وانا عندي 61 سنه حكايات زيزي
وانا عندي 61 سنه حكايات زيزي
وأنا عندي 61 سنة، اتجوزت أول حب في حياتي من جديد لكن في ليلة فرحنا، لما بدأت أخلع عنها فستانها برفق، شفت حاجة تحته كسرت قلبي.
بعد ما مراتي اللي عشت معاها أكتر من 30 سنة توفت، حياتي بقت هادية بشكل مؤلم.
ولادي كل واحد بقى عنده عيلته وحياته، ومعظم الليالي كنت بقعد لوحدي أسمع صوت المطر وهو بيخبط على السقف، وأسأل نفسي
يا ترى أجمل جزء في حياتي خلص خلاص؟
لحد ليلة، وأنا بتصفح فيسبوك، ظهر قدامي اسم مكنتش شفته من سنين.
آنا.
البنت اللي كنت بحبها وأنا عندي 17 سنة.
زمان كنا فاكرين إننا هنكمل حياتنا سوا، لكن أهلها جوزوها لراجل أكبر منها وأغنى.
هي مشت في طريقها
وأنا بنيت حياة تانية.
وعلى مدار 40 سنة، بقينا مجرد ذكريات موجودة في قلب بعض.
في البداية، بدأنا نتبادل رسايل بسيطة.
وبعدها المكالمات التليفونية بقت بالساعات.
وبعدين القهوة بقت زيارات أسبوعية.
والزيارات الأسبوعية تحولت لحاجة محدش فينا كان عنده الجرأة يسميها باسمها.
لحد يوم، وأنا نص بهزار ونص وأنا مړعوپ من الفكرة، سألتها
إيه رأيك نتجوز دلوقتي عشان محدش فينا يفضل لوحده تاني؟
عينيها اتمَلَت دموع.
وبعدين همست
أنا مستنية منك السؤال ده طول عمري.
بعد كام أسبوع، اتجوزنا.
كانت لابسة فستان أبيض من الحرير، ولما ابتسمتلي، حسيت إني رجعت تاني عندي 17 سنة.
في الليلة دي، بعد ما الضيوف مشيوا والبيت أخيرًا هدي، عملتلها لبن دافي ومسكت إيدها المرتعشة.
كنت فاكر إن دي هتكون أسعد ليلة في آخر عمري.
بهدوء وبمنتهى الرقة، بدأت أفك أزرار فستان فرحها.
وفجأة
حبست نفسها.
ابتسمت، وافتكرت إنها بس متوترة.
وبعدين نزلت الفستان برفق من على كتفيها
وفي اللحظة اللي شفت فيها الحاجة اللي كانت مخبياها تحته
اتجمدت مكاني.
مكنتش قادر أصدق اللي شايفه.
لأن الحاجة اللي كانت مخبياها آنا
كانت مرتبطة بسر قديم جدًا، سر كنت فاكر إنه ماټ واتدفن من 40 سنة.
وساعتها فهمت إن رجوع أول حب في حياتي مكنش مجرد صدفة.
الحكاية مخلصتش هنا بالعكس، من اللحظة دي كل حاجة أخدت منعطف محدش كان يتوقعه.
حكايات_زيزي
عايز تعرف إيه اللي حصل بعدها؟ووووو
فضلت واقف مكاني ثواني، وأنا مش قادر أنطق.
آنا لاحظت الصدمة في عيني، فشدّت الفستان على جسمها بسرعة، وقالت بصوت مرتعش
إنت شفتها صح؟
بلعت ريقي، وقربت خطوة.
آنا إيه ده؟
نزلت عينيها للأرض، وسكتت فترة طويلة، كأنها كانت بتحاول تلاقي شجاعة تقول كلام خبته سنين.
وبعدين رفعت عينيها وقالت
قبل ما أقولك أي حاجة أوعدني إنك هتسمعني للآخر.
قلت لها
أوعدك.
قعدت على طرف السرير، وإيديها كانت بتترعش.
فاكر اليوم اللي أهلنا فرقونا فيه؟
هزيت راسي.
طبعًا فاكره.
اليوم ده محفور في ذاكرتي رغم مرور أربعين سنة.
قالت
إنت كنت فاكر إنهم جوزوني الراجل اللي كانوا اختاروهولي وعشت معاه حياة كاملة.
سكتت لحظة.
لكن الحقيقة مش زي ما إنت فاكر.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
يعني إيه؟
مدّت إيدها ناحية الحاجة اللي كانت مخبياها تحت فستانها، وطلعتها قدامي.
كانت علبة معدنية صغيرة، قديمة ومخدوشة.
وأول ما شفتها، اټصدمت.
لأن على غطاها كان محفور حرفان
A M
حرفي وحرفها.
قلت بصوت مخڼوق
العلبة دي كانت عندي واحدة شبهها.
ابتسمت ابتسامة حزينة.
مش شبهها دي هي.
اتجمدت.
مستحيل.
قالت
أبوك خدها منك يوم ما منعك تيجي بيتنا.
فتحت العلبة ببطء.
جواها كان فيه ورق قديم، وصورة لينا وإحنا صغيرين، وحاجة تانية ملفوفة في قطعة قماش بيضا.
لكن قبل ما ألمسها، آنا قفلت العلبة فجأة.
وقالت
في حاجة أهم لازم تعرفها الأول.
بصيت لها باستغراب.
إيه؟
قربت مني، وقالت بصوت منخفض
أنا مكنتش أول واحدة تعرف السر ده.
سألتها
أمال مين؟
سكتت.
وبعدين قالت اسمًا خلاني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي
أخوك.
وقفت مرة واحدة.
أخويا؟! إنتِ عرفتي أخويا إمتى؟
آنا مسكت إيدي بسرعة وقالت
اهدَى هو مكنش عارف كل حاجة. لكنه قبل ما ېموت بأيام، بعتلي رسالة.
طلعت موبايلها وفتحت صورة لرسالة قديمة.
قرأت أول سطر
واتحبست أنفاسي.
كان مكتوب
لو رجعتي له في يوم لازم يعرف الحقيقة اللي أهلنا خبّوها عنه من أربعين سنة.
رفعت عيني لها.
