القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

مقلب في عيد ميـلادي كامله حكـايات مني السيد حصريه

 


مقلب في عيد ميـلادي كامله حكـايات مني السيد حصريه 





حكايات مني السيد حصري 

الجزء الاول 

يعني إيه ننزل نتعشى أنا وأنتِ برة؟ ما تستهبليش يا رنا، أنا خلاص عزمت خمستاشر واحد من العيلة عندنا في البيت عشان عيد ميلادك. اطبخي لنا بقى كلمتين حلوين كده على ذوقك ونلم الشمل مع الأهل!

ليفة المواعين والرغوة اتجمدوا بين صوابع رنا في الحوض.

أخدت ثانيتين تستوعب إن عمر ما بيهزرش.

هما عايشين في شقة إيجار أوضتين وصالة في فيصل. المطبخ قد علبة الكبريت؛ لو فتحت باب التلاجة للآخر تقفل الطرقة كلها. والصالة يدوب شايلة كنبة، وترابيزة سفرة أربع كراسي، وتربيزة التلفزيون.

وعمر بكل بساطة جاي يقول لها إن خمستاشر نفر من عيلته هيهلّوا عليهم يوم السبت!

خمستاشر؟ رنا سألت بهدوء يخوّف.

أه.. ويمكن ستاشر لو خطيب بنت عمتي جه معاهم.

عمر فتح التلاجة، طلّع كانز بيبسي، وكمل كلامه وكأنه بيوزع بوفيه في قاعة أفراح

أمي قالت لي خففي على نفسك ورنا تعمل مكرونة بشاميل، وفراخ بانيه، وصينية رقاق باللحمة، وسلطات.. وشوية جلاش بالجبنة. أه، وخالي إبراهيم ھيموت على الحواوشي البيتي من إيدك.

رنا بصت له وتنّحت

ده عيد ميلادي أنا يا عمر!

ما هو عشان كده بالظبط! الكل جاي يفرح بيكي ويحتفل!

يحتفل بيا ولا جايين يطفحوا؟

عمر ضربها بضحكة مستفزة

يا رنا بلاش شغل النكد ده.. دول أهلي، عيلتي!

بالنسبة لعمر، كلمة أهلي دي كانت زي التعويذة السحرية اللي بتحوّل رنا في ثانية لطباخة، وشغالة، ومتر مسرح.

ومين اللي هينزل يجيب الطلبات دي كلها؟

إنتِ أدرى بقى بطلبات مطبخك. أنا الجمعة خارج متأخر من ورشة العربيات ومش فاضي.

طلّع تليفونه وزاد الطين بلّة

صحيح، أمي فكرتني أقول لك كتّري اللحمة عشان خالي إبراهيم إيده فرطة في الأكل وبياكل بنهم.

رنا أخدت نفس طويل وهديت.

سنين وهي بتغلط نفس الغلطة تزعق، تتنرفز، وفي الآخر تشيل الليلة وتصلح كل حاجة.

كل ما عمر يطب بصحابه فجأة على غفلة، تقف تقلي وتعمل عشا.

كل ما حماتها ترن وتقول إحنا في الطريق، تجري رنا على السوبر ماركت وتملى البيت.

عمر رسخ في دماغه إن الأكل بينزل من السما، والمواعين بتغسل نفسها بالسحر، وإن عزومة خمستاشر بني آدم ما هي إلا جملة واحدة يقولها مراتي ست بيت وشاطرة وهتتصرّف.

المرة دي رنا ابتسمت ببرود

ماشي يا حبيبي.. سيب كل حاجة عليا، أنا هتصرف في العزومة دي من الألف للياء.

عمر باسها من راسها وهو مقتنع إنه سيطر

كنت متأكد إنك عاقلة ومش هتعملي دراما! ده أنا لسه قايل لأمي رنا دي ست بيت أصيلة وبتعرف توجّب وتشيل البيت.

الجملة دي بالذات كانت نقطة الصفر.. القرار اللي مفيش فيه رجعة.

تاني يوم في الشغل، وقت البريك، رنا فتحت اللاب توب.

زميلتها ندى لمحت صور بحر وشاليهات وشمس على الشاشة

إيه ده؟ بتهربي من نكد عيد ميلادك ولا إيه؟



رنا ضحكت

بالظبط كده.

بعدها بساعتين كانت حاكزا تلات ليالي في فندق على البحر في شرم الشيخ.

يوم الجمعة بالليل، عمر رجع البيت ومعاه ورقة بخط إيد أمه

اتنين كيلو لحمة مفرومة، تلات فرخات بانيه، لبن، جلاش، سمنة بلدي، خضار مشكل، كانزات بيبسي، تورتة، وفاكهة...

ليستة تموين تفتح مطعم كبابجي.

هتنزلي تجيبي الطلبات دلوقتي؟ سألها وهو بيقلع جزمته.

أه طبعاً، نازلة حالا.

نزلت رنا.

اشترت صن بلوك، شاور جل حجم صغير للسفر، نضارة شمس، مقرمشات وشيبسي للطريق، ومجلة تسلّي بيها نفسها في الطيارة.

ولا فتفوتة زيادة.

بالليل، دست شنطة السفر الصغيرة ورا الكراتين اللي في قعر الدولاب من غير ما يحس.



