أنا متجوزه كاملة حكايات رومانى مكرم
أنا متجوزه كاملة حكايات رومانى مكرم
أنا متجوزه وعندى أخويا صغير، وبسبب إن أهلهى متوفيين، انا بربى اخويا مع عيالى من البداية قولت لجوزى: “أنا هصرف عليه” من شغلي وورثى انا وهو طبعا اخويا انا المسئواله عن ورثه. حماتى بقى متضايقه جدا من الموضوع، خصوصًا إنها ساعات لما أشتري حاجة لأخويا تقوله: “دى حاجات غالية أوي، ليه تشترى هدوم بأسعار غالية جدًا؟ ما كنتي تصرفي الفلوس دي على عيالك بدل اخوكى ده!” اقولها: “دي فلوس ورث أبويا، وده حقه من فلوسه، محدش بيديوه حاجة من جيبه.”
وفى يوم اتفقت هى وجوزى..
البداية
بيقولوا إن الست ملهاش إلا بيت جوزها، بس لما يبقى البيت ده متسقف بالظلم، ويبقوا عاوزين ينهبوا حقوقك وحدود حلالك، يبقى لازم البيت ده يقف عند حده.
أنا اسمي سمر، وعايشة في حارة شعبية وسط ناس يفترض إنهم أهلي وناسي. أبويا وأمي اتوفوا وسابوا لي تركة ثقيلة.. مش بس ورث ومبلغ في البنك، لا.. سابوا لي “أحمد”، أخويا الصغير اللي ملحقتش الدنيا تنور في وشّه. عيل عنده تمان سنين، يتيم الأب والأم، ومفيش حنين عليه في الدنيا دي غيري.
من أول يوم دخلت فيه بيت جوزي “سامح”، اتكلمت كلمة عقل يتقطع عليها لسان أي حد:
“يا سامح، أحمد أخويا في رقبتي. هربيه مع عيالي، ومحدش هيشيل قرش من مصاريفه. أنا شغالة ورزقي معايا، وغير كده ورث أبويا أنا المسؤولة عنه أمانة لأخويا، فلوسه محفوظة وبتصرف عليه هو وبس.. محدش هيدفعله مليم من جيبه.”
وسامح وقتها هز راسه ووافق، وقال لي: “ده أخوكي يا سمر، والبيت بيتكوا.”
بس الكلام السهل على اللسان، بيبقى جمر تحت الضروس لما يدخل فيه الطمع.
حماتي.. الحجة “سعاد”. ست كلامها زي المبرد، بياكل في العضم بالهداوة. كانت تقعد تبص لأحمد وهو طالع وداخل بالهدوم الجديدة، وعينها بتاكل كل حاجة بنشتريها. لما أكون نازلة أشتريله طقم للعيد أو للمدرسة، وأرجع بالشنط، تطلع لي على السلم زي القضاء المستعجل، وتمسك الهدوم تقلب فيها وتفرك الكلام بين سنانها:
“إيه كل دي يا سمر؟ كل دي هدوم جايباها للواد؟ دي بأسعار غالية أوي يا ختي! ما كنتي تصرفي الفلوس دي على عيالك وعيال ابنك؟ هو الواد ده هيطفح الفلوس دي كلها ليه؟”
كنت ببتسم إبتسامة ناشفة، وأرد بهدوء وثبات:
“يا حجة سعاد.. دي فلوس ورث أبويا، وده حقه الشرعي من فلوسه. محدش بيدي له حاجة من جيبه، ولا أنا ولا ابنك دافعين قرش من معايشنا. ده حق اليتيم، وأنا مش هحرمه من حلال أبوه.”
كانت تبص لي وعيونها تقيد نار، وتفرك إيديها وتقول لي: “يتيم يتيم.. بكره تشوف اليتيم ده هيعمل فيكي إيه لما يكبر.”
وتمر الأيام، وأنا شايلة الهم وساكتة، لحد ما جه الليوم اللي ظهرت فيه النوايا على أصلها.
سلفي “حسين”، ابنها الصغير، خطب. وحسين عنده شقة صغيرة في ملحق البيت، على قد حاله. بس الحجة سعاد عينها مش عاجبها القليل، وعينها ضربت في شقتي أنا وسامح.. الشقة الواسعة اللي أنا تعبت فيها وشطبتها بقرشين من معايا مع جوزي.