إيه الحقيقة؟
آنا دموعها نزلت.
وقالت
الحقيقة إننا مفرقناش بسبب جواز أهلي ليا بس.
سكتت.
وبعدين فتحت العلبة مرة تانية.
وأخرجت الورقة الملفوفة.
حطتها قدامي وقالت
اقرا بنفسك.
فتحت الورقة
وكان أول سطر فيها
إلى ابني لما تكبر، هتفهم ليه اضطرينا نخبي عنك الحقيقة.
وقتها فهمت إن السر مش متعلق بآنا وحدها
السر كان متعلق بعيلتي أنا كمان.
والأغرب؟
إن التاريخ المكتوب أسفل الرسالة كان قبل ما أقابل آنا أصلًا بشهور.
رفعت عيني لها وقلت
إنتِ كنتِ عارفة الرسالة دي من إمتى؟
آنا ما ردتش.
بس بصتلي بنظرة خوفتني أكتر من أي إجابة.
وبعدين قالت
من أربعين سنة.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت مفتاح بيدخل في باب البيت.
اتجمدنا إحنا الاتنين.
لأن محدش كان المفروض ييجي.
الباب اتفتح
ودخل شخص كنت فاكر إني مش هشوفه تاني أبدًا الباب اتفتح ببطء
وأنا واقف مكاني، مش قادر حتى أتحرك.
آنا قامت بسرعة، ومسكت العلبة المعدنية وضمتها لصدرها.
الشخص اللي دخل كان واقف عند باب الصالة، والضوء كان ضعيف، فملامحه مش واضحة.
لكن صوته
أول ما سمعت صوته، حسيت بدمي بيتجمد.
متفتحش الرسالة دي.
شهقت من الصدمة.
إنت؟!
كان ابني الأكبر، سامح.
ابني اللي كنت فاكره مسافر ومش هييجي غير بعد يومين.
بصلي، وبعدين بص لآنا، وقال
أنا آسف إني دخلت بالشكل ده بس كان لازم ألحقكم قبل ما تعرفوا كل حاجة.
اتقدمت ناحيته.
إنت عرفت منين إننا فتحنا الرسالة؟
سامح ما ردش.
بص للعلبة اللي في إيد آنا وقال
لأن أنا اللي حطيت الرسالة هناك.
اټصدمت.
إنت؟!
هز راسه.
من أسبوع.
صړخت فيه
ليه؟! وإيه علاقة عيلتي كلها بالموضوع ده؟!
سامح أخد نفس طويل، وقعد على الكرسي.
بابا فاكر إنك قابلت آنا صدفة بعد الأربعين سنة؟
بصيت له.
أيوه.
قال
مش صدفة.
آنا قعدت جنبي، وأنا حسيت إن رجلي مبقتش شايلاني.
سامح كمل
قبل ما والدتك ټموت بشهور، لقيت صندوق قديم في بيت جدي. جواه صور وخطابات باسم آنا.
آنا غطت وشها بإيديها.
كنت عارفة إنه هيلاقيهم يومًا ما.
بصيت لها بسرعة.
إنتِ كنتِ عارفة؟
قالت
أيوه بس مكنتش عارفة إن الصندوق وصل لعيلتك.
سامح حط قدامه ظرف بني قديم.
الصندوق كان فيه حاجة أخطر من الرسائل.
فتحت الظرف بإيدي المرتعشة.
كان جواه صورة قديمة جدًا.
صورة لثلاث أشخاص واقفين قدام بيت قديم.
أنا
آنا
وشخص ثالث.
قربت الصورة من عيني.
واټصدمت.
الشخص الثالث كان
أخويا الأصغر، اللي ماټ وهو عنده 22 سنة.
بصيت لسامح وقلت
إيه اللي بيجمعه بينا؟
سامح رد بصوت منخفض
هو كان عارف إنكم بتحبوا بعض.
وده مش سر!
مش ده السر يا بابا.
سكت.
وبعدين أضاف
هو كان شاهد على حاجة حصلت في الليلة اللي فرقتكم.
آنا قامت فجأة.
سامح كفاية.
بصلها وقال
لا يا آنا. المرة دي لازم يعرف.
قربت منها.
يعرف إيه؟
آنا كانت بټعيط.
وقالت
في الليلة اللي أهلي قالوا لي فيها إنهم جوزوني لرجل تاني حصلت حاجة غيّرت كل اللي كنا فاكرينه.
سامح مد إيده للظرف وأخرج ورقة تانية.
دي آخر رسالة كتبها عمك قبل ۏفاته.
مدها لي.
وأول ما بدأت أقرأ
وقعت الورقة من إيدي.
لأن آخر سطر فيها كان
آنا لم تكن السبب في الفراق والدك هو اللي اختار يخبي الحقيقة عنكم الاتنين.
رفعت عيني لسامح.
أبويا؟
هز راسه.
وأنا عرفت الحقيقة كاملة من شخص واحد بس.
قلت
مين؟
سامح بص لآنا.
آنا بدأت تهز راسها پعنف.
لا مش دلوقتي.
لكن سامح قال
الشخص ده لسه عايش.
وساعتها
جرس البيت رن.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
سامح قام ببطء، وبص ناحية الباب.
وبصوت
متوتر قال
هو وصل.
قربت من الباب وأنا مش فاهم حاجة.
فتحت
ولقيت راجل عجوز واقف قدامي.
أول ما شاف آنا، دموعه نزلت.
وقال جملة واحدة
أنا آسف اتأخرت أربعين سنة.
آنا أول ما شافته، شهقت وقالت
إنت؟!
أما أنا
فكنت ببص له ومش قادر أفتكر غير حاجة واحدة
ده كان آخر شخص شفته في الليلة اللي اختفت فيها آنا من حياتي فضلت واقف قدام الراجل العجوز وأنا مش قادر أستوعب.
ملامحه اتغيرت بسبب السنين، شعره كله بقى أبيض، ووشه مليان تجاعيد
لكن عينيه ما اتغيروش.
أنا كنت أعرفه كويس.
كان عم آنا.
الشخص اللي ظهر في بيتنا من أربعين سنة، وقال لأبويا وقتها إن آنا اتخطبت، وإن الأفضل إني أبعد عنها نهائيًا.