يوم السبت، عمر كان غرقان في سابع نومة وشخيره مالي البيت لما رنا اتسحبت من جنبه على الساعة ستة الصبح.

قبل ما تقفل الباب



وراها، طلعت قلم فلوماستر فوشيا وكتبت ورقة.

لزقت الورقة على باب التلاجة بمغناطيس على شكل قرن فلفل أحمر كانت حماتها الحاجة كوثر جايباه لهم السنة اللي فاتت هدية للمطبخ.

طلبت أوبر من الموبايل.

على تمانية وتلت كانت في مطار القاهرة.

وعلى عشرة ونص، وعمر لسه نايم متقلب في السرير، كانت رنا ساندة راسها على شباك الطيارة وبتتفرج على مية البحر الأحمر الفيروزية وهي بتلمع تحت السحاب.

صحى عمر على الساعة حداشر الظهر.

مفيش صوت حلل بتخبط.

مفيش ريحة بصل بيتحمر ولا بشاميل في الفرن.

مفيش رنا بتلف حوالين نفسها وبتجري في الشقة.

رنا؟ يا رنوش؟

سكوت تااام.

قال لنفسه تلاقيها بتجيب العيش ولا بتخلص حاجة من السوق.

دخل الحمام براحته، عمل لنفسه كوباية نسكافيه، وقعد مبلم قدام التلفزيون.

على الساعة اتنين الضهر، بطنه بدأت تقرص عليه من الجوع.

قام دخل المطبخ يعمل له أي سندوتش يسند بيه نفسه لحد ما الأكل يجهز.

فتح باب التلاجة.

لقى نص ليمونة ناشفة، برطمان مسطردة فاضل فيه لحسة، تلات ترغفة عيش بايتين ومحجرين، وإزازة مية مشبرة.

وهنا عينه وقعت على الورقة الفوشيا الملزوقة بمغناطيس أمه.

بدأ يقرا..

ملامح وشه نزلت في رجليه، ولونه اتخطف.

وقبل ما يستوعب آخر سطر في الورقة، الباب اترزع رزع عڼيف هز الشقة كلها ورنّ في عمارة فيصل بحالها

يا عوووومر! افتح يا واد! إحنا وصلنا وجبنا العيال كلها وجينا!

صوت الحاجة كوثر..

وراها زفة أصوات، دوشة، وضحك، وعيال بتجري وتصرخ على السلم فين التورتة وفين طنط رنا؟!

عمر بص تاني للورقة اللي في إيده..

وبص لباب الشقة اللي هيتخلع من الرزع..

وفهم إن أحلك وأسود كابوس في حياته هيبدأ حالاً.. والمصېبة الأكبر إن العيد ميلاد أصلاً مش عيده!

الجزء التاني

الورقة الفوشيا كانت بتهتز في إيد عمر كأنها شحنة كهربا، والخط كان واضح، مرسوم على مهل وبنفس هادي يفرس صباح الخير يا عمر.. بما إنك قررت تعزمني على شرف أهلك، وبما إنك قولت لي يا حبيبي إني ست بيت شاطرة وبتصرف، فأنا قررت أسيب لك الساحة كلها تبدع وتفرّج أمك أصول الضيافة.. التلاجة فيها مسطردة عشان تمشي بيها بطنك، وعيش ناشف ممكن تبله في مية وتسنده، وليمونة تبل بيها ريقك.. أنا طايرة على شرم الشيخ، تلت تيام بحر وشمس ومساج على حساب مرتبي اللي كنت ناسي إني بقبضه.. كل سنة وأنا طيبة، وسلّم لي على خالي إبراهيم وقوله البانيه اتلغى.. متتصلش بيا عشان الخط مقفول.

الخبط على الباب اتحول من رزع عادي لخبط إيدين ورجلين سوا. صوت الحاجة كوثر كان بيشرخ الصمت يا عمر! إنت نمت تاني يا ابني؟ افتح إحنا متشعلقين ع السلم بريحة عيالنا، وخالك إبراهيم ضغطه واطي وعايز ياكل لقمة قبل ما ياخد دوا السكر!


عمر ريقه نشف، بَص للورقة وبص لباب المطبخ، عقله عجز تماماً عن استيعاب إن رنا عملتها بجد. رنا الهادية، اللي كانت بتكتم وتلم الليلة وتبتسم قدام أهله مهما داسوا عليها، رمت القنبلة وطارت بطيارة! جرى على أوضة النوم، فتح الدولاب پجنون.. هدومها بتاعة الصيف مش موجودة، شنطة الضهر البرتقاني اختفت، حتى الصنادل اللي كانت بتفرش بيها الرف مش موجودة.. البت هربت بجد!

الرزع زاد وصوت كركبة شنط برة. طار على الباب بإيدين بتترعش، لف المفتاح وهو بيبلع ريقه المر، ووارب الباب سنتيمترين أ.. أهلاً يا ماما.. ثانية واحدة بس عشان...

