سكريبت حماتي وسالفتي كاملة
سكريبت حماتي وسالفتي كاملة
حماتي فضلت سنتين وتلات شهور وأنا بصرف على علاجها، وبادفع 8 آلاف جنيه كل شهر للست اللي بترعاها، ولما كنت باخدها المستشفى كنت بسيب شغلي وأجري بيها من مكان لمكان.لكن سلفتى، اللي كانت بتزورها نص ساعة كل كام أسبوع ومعاها علبة لبن، كانت في نظر حماتي أحسن مني بمليون مرة!
لحد ما في يوم، وأنا راجعة من المستشفى بعد ما استنيت ساعتين علشان أجيب أدويتها، سمعتها بتقول لسلفتى قدامي
إنتِ الوحيدة اللي حاسة بيا يا منى! مش زي ناس تانية، فاكرة إن الفلوس ممكن تعوض الحنية، وتدفع لواحدة غريبة علشان تخدم أم جوزها بدل ما تخدمها بنفسها!
بصيت لها، وبعدين بصيت لشنطة الأدوية اللي في إيدي، وابتسمت لأول مرة من غير ما أحاول أخبي.
تاني يوم الصبح، دفعت مرتب الست اللي بتساعدها، وبلغتها إن شغلها انتهى، وبعدها حطيت جدول الأدوية ومواعيد المستشفى قدام حماتي.
جوزي بص لي بحدة وقال
إنتِ ناوية تعملي إيه يا سارة؟
رفعت عيني في عينه، وبعدها بصيت لحماتي وقلت بمنتهى الهدوء
شكرًا يا ماما إنك وفرتي عليّا 8 آلاف جنيه كل شهر، ووضحتِ لي مين فعلًا بيحبك ومين لأ.
وبعدين سحبت شنطتي من على
الكرسي، وقلت لها الجملة اللي عمرها ما توقعت تسمعها مني
خلاص يا حماتي، من النهارده خلي مرات ابنك التاني تاخد بالها منك!
الجزء الأول أنا مش خدامة عند حد
أنا سارة، عندي 36 سنة، متجوزة أحمد بقالي 12 سنة، وعندي ابن في المرحلة الابتدائية.
بشتغل مديرة مشروعات في شركة مراجعة حسابات، وكنت دايمًا بعتبر نفسي ست مستقلة، بعرف أوازن بين شغلي وبيتي، وبحاول على قد ما أقدر أحافظ على علاقتي بجوزي وعيلته.
لكن من سنتين وتلات شهور، حياتي كلها اتغيرت بعد ما حماتي، الحاجة نادية، وقعت وهي نازلة تشتري خضار، واتكسرت ركبتها، واضطرت تعمل عملية جراحية.
الدكتور قال إن فترة تعافيها هتحتاج شهور، وإنها لازم تلتزم بالعلاج الطبيعي وتاخد أدويتها في مواعيد محددة، ويكون معاها حد يساعدها في الحركة والمشاوير.
في الوقت ده، أحمد كان لسه مترقي في شغله، وأخوه محمود عنده محل مستلزمات ديكور، ومراته منى بتبيع منتجات عن طريق الإنترنت.
ولما العيلة اتجمعت علشان تتفق مين هيتولى رعاية الحاجة نادية، كل واحد بدأ يطلع حجته.
محمود قال إن المحل محتاج وجوده طول اليوم، ومنى قالت إن بنتها عندها امتحانات
ومحتاجة تتابعها.
أما أحمد، فبص لي وقال
إنتِ شاطرة يا سارة، وشغلك ممكن يتظبط. ماما ملهاش غيرنا، وأنا مش هقدر أكون معاها طول الوقت بسبب الشغل والسفر.
مكنتش عايزة أسيب شغلي، لكني وافقت أرتب يومي بحيث أقدر أساعد حماتي، واتفقت مع ست اسمها طنط فاطمة تيجي البيت كل يوم وترعاها في الوقت اللي أكون فيه في الشغل.
كان مرتبها 8 آلاف جنيه شهريًا، غير مصاريف العلاج والأدوية والأكل المناسب لحالة حماتي.
أحمد دفع أول شهرين، وبعدها بدأ يطلب مني أتحمل المصاريف مؤقتًا بسبب ضغط الأقساط والتزامات البيت.
والمؤقت ده استمر أكتر من سنتين!