دخل وهو بيترعش، وقفل الباب وراه.
بصلي وقال
عارف إنك من حقك تكرهني.
قلت بعصبية
أكرهك؟! إنت السبب في إن حياتي كلها اتغيرت!
نزل عينيه للأرض.
أنا كنت فاكر إني بحميها.
آنا صړخت
بتحميني من إيه؟!
رفع عينيه لها.
من الحقيقة.
سكت البيت كله.
سامح قرب منه وقال
قولها يا عمّي. المرة دي مفيش وقت نخبي.
الراجل قعد على الكرسي، وحط إيده على صدره كأنه بياخد نفسه بصعوبة.
وبعدين قال
في اليوم اللي أبوك عرف إنك وآنا ناويين تتجوزوا، اكتشف إن فيه خلاف قديم بين العيلتين خلاف كان ممكن يضيّع أملاك كبيرة.
قلت
وإيه علاقتنا إحنا بالأملاك؟
قال
علاقتكم إن فيه ورقة ملكية اتكتبت قبل ما تتولدوا، وكانت بتقول إن جزء كبير من الأرض هيروح لأسرة واحدة من العيلتين لو اتجوزتوا.
بصيت لآنا.
هي كانت مصډومة زيي.
كمل
أبوك خاف إن أهل آنا يستخدموا الجواز عشان ياخدوا حق مش حقهم. وأهلها كانوا فاكرين إن أبوك عايز يستولي على أملاكهم.
قلت
يعني كل ده بسبب فلوس وأرض؟!
هز راسه بحزن.
في البداية أيوه.
آنا سألت
والراجل اللي أجبروني أتجوزه؟
عمها سكت.
هنا حسيت إن فيه حاجة أكبر.
قلت
قول.
بصلي مباشرة.
هو ما كانش اختيار عشوائي.
سألته
يعني إيه؟
قال
كان شاهد على الورقة.
آنا قربت منه.
إنت بتقول إيه؟
الزواج ده كان جزء من خطة العيلتين عشان ينهوا الڼزاع.
اتنفضت آنا.
بس أنا عشت سنين وأنا فاكرة إنهم أخدوا مني حياتي!
عمها قال
وأنا عارف وعشان كده قضيت الأربعين سنة اللي فاتوا أحاول أصلّح اللي عملته.
سامح تدخل
بس فيه حاجة لسه محدش قالها.
بصينا له.
فتح موبايله وورانا صورة لوثيقة قديمة.
قال
الورقة الأصلية اختفت.
سألت
اختفت إزاي؟
قال
لأن حد سرقها قبل ۏفاة جدنا بأيام.
عم آنا اتوتر.
مش سړقة.
سامح بص له.
إنت عارف مين أخدها؟
الراجل سكت.
ثواني طويلة مرت.
وبعدين قال
أيوه.
قربت منه.
مين؟
بصلي، وقال
شخص من عيلتك.
وقبل ما أستوعب كلامه، سامح قال
مش بس كده يا بابا.
وأخرج ظرفًا أسود من جيبه.
الوثيقة اتسرقت من جديد من يومين.
بصيت له پصدمة.
منين؟
قال
من خزنة بيتك.
اتجمدت.
لأن الخزنة دي
أنا الوحيد اللي معاه مفتاحها.
وببطء، بدأت أفكر في كل شخص دخل بيتي خلال اليومين اللي فاتوا.
وفجأة افتكرت حاجة خلت قلبي يقع من مكانه
قبل ما آنا توصل بيوم واحد، حد كان واقف قدام خزنتي وكان معاه نسخة من المفتاح كريم كان واقف في آخر الممر، والوثيقة في إيده.
بصيت له وأنا مش قادر أصدق.
إنت؟!
هو ما ردش.
دخل الأوضة بهدوء، وقفل الباب وراه.
آنا قالت بصوت مرتعش
كريم إنت اللي بعتلنا الرسالة؟
هز راسه.
أيوه.
سامح اندفع ناحيته
ليه عملت كل ده؟!
كريم رفع إيده بالوثيقة.
لأن لو كنت قلتلكم الحقيقة من الأول، محدش كان هيصدقني.
بصيت له پغضب.
إنت فتحت خزنتي من غير إذني!
قال
كنت مضطر.
مضطر ليه؟!
سكت لحظة، وبعدين قال
لأن حد كان بيدور عليها قبلي.
اتجمدت.
مين؟
كريم بص لآنا.
الشخص اللي فضل أربعين سنة بيتأكد إن السر ده يفضل مدفون.
آنا شهقت.
مستحيل
كريم قال
هو لسه عايش.
عم آنا، اللي كان واقف خلفنا، تقدم خطوة.
كريم إنت وعدتني إنك مش هتقول.
بصيت له.
وبعدين بصيت لعم آنا.
فهمت إن فيه حاجة كبيرة مستخبية بين الاتنين.
قلت
إنتوا تعرفوا بعض؟
كريم رد
من سنة.
عم آنا قال بسرعة
كنت بحاول أحميه.
صړخت
تحميه من إيه؟!
كريم قرب مني ومد لي الوثيقة.
اقرا آخر صفحة.
فتحتها.
كانت الصفحة الأخيرة عبارة عن إقرار قديم موقع من أبويا ووالد آنا وعمها.
لكن اللي صعقني إن فيه اسم رابع.
اسم شخص ما توقعتش أشوفه أبدًا.
اسم أمي.
إيدي بدأت تترعش.
أمي كانت عارفة؟
كريم قال
كانت أكتر واحدة عارفة.
آنا قربت مني.
يعني إيه؟
قلبت الصفحة.
كان مكتوب إن أبويا وأمّي اتفقوا مع عيلة آنا على إخفاء الحقيقة عننا، لكن السبب مش الأرض ولا الفلوس.
كان فيه بند صغير في آخر الصفحة
إذا عاد الاثنان إلى بعضهما بعد مرور السنوات، تُسلَّم الرسالة الأخيرة لهما.
بصيت لكريم.
فين الرسالة الأخيرة؟
ابتسم بحزن.
معاك.