الباب اتفتح في وشه بقوة دفع نسائية جبارة. الحاجة كوثر، بطرحتها

التل وعبايتها الكحلي المطرزة، دخلت زي الإعصار ومعاها أكياس سودا فيها حلل فاضية ثانية إيه يا واد إنت موارر الباب في وشنا



ليه؟ وسّع كده وسّع.. إيه ده؟ إنت لسه بهدوم النوم يا خايب؟! فين رنا؟

وراها دخل الجيش.. خاله إبراهيم بجلابيته الصوف وعصايته وكرشه اللي سابقه بمترين، ومراته صفاء اللي عينيها بتلف في زوايا السقف كأنها لجنة تفتيش من الضرائب، وبنات خالتها التلاتة بعيالهم اللي بدأوا يجروا ويزحلقوا بالجوارب على السيراميك، والواد الصغير ابن بنت عمتها دلق كيس شيبسي على سجادة الصالة في أول تلاتين ثانية! يا فتاح يا عليم.. فين رنا يا عمر؟ ما بتستقبلناش ليه؟ دي حتى الشقة ريحتها كمكمة ومفيش ريحة تقلية ولا صواني طالعة من المطبخ! صفاء قالتها وهي بتلوي شفتها وتشمشم بقرف.

عمر كان واقف متسمر، الفانلة الداخلية معووجة وشعره منكوش رنا.. أصل رنا... خاله إبراهيم قعد على الكنبة الوحيدة ورما عصايته على الطرابيزة أصل إيه وفصل إيه؟ ناديها تطلع المية الساقعة بسرعة الأول، الطريق من شبرا لفيصل يقطع الخلف، والميكروباصات زحمة ڼار.. وبعدين فين صينية الرقاق؟ أنا من إمبارح بالليل مانع العشا ومستني البشاميل اللي حلفت لي بيه!

كوثر دخلت المطبخ تفرّغ الأكياس اللي جايباها عشان تروّح فيها ببواقي الأكل، وفجأة الصړخة طلعت من جوة عمرررررررر! إيه ده يا حيلتها؟!

عمر حس إن ركبه خابت، دخل وراها والمطبخ بقى زحمة بصفاء وبناتها اللي اتجمعوا وراهم. كوثر كانت ماسكة برطمان المسطردة بإيد، والتلات ترغفة المحجرين بالإيد التانية، وبتبص في الفريزر اللي بيصفّر ومفيهوش غير قالب تلج قديم فين الفراخ؟ فين اللحمة المفرومة اللي قولت لك عليها؟ دي التلاجة فاضية زي بيت الوقف! مراتك فين يا بني آدم؟!

عمر كان قدامه حل من اتنين يا يعترف إن مراته طفشت وسابته ملطوش قدام أهله وعيلته بسبب بجاحته، يا يخترع مصېبة تغطي على المصېبة دي. وبمنتهى الغباء، اختار التانية رنا.. جالها تليفون الصبح بدري، خالتها في طنطا.. تعبت فجأة ونقلوها العناية المركزة! ف.. فنزلت تجري على محطة القطر عشان تلحقها!

الهدوء ساد المطبخ ثانية واحدة، بس صفاء بذكائها الحړبي بصت له بشك خالتها نادية؟ دي لسه منزلة ستوري على الواتساب من ساعة بتسقي زرع البلكونة وكاتبة صباح الورد!

عمر اتزنق في زاوية التلاجة، وشه احمر وعرق ساقع نزل على قفاه لا! مش نادية.. خالتها التانية.. فايزة.. اللي مبتتعاملش مع حد، دي مستخبية هناك في الأرياف! المهم هي سابت لي الفلوس وقالت لي انزل هات أكل جاهز من برة أول ما يوصلوا عشان ملحقتش تعمل حاجة!

خالته صفاء ضړبت على صدرها أكل جاهز؟! إحنا جايين من شبرا لفيصل في الحر عشان ناكل من الشارع؟! ده إحنا قايلين هناكل أكل بيتي نمرة واحد!

خاله إبراهيم سمع الحوار ومد راسه من الصالة وهو متعصب جاهز جاهز، المهم ناكل! بطني بتصوصو، اطلب لنا نص خروف من عند الحاتي اللي ع أول الشارع ولا هات لنا عشرين وجبة كباب وكفتة وحمام محشي! ما هي مش هتقل عن كده!

عمر طلع تليفونه وإيده بتترعش، فتح تطبيق البنك يشوف الرصيد.. الصدمة التانية نزلت زي الدبش على دماغه الحساب فيه ستمية وتلاتين جنيه بس! رنا كانت محولة فلوس الجمعية ومصروف البيت اللي بيحطه أول الشهر في حسابها هي بحكم إنها اللي بتدير البيت، وسابت له في حسابه فتافيت! عشرين وجبة كباب وحمام محشي؟! ده يبيع كليته عشان يدفع تمنهم بالأسعار دي!

في نفس اللحظة، على بعد مئات الكيلومترات، في خليج نعمة.

. كانت رنا لابسة فستان صيفي أبيض واسع، ونضارة شمس شيك، وقاعدة على شزلونج قدام البحر، في


إيدها عصير مانجا مثلج، وريحة اليود والنسيم بتداعب وشها. طلعت التليفون، كانت قافلة الشريحة الأساسية، بس مشغلة الواي فاي بتاع الأوتيل. فتحت الشات، لقت ندى زميلتها باعتة لها عملتي إيه يا مچنونة؟! طمنيني وصلتي؟. رنا صورت لها البحر ورجليها في الرملة وكتبت وصلت الجنة يا بنتي.. وعمر زمانه بيستمتع بعيد ميلادي مع خاله إبراهيم دلوقتي في فيصل.. ربنا يقدره على فعل الخير!. قفلت الموبايل، وغمضت عينيها، وطلبت من الويتر ينزل لها ساندوتش جمبري مشوي.. لأول مرة من خمس سنين تحس إنها بتتنفس من غير ما تحسب حساب غسيل الأطباق ولا مين زعلان ومين راضي.