في ليلة شتا تلج، دخلت الشقة ولقيت سامح قاعد وحماتي قاعدة جنبه، كوبايات الشاي قدامهم، والجو بيناتهم فيه ملعوب بيترتب. أول ما دخلت، الحجة سعاد بصلتي بضحكة صفرا وقالت:
“تعالي يا سمر يا حبيبتي، أقعدي عاوزينك في موضوع مهم يخص مستقبلك ومستقبل أخوكي.”
قعدت وقلبي مقبوض: “خير يا حجة؟”
سامح حمحم وبص في الأرض، وبعدين حماتي هي اللي اتكلمت بصوت كله لؤم:
“بصي يا سمر.. حسين أخو سامح هيتجوز، وشقته صغيرة مش هتكفي العروسة وأهلها. فإحنا اتفقنا.. إن سامح وحسين يتبادلوا، حسين ياخد الشقة دي يتجوز فيها، وأنتم تطلعوا تأجروا أو تشتروا بيت تاني يعيش فيه سامح وأنتِ وأخوكي!”
أنا تنحت، وبصيت لسامح اللي كان ساكت ومبصش في عيني، وقولت:
“نعم؟ نطلع من شقتنا عشان سلفي يتجوز فيها؟ وأنا مالي ومال شقته الصغيره؟ ما يتجوز فيها ولا يتصرف!”
حماتي قامت وقفت وربطت طرحتها بغل، وقالت بصوت عالي:
“لا يا حبيبتي، أنتِ معاكي فلوس ورث أخوكي ومجمدة تحت إيديكي! تتفقي أنتِ وسامح وتلموا الفلوس، وتشتري بيت كبير بره على قدكم كلكم، ما أنتِ معاكي ياما وأخوكي معاكوا! اشتروا بيت بفلوس الورث دي وبلاش بخل!”
دمي غلي في عروقي، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. بصيت لسامح وقولت له بصوت حازم:
#الكاتب_رومانى_مكرم_
“أنت ساكت ليه يا سامح؟ أنت موافق على الكلام ده؟ عاوزني أخد فلوس أخويا اليتيم وأشتري بيها بيت عشان حلم أخوك وأمك؟ عاوزني أفرط في حق اليتيم اللي ربنا حذر منه في كتابه عشان أرضيكم؟ عاوز شقة برة؟ اشترِ من فلوسك أنت! تاخد فلوس أخويا اليتيم ليه؟!”
سامح وقف فجأة، ووشه احمر من الغضب، وبدل ما يدافع عن حقي وحق اليتيم، زعق بعلو صوته وقال كلام نزل عليا زي الصاعقة:
“خلاص! طالما كده، الواد ده مش يقعد في بيتي دقيقة واحدة ثاني!”
وقفت في نص الصالة والدموع جمدت في عيني، وبصيت لسامح وأنا مش مصدقة إن الراجل اللي وافقت أعيش معاه على المرة قبل الحلوة يبيع كرامتي وحق أخويا الصغير في لحظة عشان يرضي أمه. الكلمة طلعت منه زي الرصاصة: “الواد ده مش يقعد في بيتي دقيقة واحدة ثاني!”
الحجة سعاد وقفت ورا ابنها وضمت إيديها لبعض وابتسامة النصر على وشها، وقالت بصوت مسموم:
“أيوه كده يا سامح يا بني! حط حد للمهزلة دي، البيت ده بيت راجل، ومش هنصرف على عيال الناس ونحرم أخوك من فرحته عشان واد يتيم لا بيقدم ولا بيأخر!”
أحمد أخويا الصغير كان واقف ورا باب الأوضة، ماسك في كراسة الرسم بتاعته، وسامع الصويت والزعاق. خرج بخطوات ترتعش، وشفت الرعب في عينيه الصغيرين. أمه وأبوه ماتوا وسابوه، ودلوقتي شايف المكان الوحيد اللي تحامى فيه بيهتز تحت رجليه. جرى عليا ومسك في جلابيتي ودفن وشه في حضني، وجسمه كله بيكش من الخوف.
