سكريبت طليقه جوزى كامله امانى السيد
سكريبت طليقه جوزى كامله امانى السيد
حضرت مع جوزى كتب كتاب بنت عمته وكانت طليقته موجوده في الفرح … كان طول الفرح عينه عليها وهى كانت متجهلاه بس انا كنت بلاحظ نظراتها من تحت لتحت ليه وهو كان مركز عينه طول الوقت عليها كانت عايزاه يغير عليها فكانت بتضحك وتهزر مع الكل بدون تكلفه كنت بلاحظ عروقه الباظه وهو ماسك الكوبايه فى ايده بس ما حبتش اتكلم قصاد الناس عشان محدش ماصغرش نفسى قصاد الكل
ابن خالته قرب منها وطول معاها فى القاعده فجوزى راح وقف قدامها وشدها ورقضوا سلوا وكل شويه يقرب من ودنها ويقولعا حاجه وهى تضحك وقت كتب الكتاب والمأذون قاعد
جوزى قرب بطلقيته وطلب انهم يكتبوا كتابهم الاول
ويرجعوا لبعض وكل الحاضرين كانوا فى حالة صدمه وبصولى بشفقه
وقتها فضلت قاعده ودموعى على خدى وانا مصدومه مش عارفه اعمل ايه ورجلى مش شيلانى اقوم حتى من مكانى عشان امشى
لكن قبل ما يكتبوا الكتاب طليقته نجلاء مسكت المايك واتكلمت بصوت عالى ومليان عجرفه
ـ أنا موافقه ارجعلك بس على شرط
بصلها وهو بيضحك وقالها موافق
كملت كلامها وهى بتضحك قصاد الكل وكأنها عارفه إنه هيوافق على اى حاجه عشان بس ينول رضاها
ـ طلق ميرنا دلوقتى وارمى عليها اليمين طلقه بائنه
وانا اروح معاك بدالها كده كده دى كانت شقتى وفرشها كان على ذوقى
قربت منه واديته الميكرفون وقالتله اختار دلوقتي
مسك عمر الميكرفون قصاد كل الناس وقالى
ـ ميرنا انتى طالق بالتلاته
كل المعازيم والحضور مكنوش عارفين يعملوا ايه يباركوا ولا يواسونى ولا يكملوا الفرح اللى بيبوظ وينكدوا على العروسه
لكن اختاروا انهم ماينكدوش على العروسه وكملوا الفرح عادى
قربت مني نجلاء وهي بتضحك بعجرفة، ووقفت قدامي تبصلي من فوق لتحت، وكأنها بتتأكد بنفسها إن كل حاجة خططت لها نجحت، وإنها قدرت تكسرني قدام الناس كلها.
مالت ناحيتي وقالت بصوت واطي، لكنه كان مليان شماتة:
ـ فاكرة لما قولتلك إنه لسه بيحبني، وإن عمر ده لعبة في إيدي، أحركه زي ما أنا عايزة؟ أهو بنفسك شوفتي بعينيكي، كلمة مني خلته يرميكي قدام الناس كلها ويرجعلي زي الكلب اللي بيرجع لصاحبه!
رفعت عيني ليها، لكن لساني كان عاجز عن الرد، مش عشان كلامها وجعني وبس، لكن عشان لسه مش مستوعبة إن الراجل اللي عشت معاه وشاركت معاه كل حاجة، قدر في لحظة واحدة يمسح سنين عشرتنا، ويقف قدام الناس ويطلقني من غير حتى ما يبص في وشي.
ضحكت نجلاء لما لقتني ساكتة، وكملت وهي بتظبط فستانها:
ـ عمومًا، ما تقلقيش يا ميرنا، أنا مش جاية آخد منك حاجة غير اللي هو بتاعي من الأول. عمر ده راجعلي، والشقة هترجعلي، وحتى القرشين اللي إنتِ تعبتي وحوشتيهم معاه هصرفهم أنا. ولما يفلس، وما يلاقيش في جيبه تمن كوباية شاي، هرميهولك تاني على بابك، خديه بقى وربيه من جديد!
قالت آخر جملة وهي بتضحك، وبعدين سابتني وراحت ناحية عمر اللي كان واقف مستنيها، ومدت إيدها في إيده بكل ثقة، وكأنها صاحبة الفرح، مش مجرد واحدة كانت مراته في يوم من الأيام.
أما أنا، ففضلت مكاني، دموعي بتنزل من غير صوت، وببص حواليَّ على الناس اللي من شوية كانوا وبيضحكوا معايا، ودلوقتي بقى كل واحد فيهم بيبصلي بنظرة شفقة، وكأنهم مش عارفين يقولولي إيه.
لمحت عمر وهو بيقرب من نجلاء وبيهمس لها في ودنها، فضحكت واتعلقت في دراعه، نفس الضحكة اللي كان بيغير منها من شوية، ونفس الحركة اللي خلت عروقه تبرز وهو بيشوفها بتضحك مع ابن خالته.
وقتها فهمت إن اللي حصل ما كانش لحظة ضعف ولا قرار اتاخد في ثانية، دي كانت لعبة أنا الوحيدة اللي ما كنتش عارفة إنها شغالة، وإن جوزي كان مستعد يبيعني في أول فرصة تفتح له باب الرجوع لطليقته.
مسحت دموعي بإيدي، وحاولت أقف، لكن رجلي كانت بتترعش، فاستندت على الكرسي لحد ما قدرت أوقف على رجلي.
واحدة من قرايب عمر قربت مني وقالت بحزن:
ـ معلش يا حبيبتي، ربنا يعوض عليكي، إحنا والله مش عارفين نقولك إيه.
بصيت لها وابتسمت ابتسامة باهتة، وقلت:
ـ ما تقوليش حاجة، أنا بس عايزة أمشي.
خرجت من القاعة وأنا حاسة إن كل خطوة باخدها بتبعدني عن عمر، وعن سنين كنت فاكرة إني بنيتها مع راجل بيحبني، لكن الحقيقة إني كنت ببني بيت على أرض مش بتاعتي، ومستنية منه الأمان، وهو طول الوقت كان مستني اللحظة اللي يرجع فيها لواحدة تانية.