أنا اللي كنت بدفع، وأنا اللي كنت براجع مواعيد العلاج، وأنا اللي كنت باخد حماتي المستشفى، حتى في الأيام اللي كنت بكون فيها مرهقة من الشغل ومحتاجة أرتاح.
ومع مرور الوقت، بقى كل ده بالنسبة لهم حاجة طبيعية، كأن مسؤوليتي عن حماتي معناها إني لازم أتحمل كل حاجة من غير ما أشتكي.
لكن اللي كان بيوجعني بجد، إن منى كانت بتظهر في الصورة في المناسبات بس.
تيجي بنص ساعة، تجيب هدية بسيطة، وتقول لحماتي كلمتين حلوين، وبعدها تمشي.
وساعتها أسمع نفس الجملة
كل مرة
ربنا يخليكي ليا
يا منى، إنتِ الوحيدة اللي بتفهميني!
كنت بسكت، وأقول لنفسي إن المهم إن حماتي تتحسن، وإن مش لازم أستنى شكر من حد على حاجة بعملها من باب الواجب.
لحد ما جه اليوم اللي رجعت فيه من المستشفى، بعد مشوار طويل علشان أجيب أدوية الشهر الجديد.
دخلت الشقة، ولقيت منى بتكلم حماتي فيديو، وبتقول لها
يا ماما، لما تحتاجي أي حاجة كلميني، وأنا تحت أمرك.
حماتي ابتسمت لها، وبعدها قالت بصوت مسموع وأنا بحط الأدوية على السفرة
أهو ده الكلام! منى قلبها عليّا بجد، مش زي ناس تانية كل اللي تعرفه تدفع فلوس وتجيب حد غريب يخدمها.
وقفت مكاني، وبصيت لها.
كنت لسه شايلة شنطة الأدوية اللي دفعت تمنها من جيبي، ولسه تعبانة من الطريق، لكن واضح إن كل ده مكنش كفاية علشان تعتبرني بنت أصول زي منى.
حاولت أعدي الكلام، لكن حماتي كملت
الواحد مش محتاج فلوس قد ما محتاج حد يحس بيه. الفلوس مش كل حاجة يا سارة!
المرة دي، محاولتش أبرر ولا أشرح.
بصيت لها وقلت
عندك حق يا ماما. الفلوس مش كل حاجة فعلًا.
وبعدها دخلت أوضة المكتب، فتحت اللابتوب، وحولت مرتب الشهر الجاي لطنط فاطمة كامل، وبلغتها
إن بكرة آخر يوم ليها في الشغل.
لما خرجت، لقيت أحمد رجع من الشغل، وحماتي بتحكيله إني بقيت عصبية ومش مستحملة كلمة منها.
أحمد بص لي وقال
ماما كبيرة في السن يا سارة، وممكن تقول كلام من غير ما تقصد. إنتِ ليه بتاخدي كل حاجة على أعصابك؟
سألته بهدوء
يعني لو أنا اللي كنت مكانها، واحتجت رعاية، كنت هتعتبر إن منى مسؤولة عني؟
اتضايق من السؤال وقال
إحنا مش بنتكلم في الموضوع ده دلوقتي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لأن إجابته كانت أوضح من أي كلام.
هو كان عايزني أتحمل مسؤولية أمه، لكن مكنستعدش حتى يناقش احتمال إن المسؤولية دي تتقسم بين أولادها.
فتحت جروب العيلة، وبعت رسالة لمنى، قلت لها فيها إن طنط فاطمة مش هتيجي من بكرة، وإنها هتكون مسؤولة عن متابعة رعاية حماتي.
منى ردت بسرعة
حاضر يا سارة، متقلقيش، ماما في عيني.
حماتي قرأت الرسالة، وابتسمت بانتصار، كأنها أخيرًا أثبتت إن منى أحسن مني.
لكنها مكنتش تعرف إن من اللحظة دي، كل حاجة هتتغير.
قمت من مكاني، شلت المريلة اللي كنت لابساها، وطبقتها وحطيتها على السفرة.
وبعدين بصيت لحماتي وقلت
خلاص يا حماتي، من النهارده
خلي مرات ابنك التاني تاخد بالها منك!
الجزء التاني أول يوم من غيري كشف الحقيقة
أول ما خرجت من شقة حماتي، حسيت إني أخيرًا شلت حمل تقيل من على صدري. طول الطريق وأنا سايقة، كنت مستنية أحمد يتصل بيا ويعتذر عن طريقته، أو حتى يسألني إذا كنت وصلت البيت ولا لأ، لكنه ماعملش أي حاجة من دي.