نزلت على ركبي، ضميته بحضني وقوّيت قلبي، وبصيت لسامح بعينين مفيهاش نقطة ضعف ولا انكسار، وقولت له بصوت واطي بس حاسم:
“البيت ده مش بيتك لوحدك يا سامح. القرشين اللي تشطبت بيهم الشقة دي كانوا من عرقي ومن ورثي اللي أخدته يوم وفاة أبويا. أنت نسيت؟ ولا أذكرك بالدفاتر والشيكات؟ الواد ده أمانة ربنا في رقبتي، واللي يمس منه شعرة، أو يفكر يأخذ قرش من حلاله، أنا هقف له بالمرصاد!”
حماتي اتجننت لما لقتني مش بخاف ولا بضعف، صرخت وقالت:
“أنتِ بتهددي ابنك في بيته يا سمر؟ بتفضلِ الواد ده على جوزك وعيلة جوزك؟ خلاص، طالما كبرتي دماغك وحاطة الفلوس في القاصة وقافلة عليها، يبقى تفضي الشقة دي بكرة الصبح، وحسين أخوه يتجوز هنا، وأنتِ تروحي تأجري لك حتة جحر تعيشي فيه أنتِ وأخوكي بعيد عننا!”
سامح كمل على كلام أمه وهو بيحاول يبان قوي قدامها:
“زي ما أمي قالت لك يا سمر! يا نشتري البيت الجديد من الفلوس اللي معاكي ونكتبه باسمنا وباسم حسين عشان الشمل يتلم، يا إما تاخدي أخوكي وتفتشي لك على مكان تاني، أنا مش هقعد أخدم وأشيّل نفسي هموم ناس تانيين!”
في اللحظة دي، حسيت إن الغشاوة اتمسحت من على عيني. اتأكدت إن الجوازة دي مكنتش قائمة على حب ولا سند، دي كانت طمع مقنع في ورث أبويا وفي القرشين اللي شايلهم للزمان ولأحمد عشان لما يكبر يلاقي حتة أرض ينقف فيها رزقه.
رفعت رأسي ووقفت طولي، ومسكت إيد أحمد بقوة وقالت:
“الفلوس دي فلوس يتيم يا سامح. عارف يعني ايه يتيم؟ يعني ربنا قال في كتابه: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيرًا}. أنتم عاوزين تطعموا حسين وزوجته نار جهنم؟ عاوزين تفتحوا بيتكم على حرام؟ على جثتي لو قرش واحد من ورث أحمد طلع من البنك لغير مصاريفه وأكله ولبسه وتعليمه!”
الحجة سعاد قربت مني ووشها مقلوب من الغيظ، وقالت:
“بلا كلام كبار بلا يتيم! الفلوس تحت إيديكي وأنتِ وصية عليه، وتقدرِ تفكي الأزمة وتجيبي البيت.. بدل ما تخربي على نفسك وعلى جوزك! حسين عريسته منتظرة، والشقة دي حق العيلة!”
رديت عليها وأنا بوزع نظراتي بينها وبين جوزي:
“الشقة دي شقتي وشقت جوزي، وحسين يجوز على قد لحافه. والشقة الصغيرة اللي تحت تكفيه وتزيد، إنما عينكم فارغة وبتبصوا للمليان في إيد غيركم. أنا مش هسيب شقتي، ومش هطلع منها، وأحمد هيقعد هنا في وسط عيالي ورأسه مرفوعة.. وأعلى ما في خيلكم اركبوه!”
سامح اتملا من الشحن بتاع أمه، قرب مني ومسك دراعي بقوة وقال:
“يبقى أنتِ اللي صممتي على العناد يا سمر! بكرة الصبح مش هتشوفي قرش واحد من المصاريف، ولا هيدخل البيت ده أكل ولا شرب بفلوسي طالما الواد ده موجود، خليه يصرف عليكي وعلى عيالك بفلوس الورث بقى ورجينا شطارتك!”