نرجع لچحيم فيصل.. الساعة بقت تلاتة العصر، والعيال في الصالة بدأوا يتخانقوا، واحد كسر أباجورة صغيرة، والتاني دخل الحمام وغرق الأرض مية. خاله إبراهيم كان وشه جاب ألوان من هبوط السكر يا عمر يا ابني، هناكل إمتى؟ أنا لو فضلت كده هطب ساكت عندك هنا! كوثر بصت لابنها پغضب ما تطلب الأكل يا زفت مستني إيه؟! وإلا انزل هاته بنفسك!

عمر اضطر ينزل، قال لهم نازل أجيب الأكل بنفسي عشان الدليفري هيتأخر، ربع ساعة وجاي!

نزل السلم بيجري وهو بيكلم صحابه في التليفون ألو.. مصطفى؟ إلحقني بألفين جنيه سلف حالا، أي حاجة، محتاجهم ضروري.. ألو؟ يا عم أنا على الحديدة ومستني الجمعية تقبض.. قفل واتصل بزميله في ورشة العربيات سيد.. معاك أي فلوس في المحفظة؟ معيش غير ميتين جنيه يا عمر، والدنيا واقفة زي ما إنت شايف.

عمر وقف في الشارع يلطم في سره. الحل الوحيد كان محفظة خاله إبراهيم أو أمه، بس لو طلب منهم، أمه هتفضحه في العيلة وتقول إن مراته مشيّاه على عجين ملخبط ومجوعاه، وخاله هيعايره لآخر العمر. بص حواليه لقى محل كشړي كبير في الشارع العمومي، وجنبه محل فول وفلافل، ومحل فطاطري بلدي على قده. دخل الفطاطري ووقف يفرك إيديه بقولك إيه يا أسطى.. الستمية جنيه دول يعملوا لي إيه يشبّع خمستاشر بني آدم؟ الراجل بصله من فوق لتحت باستغراب خمستاشر نفر بستمية جنيه؟! في سنة عشرين ستة وعشرين يا أستاذ؟! دول يدوبك يجيبوا لك تلت فطاير مشلتت سادة، وعلبتين عسل أسود وجبنة قديمة.. وتروح تكمل عليهم عيش وبتاو من بيتكم!

عمر غمض عينه بحسرة اعملهم يا أسطى.. كتر الجبنة القديمة والعسل والنبي عشان يغمسوا ويشبعوا، ولفهم كويس!

بعد نص ساعة، عمر كان طالع السلم بينهج، شايل التلات فطاير وعلب الجبنة والعسل في أكياس بلاستيك، ومستخبي بيهم كأنه شايل مصېبة. أول ما فتح الباب، الريحة بتاعة المشلتت فاحت. خاله إبراهيم رفع عينه من التلفزيون إيه ده؟

الريحة مش ريحة شوي خالص.. إنت جايب إيه يا عمر؟ عمر دخل الصالة، حط العلب على السفرة برعشة، وقال بصوت مهزوز بيحاول يخليه حماسي ق.. قولت أغير لكم الجو! أكل بيتي فلاحي أصيل.. فطير مشلتت بسمنة بلدي مع عسل نحل وجبنة قديمة مخدومة! قولت نرجع لأيام زمان وخيرات الريف!

صفاء وقفت وتنحت في الأكياس فطير وجبنة حادقة؟! إنت جايب لراجل عنده الضغط والسكر جبنة قديمة وعسل أسود يا عمر؟! دي وجبة عزومة دي؟! فين اللحمة وفين التورتة اللي قولنا عليها؟! كوثر اټصدمت، ضړبت بإيدها على صدرها فطير يا عمر؟! مريم.. قصدي رنا، رنا هي اللي وزتك على كده؟! دي بخلت علينا بالأكل وجريت لطنطا وسابتك تذلنا باللقمة دي؟

! العيال هجموا على الفطير من الجوع، قطعوه وفتفتوه في كل حتة، وخاله إبراهيم بصلهم


بقرف، مسك عصايته وقام أنا راجل يتقالي معزوم في بيت ابن أختي، ويتحط قدامي مشلتت وعسل؟! ده أنا لو دخلت قهوة بلدي كان المعلم عزم عليا بغدا أحسن من كده! وسّع يا واد إنت وهي.. أنا ماليش قعدة في البيت النحس ده!

البيت اتقلب دراما حقيقية. خاله زعل وخارج يخبط بالعصاية، وكوثر بتجري وراه تحلف عليه بالطلاق إنه ما ينزلش وهو جعان، وصفاء بتلم شنطتها وبتنق على البيت وعلى رنا، والعيال بيلعبوا بالفطير وبيزيتوا الصالون الجديد!

وفي عز المعمعة دي، جرس الباب رن تاني. عمر فتح الباب وهو خلاص هينفجر، لقى قدامه راجل لابس يونيفورم بتاع شركة نقل وشحن، ومعاه كرتونة كبيرة هنا شقة الأستاذ عمر؟ عمر بصله بذهول أيوه.. إيه دي؟ طرد واصل باسم المدام رنا، بس هي مش بترد ع التليفون، والراسل دافع الشحن وكاتب يُسلم للزوج باليد.