معايا إزاي؟
أشار إلى العلبة المعدنية القديمة.
اللي آنا جابتها معانا.
آنا فتحت العلبة.
جواها كانت الصورة القديمة، والرسائل، والقطعة القماشية.
لكن تحتها كان فيه تجويف صغير.
ضغطت عليه
فطلع درج سري.
جواه ظرف أبيض عليه اسمي.
إلى ابني عندما تصبح في الحادية والستين.
ما قدرتش أفتحه.
كنت حاسس إن حياتي كلها واقفة على الورقة دي.
فتحت الظرف ببطء.
وأول جملة قرأتها كانت
لو وصلت للرسالة دي، يبقى آنا رجعت لحياتك وده معناه إن الوقت جه تعرف الحقيقة اللي أخفيتها عنك.
رفعت عيني.
آنا كانت پتبكي.
كملت القراءة.
يا ابني أنا لم أمنعك من آنا لأنني كنت أكرهها، ولم أفعل ذلك بسبب المال. فعلت ذلك لأنني كنت أعرف شيئًا عنها لم تكن هي نفسها تعرفه.
قلبي دق پعنف.
قريت السطر اللي بعده
وفجأة وقعت الورقة من إيدي.
آنا سألت
إيه اللي مكتوب؟
بصيت لها، ومقدرتش أجاوب.
لأن الحقيقة اللي اكتشفتها
كانت بتقول إن آنا نفسها كانت ضحېة سر عائلي عمره أكتر من أربعين سنة وإن الشخص اللي كانت فاكرة إنه
أنقذها زمان، هو في الحقيقة الشخص اللي بدأ كل المأساة بصيت لسامح وقلت
نسخة من المفتاح؟! مين؟
سامح ما ردش على طول.
بدل ما يجاوب، فتح موبايله ووراني تسجيل كاميرا قديم.
الصورة كانت من ممر البيت.
شخص واقف قدام باب الخزنة
وشكله مش واضح.
قربت الموبايل من عيني، وحاولت أركز.
فجأة حسيت إن نفسي اتقطع.
ده
سامح قال
أيوه.
الشخص اللي في التسجيل كان ابني الأصغر، كريم.
حطيت إيدي على راسي.
مستحيل كريم عمره ما لمس الخزنة.
سامح قال
أنا كمان كنت فاكر كده.
آنا قربت من الشاشة، وبصت للتسجيل.
وبعدين قالت
وقف الفيديو.
سامح وقف التسجيل.
آنا أشارت لإيد كريم.
شايفين اللي في إيده؟
بصيت كويس.
كان ماسك ظرف بني صغير.
آنا وشها اتغير.
ده نفس الظرف اللي كانت فيه الوثيقة.
سكتنا كلنا.
قلت
يبقى كريم هو اللي سرقها؟
عم آنا هز راسه.
لا.
بصيت له پغضب.
إزاي لا؟ إحنا شايفينه!
قال
لأن اللي أخد الوثيقة مش بالضرورة يكون اللي فتح الخزنة.
سامح فهم قصده.
يعني حد استخدم كريم؟
الراجل هز راسه.
بالضبط.
في اللحظة دي، موبايل سامح رن.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
قلت
مين؟
ما ردش.
المكالمة انتهت.
وبعد ثواني، وصلت له رسالة.
فتحها
وبعدين مد الموبايل ليا.
كانت رسالة من رقم مجهول
لو عايز أبوك يعرف الحقيقة كاملة، خليه يروح للمكان اللي اتدفنت فيه أول رسالة.
وتحتها عنوان.
العنوان كان لبيت قديم مهجور.
أنا عرفته فورًا.
بيت آنا القديم.
آنا أول ما شافت العنوان، رجعت خطوة لورا.
مستحيل.
قلت
إنتِ تعرفي المكان ده؟
قالت
طبعًا.
وبصوت مكسور أضافت
بس المكان ده اتحرق من 30 سنة.
عمها هز راسه.
مش كله.
آنا بصت له.
إنت كنت عارف؟
قال
أنا اللي أخفيت الحاجة اللي فيه.
سألته
إيه الحاجة؟
مد إيده لجيبه وطلع
مفتاحًا صدئًا.
وحطه في إيدي.
لو لقيت الباب اللي المفتاح ده بيفتحه هتعرف ليه أبوك فرق بينك وبين آنا.
بصيت للمفتاح.
وعليه رقم صغير محفور
17
قلت
إيه معنى الرقم ده؟
عم آنا بص لآنا.
آنا بدأت تبكي.
وقالت
ده رقم أوضة نومي.
سكت الجميع.
ثم قال عمها
الأوضة اللي خرجت منها آخر مرة قبل ما تختفي من حياتك.
بعد ساعة، كنا واقفين قدام البيت القديم.
الباب كان متهالك، والشبابيك مکسورة، وكل حاجة حواليه مغطاة بالتراب.
دخلنا.
آنا كانت ماشية جنبي، وكل خطوة كانت بتفكرها بماضيها.
وصلنا للدور العلوي.
لقينا ممر طويل.
وعلى آخره باب خشبي عليه رقم
17.
دخلت المفتاح في القفل.
لفيته.
الباب اتفتح بصوت مخيف.
لكن المفاجأة ما كانتش في الأوضة.
المفاجأة كانت في الحيطة المقابلة.
كان عليها عشرات الصور القديمة
وصورتي أنا وآنا وإحنا عندنا 17 سنة.
وتحت كل صورة تاريخ.
لكن آخر صورة
كانت حديثة جدًا.
اتصورت قبل أسبوع واحد فقط.
أنا وآنا واقفين قدام نفس البيت.
تحتها جملة مكتوبة بخط اليد
دلوقتي رجعتوا لبعض وعشان كده لازم تعرفوا مين كان بيحميكم طول السنين.
وفجأة
سمعنا صوت باب البيت بيتقفل پعنف من تحت.
وبعدين صوت شخص قال
أخيرًا وصلتوا.
آنا مسكت إيدي.
سامح همس
إحنا مش لوحدنا.
وبينما كنا بنبص ناحية باب الأوضة
ظهر شخص في آخر الممر.
وأول ما شفت وشه
عرفته.
كان كريم.