بعد حوالي ساعة، وصلت البيت، لقيت ابني يوسف قاعد بيحل واجباته. ابتسمت له، وسألته إذا كان محتاج مساعدة، وبعدها دخلت المطبخ وحضرت الغدا.
لأول مرة من شهور، قعدت آكل من غير ما أبص في الساعة كل دقيقتين، ومن غير ما أفتكر إن فيه دواء لازم يتاخد أو وجبة لازم تتجهز في معادها.
لكن الهدوء ماكملش طويل.
الساعة اتناشر ونص، موبايلي رن. كان أحمد.
رديت بهدوء
أيوه يا أحمد؟
قال بصوت متوتر
إنتِ فين؟
في البيت.
طب إنتِ مش هتروحي لماما النهارده؟
استغربت سؤاله، وقلت
ليه؟ مش اتفقنا إن منى هتتولى مسؤوليتها من النهارده؟
سكت ثانيتين، وبعدها قال
يا سارة، منى عندها مشوار مهم، ومش هتعرف تقعد معاها طول النهار. روحي بس النهارده، وبعدين نبقى نشوف الموضوع.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.
مشوار
مهم؟ طب وأنا مشاويري وشغلي وابني كانوا إيه
طول السنتين اللي فاتوا؟
رد بعصبية
إنتِ بتتكلمي كأننا بنستغلك! دي أمي في الآخر.
قلت له
بالضبط، دي أمك إنت كمان، مش أمي أنا لوحدي.
وبعدين قفلت المكالمة.
بعدها بدقايق، جالي اتصال من حماتي.
رديت، فسمعتها بتتكلم بنبرة غاضبة
إنتِ فين يا سارة؟ أنا مستنياكي من الصبح! منى مش عارفة تعمل لي الفطار اللي بحبه، وكمان مش لاقية الدوا اللي باخده بعد الأكل.
أخدت نفس طويل، ورديت
يا ماما، الأدوية كلها متقسمة في العلب، والجدول موجود قدامك. ومنى معاها كل التفاصيل.
قالت باستهجان
هي مش فاهمة حاجة! إنتِ اللي كنتِ بتعملي كل حاجة، إنتِ لازم تيجي تفهميها.
قلت لها
أنا فعلًا شرحت لها كل حاجة، ومش هقدر أكون موجودة كل يوم. لو فيه حاجة مش واضحة، تقدر تكلم الدكتور أو تسأل الصيدلي عن تعليمات الدوا.
صړخت في التليفون
يعني إنتِ هتسيبيني كده؟ بعد كل اللي عملته علشانك؟
اټصدمت من السؤال.
أنا اللي كنت بدفع، وأنا اللي كنت بخدمها، وأنا اللي كنت بسيب شغلي علشانها، وفي الآخر هي اللي بتسألني عن كل اللي عملته علشاني!
وقبل ما أرد، سمعت منى بتقول في الخلفية
يا ماما، سيبيها دلوقتي، أنا هتصرف.
قفلت حماتي المكالمة.
حطيت الموبايل على الترابيزة،
وحاولت أرجع ليومي الطبيعي.
لكن الساعة تلاتة العصر، أحمد رجع البيت بدري على غير عادته.
دخل الصالون، ورمى مفاتيحه على الترابيزة، وقال
إنتِ مصممة تفضلي مكبرة الموضوع لحد إمتى؟
كنت براجع شوية تقارير على اللابتوب، فرفعت عيني وقلت
أنا مش بكبر الموضوع. أنا بس بطلت أعمل حاجة إنتوا اعتبرتوها واجب عليّا لوحدي.
قعد قدامي، وبدأ يتكلم بنبرة أهدى
بصي يا سارة، أنا عارف إنك تعبتي، ومقدر كل اللي عملتيه. بس ماما كبيرة في السن، ومش هينفع نحسسها إننا رميناها.
قلت له
محدش رماها. إنت وأخوك موجودين، ومنى قالت إنها هتتكفل برعايتها. وأنا سلمتهم كل حاجة بالتفصيل.
رد بسرعة
محمود عنده شغله، وأنا عندي شغلي، ومنى مش متعودة على الحاجات دي.
بصيت له باستغراب.
يعني أنا كنت متعودة؟ أول مرة دخلت فيها المستشفى معاها كنت بعرف كل تفاصيل علاجها؟ أنا اتعلمت، وسألت الدكاترة، وكتبت المواعيد، ونظمت حياتي كلها علشانها. ليه منى ماينفعش تتعلم زيي؟
ماعرفش يرد.