كوثر شافت الكرتونة، عينيها وسعت طرد؟! تلاقيها الهانم كانت طالبة خزين وأكل وحاجات وخبتها قبل ما تنزل! افتح يا واد الكرتونة دي بسرعة، افتح يمكن فيها اللحوم اللي أمها باعتها لها! الكل اتلم حوالين الكرتونة، حتى خاله إبراهيم وقف يبص من بعيد بفضول. عمر جاب سکينة المطبخ وفتح الكرتونة بإيدين بترجف.. الكل كان مادد رقبته، يتوقعوا فراخ، بط، حلويات، أي مصېبة تسد الجوع.. بس اللي طلع من الكرتونة خلى الصالة تسكت سكووووت تام، كأن ملك المۏت دخل المكان.

الكرتونة كان فيها شواية فحم متنقلة مقفولة بكرتونتها.. كيس فحم عشرة كيلو.. مريلة مطبخ مكتوب عليها بالبنط العريض أنا شيف العيلة النهاردة.. ومعاهم نوتة صغيرة بخط رنا، محطوطة على الوش عشان لما تحب تعزم خمستاشر نفر تاني، متعتمدش على مراتي.. اعتمد على دراعك. الشواية والفحم هدية مني ليك عشان تبدع، والمرة الجاية جهّز اللحمة من جيبك! باي يا عُمر!.

صفاء شهقت شهقة سمعت في الشارع يا لهويييي! دي متكتكة لكل ده! دي لا خالتها عيانة ولا نيلة، دي بتهزأنا يا كوثر! دي باعتالنا شواية ومريلة عشان ابنك يشوي لنا الهوا!

عمر قعد في الأرض في وسط الصالة، بين الفحم، وفتفيت الفطير، والعيال اللي بيتنططوا، وأمه اللي بدأت تصوت وتندب على حظ ابنها وخيبته، وخاله اللي قفل الباب وراه ونزل وهو بيتحسبن.

في نفس التوقيت، في شرم الشيخ.. رنا كانت قاعدة في كافيه مفتوح على الممشى، مشغلة أغاني رايقة في السماعات، وبتطلب كريب نوتيلا بالموز.

شافت إشعار من البنك على تليفونها بخصم تمن الشواية والفحم اللي كانت طالباهم دليفري يوصلوا وقت العزومة بالظبط، ابتسمت ابتسامة هادية، رفعت فنجان القهوة ووشوشت لنفسها أحلى ستمية جنيه دفعتها في حياتي.. ودوق بقى يا سي عمر، عشان تعرف إن الله حق، وإن خدمة البيت دي كانت كرم مش فرض!

كانت الشمس بدأت تغرب، والسما اتقلبت برتقالي في دهبي، ورنا كانت حاسة براحة مكنتش حستها من سنين.. بس في نفس الوقت، كانت عارفة إن دي مجرد البداية، وإن الرجوع للقاهرة بعد تلت تيام مش هيكون عادي، ده هيكون مواجهة هتغير قواعد الجوازة دي كلها للأبد



مقلب في عيد ميـلادي ج 2 حكـايات مني السيد حصري


الجزء التالت والأخير

الصمت اللي نزل على صالة فيصل بعد ما خاله إبراهيم رزع الباب وراه كان أتقل من جبل المقطم.

العيال سكتوا فجأة من الخضة، ماسكين أطراف الفطير المشلتت المدهنن، وصفاء واقفة مربعة إيديها وبتبص لعمر كأنه برص مزنوق في ركن، بينما الحاجة كوثر كانت قاعدة على الكنبة بتنهج وصوت صدرها طالع زي وابور الجاز القديم، باصة لمريلة المطبخ وكيس الفحم اللي في نص الصالة.

بقى الهانم.. بنت الأكابر.. باعتالك مريلة وشواية تهزأك بيهم وسط أهلك وناسك يا عمر؟ كوثر نطقت الكلمات وهي بتجز على سنانها، وصوتها بيعلى تدريجي لحد ما بقى صړيخ وإنت قاعد زي اللوح متنح؟ رامينا في الفقر ده، مأكلنا جبنة قديمة وعسل أسود في عزومة عيد ميلادها اللي إحنا متكدرين وجايين لها مخصوص، وهي بتصيّف وبتضحك علينا في التليفونات؟!

عمر مكنش قادر يرفع عينه من الأرض. كرامته مكنتش بس في الأرض، دي كانت ممسوحة بمسطردة التلاجة الفاضية.

قوم يا واد اتصل بيها حالاً! كوثر زعقت وخبطت كف على كف اطلبها وقولها إنتِ طالق بالتلاتة! اللي ميكرمش أهل جوزه ويحطهم فوق راسه ميلزمناش! دي واحدة متسواش بصلة، عايزة تكسر كلمتك وتعمل لك راس براس!

صفاء دخلت على الخط وزادت الطين بلة والله يا خالتي كوثر، لو فضلت على ذمته بعد العملة السودة دي يبقى مفيش في البيت ده راجل! دي قاصدة تصغركم كلكم.. شوف العيال بياكلوا إيه؟ فطير بايت ومحروق، والراجل المحترم نزل ضغطه في الأرض ومشي يسب ويلعن! اتصل بيها يا عمر وسمعنا صوتها وهي بتترجاك!

