكملتيش ساعة نوم من يومين
صعدت سيلا الدرج بخطوات ثقيلة
وقف حسن في منتصف الصالة يفك زرار قميصه الأول وقد بدا فجأة أكبر بعشر سنين
اقتربت منه غالية ووضعت يدها على صدره:
– قلبك تاعبك يا حسن؟!
–انا كويس يا حبيبي متقلقيش
– حسن
– كويس يا غالية... بس كنت هموت وأنا ماسك إيدها
البنت كانت بتعيط بجد... مكانتش بتمثل
أنا كنت بزعق فيها وأنا عايز أحضنها
ضمته غالية إليها بهدوء وأسندت رأسها إلى كتفه:
– إنت عملت اللي عليك
– وإنتي قعدتي طول الليل تعيطي في الضلمة
– عرفت منين؟!
– عشان أنا عارفك
رفع وجهها بأصابعه مسح دموعها التي بدأت تنزل من جديد:
– بقالنا سنين يا غالية... كل ما الدنيا تتقلب ألاقيكي واقفة على الباب
– وهفضل واقفة على الباب لحد ما ترجعوا كلكم
قبّل جبينها بعشق ثم أمسك يدها وصعد بها الدرج ببطء نحو غرفتهما:
– تعالي... إحنا الاتنين محتاجين ننام
– حسن... الساعة سبعة الصبح!
– الساعة سبعة الصبح ممنوع النوم فيها و لا إيه؟!
ضحكت ضحكة صغيرة مبحوحة وأسندت رأسها إلى ذراعه
أغلق باب الغرفة خلفهما.
في غرفتها خلعت سيلا الحجاب ورمت نفسها على الفراش بملابسها
أغمضت عينيها وكادت تنام لولا أن اهتزّ الهاتف بجوارها
رسالة واتساب من رقم غريب يبدأ بمفتاح مصر
فتحتها بعينين نصف مغمضتين
صورة... صورتها وهي واقفة أمام شباك الجوازات
الدموع على خديها... الجواز في يدها... الضابط أمامها
صورة واضحة جدًا... قريبة جدًا
التُقطت من على بعد خطوتين فقط من ظهرها
اعتدلت سيلا على الفراش ببطء قلبها يضرب في أذنيها
وتحت الصورة كتبت رسالة واحدة بعربية مرتبة
– كنت واقفًا خلفك يا سيدة سيلا... أقرب مما تتخيلين
المرة القادمة... لن تحتاجي إذنًا من أحد.
سقط الهاتف من يدها على الفراش نظرت إلى باب غرفتها المغلق
ثم إلى النافذة ثم إلى الهاتف مرة أخرى... لم يكُن الأشقر وحده في المطار
ماذا سيحدث يا ترى.......
سنرى........
انتظروووني......
بقلمي/ فريده الحلواني
تكملة الرواية بعد قليل
الرواية الكاملة من هناااااااا

تعليقات
إرسال تعليق