قمت من مكاني، وجبت ملف كنت محتفظة فيه داخل درج المكتب.
حطيته قدامه وفتحته.
كان فيه كل الفواتير والإيصالات الخاصة بمصاريف حماتي، من أول مرتب طنط فاطمة، لحد الأدوية وجلسات العلاج
الطبيعي ومصاريف المستشفى.
قلت له
أنا مش عايزة أرجع لك كل جنيه دفعته، ومش هطلب منك تدفع لي تمن تعبي. لكن لازم تبقى عارف إن اللي حصل مش حاجة بسيطة.
بدأ يقلب في الأوراق، وكل شوية يرفع عينيه ناحيتي.
إنتِ محتفظة بكل الفواتير دي؟
أيوه. لأن دي فلوسي، ومن حقي أعرف صرفت كام، خصوصًا إنك كنت بتقول لي كل مرة إنك هتتحمل المصاريف بعدين.
سكت، وأنا كملت
أنا دفعت حوالي تلتمية ألف جنيه خلال الفترة دي، غير الوقت اللي ضاع من شغلي، والإجازات اللي أخدتها، والضغط اللي كنت عايشة فيه. وفي نفس الوقت، إنت قدرت تساعد محمود بستين ألف جنيه علشان يغير العربية أو يسد التزاماته، ولحد دلوقتي الفلوس مرجعتش.
اتنهد وقال
إنتِ هتفتحي حساب قديم دلوقتي؟
قلت له
أنا مكنتش اللي فتحته. إنتوا اللي خليتوني أدفع لوحدي، وبعدها اتعاملتوا مع الموضوع كأنه طبيعي.
قام من مكانة، وقال إنه لازم يروح يشوف أمه.
وقبل ما يخرج، سألته
هتعمل إيه؟
رد وهو بيلبس الجاكيت
هحاول أفهم منى إيه المطلوب منها.
قلت له
كويس. دي مسؤوليتكم كلكم.
خرج، وأنا رجعت لشغلي.
كنت متوقعة إن أول يوم من غيري هيكون صعب عليهم، لكن ماكنتش متخيلة إن اللي هيحصل بعد كده هيكشف حاجات
أكبر بكتير.
تاني يوم الصبح، الساعة سبعة ونص، لقيت رسالة
من منى.
سارة، معلش، ممكن تقولي لي ماما بتاخد أنهي دوا الأول؟ أنا مش فاهمة الجدول.
بصيت للرسالة، وكنت هرد عليها، لكني افتكرت إني بعت لها نسخة كاملة من تعليمات الطبيب، وصور علب الأدوية، ومواعيد كل جرعة.
فرديت
كل حاجة مكتوبة في الجدول اللي بعتهولك. لو فيه اسم دواء مش واضح، اتصلي بالصيدلية أو بالدكتور للتأكد. ماتغيريش أي جرعة من نفسك.
بعدها بنص ساعة، اتصلت بيا.
المرة دي صوتها كان متوتر.
سارة، أنا مش عارفة أعمل إيه. ماما رافضة تفطر، وبتقول إن الأكل اللي عملته مش عاجبها.
قلت لها
جربي تسأليها نفسها تاكل إيه من الأكل المسموح لها، وجهزي لها حاجة بسيطة.
ردت بضيق
أنا عملت لها شوربة، قالت لي إنها مالحة. وعملت لها بيض، قالت لي إنها مش بتحب البيض الصبح. أنا من ساعة ما صحيت وأنا واقفة في المطبخ!
كنت ساكتة، فاستكملت كلامها
وبعدين عندها علاج طبيعي الساعة عشرة، وأنا مش عارفة أوصلها إزاي، ومحمود أخد العربية وراح المحل.
قلت لها
العربية التانية موجودة عندكم؟
أيوة، بس أنا مش بعرف أركب الكرسي المتحرك في العربية لوحدي.
يبقى كلمي محمود يرجع يساعدك، أو رتبي وسيلة نقل مناسبة مع المستشفى. المهم
ما تحاوليش تنقليها بطريقة ممكن تعرضها للوقوع.
تنهدت وقالت
بصي يا سارة، أنا عارفة إنك زعلانة، بس إنتِ أدرى واحدة بتفاصيل ماما. ماتسيبينيش لوحدي كده.