عمر قعد على الأرض، سند ضهره على ترابيزة السفرة، وبص لأمه وخالته بجمود غريب أول مرة يظهر في ملامحه. شريط الخمس سنين اللي فاتوا كله عدى قدام عينيه في ثواني.

افتكر أول سنة جواز، لما أمه عزمت أربعين واحد في سبوع بنت أخته، ورنا وقفت على رجلها ستاشر ساعة متواصلة في المطبخ،

ولما خلصت والناس مشيت، قعدت في زاوية المطبخ تبكي من ۏجع ضهرها، وأمه أول ما خرجت قالت الملح كان قليل في المحشي يا رنا، ابقي



زودي الملح المرة الجاية.

افتكر لما كان بيرجع الفجر من الورشة معاه أصحابه تلاتة الفجر جعانين، يصحيها من أحلى نومة ويقول لها بعين قوية قومي حمري بطاطس واقلي بيض للرجالة يا رنا، وكانت بتقوم من سكات عشان متكسفوش، وتاني يوم تنزل شغلها في الشركة عيونها منفخة من قلة النوم.

افتكر كل عزومة وكل واجب كان بيرميه على كتافها، وافتكر جملته اللي لسه رنانة في ودنه زي قلم سخن أنا قولت لأمي رنا بتعرف توجب وتشيل البيت.

هو مكانش بيوجب، هو كان بيبيع كرمها وتعبها برخص التراب عشان يتقال عليه قدام أهله راجل مسيطر ومراته خدامة تحت رجليهم.

عمر رفع راسه وبص لأمه بصة خلت كوثر تسكت فجأة مش هطلقها يا أمي.

صفاء شهقت نعم يا خويا؟! بعد الڤضيحة دي؟

عمر وقف على حيله، صوته كان هادي بس مليان ۏجع وخزي مش هطلقها، عشان رنا مغلطتش في حرف.. رنا ست البيت اللي شيلتُها فوق طاقتها خمس سنين وكنت فاكر إن ده حقي مكتسب. أنا اللي عزمت خمستاشر نفر من غير ما أسألها، وأنا اللي قولت لها اطبخي في يوم عيد ميلادك، وأنا اللي رميت العزومة ونزلت أفرّج أصحابي في الورشة وممعييش حتى أدفع تمن كيلو لحمة مفرومة!

كوثر وشها احمر من الغيظ ووقفت قصاده إنت بتغلط في أمك عشانها؟ دي رمتك في الڼار قدام خيلانك!

أنا اللي رميت نفسي في الڼار يا أمي لما حبيت أعمل فيها الباشا العازم من جيب غيري وتعب غيري! عمر مسك كيس الفحم وحطه على جنب، وبص لخالته صفاء خدي عيالك يا صفاء، ولمي الليلة دي. الشقة دي مبقاش فيها عزومات خلاص، ومفيش هنا طباخة شغالة ببلاش لحد. اللي عايز يبارك يبارك بكلمة حلوة، واللي جاي عشان بطنه، المطاعم مالية البلد.

صفاء بصت لكوثر بذهول وقالت بقى كده يا ابن أختي؟ بتطردنا عشان الست الهانم؟ ماشي.. بكره تعرف قيمتنا لما تسيبك وتخرب بيتك!


لمت صفاء عيالها وشنطها وهي بتبرطم وتدعي، والحاجة كوثر وقفت تبص لعمر بخيبة أمل ودموع غيظ ضيعت هيبتك يا عمر.. ضيعت هيبتك عشان


مريلة وشواية فحم! وركبت ونزلت ورا صفاء، والباب اتقفل وراهم بهدوء، بس المرة دي الهدوء كان پيصرخ في ودن عمر.

وقف في وسط الشقة.. الصالة ټضرب تقلب، فتافيت الفطير في كل حتة، العسل مدلوق على مفرش السفرة، بقع الزيت على السيراميك، المطبخ يضرب يقلب وفيه برطمان المسطردة الفاضي وورقة الفلوماستر الفوشيا.

عمر دخل المطبخ، شال الورقة من تحت المغناطيس، طبقها وحطها في جيبه جنب قلبه.

قعد على كرسي المطبخ الخشب، وحط راسه بين إيديه.. وبكى. بكى مش عشان الڤضيحة، بكى عشان حس قد إيه كان شخص أناني، واخد وجودها في حياته أمر مسلم بيه، مكنش بيشوفها إنسانة، كان بيشوفها ماكينة تدوير للبيت ولطلباته هو وأهله.

الساعة كانت داخلة على سبعة المغرب.. عمر مسح وشه، وقام. قلع قميصه، وشمر كمام فانلته، وربط مريلة المطبخ بتاعة أنا شيف العيلة النهاردة على وسطه.

بدأ بالصالة.. جاب المقشة والجاروف، كنس كل فتفوتة رموها العيال، جاب الجردل والشرشوبة ومسح الأرض مرتين بالديتول لحد ما السيراميك بقى يزيّق. غسل مفرش السفرة بإيده على الحوض، ومسح الكنب، ونضف الحمام اللي اتبهدل من وراهم.