وأول ما وصلت لباب القاعة، سمعت صوت الموسيقى بيعلى من جديد، والناس رجعت تضحك وتبارك للعروسة، وكأن حياتي اللي اتهدت من شوية ما كانتش أكتر من فقرة عابرة في فرحهم.
وقتها وقفت لحظة، وحطيت إيدي على صدري وأنا بحاول ألقط نفسي، وقلت لنفسي وسط دموعي:
ـ أنا مش عارفة هعيش إزاي من غيره، ولا هبدأ حياتي منين، بس اللي أنا متأكدة منه إني عمري ما هنسى اللي عمله فيا النهارده.
خرجت من القاعة، وأنا لسه مش عارفة إن اللي حصل ده ما كانش نهاية حكايتي مع عمر، لكنه كان أول يوم في حكاية جديدة، هعرف فيها إن خسارة راجل باعني بإيده، أهون بكتير من إني أفضل عمري كله مع واحد عمره ما شاف قيمتي.
كنت واقفة بره القاعة، ماسكة موبايلي بإيد بتترعش، وبحاول أطلب عربية تاخدني من المكان اللي دخلته من شوية وأنا مراته، وخرجت منه وأنا طليقته، من غير ما حتى أكون مستوعبة إزاي كل ده حصل في ساعات قليلة.
كنت كل شوية أبص على شاشة الموبايل وأشوف العربية قربت ولا لسه، وأمسح دموعي بسرعة كل ما أحس إن حد ممكن يشوفني، لحد ما سمعت صوت الموسيقى بيعلى من جوه القاعة، وبعدها صوت عمر وهو ماسك المايكروفون وبيغني.
اتجمدت مكاني، ورفعت راسي ناحية باب القاعة المفتوح، مش مصدقة إنه قادر يقف يغني ويضحك بعد كل اللي عمله فيا من شوية، وكأن الست اللي عاش معاها سنين، واللي رماها قدام الناس عشان يرجع لطليقته، ما كانتش موجودة أصلًا.
وفجأة، وسط صوت الأغاني، سمعت ضحكة نجلاء، ضحكة عالية ومتعالية، كانت مسموعة بوضوح لدرجة إن اللي واقف في الشارع يقدر يسمعها، مش بس اللي جوه القاعة.
وبعدها سمعت صوتها وهي بتقول بدلع:
ـ كمان يا عمر، غنيلي كمان!
رد عليها عمر بصوت عالي من خلال المايكروفون: ـ عشان خاطرك يا نوجا، أغنيلك لحد الصبح!
وانفجروا هما الاتنين في الضحك.
حطيت إيدي على بقي أكتم شهقة طلعت مني غصب عني، وحسيت إن قلبي بيتعصر جوا صدري. حتى بعد ما خرجت من القاعة، وحتى بعد ما بعدت عن عينيهم، ما سابونيش في حالي. كان صوت ضحكتها بيوصل ليّ، وصوته وهو بيغنيلها بيطعن في قلبي مرة ورا مرة، وكأنها قاصدة تخليني أسمع كل لحظة من فرحتها برجوعه ليها.
بصيت ناحية باب القاعة، وشفت بعض المعازيم واقفين عند المدخل، بيضحكوا وبيصوروا، بينما أنا واقفة لوحدي على الرصيف، بفستاني وشكلي اللي لسه من شوية كنت حريصة يكونوا في أحسن صورة عشان جوزي، واللي دلوقتي بقيت مش عايزة حد حتى يبصلي.
رن موبايلي، فبصيت لقيت السواق بيتصل بيا عشان يسألني أنا واقفة فين. رديت عليه بصوت مخنوق، وقلت له إني واقفة قدام قاعة الأفراح، وقفلت بسرعة قبل ما يلاحظ إني بعيط.
لكن قبل ما العربية توصل، سمعت صوت عمر تاني وهو بيغني، وبعده صوت نجلاء وهي بتضحك وتصفق له، فغمضت عيني بقوة، وحاولت أوقف دموعي، لكن كل ما أفتكر إنه كان من شوية واقف قدامي وبيقول لي: «إنتِ طالق بالتلاتة»، أحس إن روحي بتنسحب مني.
أنا ما كنتش مستوعبة إنه ما فكرش حتى يستنى لحد ما أمشي، ولا احترم العِشرة اللي كانت بينا، ولا خاف إن صوت فرحته برجوعه لطليقته يوصل لي وأنا واقفة بره مكسورة.
فتحت عيني، ومسحت وشي بطرف الطرحة، وقلت لنفسي بصوت واطي: ـ للدرجة دي يا عمر؟ للدرجة دي كنت مستني اليوم اللي تتخلص مني فيه عشان ترجع لها؟
ما لقيتش إجابة، غير صوت ضحكتها اللي لسه بيرن في ودني.
وصلت العربية، وفتحت الباب الخلفي وركبت، وقبل ما أقفله، بصيت للمرة الأخيرة ناحية القاعة. كانت أنوارها منورة، وصوت الأغاني مالي المكان، والناس عايشة فرحتها، بينما أنا كنت بحاول أستوعب إني بقيت لوحدي فجأة.
السواق بصلي من المراية وقال: ـ على فين يا مدام؟
فتحت بقي عشان أجاوبه، لكن الكلمة ما خرجتش. أنا نفسي ما كنتش عارفة أروح فين؛ بيتي اللي كنت راجعة له كل يوم على إنه بيتي، بقى في نظري مكان غريب، والراجل اللي كنت فاكرة إنه ضهري، اختار بإرادته إنه يكون أول واحد يكسرني.
بلعت غصتي، وقلت له بصوت مبحوح: ـ خدني عند بابا، لو سمحت.
اتحركت العربية، وأنا سندت راسي على الشباك، وبصيت للطريق اللي بيعدي قدامي من غير ما أشوفه فعلًا.
وفي اللحظة دي، وصلني إشعار على الموبايل.
رسالة من عمر.
فتحتها بإيد مرتعشة، وأنا لسه جوايا جزء غبي بيتمنى، رغم كل اللي حصل، إنه يكون بعت يعتذر أو يقول لي إنه ندمان.