رديت بهدوء
أنا مش سايباكي لوحدك. أنا سلمت لك كل المعلومات، ومستعدة أوضح أي حاجة تخص العلاج لو مش مكتوبة. لكن مش هقدر أرجع أكون المسؤولة الوحيدة عن كل حاجة.
قفلت المكالمة، وحسيت للحظة بالشفقة عليها.
لكن الشفقة دي اختفت لما افتكرت إن منى نفسها كانت بتقعد قدامي وتقول إن رعاية حماتي سهلة، وإن الموضوع كله محتاج شوية حنية وصبر.
دلوقتي، بعد يوم واحد بس، بدأت تعرف إن الرعاية مش مجرد زيارة قصيرة وكلمتين حلوين.
في المساء، رجع أحمد البيت وهو متوتر.
قال لي إن أمه رفضت تكمل تمارين العلاج الطبيعي، وإنها فضلت طول اليوم تشتكي من منى.
سألته
طب ومحمود عمل إيه؟
رد
محمود اټخانق معاها، وقال لها إنه مش هيقدر يقفل المحل كل يوم علشان يروح المستشفى.
ابتسمت بسخرية خفيفة.
غريبة. هو مكنش عنده وقت حتى يساعد أمه ساعة في اليوم، لكن كان عنده وقت يطلب منك فلوس كل ما يحتاج.
بص لي بضيق، لكنه ماجادلنيش.
بعد شوية، موبايله رن، وسمعته بتكلم مع أخوه.
محمود كان
بيقول له إن منى مش قادرة تتحمل الوضع، وإن الأفضل نرجع نتفق على تقسيم المسؤولية بطريقة تانية.
أحمد رد عليه
طب وإنت هتشارك بإيه؟
سكت محمود، وبعدها قال إنه ممكن يساهم بجزء من المصاريف، لكن مش هيقدر يسيب شغله.
أحمد أنهى المكالمة، وقعد ساكت.
ولأول مرة، حسيت إنه بدأ يفهم إن المسؤولية اللي كان شايفها بسيطة لما تكون على كتفي، مش سهلة بالشكل اللي كان متخيله.
لكن اللي حصل في اليوم التالت كان أكتر حاجة غيرت نظرة العيلة كلها للموضوع.
في الصبح، وأنا في الشركة، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت، فكان صوت حماتي.
قالت بنبرة باكية
يا سارة، أنا تعبانة ومحدش حاسس بيا. منى سابتني لوحدي ونزلت تشتري حاجات، ومش عارفة أتحرك.
قلبي اتقبض، وسألتها فورًا
إنتِ فين دلوقتي يا ماما؟
قالت إنها في البيت، وإنها حاولت تقوم لوحدها علشان تجيب كوباية مية، لكنها خاڤت تقع.
طلبت منها تفضل مكانها، وما تحاولش تقوم من غير مساعدة، واتصلت بمنى فورًا.
منى ردت بعد محاولتين، وقالت إنها نزلت الصيدلية والسوبر ماركت، وإنها راجعة خلال عشر دقايق.
اتصلت بأحمد، وطلبت منه يكلم محمود ويروحوا يطمنوا على أمه.
وبعدها كلمت حماتي مرة
تانية، وفضلت معاها على التليفون لحد ما أحمد وصل.
أنا
ماجريتش من شغلي علشان أروح مكانها، لكني اتأكدت إن حد من أولادها وصل لها، وإنها مش في خطړ.
بعد ساعة، أحمد اتصل بيا وقال إن أمه بخير، وإنها كانت محتاجة مساعدة بس.
سمعته وهو بيقول بصوت منخفض
أنا آسف يا سارة.
سألته
على إيه؟
قال
على إني خليتك تشيلي كل ده لوحدك، وكنت بتعامل معاه كأنه حاجة مفروغ منها.
سكت شوية، وبعدها كمل
أنا مكنتش متخيل إن الموضوع محتاج كل الوقت والمجهود ده.
قلت له
أنا حاولت أشرح لك ده كتير، بس إنت مكنتش بتسمع.
رد
عارف. وأنا مش هطلب منك ترجعي تعملي كل حاجة زي الأول.
لأول مرة من فترة طويلة، حسيت إن كلامه ممكن يكون بداية تغيير حقيقي.
لكن كان لسه قدامنا كلام كتير، خصوصًا إن حماتي نفسها ماكنتش مستعدة تعترف إن المشكلة عمرها ما كانت في قلة اهتمامي بيها.