دخل المطبخ.. غسل الكام كباية اللي كانوا في الحوض، لمع الرخامات، نضف البوتاجاز اللي كان متراكم عليه دهون بقالها شهور وهو مكنش بياخد باله منها، ولم كل كيس وكل ژبالة ونزل رماهم في الصندوق اللي تحت العمارة.

خلص شغل الشقة على الساعة اتناشر بالليل، كان ضهره مكسور ودراعاته مش قادر يرفعها، ورجليه وارمة.. وقتها بس استوعب رنا كانت بتعمل المجهود ده كله، ومعاه طبيخ لأسبوع، وغسيل، وتصحى تروح شغلها الصبح مبتسمة، وهو كان بيبخل عليها بكلمة تسلم إيدك!

تاني يوم، الأحد الصبح.. عمر نزل الورشة بدري جداً، اشتغل بتركيز من غير ما ينطق نص كلمة مع حد. طلب من الأسطى الكبير شغل إضافي، فضل شغال لحد بعد المغرب، ولما قبض يوميته مع قرشين كانوا متشالين له من شغل قديم، مروحش البيت.


راح على السوبر ماركت الكبير اللي في الهرم.. مسك عربية الطلبات، ومسك ورقة بيضا وقلم جبنة بيضا، جبنة رومي، لبن، زبدة طبيعي،


بن رنا اللي بتحبه، فاكهة مشكلة، مسحوق غسيل، مناديل، زيت، رز، مكرونة... ملى العربية بكل الحاجات اللي رنا كانت بتشيل هم شړاها وتجرها في أكياس تقيلة في الميكروباص لوحدها. دفع الفلوس كلها ومتبقاش في جيبه غير تمن المواصلات. رجع البيت محمل، رص التلاجة بنظام، حط الفاكهة في السبت، رص الحاجات في الدُلف، وخلى البيت يلمع وريحته لافندر ومعطر جو.

فضل يوم الإثنين.. عمر قضاه وهو بيحاول يكلمها، بس تليفونها كان مقفول تماماً على الخط المصري. بعت لها رسايل على الواتساب مكنتش بتوصل غير بشرطة واحدة، لحد العصر لما لقى الشرطتين بقوا زرق! رنا فتحت النت.

كتب لها رسالة واحدة، من غير لف ودوران، ومن غير أعذار رنا.. أنا مش باعت أقول لك ارجعي، ولا باعت أعاتبك على اللي عملتيه.. أنا باعت أقول لك إنك كنتِ صح في كل كلمة. البيت نضيف، التلاجة مليانة من عرق جبيني، ومفيش مخلوق هيعتب باب الشقة دي إلا بإذنك وعلى مزاجك. خدي وقتك في شرم، وارجعي وقت ما تحبي، وأنا مستنيكي في أي وقت عشان تسمعي اعتذاري اللي بجد.. كل سنة وإنتِ طيبة يا مراتي.

في شرم الشيخ.. رنا كانت قاعدة في اللوبي بتاع الأوتيل، بتعمل تشيك آوت عشان ميعاد طيارة الرجوع بالليل. قرأت الرسالة، وعينيها دمعت ڠصب عنها. كانت متوقعة زعيق، ټهديد بالطلاق، أو رسالة مليانة غل من اللي أمه وخالته وزوه بيه. بس لهجة عمر المکسورة والصادقة دي خلت قلبها يهدى شوية، وإن كان لسه في حتة جواها خاېفة تكون دي مجرد تمثيلية لحد ما ترجع ويقفل عليها الباب.

وصلت مطار القاهرة الساعة تسعة بالليل.. ركبت تاكسي، وطول الطريق لفيصل كانت أعصابها مشدودة، بتفكر في السيناريوهات هل هتلاقي أمه قاعدة مستنياها بمحضر في القسم؟ هل هتلاقي عمر قالبلها البيت كباريه ولا مكسر حاجتها؟

طلعت السلم برجل تقيلة، وقفت قدام باب الشقة وأخدت نفس عميق، وطلعت المفتاح. أول ما فتحت الباب، ريحة النضافة والمعطر لفت وشها.

الصالة كانت بتلمع، السجاد في مكانه، مفيش كباية واحدة مش في مطرحها، والهدوء


مالي المكان.

عمر كان قاعد على كرسي السفرة، أول ما سمع صوت المفتاح قام وقف مكانه، كأنه عيل صغير مستني نتيجة الامتحان. كان وشه باين عليه الإرهاق الشديد، تحت عينيه هالات سودا، وإيديه خشنة ومتبهدلة من شغل الورشة والمسيح.

رنا دخلت، حطت شنطتها على الأرض، وبصت له من فوق لتحت بنظرة باردة وقوية مساء الخير يا عمر.

عمر فضل باصص لها لثواني، وريقه ناشف، وبعدين مشي خطوتين ووقف على مسافة متر منها حمد الله على السلامة يا رنا.. نورتي بيتك.

رنا لفت بنظرها في الشقة، دخلت المطبخ بفضول، فتحت التلاجة.. لقتها مليانة خير، ونضيفة زي الفل، ومفيش أثر لورقتها الفوشيا. خرجت وبصت له ورفعت حاجبها إيه ده؟ جايب حد ينضف ويسوق الهبل على الشرفا؟

عمر هز راسه بنفي وهو بيطلع إيديه من جيبه، وراها كفوف إيديه المتسلخة من الكلور وسلك المواعين مع شحم العربيات محدش لمس الشقة دي غيري.. مسحتها بالحتة شبر شبر، وعرفت يعني إيه ضهر يتكسر في تنضيف بيت، وغسلت مواعين، ونزلت اشتغلت ورديتين في الورشة عشان أملا التلاجة دي من تعبي وميبقاش ناقصك لقمة.