لكن أول ما قرأت الرسالة، حسيت إن آخر حاجة جوايا كانت لسه متمسكة بيه، ماتت هي كمان.
كان كاتب:
«ماتعمليش مشاكل يا ميرنا، وخليكي عاقلة. أنا ونجلاء هنحتاج الشقة بكرة، فخدي حاجتك وروحي عند أهلك انهارده ارجع مش عايز المح اى اثر ليكى فى الشقه عشان وقتها هتزعلى جامد وهطردك باللبس اللى عليكى .»
فضلت باصة للرسالة ثواني طويلة، وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة خرجت من وسط دموعي، ضحكة واحدة مش مصدقة إن ده نفس الراجل اللي كنت بحوش من مرتبي قرش فوق قرش عشان أساعده، واللي كنت بحرم نفسي من حاجات كتير عشان أقدر أوفر له فلوس وقت ما يحتاج.
حتى الشقة اللي بيطلب مني أسيبها، ما كانش عارف إن جزءًا كبيرًا من فرشها اتجاب من فلوسي، وإن القرشين اللي نجلاء بتتوعدني إنها هتصرفهم، أنا اللي تعبت سنين عشان أجمعهم.
قفلت الموبايل، وسندت راسي على الكرسي، ولأول مرة من ساعة ما سمعت كلمة الطلاق، حسيت إن جوايا حاجة بدأت تتغير.
أنا لسه موجوعة، ولسه مش قادرة أصدق اللي حصل، لكن وسط الوجع ده كله، بدأت أسأل نفسي سؤالًا واحدًا:
هو أنا فعلًا خسرت عمر، ولا أنا أخيرًا عرفت عمر على حقيقته؟
طليقه جوزى ٢
امانى السيد
وصلت الشقه واخدت هدومى وروحت بيت اهلى
وصلت العربية قدام بيت أهلي، وفضلت قاعدة مكاني شوية، مش قادرة أفتح الباب وأنزل. كنت حاسة إن أول ما أخطو جوه البيت وأسلم على ماما وبابا، كل اللي حصل هيتحول لحقيقة، ومش هقدر أهرب منه تاني.
مسحت دموعي، وخدت نفس طويل، وبعدها نزلت من العربية وطلعت شقتهم. أول ما ماما فتحت الباب وشافتني واقفة قدامها بفستاني ومكياجي اللي باظ من كتر العياط، ابتسامتها اختفت، وبصتلي بقلق وهي بتسألني:
ـ مالك يا ميرنا؟ إيه اللي حصل؟ وإنتِ جاية لوحدك ليه؟ عمر فين؟
حاولت أتكلم، لكن صوتي خانني، وفجأة لقيت نفسي برتمي في حضنها وبعيط بحرقة، كأن كل الوجع اللي كنت كاتماه طول الطريق انفجر مرة واحدة.
ماما فضلت تربت على ضهري وهي مرعوبة، وندهت على بابا اللي كان قاعد في الصالة، وأول ما شافني بالحالة دي قام من مكانه بسرعة.
ـ في إيه يا بنتي؟ عمر عملك إيه؟ اتكلمي!
بعدت عن حضن ماما بالعافية، وقعدت على الكنبة، وأنا مش قادرة أبص في عينيهم من كتر الكسرة اللي حاساها.
ماما قعدت جنبي ومسكت إيدي وقالت: ـ يا حبيبتي، طمنيني، إنتِ اتخانقتي مع عمر؟ حد زعلك في الفرح؟
هزيت راسي وأنا بعيط، وقلت بصوت متقطع: ـ عمر طلقني يا ماما.
ماما شهقت وحطت إيدها على صدرها، وبابا وقف مكانه للحظات كأنه مش مستوعب اللي سمعه، وبعدها قرب مني وقال بحدة:
ـ طلقك إزاي؟ وإمتى؟ وإيه اللي حصل خلاه يعمل كده؟
بدأت أحكيلهم كل حاجة من أول ما وصلنا الفرح، ووجود نجلاء طليقته، ونظرات عمر ليها طول الوقت، ومحاولاته إنه يلفت انتباهها، لحد ما شفتها بتضحك وتهزر مع ابن خالته، وإزاي عمر راح وقف قدامها واتدخل في الكلام بينهم، وبعدها طلب منها يكتبوا كتابهم ويرجعوا لبعض قدام كل المعازيم.
كنت كل ما أحكي تفصيلة، أحس إن الوجع بيزيد، لكني كملت لحد ما وصلت للحظة اللي نجلاء مسكت فيها المايكروفون واشترطت عليه يطلقني عشان توافق ترجع له.
قلت وأنا بمسح دموعي: ـ يا بابا، والله ما لحقت حتى أستوعب اللي بيحصل! لقيته مسك المايكروفون وقال لي قدام الناس كلها: يا ميرنا إنتِ طالق بالتلاتة! من غير ما يفكر، من غير ما يبصلي حتى، كأني واحدة غريبة عنه، مش مراته اللي عاشت معاه ووقفت جنبه.
بابا قبض إيده بغضب، وماما كانت بتعيط معايا وهي مش مصدقة إن عمر قدر يعمل فيا كده.
كملت كلامي وأنا حاسة بالإهانة بتخنقني: ـ وبعد ما طلقني، نجلاء قربت مني وفضلت تتريق عليا، وقالتلي إنها هتصرف الفلوس اللي أنا تعبت وحوشتها معاه، ولما يفلس هترجعهولي تاني! تخيل يا بابا، دي كانت بتتكلم عني كأني خدامة عندها، وعمر واقف معاها بيضحك ويغنيلها في الفرح، وأنا كنت واقفة بره القاعة بسمع ضحكتها وصوته، ومش قادرة حتى أمشي من مكاني!
ماما حضنتني وهي بتقول:
ـ يا حبيبتي يا بنتي، كل ده حصل لك وإنتِ لوحدك؟ يا وجع قلبي عليكِ!