المشكلة كانت إنها اتعودت على عطائي، لحد ما بقت شايفاه حق مكتسب، وأي حاجة أقل من كده تعتبر تقصير.
وفي اليوم الرابع، قررت حماتي تجمعنا كلنا في شقتها.
ووقتها، كنت مستعدة أسمعها للآخر، لكن مش مستعدة أرجع لنفس الحياة اللي خرجت منها.
الجزء الثالث يوم ما اتكشفت الحقيقة
لما وصلت شقة حماتي، لقيت أحمد
ومحمود ومنى قاعدين في الصالون.
الحاجة نادية كانت قاعدة على الكنبة، ووشها متجهم، وقدامها كوباية شاي ما شربتش منها غير رشفات بسيطة.
أول ما دخلت، بصت لي وقالت
أخيرًا يا سارة. تعالي اقعدي، إحنا لازم نخلص الموضوع ده.
قعدت في الكرسي المقابل ليها، وحطيت شنطتي جنبي.
بدأت كلامها من غير مقدمات
أنا عارفة إنك زعلانة مني، بس مهما حصل، أنا أم جوزك، ومينفعش تسيبيني بالطريقة دي.
بصيت لها وقلت
أنا ما سبتكيش من غير رعاية يا ماما. أنا سلمت منى جدول الأدوية، ومواعيد العلاج، وكل التفاصيل اللي محتاجاها. وأول ما حصلت مشكلة، اتصلت بأحمد ومحمود علشان ييجوا يساعدوكي.
ردت بعصبية
بس إنتِ كنتِ بتعملي كل حاجة بنفسك!
قلت لها
أيوه، وده كان اختياري في البداية، لكن مش معنى كده إني هفضل مسؤولة لوحدي طول العمر.
منى تدخلت وقالت
أنا مش ضد إني أساعد ماما، بس الموضوع أكبر من اللي كنت متخيلاه. أنا عندي بيتي وبنتي، ومش هقدر أكون موجودة كل يوم من الصبح لليل.
بصيت لها بهدوء.
وده حقك يا منى. وأنا مش طالبة منك تعملي أكتر من طاقتك. أنا بس بطلب إن كل واحد يشيل جزء من المسؤولية، بدل ما تتحط كلها
على شخص واحد.
محمود حرك رجله بتوتر، وقال
طب ما نجيب ممرضة أو حد متخصص، ونقسم المصاريف بينا كلنا.
قلت له
فكرة كويسة. بس قبل ما نتفق، لازم نراجع المصاريف اللي اتدفعت خلال السنتين اللي فاتوا.
أحمد بص لي، وفهم إني بتكلم عن الفواتير اللي وريتهاله.
طلعت نسخة من كشف المصاريف، وحطيتها على الترابيزة.
قلت
أنا مش بطلب إن حد يعوضني عن وقتي أو تعبي، لكن المصاريف الفعلية اللي دفعتها لازم تتسجل بوضوح، علشان مايتكررش نفس الوضع تاني.
محمود بدأ يقلب في الأوراق، وكل ما يشوف مبلغ، يرفع عينيه باستغراب.
أما حماتي، فكانت بتبص للورق كأنها بتشوف لأول مرة حجم اللي اتصرف عليها.
بعد دقائق من الصمت، قالت
يعني إنتِ كنتِ بتدفعي كل ده من فلوسك؟
رديت
أيوه يا ماما. أحمد دفع أول شهرين، وبعدها أنا اللي كنت بتحمل أغلب المصاريف.
لفت وشها ناحية ابنها، وقالت
إنت ماكنتش بتدفع؟
أحمد اتوتر، لكنه رد بصراحة
أنا كنت بدفع جزء في البداية، وبعدها طلبت من سارة تتحمل المصاريف مؤقتًا، وفضلت مأجل الموضوع.
حماتي سكتت.
واضح إنها كانت فاكرة إن كل المصاريف دي بتتدفع من حسابنا المشترك، وإن أنا مجرد واحدة
بتنظم الأمور.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
أنا ماكنتش بس بقدم
وقتي ومجهودي، أنا كمان كنت بصرف من فلوسي الخاصة، وفي نفس الوقت كنت بتعرض للانتقاد لأنهم شايفين إني مش بقدم حنية كفاية.
منى بصت لحماتي، وبعدها قالت
يا ماما، أنا عارفة إنك بتحبيني، لكن لازم نكون منصفين. سارة عملت حاجات كتير، وإحنا كلنا اتعودنا إنها هتفضل تعملها.
حماتي اتضايقت من كلامها.