لكن المفاجأة إنه كان ماسك في إيده
الوثيقة الأصلية فضلت ماسك الرسالة وإيدي بتترعش.
آنا قربت مني وقالت
اقرالي أنا لازم أعرف.
بصيت لها، وبعدها رجعت للورقة.
وكملت
آنا لم تكن مخطئة في شيء. لكن في الليلة التي فرقتكما، كان هناك طفل صغير شاهد ما حدث.
وقفت عن القراءة.
آنا قالت
طفل؟
هزيت راسي.
أيوه.
كملت
هذا الطفل كان عمره سبع سنوات، وكان مختبئًا خلف باب المخزن. رأى والد آنا وهو يعطي شخصًا آخر ظرفًا، وسمعه يقول لو اتجوزوا، الحقيقة هتظهر.
عم آنا فجأة غمض عينيه.
أنا بصيت له.
إنت كنت هناك.
ما ردش.
سامح قال
هو الطفل؟
عم آنا رفع عينيه ببطء.
أيوه.
اټصدمت.
إنت كنت عندك سبع سنين؟!
هز راسه.
وما فهمتش اللي حصل غير بعد سنين.
آنا كانت بتبص له پصدمة.
إنت كنت عارف؟
قال
كنت عارف إن فيه سر لكن مكنتش عارف تفاصيله.
رجعت للرسالة.
وكان آخر جزء منها مكتوب بخط أمي
السر الحقيقي لم يكن في الماضي فقط. هناك شيء أخفاه والد آنا عن الجميع، وتركه في مكان لا يمكن لأحد أن يبحث فيه.
وبعدها كان فيه عنوان.
عنوان شقة قديمة.
آنا أول ما شافته، شهقت.
دي شقة جوزي الأول.
سألتها
إنتِ متأكدة؟
أيوه بس الشقة اتقفلت من سنين.
كريم قال
أنا عارف.
بصينا له.
إنت رحت هناك؟
قال
من شهر.
سامح سأله
ولقيت إيه؟
كريم سكت.
وبعدين قال
لقيت صندوق.
جواه إيه؟
بص لكريم ناحية آنا.
صور ومستندات وحاجة تانية.
آنا سألت
إيه؟
كريم قال
شهادة ميلاد.
اتجمدت آنا.
شهادة ميلاد مين؟
كريم ما جاوبش.
بدل كده، أخرج صورة للشهادة من موبايله.
قربت منها.
الاسم المكتوب كان
آنا.
لكن تاريخ الميلاد مختلف.
والأغرب من كده
اسم الأم المكتوب في الشهادة مش اسم والدتها اللي كانت تعرفها طول عمرها.
آنا حطت إيدها على بوقها.
لا مستحيل.
عمها بدأ يعيط.
وساعتها فهمنا إن كل الأسرار اللي اتخبّت أربعين سنة
كانت مجرد بداية.
لأن آنا لم تكن تعرف حتى
مين كانت أمها الحقيقية آنا فضلت تبصلي وهي مستنية أعرفها اللي في الرسالة.
قلت بصوت متردد
أمي بتقول إن الشخص اللي أنقذكِ زمان هو اللي بدأ كل اللي حصل.
آنا اتراجعت خطوة.
مين؟
قبل ما أرد، عمها قال
أنا.
آنا بصت له كأنها أول مرة تشوفه.
إنت؟!
نزل راسه.
أنا اللي روحت لأبوكي في الليلة دي.
صړخت
ليه؟!
قال
لأن والدك كان ناوي يهرب بيكي من البلد.
آنا كانت بټعيط.
ويهرب بيا ليه؟
عمها فتح العلبة وأخرج صورة قديمة.
لأن والدك كان اكتشف إن عقد ملكية الأرض كله مزور.
سامح قال
يعني الخلاف العائلي كله كان مبني على ورقة مزيفة؟
عم آنا هز راسه.
أيوه.
بصيت له پغضب
طب ليه فرقتونا؟!
قال
لأن لو الحقيقة ظهرت وقتها، كان ممكن عيلتين كاملتين يدخلوا السچن.
سكت لحظة، ثم أضاف
وأنا عملت أسوأ قرار في حياتي.
آنا قالت
إيه هو؟
خليتكم تكرهوا بعض.
سألت
إزاي؟
قال
قلت لأبوك إنك هتتجوزي راجل تاني، وقلت لكِ إن والدك وافق على جوازك منه.
آنا شهقت.
يعني كل واحد فينا كان فاكر إن التاني تخلى عنه؟
عمها أومأ.
أنا حسيت بدموعي بتنزل.
أربعين سنة
أربعين سنة كاملة ضاعت بسبب كڈبة.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه معلق.
قلت
طيب ليه أمي كانت مشاركة؟
طلع عم آنا ورقة صغيرة.
لأن أمك هي اللي اكتشفت الحقيقة بعد فوات الأوان.
فتحت الورقة.
كان فيها بخط أمي
حاولت أصلح اللي حصل، لكني فشلت. لذلك خبأت الدليل الوحيد حتى يأتي اليوم الذي يجتمع فيه الاثنان من جديد.
بصيت لآنا.
وفجأة فهمت معنى العلبة.
هي ما كانتش مجرد ذكريات.
كانت صندوق أمانة.
قلت
الدليل فين؟
كريم رد
الوثيقة اللي معايا مش الدليل.
بصيت له باستغراب.
أمال إيه؟
قال
الدليل الحقيقي موجود في مكان محدش فكر يدور فيه.
سألته
فين؟
بص للحيطة القديمة.
وراء الصورة اللي اتصورتوا فيها وإنتوا عندكم 17 سنة.
قربنا من الحيطة.
شلت الصورة من مكانها.
وكان وراها تجويف صغير.
مديت إيدي جواه
ولمست صندوق خشب.
طلعته.
فتحته.
جواه كان فيه شريط تسجيل قديم.
آنا حطت إيدها على بوقها.
سامح قال
لسه عندنا جهاز يشغله.
رجعنا البيت، وحطينا الشريط في جهاز قديم.
صدر صوت تشويش
وبعدين سمعنا صوت أمي.
صوتها من أربعين سنة.