هزيت راسي وقلت:
ـ ولسه يا ماما، ده بعتلي رسالة وأنا في العربية بيقولي أروح آخد هدومي من الشقة، وإنه هو ونجلاء محتاجينها بكرة! يعني حتى ما استناش لحد ما أهدى، ولا فكر أنا هروح فين ولا هعمل إيه.
هنا بابا ما قدرش يستحمل أكتر من كده، قام من مكانه وبدأ يتمشى في الصالة بعصبية، وبعدها وقف قدامي وقال:
ـ الراجل ده فاكر إن بنتي مالهاش ضهر؟ فاكر إنه يقدر يرميها في الشارع عشان واحدة تانية طلبت منه كده، وإحنا نسكت؟!
مسكت إيده بسرعة وقلت:
ـ أرجوك يا بابا، أنا مش عايزة مشاكل، ومش عايزة حد يروح يتخانق معاه. أنا مش قادرة أتحمل أي حاجة تاني، كل اللي أنا عايزاه إني أنسى اللي حصل.
بصلي بابا بحزن، وقعد جنبي وقال:
ـ محدش هيجبرك على حاجة يا بنتي، بس إنتِ مش هتضيعي حقك. إنتِ بنتنا، وكرامتك من كرامتنا، واللي حصل ده مش هنسكت عليه.
سبتهم ودخلت نمت
تاني يوم الصبح، صحيت من النوم على صوت ماما وهي بتخبط على باب أوضتي، فتحت عيني بالعافية وقعدت على السرير، وأنا حاسة إن جسمي كله متكسر من كتر العياط وقلة النوم. للحظات نسيت أنا فين، لكن أول ما عيني وقعت على أوضتي القديمة، افتكرت كل اللي حصل، وحسيت بوجع شديد في قلبي
دخلت ماما وهي شايلة صينية الفطار، وحطتها قدامي وقالت بحنان: ـ قومي يا حبيبتي، كلي أي حاجة، إنتِ من امبارح ما أكلتيش لقمة عدلة.
هزيت راسي وقلت: ـ مش قادرة يا ماما، مش عايزة آكل.
قعدت جنبي ومسحت على شعري وقالت: ـ عشان خاطري يا بنتي، لازم تقوي نفسك، اللي حصل حصل، ومش هينفع تفضلي تعذبي في نفسك بالشكل ده.
حاولت أسمع كلامها، وكلت كام لقمة بالعافية، وبعدها قمت غسلت وشي ولبست هدومي، وخرجت للصالة، لقيت بابا قاعد مستنيني، وأول ما شافني قال:
ـ يلا يا ميرنا، البسي عبايتك وتعالي معايا.
بصيت له باستغراب وسألته: ـ رايحين فين يا بابا؟
ـ هنروح لمحامي، عايز أعرف إيه حقوقك، وإزاي ترجعي كل حاجة تخصك، من أول قايمة عفشك لحد أي حق تاني ليكي.
اتوترت وقلت: ـ يا بابا، أنا مش عايزة أدخل في مشاكل مع عمر، كفاية اللي حصل، أنا مش عايزة أشوفه ولا أسمع صوته تاني.
بصلي بابا بجدية وقال: ـ وإنتِ مش مطالبة تشوفيه ولا تتكلمي معاه، المحامي هو اللي هيتصرف في الإجراءات. يا بنتي، إنتِ مش بتاخدي حاجة مش بتاعتك، إنتِ بتطلبي حقك، والراجل اللي اختار يطلقك قدام الناس كلها، كان لازم يفكر في كل ده قبل ما يعمل اللي عمله.
سكت شوية، وبعدها هزيت راسي ووافقت أروح معاه.
وصلنا مكتب المحامي، وبعد ما رحب بينا وسمع تفاصيل اللي حصل، بدأ يسألني عن عقد الجواز والقايمة والدهب وأي مستندات تخص حقوقي. بابا وضح له إن عمر طلقني في الفرح قدام عدد كبير من الناس، وإن عندنا رسالة منه بيطلب مني فيها أسيب الشقة بعد ما لمّيت حاجتي.
المحامي راجع الأوراق اللي معايا، وبعدها قال بهدوء: ـ إحنا هنراجع كل المستندات ونحدد حقوق حضرتك والإجراءات القانونية المناسبة. المهم إنك تحتفظي بكل الرسائل وأي دليل متعلق بالموضوع، وما تمضيش على أي تنازل عن حقك من غير ما نفهم مضمونه كويس.
خرجت من عنده وأنا حاسة إن الحمل اللي على صدري خف شوية، مش لأن وجعي انتهى، لكن لأن لأول مرة من ساعة اللي حصل، حسيت إن فيه حد هيتولى التعامل مع الموضوع بدل ما أكون مضطرة أواجه عمر ونجلاء بنفسي.
وصلنا البيت وقبل ما أنزل من العربية، بصلي وقال: ـ إنتِ مش لوحدك يا ميرنا، فاهمة؟ مهما حصل، إحنا ضهرك وسندك.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة، ونزلت وأنا بحاول أتمسك بكلامه.
وفي الوقت اللي كنت فيه بحاول ألم نفسي من جديد، كانت نجلاء بتبدأ حياتها مع عمر من المكان اللي أنا خرجت منه مكسورة.
أول ما نجلاء الشقة مع عمر، وقفت في نص الصالة، وبصت حواليها باشمئزاز، وقالت له: ـ إيه يا عمر، إنت كنت عايش هنا إزاي بالشكل ده؟ هو أنا هرجع ألاقي نفس الفرش القديم ده لسه موجود؟!
عمر بص حواليه باستغراب وقال: ـ مالُه الفرش؟ ده لسه كويس يا نجلاء، وإحنا مش محتاجين نغير كل حاجة دلوقتي.
ضحكت بسخرية وقالت: ـ كويس بالنسبة لك إنت، إنما أنا مش هرجع أعيش في شقة مش على ذوقي. أنا هرجع بيتي، ومش هقبل بأقل من اللي كنت عايشاه زمان، وإنت بنفسك وعدتني إنك هتعوضني عن كل السنين اللي فاتت.
حاول يرضيها وقال: ـ خلاص يا ستي، اللي إنتِ عايزاه هيحصل، بس بالراحة علينا شوية.