إنتِ كمان يا منى؟ مش إنتِ اللي كنتِ بتقولي إنك هتهتمي بيا؟
منى ردت بهدوء
أنا ههتم بيكي يا ماما، لكن مش هقدر أعمل كل حاجة لوحدي، زي ما سارة ماكانش المفروض تشيل كل حاجة لوحدها.
الكلام ده خلّى حماتي تسكت تمامًا.
لأن لأول مرة، سمعت من الشخص اللي كانت بتعتبره أكتر واحدة حنينة عليها، إن الرعاية مسؤولية كبيرة، وإن الحب مش معناه إن حد يضحي بحياته كلها.
أحمد استغل لحظة الهدوء، وقال
أنا شايف إننا نتفق على نظام واضح. هنجيب ممرضة متخصصة تيجي في المواعيد اللي محتاجين فيها مساعدة، وهنقسم تكلفة الرعاية بيني وبين محمود بالتساوي، وماما هتفضل في بيتها طالما الدكتور شايف إن ده مناسب لحالتها.
محمود وافق، لكنه حاول يضيف
بس لو فيه أي مصاريف زيادة، لازم نتفق عليها قبل ما ندفع.
المرة دي، أنا
اللي ابتسمت.
قلت له
طبعًا. كل حاجة هتكون مكتوبة وواضحة، ومفيش حد هيتحمل أكتر من نصيبه من غير اتفاق.
أحمد بص لي، وفهم إن دي مش مجرد جملة عابرة.
دي كانت قاعدة جديدة لازم تتطبق في حياتنا كلها، مش في رعاية حماتي بس.
بعد الاجتماع، اتفقنا مع شركة رعاية منزلية مرخصة، وجبنا ممرضة مؤهلة تساعد الحاجة نادية في الأوقات اللي بتحتاج فيها متابعة طبية، مع استمرار العلاج الطبيعي حسب تعليمات الدكتور.
أما المواعيد اليومية البسيطة، فاتقسمت بين أولادها حسب ظروفهم.
أحمد بقى مسؤول عن مواعيد المتابعة الطبية وتنسيق العلاج، ومحمود اتفق إنه يروح لها يومين في الأسبوع بعد ما يقفل المحل، ومنى بقت مسؤولة عن تجهيز بعض الوجبات ومتابعة احتياجات البيت في الأيام اللي تقدر فيها.
وأنا؟
رجعت لحياتي.
رجعت أركز في شغلي، ووافقت على مشروع جديد كنت مأجلاه بسبب انشغالي المستمر.
وبقيت أزور حماتي من وقت للتاني، لكن من غير ما أرجع أشيل مسؤولية كل تفصيلة في حياتها.
في البداية، كانت بتعاملني ببرود، وأحيانًا كانت تلمح إني اتغيرت وإن قلبي مبقاش زي الأول.
لكن المرة دي، مكنتش بدخل في جدال.
كنت بقول لها
أنا
لسه بحترمك يا ماما، ولسه بتمنى لك الصحة، لكن لازم يكون فيه حدود واضحة بين المساعدة وبين إن حياتي كلها تتوقف علشان أقدر أرضيكي.
ومع مرور الأسابيع، بدأت تفهم إن وجودي في حياتها مش معناه إني لازم أكون متاحة في كل لحظة، وإن الزيارة اللي بعملها بمحبة أحسن من خدمة بعملها وأنا مستنزفة ومقهورة.
بعد حوالي شهرين، حصل موقف صغير لكنه كان مهم بالنسبة لي.
كنت رايحة أزورها يوم الجمعة، ولقيت منى هناك، قاعدة جنبها وبتساعدها تختار هدومها علشان يخرجوا يتمشوا شوية في البلكونة.
أول ما شافتني، حماتي قالت
تعالي يا سارة، اقعدي معانا.
قعدت، وبعد شوية بصت لي وقالت
أنا كنت عايزة أقولك حاجة.
بصيت لها مستنية تكمل.
قالت بصوت هادي
أنا ظلمتك لما كنت بقول إنك مش حاسة بيا. كنت شايفة منى بتيجي تضحكني وتتكلم معايا، وكنت بنسى إنك إنتِ اللي كنتِ بتشيلي الحمل كله.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
أنا اتعودت على وجودك لدرجة إني ما بقيتش شايفة التعب اللي وراه.
مكنتش محتاجة منها اعتذار طويل، ولا كنت مستنية اللحظة دي علشان أشمت فيها.