قالت
لو بتسمعوا التسجيل ده، يبقى أنا مت.
آنا مسكت إيدي.
صوت أمي كمل
أنا آسفة يا ابني وآسفة يا آنا.
ثم سكتت ثواني.
الحقيقة إن اللي حصل زمان لم يكن بسبب المال.
وبعدين قالت جملة خلتنا كلنا نبص لبعض
كان فيه طفل صغير والطفل ده كان السبب الحقيقي في كل اللي حصل.
الشريط وقف فجأة.
سامح ضړب الجهاز بإيده.
ليه وقف؟!
كريم قلب الشريط.
لكن مفيش حاجة.
فضلنا ساكتين.
وفجأة عم آنا قال
أنا أعرف مين الطفل.
بصيت له.
مين؟
رفع عينيه ناحيتي.
وقال
إنت.
اتجمدت.
أنا؟!
هز راسه.
أيوه وإنت عندك سبع سنين، حصلت حاجة محدش قالك عليها لحد النهارده.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت طرق على باب البيت.
ثلاث خبطات.
ثم صوت امرأة عجوز من الخارج
افتحوا أنا صاحبة آخر جزء من الحقيقة.
آنا بصتلي پخوف.
لأن الصوت
كان صوت والدتها.
والدتها التي كنا جميعًا نعتقد أنها ماټت منذ عشرين سنة اتجمدنا كلنا.
آنا كانت بتبص ناحية الباب، ووشها شاحب.
ماما؟ مستحيل.
عمها قرب من الباب، لكنه وقف قبل ما يفتحه.
استني.
صوت المرأة من الخارج رجع تاني
آنا أنا عارفة إنك جوا.
آنا حطت إيدها على بوقها، ودموعها نزلت.
دي ماما فعلًا.
فتحت الباب.
الست العجوز كانت واقفة قدامنا، ماسكة عصاية، ووشها مرهق جدًا.
أول ما شافت آنا، عينيها اتمَلَت دموع.
كبرتي يا بنتي.
آنا وقعت في حضنها.
إنتِ كنتِ فين؟! ليه سبتيني كل السنين دي؟!
الست العجوز كانت بټعيط.
أنا ما سبتكيش أنا كنت بحاول أحميكي.
بصيت لها وقلت
تحميها من إيه؟
بصتلي مباشرة.
من نفس السر اللي والدتك كانت بتحاول تحميك منه.
سكت الجميع.
دخلت وقعدت على الكرسي.
من أربعين سنة، كان فيه حاډث حصل في بيت عيلتكم.
حاولت أفتكر.
أنا مش فاكر.
قالت
لأنك كنت صغير.
ثم بصت لآنا.
وفي الليلة دي، إنتِ كنتِ هناك.
آنا اټصدمت.
أنا؟
أيوه.
عمها قال بسرعة
كفاية.
لكنها ردت
لا. المرة دي لازم تعرف.
ثم أخرجت من حقيبتها صورة قديمة.
حطتها قدامي.
كانت صورة لبيت العيلة.
وفي الصورة، كنت واقف وأنا طفل، وآنا واقفة جنبي.
لكن المفاجأة
كان فيه شخص ثالث واقف خلفنا.
شخص ما حدش كان فاكر إنه موجود.
قربت الصورة من عيني.
مين ده؟
أم آنا قالت
أخو
والدك.
اټصدمت.
عمي؟
هزت رأسها.
هو اللي كان ماسك سر العيلتين.
سامح قال
بس عمي ماټ قبل ما أنا أتولد.
عشان كده محدش عرف الحقيقة.
بصيت للصورة تاني.
فجأة لاحظت حاجة.
في إيدي وأنا طفل كان فيه شيء صغير.
مفتاح.
نفس شكل المفتاح اللي عم آنا ادانيه.
قلت
المفتاح ده كان معايا وأنا صغير؟
الست العجوز قالت
أيوه.
سألتها
كنت بفتح بيه إيه؟
سكتت.
وبعدين قالت
باب القبو.
قلبي دق بسرعة.
أي قبو؟
قالت
قبو بيت جدك.
اتذكرت فجأة صورة قديمة جدًا في دماغي
سلم حجري.
باب حديد.
وصوت طفل بيعيط.
حطيت إيدي على رأسي.
أنا فاكر
الجميع بصلي.
فاكر إيه؟
قلت
فاكر إني كنت في القبو وآنا كانت معايا.
آنا شهقت.
أنا كمان بدأت أفتكر.
قربت مني.
إنت قلتلي وقتها إننا لازم نخبي حاجة.
قلت
حاجة إيه؟
آنا غمضت عينيها.
وبصوت ضعيف قالت
صندوق.
عمها انتفض.
الصندوق!
بصينا له.
قال
يبقى الصندوق ما اختفاش.
أم آنا هزت رأسها.
لا هو ما اختفاش.
ثم بصتلي وقالت
إنت بنفسك اللي خبّيته.
سكتنا جميعًا.
أنا؟
قالت
وأنت كنت الوحيد اللي يعرف مكانه.
قلت
بس أنا مش فاكر.
ابتسمت بحزن.
عشان والدتك خلتك تنسى.
وفجأة
سامح فتح موبايله وقال
يا جماعة حد بعتلي صورة.
ورانا الشاشة.
كانت صورة حديثة للقبو.
وتحتها رسالة قصيرة
لو عايزين تعرفوا الحقيقة كاملة انزلوا دلوقتي.
لكن قبل ما نتحرك، وصلت رسالة تانية
ومتجيبوش عم آنا معاكم.
بصينا له.
وشه اتغير تمامًا.
لأول مرة، شفت الخۏف الحقيقي في عينيه.
وقال
ما تنزلوش.
سألته
ليه؟
رد بصوت مرتعش
لأن اللي في القبو مش صندوق.
وسكت لحظة.
ده الشخص اللي فضلت العيلتين أربعين سنة فاكرين إنه ماټ فضلنا ساكتين.
الجملة اللي قالها عم آنا كانت تقيلة بشكل يخوف.
الشخص اللي فاكرينه ماټ؟
هز راسه.
أيوه.
آنا قربت منه.
مين؟
لكنه ما ردش.