قربت منه، ولفت دراعها حوالين رقبته، وقالت بدلع: ـ أنا عارفة إنك مش هتقدر ترفض لي طلب، عشان إنت لسه بتحبني، وأنا كمان هرجع أعوضك عن كل الأيام اللي بعدنا فيها عن بعض.
الكلام ده خلاه يبتسم، وصدق إن رجوع نجلاء لحياته معناه إنه أخيرًا هيعيش السعادة اللي كان بيحلم بيها، من غير ما يفكر للحظة إن الست اللي رجعت له كانت شايفة في رجوعها فرصة تستعيد بيها كل اللي كانت نفسها فيه.
ومن تاني يوم، بدأت نجلاء تنفذ اللي في دماغها.
جابت مهندس ديكور، وفضلت تلف معاه في الشقة، تختار ألوان الحيطان والستائر، وتغير أماكن الأثاث، وتطلب فرش جديد، وكل ما عمر يعترض على سعر حاجة، تبص له بضيق وتقول:
ـ هو إنت رجعتني عشان تعيشني زي الملكة، ولا عشان تحسسني إني رجعت لواحد على قده؟!
فيضطر يسكت ويوافق، خوفًا من إنها تزعل وتغير رأيها في رجوعها له.
وخلال أيام قليلة، الشقة اللي كنت عايشة فيها اتغير شكلها تمامًا. الفرش القديم اختفى، والستائر اتبدلت، والأثاث الجديد اتملأ بيه المكان، وكل ركن بقى على ذوق نجلاء واختيارها، لدرجة إن عمر نفسه بقى حاسس إنه غريب في بيته.
لكنها ما اكتفتش بكده.
بعد ما خلصت تجهيز الشقة، بدأت تطلب منه يخرجها كل يوم. مرة عايزة تتعشى في مطعم فخم، ومرة عايزة تشتري هدوم جديدة، ومرة تحب تخرج مع صاحباتها وتقضي اليوم كله بره.
وعمر، اللي كان لسه فرحان برجوعها، كان بيحاول يلبي كل طلباتها، حتى لو ده معناه إنه يصرف مبالغ كبيرة كل يوم.
وفي يوم، رجعت من جولة تسوق طويلة، وحطت قدامه أكياس كتير، وقالت بفرحة: ـ إيه رأيك في الحاجات دي؟ مش قولتلك إني محتاجة أغير كل هدومي؟ وبالمناسبة، أنا كلمت البنات، وهنسافر الساحل آخر الأسبوع.
عمر بص للأكياس باستغراب وقال: ـ الساحل؟ دلوقتي؟ ما إحنا لسه صارفين كتير على الشقة والفرش!
اتغيرت ملامحها فورًا، وردت بحدة: ـ يعني إيه؟ إنت ندمان إنك رجعتني ولا إيه؟ أنا من حقي أعيش وأتبسط، ولا إنت كنت فاكر إنك هترجعني وأقعد محبوسة بين أربع حيطان؟
اتنهد عمر وقال: ـ ما قولتش كده يا نجلاء، أنا بس بقول نهدى شوية في المصاريف.
قربت منه وقالت ببرود: ـ براحتك، بس أنا مش هرجع أعيش نفس الحياة اللي كنت عايشاها قبل كده. إنت اللي اخترت ترجعني، وإنت اللي قلت إنك هتعمل أي حاجة عشان نكون مع بعض.
اضطر يوافق على السفر، وفضل طول الأيام اللي بعدها يحاول يوفر فلوس الرحلة ومصاريفها، بينما نجلاء كانت بتخطط للفسح والخروجات اللي جاية، وكأن الفلوس مالهاش آخر.
وسافروا فعلًا، وقضوا أيام على البحر، وصورهم بدأت تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي؛ نجلاء بتضحك في الصور، وعمر واقف جنبها، وكل شوية تنزل صورة جديدة وتكتب كلامًا عن السعادة والرجوع للحب القديم.
وفي الوقت اللي كانت فيه بتتباهى بحياتها الجديدة، كنت أنا قاعدة في بيت أهلي، بحاول أرجع لحياتي الطبيعية، وأتعلم إزاي أعيش من غير ما أربط سعادتي بوجود شخص تاني.
ماكنتش أعرف تفاصيل يومهم، لكن الصور كانت بتظهر قدامي أحيانًا، وكل مرة كنت بحس بوخزة في قلبي، خصوصًا لما أشوف الشقة اللي كنت بعتبرها بيتي بقت على ذوق نجلاء، وعمر بيحاول يرضيها بكل الطرق.
لكن مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ حاجة مهمة؛ نجلاء ما كانتش بتكتفي باللي عندها، وكل ما عمر يحقق لها طلب، يظهر طلب أكبر منه.
أما عمر، فكان لسه فاكر إن كل الفلوس اللي بيصرفها هتضمن له إنها تفضل معاه، من غير ما يدرك إنه بيستهلك مدخراته واحدة واحدة، وإن الرجوع اللي كان مستعد يخسر عشانه كل حاجة، ممكن يكون بداية خسارة أكبر بكتير مما تخيل.
وفي يوم، بينما كان قاعد بيحسب مصاريفه، اكتشف إن المبلغ اللي كان حاطه على جنب بدأ يقل بشكل مخيف، وإن المصاريف اليومية والفرش والسفر والتسوق سحبوا جزءًا كبيرًا من فلوسه.
رفع عينيه ناحية نجلاء، اللي كانت قاعدة قدامه بتتصفح الموبايل وبتتكلم عن رحلة جديدة، وحس لأول مرة إن فيه حاجة مش مطمئنة.
لكنه بدل ما يواجه الحقيقة، أقنع نفسه إنها مجرد فترة وهتعدي، وإن نجلاء لما تحس بالأمان معاه، هتقدر تعيش معاه بهدوء.
وما كانش يعرف إن الأيام الجاية هتكشف له إن الست اللي رجعلها عشان حبه القديم، كانت مستعدة تعيش معاه طول ما هو قادر يوفر لها الحياة اللي هي عايزاها… أما لما الفلوس تبدأ تخلص، فلكل حادث حديث.