كل اللي كنت عايزاه إنها تفهم إن اللي بقدمه مش واجب مفروض عليّا من غير
تقدير، وإن الإنسان مهما كان بيحب عيلته،
ليه طاقة وحدود.
ابتسمت وقلت
أنا مسامحاكي يا ماما، بس أتمنى إننا من هنا ورايح نبقى واضحين مع بعض، وما نحملش حد فوق طاقته.
هزت راسها، ومدت إيدها مسكت إيدي.
وفي اللحظة دي، حسيت إن العلاقة بينا ممكن تبدأ من جديد، لكن بشكل مختلف، فيه احترام متبادل بدل ما يكون فيه طرف بيدي طول الوقت وطرف بياخد من غير ما يفكر.
أما أحمد، فالتغيير الحقيقي عنده ماكانش مجرد إنه بدأ يشارك في مصاريف أمه.
بعد ما شاف كل الفواتير، وراجع بنفسه قد إيه أنا تحملت خلال السنتين اللي فاتوا، بدأ يعيد ترتيب حساباتنا، واتفقنا إن مصاريف البيت وأي التزامات عائلية لازم تكون واضحة ومتفق عليها بينا.
كمان فتح موضوع الستين ألف جنيه اللي كان اداهم لمحمود من حسابنا المشترك، واتفق مع أخوه على جدول واضح لرد المبلغ على أقساط.
ولما رجعنا نتكلم عن اللي حصل، قال لي
أنا كنت فاكر إنك هتفضلي تتحملي كل حاجة، علشان إنتِ دايمًا
بتعرفي تتصرفي.
رديت عليه
كوني بعرف أتصرف مش معناه إني مش بتعب. وكوني قوية مش معناه إنك تسيبني أواجه كل حاجة لوحدي.
فضل ساكت شوية، وبعدها قال
عندك حق.
مكنتش مستنية إنه يتغير في يوم وليلة، لكن المرة دي كان فيه خطوات واضحة، مش مجرد وعود وقت الخلاف.
وبمرور الوقت، بدأت أحس إن جوازنا بقى أهدى، لأننا بقينا بنتكلم عن المشاكل قبل ما تتحول لعبء على طرف واحد.
أما حماتي، فبقت تعرف إن وجودي في حياتها مش معناه إني خدامة عندها، وإن اهتمامي بيها مش مرتبط بقد إيه أقدر أصرف أو أضحي.
وبقيت كل ما أزورها، أجيب لها حاجة بسيطة بتحبها، وأقعد معاها شوية، وأرجع بيتي وأنا مرتاحة.
لأن المساعدة اللي بتطلع من القلب عمرها ما كانت محتاجة إن الإنسان يلغي نفسه علشان يقدمها.
وفي يوم، وأنا خارجة من عندها، نادت عليّا وقالت
يا سارة، استني.
لفيت لها، فقالت
شكرًا إنك ما سيبتنيش فعلًا، رغم كل اللي قلتهولك.
ابتسمت
ورديت
أنا ما سبتكيش يا ماما، أنا بس بطلت أشيل المسؤولية لوحدي.
خرجت من شقتها وأنا حاسة براحة حقيقية.
أنا ما خسرتش عيلتي لما حطيت حدود، وما بقيتش إنسانة وحشة لمجرد إني رفضت أتحمل كل حاجة لوحدي.
بالعكس، لما وقفت في المكان الصح، كل واحد بدأ يشوف مسؤوليته بوضوح.
واتعلمت إن الحب مش معناه إنك تفضل تدي لحد لحد ما تخلص، وإن الاحترام الحقيقي مش إن الناس تعتمد عليك في كل حاجة، لكن إنهم يقدروا تعبك ويحترموا حقك في إنك تعيش حياتك.
ومن يومها، بقيت أفتكر الجملة اللي قلتها لحماتي في اللحظة اللي قررت فيها أغير كل حاجة
خلاص يا حماتي، من النهارده خلي مرات ابنك التاني تاخد بالها منك!
وقتها كنت فاكرة إني بس بوقف خدمة استنزفتني سنتين وتلات شهور.
لكن الحقيقة إني كنت ببدأ مرحلة جديدة، اتعلمت فيها إن اللي بيحبك بجد مش لازم يستفيد من طيبتك على حساب راحتك، وإن أحيانًا كلمة لأ بتكون أهم خطوة علشان
ترجع لنفسك وكرامتك وحياتك.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

تعليقات
إرسال تعليق