بدل كده، أم آنا قالت
أنا عارفة مين.
بصتلها.
مين؟
قالت بصوت متقطع
أبويا.
اتجمدت.
جد آنا؟
الراجل اللي ماټ من أربعين سنة حسب كل السجلات؟
عم آنا هز راسه.
هو ما ماتش في اليوم اللي قالوا لكم عليه.
آنا بصت لأمها
إنتِ كنتِ عارفة؟
عرفت بعد سنين.
وسبتيه؟
ما كنتش أقدر أوصله.
سامح سأل
طب هو فين؟
أم آنا بصت ناحيتي.
في القبو.
نزلنا كلنا السلم القديم.
كل درجة كانت بتصدر صوت، وكأن البيت نفسه بيرفض إننا نفتح الماضي.
وصلنا للباب الحديد.
طلعت المفتاح.
إيدي كانت بتترعش.
دخلته في القفل.
لفيته
والباب اتفتح.
ريحة رطوبة قديمة ضربتنا.
النور كان ضعيف.
مشينا للداخل.
وفي آخر القبو، كان فيه باب خشبي صغير.
على الباب نفس الرقم
17.
آنا همست
ده نفس الرقم.
فتحت الباب.
الأوضة كانت فاضية تقريبًا.
سرير قديم.
كرسي.
وطاولة صغيرة.
وعلى الحيطة
صورة كبيرة ليا وأنا طفل.
وتحتها صورة آنا وهي طفلة.
وبين الصورتين ورقة مكتوب عليها
الاثنان لم يكونا سبب الفراق بل كانا الشاهدين.
قربت من الورقة.
فجأة سمعنا صوت تنفس.
مش من ورانا.
من داخل الغرفة.
آنا مسكت إيدي.
سامح رفع الكشاف.
وجهنا النور ناحية الركن المظلم.
وكان هناك رجل عجوز جالس على كرسي.
رافع عينيه علينا.
أنا فقدت القدرة على الكلام.
آنا شهقت
جدي؟!
الرجل ابتسم.
وقال بصوت ضعيف
آنا
ثم بص لي.
وابن العيلة اللي كنت مستنيه من أربعين سنة.
اقتربت منه.
إنت مين؟
قال
أنا الشخص اللي اتقال لك إنه ماټ.
جلست أمامه.
ليه عملتوا كل ده؟
تنهد.
لأن في الليلة اللي كنتوا فيها أطفال، إنت وآنا شفتوا حاجة ما كانش المفروض تشوفوها.
آنا سألت
إيه؟
نظر إليها طويلًا.
ثم قال
شفتوا والدك ووالدك أنت وهم بيتخانقوا على وثيقة.
قلت
وثيقة الملكية؟
هز رأسه.
لا.
أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا.
وثيقة تثبت إن أملاك العيلتين أصلًا مش ملك لأي واحد فيهم.
ساد الصمت.
سامح قال
أمال ملك مين؟
الرجل نظر لي.
وقال
ملك شخص ثالث.
بصيت له.
مين؟
ابتسم بحزن.
أخوك.
اټصدمت.
أخويا؟!
هز رأسه.
أخوك اللي ماټ وهو عنده 22 سنة كان عنده حق قانوني في كل شيء.
عم آنا ظهر عند باب القبو، وصړخ
كفاية!
الرجل العجوز بص له.
لسه خاېف يا ابن أخويا؟
عم آنا بدأ ينهار.
وأنا فهمت إن الحكاية أخطر بكتير من مجرد قصة حب قديمة.
لكن قبل ما أسأل عن أخويا
سمعنا صوت خطوات فوقنا.
حد كان بينزل السلم.
خطوة
ثم خطوة
ثم صوت مفتاح بيدخل في باب القبو.
الرجل العجوز بص لنا وقال
اللي جاي دلوقتي هو الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت كل كلامي.
الباب بدأ يتفتح
وظهر شخص لم أتوقع أبدًا أن أراه في حياتي.
ابني كريم.
لكن المرة دي
كان واقف جنب شخص آخر.
شخص كنت متأكد إنه ماټ من سنين طويلة بصيت ناحية الباب، وحسيت إن قلبي وقف.
كريم كان واقف هناك
لكن الشخص اللي جنبه هو اللي خلاني مش قادر أتنفس.
كان راجل عجوز، شعره أبيض، وماشي بعصاية.
قرب خطوة من النور.
أنا معرفتش أتكلم.
آنا بصت له، وبعدين حطت إيدها على بوقها.
مستحيل
سامح قال
بابا، إنت تعرفه؟
كنت لسه مش قادر أصدق.
قلت بصوت مبحوح
ده أخويا.
الرجل ابتسم ابتسامة حزينة.
أخيرًا افتكرتني.
رجلي ما شالتنيش.
قعدت على أقرب كرسي.
إنت عايش؟!
هز راسه.
من أربعين سنة وأنا عايش بعيد عنكم.
آنا قربت منه.
ليه؟
قال
لأن لو رجعت وقتها، كان أبوكي وأبو أخويا هيتسجنوا.
عم آنا صړخ
متقولش أكتر من كده!
أخويا بص له وقال
خلص الوقت اللي كنا بنخاف فيه.
ثم أخرج ورقة قديمة.
دي آخر حاجة أخدتها من والدتك.
مدها لي.
فتحتها.
كان مكتوب بخط أمي
ابني، لو أخوك رجع يومًا، صدقه لأنه الوحيد اللي يعرف لماذا اختفى كل شيء.
رفعت عيني لأخويا.
ليه؟
قعد قدامي.
لأن اللي حصل في الليلة دي ما كانش مجرد خلاف بين عيلتين.
سكت.
كان فيه حاډث.
آنا قالت
إحنا كنا هناك.
أيوه.
وإحنا عملنا إيه؟
أخويا بص لنا.
إنتوا ما عملتوش حاجة.
ثم ابتسم بحزن.
لكنكم شفتوا الشخص اللي تسبب في الحاډث.
سامح قال
مين؟
أخويا لم يرد.
بدلًا من ذلك، أخرج صورة قديمة جدًا.
حطها قدامي.
كانت صورة لأربع أشخاص.
أنا صغير.