طليقه جوزى ٣
امانى السيد
بعد ما نجلاء خلصت تغيير فرش الشقة على ذوقها، كانت واقفة في نص الصالة بتتأمل شكل المكان الجديد برضا، الستائر اتغيرت، والكنب القديم اختفى، واشترت بدل منه طقم أغلى، وحتى أوضة النوم قررت تبدل فيها حاجات كتير، وكل ما عمر يعترض على المصاريف، ترد عليه إنها مش هتعيش أقل من المستوى اللي تستحقه.
وفي يوم، كان عمر قاعد في الصالة بيتصفح موبايله، لحد ما وصله إشعار رسمي من المحكمة بخصوص مطالبة ميرنا بحقوقها في قايمة المنقولات الزوجية.
فتح الإشعار، وبدأ يقرأه بتركيز، وكل ما يكمل سطر، ملامحه تتغير أكتر، لحد ما رمى الموبايل على الترابيزة بعصبية وقال:
\- يا نهار أسود! هي ميرنا رفعت عليَّ قضية قايمة بجد؟!
خرجت نجلاء من أوضة النوم، وهي بتظبط شعرها، وسألته باستغراب:
\- في إيه يا عمر؟ مالك بتزعق كده ليه؟
رفع عينيه ناحيتها وقال بغضب:
\- المحكمة بعتت لي إخطار بخصوص قايمة ميرنا، وهي طالبة بحقوقها كلها!
ضحكت نجلاء بلا مبالاة، وقعدت جنبه وهي بتقول:
\- وإيه المشكلة؟ ما هي دي حقوقها، ولا إنت كنت فاكر إنها هتسيب لك كل حاجة وتمشي؟!
بصلها بصدمة من ردها، وقال:
\- إنتِ بتتكلمي بجد؟! دي القايمة فيها عفش وأجهزة وحاجات كتير، وإنتِ بنفسك شوفتي إننا غيرنا الفرش وبعنا حاجات واشترينا غيرها! أعمل إيه دلوقتي؟!
اتغيرت ملامح نجلاء للحظة، لكنها سرعان ما تماسكت وردت ببرود:
\- وانا مالي؟ إنت اللي اتصرفت في حاجتك، وأنا ما أجبرتكش على حاجة. وبعدين ما تقلقش نفسك من دلوقتي، شوف محامي يتصرف.
قام عمر من مكانه وهو بيمرر إيده في شعره بعصبية:
\- إنتِ مش فاهمة! دي مش مجرد خناقة بيني وبينها، ده موضوع بقى قدام المحكمة، ولازم أواجهه.
ردت نجلاء بنبرة مستفزة:
\- طب ما تواجهه يا عمر! ولا إنت كنت فاكر إنك لما تطلقها قدام الناس وتجيبني أعيش مكانها، هي هتفضل قاعدة تعيط طول عمرها ومش هتطالب بحقها؟!
سكت عمر، لأن كلامها لمس حقيقة كان بيحاول يهرب منها. هو فعلًا ما فكّرش لحظة في مصير ميرنا بعد ما طردها من حياته، وكان متخيل إنها هتنسحب في هدوء، زي ما كانت دايمًا بتعمل، من غير ما تطلب منه أي حاجة.
لكن ميرنا المرة دي كانت مختلفة.
في بيت أهلها، كانت قاعدة جنب والدها، والمحامي بيشرح لهم الخطوات اللي هيتخذها بعد وصول الإخطار. ما كانتش بتدور على الانتقام، ولا مستنية عمر يندم ويرجع لها، كل اللي كانت عايزاه إنها تسترد حقها اللي ما تنازلتش عنه.
أما عمر، ففضل طول الليل يفكر في المنقولات اللي اتغيرت، والمبالغ اللي دفعها في الفرش الجديد، والإنذار اللي وصله، بينما نجلاء كانت بتقلب في صور رحلتهم الجاية وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
ولأول مرة، بدأ عمر يسأل نفسه سؤالًا ماكانش بييجي في باله قبل كده: هل نجلاء فعلًا رجعت له عشان بتحبه، ولا رجعت لأنها عارفة إنه مستعد يخسر كل حاجة علشان يرضيها
اضطر عمر في النهاية إنه يقعد مع محاميه ويعرف منه إيه أفضل طريقة ينهي بيها قضية القايمة، خصوصًا إن موضوع تغيير العفش وبيع بعض المنقولات زوّد خوفه من العواقب القانونية. وبعد تفكير طويل، قرر إنه ياخد قرض من البنك، ويسدد لميرنا حقوقها عشان ينهي النزاع ويقفل الصفحة دي من حياته.
ولما راح لميرنا ومعاه والدها والمحامي، كانت المقابلة مختلفة تمامًا عن كل مرة شافها فيها. لا دموع، ولا عتاب، ولا حتى نظرة شوق. كانت قاعدة قدامه هادية، بتراجع الأوراق اللي تثبت حصولها على حقوقها، وكأنها بتتعامل مع شخص غريب مابقاش له مكان في حياتها.
بصلها عمر للحظات، ثم قال بصوت خافت:
\- كده إنتِ خدتي كل حقوقك، ومابقاش ليكي عندي حاجة.
رفعت ميرنا عينيها له وردت بهدوء:
\- أنا عمري ما كنت عايزة منك غير حقي يا عمر. إنت اللي خليتني أضطر آخده بالطريقة دي، ولو كنت احترمتني يوم الفرح، ماكناش وصلنا للي إحنا فيه.
حاول يرد، لكنه ما لقاش كلام يقوله. وقّع على الأوراق اللازمة، وتمت التسوية وفقًا للإجراءات القانونية، وبكده انتهى النزاع على حقوقها.
خرجت ميرنا مع والدها، من غير ما تلتفت وراها، بينما عمر فضل واقف مكانه، حاسس إنه خسر جزءًا كبيرًا من فلوسه في محاولة للتخلص من قضية كان ممكن يتجنبها لو فكر بعقل قبل ما يتصرف باندفاع.