رنا سكتت، وبصت لإيديه، حست بصدق الۏجع في نبرته، بس اتماسكت وأهلك؟ خيلانك اللي مشيوا يشتموا؟ وأمك اللي كانت عايزة رقاق ولحمة على شرف عيد ميلادي؟ قولت لهم إيه لما طردتهم بالفطير المشلتت؟

عمر ابتسم ابتسامة باهتة مليانة ندم عرفت كل حاجة من ندوش زميلتك في الشغل، مش كده؟ رنا ماردتش، فكمل عمر وهو بيقرب منها وبيمسك إيديها براحة، ولأول مرة من سنين تلاقيه بيمسكها بحنية حقيقية مش بطلب خدمة أمي مشيت وهي زعلانة مني، وخالي إبراهيم مقاطعني.. بس تصدقي بإيه يا رنا؟ أحسن قرار أخدته في حياتي إني مكسرتكيش عشان أرضي بطونهم. أنا اللي فهمتهم غلط إني راجل معاه جارية مش زوجة وشريكة حياة. أنا اللي عودتهم إن بيتي سبيل، وإن كرمك ده فرض عليكي مش فضل منك.


سكت شوية وطلع من جيبه علبة قطيفة صغيرة لونها نبيتي، فتحها بإيد بتترعش.. كان فيها خاتم دهب رقيق جداً، بسيط بس باين


إنه منتقى بذوق ده مجاش من فلوس جمعيتك ولا من مصروف البيت.. ده جه من تصليح مواتير وعرق خمستاشر ساعة شغل ورا بعض. أنا عارف إنه مش هيعوض قلة ذوقي، ولا هيعوض سنين الأنانية اللي عيشتك فيها.. بس ده عربون لراجل جديد هتشوفيه من النهاردة. راجل بيعرف الأصول بجد، مش الأصول اللي بتتقال على المصاطب عشان نوجب على قفا حريمنا.

رنا عينيها اتملت دموع، كل القسۏة والصلابة اللي كانت محتمية وراهم دابوا قدام النظرة اللي في عينيه. شافت عمر اللي حبته زمان قبل ما العيلة ومسؤولياتها تحوله لنسخة مشوهة من رجالة العيلة القدام.

عمر.. أنا مكنتش عايزة دهب، ولا كنت عايزة أسافر وأسيب بيتي صوتها اتهز بالبكا أنا كنت عايزة أحس إن ليا قيمة عندك، إن لما يبقى يومي، يبقى ليا أنا مش للعالم كله وإنت بتتباهى بيا كأني طباخة بوفيه!

عمر شدها لحضنه، حضنها بقوة وهو بيبوس راسها حقك عليا.. حقك على راسي من فوق. البيت ده مش هيدخله بني آدم إلا لما تكوني إنتِ راضية وفرحانة ومستعدة، ومفيش عزومة هتتعمل إلا وإيدي في إيدك بنجهزها سوا وندفع تمنها سوا، وإلا يفتح الله، نقضيها في مطعم برة على حسابي. إنتِ ست البيت دي وتاج راسه، مش شغالة فيه يا رنا.

رنا دفنت وشها في كتفه وبكت، خرجت كل كبت السنين وكل التعب والضغط اللي كان كاتم على نفسها. وعمر فضل ماسك فيها، حاسس إنه كان هيفقدها بجد لو كانت صبرت أكتر من كده، وإن القلم اللي ادتهوله بورقة الفوشيا كان أعظم درس خده في حياته.

بعد نص ساعة.. كانوا قاعدين هما الاتنين في الصالة، رنا لابسة بيجامتها المريحة، وعمر عمل لها فنجانين شاي بنعناع وقطعلها طبق فاكهة من اللي جابه، وقعدوا جنب بعض على الكنبة.

رنا بصت لشواية الفحم والمريلة اللي لسه محطوطين في زاوية الصالة وضحكت فجأة ضحكة رنت في البيت كله بس قولي بقى.. بذمتك.. شكلك كان عامل إزاي وإنت لابس المريلة وخالك إبراهيم داخل عليك يطلب البشاميل؟!

عمر حط إيده على وشه

وضحك

من قلبه لأول مرة من تلت تيام يا لهوي يا رنا! متفكرنيش! وش خالي كان قالب طماطم مخللة، وأمي كانت باصة للجبنة القديمة كأنها حية لدغتها! ده الشواية دي هعلقها في نص الصالة عشان كل ما شيطاني يوزني أعزم حد أفتكر الفحم والپهدلة وأرجع لعقلي فوراً!

رنا مسكت إيده وابتسمت ابتسامة هادية، صافية، ابتسامة واحدة عرفت تاخد حقها بالأصول والذكاء، وعلمت جوزها إن البيت اللي مبيتبنيش على التقدير والاحترام المتبادل، بينهار عند أول صينية عشا.


كل سنة وإنتِ طيبة يا رنوش عمر باس إيدها وهو بيلبسها الخاتم في صباعها.

وإنت طيب يا عمر.. طيب بجد، مش بكلام العزومات.


تعليقات