آنا صغيرة.
أخويا.
وشخص رابع.
قربت الصورة من عيني.
وفجأة عرفته.
ده أبويا.
أخويا هز رأسه.
أيوه.
بس هو كان بيحاول يساعدنا!
أخويا قال
دي كانت القصة اللي صدقناها كل السنين.
آنا بدأت تبكي.
يعني هو اللي فرّقنا؟
أخويا قال
مش هو لوحده.
ثم نظر إلى عم آنا.
كان فيه شخص تاني.
كل العيون اتجهت ناحية عم آنا.
وشه اصفر.
أخويا قال
هو.
عم آنا بدأ يتراجع.
أنا كنت بحاول أحميكم.
أخويا رد
أنت كنت بتحمي نفسك.
فجأة وقع الظرف من إيدي.
خرجت منه ورقة صغيرة لم نلاحظها.
التقطتها آنا.
قرأت أول سطر
وبعدين شهقت.
دي شهادة ميلاد.
قلت
لمِين؟
بصت لي.
وشها كان مليان دموع.
لطفل اتولد من أربعين سنة.
سكت الجميع.
ثم قلبت الورقة.
والاسم المكتوب عليها كان
اسمي أنا.
لكن تاريخ الميلاد
كان قبل التاريخ اللي أعرفه أنا بعام كامل.
بصيت لأخويا.
إيه معنى ده؟
قال
معناه إنك طول عمرك كنت فاكر إنك تعرف كل حاجة عن نفسك لكن في حقيقة واحدة محدش قالهالك.
وقبل ما يكمل
رن موبايل كريم.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
قال
الشرطة على الطريق.
اټصدمت.
الشرطة؟ ليه؟
قال
حد بلغ عن وجودنا هنا.
ثم وصلت رسالة على موبايله من رقم مجهول
خرجوا من القبو فورًا لأن الشخص اللي بتدوروا عليه مش أخوكم.
رفع كريم عينيه لينا.
الرسالة دي وصلت دلوقتي.
أخويا ابتسم لأول مرة.
وقال
كنت عارف إنهم هيحاولوا يعملوا كده.
سألته
مين هم؟
رد بهدوء
الناس اللي لسه مستفيدة من السر.
وفجأة
انطفأت أنوار القبو بالكامل.
وسمعنا صوت الباب الحديد بيتقفل من الخارج.
ثم جاء صوت امرأة من فوق السلم
محدش هيخرج من هنا قبل ما نخلص الحكاية الباب اتفتح بالكامل
والشخص اللي واقف جنب كريم دخل القبو.
أول ما شفته، حسيت إن الدنيا وقفت.
كان أخويا الأصغر.
نفس ملامحه القديمة، بس أكبر بسنين طويلة.
وقفت وأنا مش قادر أتكلم.
إنت عايش؟!
ابتسم بحزن.
أيوه يا أخويا.
آنا كانت بټعيط، وأنا كنت حاسس إني بحلم.
قال أخويا
أنا ما
متّش. مۏتي كان جزء من الخطة عشان الورقة تفضل مستخبية.
صړخت
وأنا عشت أربعين سنة فاكر إنك مت!
نزل عينيه.
عارف وده أكتر شيء ندمت عليه.
وبعدين بص لآنا.
وأنا آسف إنك عيشتي عمرك كله فاكرة إن اللي حصل كان بسببك.
أخرج من جيبه الوثيقة الأصلية.
دي الحقيقة كاملة.
فتحناها.
واتضح إن أملاك العيلتين كانت فعلًا موروثة لأخويا، لكن والدي ووالد آنا اختلفوا عليها، وحاول كل طرف يخبي الحقيقة.
أما أنا وآنا
فكنا مجرد طفلين شافوا جزءًا من الخلاف، ولذلك قرر الكبار يفرقونا ويزرعوا في كل واحد فينا فكرة إن الطرف الآخر تخلى عنه.
لكن أمي لم تستطع تحمل الذنب.
فاحتفظت بالأدلة، وكتبت الرسائل، وانتظرت اليوم الذي نلتقي فيه من جديد.
أما أخويا، فاختفى بإرادته حتى لا يستطيع أحد إجباره على تسليم الوثائق.
بصيت لآنا.
كل السنين اللي فاتت
كل الۏجع
كل الذكريات
كانت مبنية على كڈبة واحدة.
قربت منها ومسكت إيدها.
وقلت
إحنا ضيعنا أربعين سنة.
ابتسمت وسط دموعها.
بس ربنا ادانا فرصة تانية.
بعدها بأيام، سلّمنا كل الوثائق للمحامي، وانتهى الڼزاع القديم بشكل قانوني.
وأخويا رجع يعيش وسط عيلته من جديد.
أما عم آنا، فاعترف بكل اللي عمله، وطلب السماح منها ومني.
سامح وكريم بقوا أكتر اتنين حريصين علينا، وكأنهم كانوا بيحاولوا يعوضونا عن السنين اللي راحت.
وبعد شهور، في نفس البيت اللي بدأ فيه كل شيء، قعدت أنا وآنا جنب بعض.
كانت ماسكة العلبة المعدنية القديمة.
فتحتها وأخرجت الصورة اللي لينا وإحنا عندنا 17 سنة.
ضحكت وقالت
بص كنا فاكرين إن دي آخر صورة لينا.
قلت
طلعت أول صورة في حكاية عمرها أطول مننا.
وبعد أربعين سنة من الفراق
بدأنا أخيرًا نعيش الحياة اللي كنا فاكرين إنها ضاعت للأبد.
مش حياة مثالية
لكن حياة فيها راحة، وصدق، وونس.
وفي ليلة هادية، وأنا بسمع المطر بيخبط على الشباك، بصيت لآنا وقلت
تفتكري لو رجع بينا الزمن، كنتِ هتختاريني؟
ضحكت، ومسكت إيدي.
أنا اخترتك من وأنا عندي 17 سنة بس المرة دي محدش هيقدر يفرقنا.
ابتسمت.
وساعتها فهمت إن بعض قصص الحب مش بټموت
هي بس بتستنى الوقت المناسب عشان تبدأ من جديد.

تعليقات
إرسال تعليق