رجع شقته وهو شايل هم القرض والأقساط اللي هتفضل تطارده شهور طويلة، لكنه حاول يخبي ضيقه عن نجلاء. غير إن إخفاء الحقيقة ما استمرش كتير؛ فمع الوقت، بدأت مصاريف البيت تتراكم، وفلوسه اللي كانت بتتصرف على الخروجات والسفر والفرش الجديد خلصت، وبقى مطالب يسدد أقساط القرض ويلبي طلبات نجلاء في الوقت نفسه.
وفي إحدى الليالي، رجعت نجلاء من بره، وطلبت منه يحجز لهم رحلة جديدة، لكنه رد عليها بتعب:
\- مفيش سفر يا نجلاء، أنا مش معايا فلوس دلوقتي.
بصت له باستنكار، وكأنها مش مصدقة اللي سمعته.
\- يعني إيه مفيش فلوس؟ وإنت مرتبك بيروح فين؟
\- أنا عليَّ قرض، وبسدد أقساطه، ولسه ورايا مصاريف كتير. لازم نهدى شوية لحد ما أقف على رجلي.
ضحكت بسخرية وقالت:
\- أقف على رجلك؟ هو أنا رجعت لك عشان أعيش معاك حياة كلها ديون وحرمان؟ إنت كنت بتوعدني إنك هتعوضني عن كل السنين اللي فاتت، ودلوقتي عايزني أعيش على قد إمكانياتك؟
حاول عمر يسيطر على غضبه:
\- أنا ما وعدتكيش إني هفضل أصرف من غير حساب، وأنا عملت اللي عملته عشان أخلص من قضية ميرنا وأرجع لها حقها.
ما إن ذكر اسم ميرنا حتى انفجرت نجلاء في وجهه:
\- أهو! كل اللي حصل ده بسبب ميرنا! إنت لسه بتدفع تمن جوازك منها، وأنا مالي بكل ده؟ أنا مش هضيع عمري مع واحد مش قادر يعيّشني زي ما أنا عايزة!
ومن يومها، بدأت نجلاء تتعامل مع عمر ببرود، وتفتعل الخلافات على أقل الأسباب، حتى إنها بقت تقارنه بالرجال اللي بتشوفهم في خروجاتها، وتلمّح له إنها تستحق حياة أفضل.
أما عمر، فكان بيحاول يتمسك بزواجه، ويقنع نفسه إن نجلاء هتهدى مع الوقت، وإن كل اللي محتاجه شوية صبر لحد ما يعدي أزمته المالية. لكنه كان كل يوم بيكتشف جانبًا جديدًا منها، جانبًا ما شافوش وهو بيجري وراها عشان يرجعها لحياته.
وفي صباح يوم، فوجئ بها بتقول له بوضوح:
\- أنا عايزة الطلاق يا عمر.
رفع عينيه عن الأوراق اللي قدامه، وبصلها بعدم تصديق:
\- طلاق؟! إنتِ بتقولي إيه؟!
ردت ببرود:
\- بقول إني مش عايزة أكمل معاك. أنا مش هفضل مع واحد مديون ومش قادر يحقق لي أبسط طلباتي.
قام من مكانه وقال بانفعال:
\- يعني لما كنت غني وبتصرف، كنتِ مبسوطة بيا، ولما ظروفي اتغيرت بقيتِ عايزة تسيبيني؟! ده أنا رجعتك وضيعت جوازي من ميرنا عشانك!
صرخت فيه:
\- وأنا ما طلبتش منك تطلقها بالطريقة دي! إنت اللي عملت كده بمزاجك!
كانت كلماتها كالسكاكين في صدره، لكنه رفض يطلقها، متمسكًا بما تبقى له من كرامة، أو ربما لأنه لم يحتمل فكرة أن المرأة التي خسر كل شيء من أجلها ستتركه هي الأخرى.
مرت الأيام، ونجلاء لم تتراجع عن قرارها، بل لجأت إلى المحكمة ورفعت دعوى خلع، وبعد استكمال الإجراءات القانونية، انتهى زواجهما بالخلع.
خرج عمر من المحكمة يومها وكأنه خرج من حياة كاملة، لا يعرف إلى أين يذهب، ولا كيف يبدأ من جديد. رجع إلى الشقة التي أنفق عليها أمواله، فوجدها ساكنة على نحوٍ موجع، وكل ركن فيها يذكّره بما فعله من أجل نجلاء، وبالديون التي أثقلت كاهله، وبميرنا التي خرجت من حياته منكسرة ثم استعادت حقها ومضت في طريقها.
جلس على الأريكة، وراح يسترجع ليلة الفرح، وصوت نجلاء وهي تضحك، ووجه ميرنا وهي تقف أمامه عاجزة عن استيعاب أنه طلقها بهذه السهولة. يومها ظن أنه انتصر، وأنه استعاد الحب الذي ضاع منه، لكنه الآن لم يعد يملك زوجة ولا مالًا، وبات محاصرًا بأقساط القرض وندم لا يعرف كيف يتخلص منه.
ومع مرور الوقت، تحوّل ندمه إلى غضب، والغضب إلى كراهية شديدة تجاه نجلاء. بدأ يقنع نفسه بأنها السبب في كل ما حدث، وأنها خدعته واستغلته حتى أخذت منه كل ما تستطيع، ثم تخلت عنه عندما لم يعد قادرًا على الإنفاق عليها. كان ينسى، أو يتعمد أن ينسى، أنه هو من اختار، وهو من طلق ميرنا أمام الناس، وهو من قرر أن يجعل حياته كلها رهينة لرغبات نجلاء.
وفي ليلة، اتصل بها وطلب مقابلتها، لكنها رفضت الحديث معه، وسخرت منه حين حاول أن يحمّلها مسؤولية ما وصل إليه.
قالت له بحدة:
\- إنت اللي اخترتني يا عمر، وإنت اللي طلقت مراتك، وإنت اللي صرفت فلوسك. ماتجيش دلوقتي تلومني على قرارات إنت أخدتها بإيدك!
أغلق الهاتف وهو يرتجف من الغضب، وشعر أن آخر خيط كان يربطه بالماضي قد انقطع. ظل يدور في الشقة ذهابًا وإيابًا، يستعيد كلماتها، ويزداد اقتناعًا بأنها دمّرت حياته، حتى غاب عنه صوت العقل، ولم يعد يرى أمامه سوى الانتقام.
وفي لحظة تهور خطيرة، اتخذ قرارًا مروّعًا، وخرج من شقته قاصدًا نجلاء، مدفوعًا بغضب أعمى ورغبة في معاقبتها على كل ما حدث.
لكنه لم يدرك أن اللحظة التي يظن فيها الإنسان أنه ينتقم لنفسه، قد تكون هي اللحظة التي يهدم فيها ما تبقى من حياته إلى الأبد.
وصل عمر إلى المكان الذي كانت نجلاء تقيم فيه بعد طلاقهما، وكان الغضب يعمي عينيه، وكلما تذكّر ما خسره بسبب قراراته، ازداد اقتناعًا بأنها السبب في ضياع حياته. اتصل بها أكثر من مرة، لكنها تجاهلت اتصالاته، حتى أرسلت له رسالة قصيرة تخبره فيها أنها لا تريد رؤيته مرة أخرى.
كانت الرسالة كفيلة بأن تشعل ما تبقى من غضبه، فذهب إليها وطلب منها أن تخرج ليتحدث معها، وحين وقفت أمامه، قابلته بنظرة باردة خالية من أي مشاعر.
قال لها بصوت مرتجف من شدة الانفعال:
\- إنتِ مبسوطة كده يا نجلاء؟! أخدتي اللي إنتِ عايزاه، وسبتيني غرقان في الديون، وخسرت مراتي وبيتي وفلوسي، وفي الآخر رميتي كل حاجة ورا ضهرك ومشيتي!
ردت نجلاء باستهزاء:
\- وإنت كنت مستني إيه؟ كنت فاكر إني هفضل معاك عشان أساعدك تسدد ديونك؟ أنا من الأول قلت لك إني مش هقبل أعيش في المستوى ده، وإنت اللي كنت مصمم ترجعني!
اقترب منها خطوة، وقال:
\- أنا عملت كل ده عشانك!
صرخت في وجهه:
\- لأ يا عمر، إنت عملت كل ده عشان نفسك! إنت كنت عايز تثبت إنك تقدر ترجعني، وإنك لسه قادر تتحكم في حياتي، ولما اكتشفت إنك مش قادر، قررت تحمّلني الذنب كله!
ساد الصمت بينهما للحظات، وكانت كلماتها قاسية، لكنها لم تكن كاذبة تمامًا. فقد كان عمر يعرف في أعماقه أنه اتخذ قراراته بإرادته، وأنه لم يجبره أحد على طلاق ميرنا أو إهانتها أمام الجميع، لكنه لم يستطع مواجهة الحقيقة، فاختار أن يصب غضبه على نجلاء.
وفي لحظة فقد فيها السيطرة على نفسه، ارتكب فعلًا عنيفًا أنهى حياتها، ثم وقف مذهولًا أمام ما صنعته يداه. لم يعد هناك مجال للتراجع، ولم تعد اتهاماته لها قادرة على إعادة أمواله أو استرجاع زواجه أو إصلاح ما حطمه بقراراته.
حاول أن يستوعب ما حدث، لكن الحقيقة كانت أكبر من قدرته على الإنكار؛ لقد تجاوز كل الحدود، وحوّل ندمه إلى جريمة لن يستطيع الهرب من عواقبها.
وبعد اكتشاف الجريمة، بدأت التحقيقات، وانكشف ما جرى، وانتهى عمر أمام العدالة، يواجه مسؤولية فعلته. لم يعد الأمر مجرد خلاف بين رجل وامرأتين، بل جريمة حقيقية دفع ثمنها إنسان، ودفعت عائلته ثمنها معه.
أما ميرنا، فقد وصلها الخبر فشعرت بصدمة كبيرة. لم تفرح بما حدث لنجلاء، ولم تشعر أن ما جرى انتصار لها؛ فقد كانت تتمنى أن تنتهي تلك الحكاية بعيدًا عنها، وأن يواصل كل شخص حياته ويتحمل نتيجة اختياراته دون أن يدمّر حياة غيره.
جلست بجوار والدتها، وقالت بحزن:
\- أنا كنت عايزة حقي يا ماما، وكنت عايزة أعيش في سلام. عمري ما تمنيت إن الأمور توصل لكده.
احتضنتها والدتها، بينما ربت والدها على كتفها وقال:
\- وإنتِ عملتي الصح يا بنتي. إنتِ طالبتي بحقك بالقانون، وما أذيتِيش حد. كل واحد مسؤول عن قراراته، وعمر هو اللي اختار الطريق اللي وصّله للنهاية دي.
ومع مرور الوقت، بدأت ميرنا تجمع شتات نفسها من جديد، وتفكر في مستقبلها بعيدًا عن الرجل الذي جعلها يومًا تشعر أنها بلا قيمة. عادت إلى حياتها، واهتمت بعملها، وقررت ألا تسمح لتجربتها السابقة بأن تسلبها قدرتها على الثقة بنفسها أو الاستمتاع بأيامها.
أما عمر، فقد خسر حريته، وبات عليه أن يواجه نتيجة جريمته، بينما ظلت الحقيقة تلاحقه: لم تكن نجلاء وحدها سببًا فيما حدث، بل كان هو المسؤول عن اختياراته منذ اللحظة التي قرر فيها أن يهين زوجته ويطلقها أمام الجميع، بدلًا من أن يتحلى بالحكمة ويتحمل مسؤولية زواجه.
وهكذا انتهت الحكاية؛ نجلاء دفعت ثمن اختياراتها، وعمر دفع ثمن طمعه واندفاعه وجريمته، أما ميرنا فاختارت أن تسترد حقها وتمضي في حياتها، لأن النجاة الحقيقية لم تكن في الانتقام منهما، بل في ألا تسمح لما حدث بأن يدمّر ما تبقى من عمرها.
تمت

تعليقات
إرسال تعليق