نفضت إيده عن دراعي بمنتهى القوة والشموخ، وقولت له:
“أنا عمري ما مدّيت إيدي لك ولا لأمك في قرش يخص أخويا. أنا شغالة وتعبانة ومستورة بفضل ربنا وحلال أبويا. والقرش اللي بيدخل بيتك من شغلي أكتر من اللي بتدفعه أنت! أنت اللي اخترت تقف في صف الظلم ضد حلال ربنا يا سامح، وبكرة تندم لما ربنا يحاسبك على كل لحظة خفت فيها من أمك وما خفتش من ربنا!”
أخدت أحمد من إيده ودخلت بيه الأوضة وقفلت الباب بالترباس. سمعت بره صوت الحجة سعاد وهي بتهد في سامح وتزعق:
“سيبها تنشف دماغها يا بني! يومين وهتيجي تبوس إيديك ورجليك لما تلاقي نفسها لوحدها والناس بتاكل في وشها في الحارة!”
قعدت على السرير وضميت أحمد لصدري. كان بيبكي بصوت واطي ويقول لي:
“أنا أسف يا أبلة سمر.. أنا السبب.. خليهم ياخدوا فلوسي وياخدوا كل حاجة بس ما تسيبيش عمو سامح يضربك ولا يطردنا.”
دموعي نزلت حامية على وشه، مسحتها بسرعة وابتسمت له وسط الوجع وقولت له:
“أوعى تقول كده يا أحمد! أنت رقبتي وحقي وحق أباك وأمك الله يرحمهم. الفلوس دي حقك أنت، ومحدش في الدنيا يقدر يمس منها مليم طالما أنا حية وبنفس في الدنيا. بكرة تتربى وتكبر وتبقي راجل وسند، والبيت ده هيعرف قيمة الحق.”
عدت الليلة دي زي السنين.. الهدوء في البيت كان أتقل من العاصفة. سامح نام في الصالة، وأمه نزلت شقتها تحت وهي بتتوعد وبتخطط للي جاي. وأنا سهرت الليل كله أفكّر.. مش هسلم، ومش هضعف، ومش هسمح لهم ينهبوا شقا أبويا اللي سابه للزمن.
تاني يوم الصبح بدري، صحيت على صوت خبط ورزع جامد على باب الشقة. فتحت الباب ولقيت حسين السلف الصغير واقف ومعه اثنين من أصحابه وشايلين شنط وكراتين، والحجة سعاد واقفة وراهم وبتقول بمنتهى العصبية والفرض:
“وسعِ يا سمر.. حسين نازل ينقل حاجته هنا من النهارده، وأنتِ خدي عيالك وأخوكي وانزلي على الشقة اللي تحت، تتصرفوا فيها زي ما أنتم عاوزين!”
وقفت في فتحة الباب وسديتها بجسمي، وبصيت لحسين ولأصحابه وقولت بصوت هز العمارة كلها:
“خطوة واحدة زيادة لجوة يا حسين، وهكون مكلمة النجدة ومجمعة أهل الحارة كلهم على مهزلة طرد ست وعيالها من شقتها في عز الضهر!”
أنا متجوزه حكايات رومانى مكرم 2
وقف حسين متسمر في مكانه والشنط في إيده، وبص لأمه الحجة سعاد بقلة حيلة. أصحابه اللي كانوا جايين يساعدوه نقلوا نظرهم بيني وبين بعضهم، وحسوا إن الموضوع فيه بيوت بتبوظ وحرمات بتتدهس، فواحد منهم وطى رأسه وقال بصوت واطي: “طب نستأذن إحنا يا حسين، لما تصفوا أموركم نبقى نيجوا نساعدوك.” وسحبوا نفسهم ونزلوا على السلم بسرعة قبل ما المشكلة تكبر.
الحجة سعاد وشها اتخطف ولونها جاب ألوان من الكسفة قدام الغرباء، وعيونها طق منها الشرر، قربت مني ورفعت صباعها في وشي وبقت تتكلم وصوتها يرن في منور العمارة:
“بقيتي تصوتي وتلمي علينا الناس والنجدة يا سمر؟ بتفضحينا في الحارة اللي طول عمرنا مستورين فيها؟ والله ما حد كاسر عين ابنك ولا مطمع الناس فينا غير قسوة قلبك ودماغك الناشفة دي!”
خرج سامح من الأوضة وهو بيفرك في عينيه، لسه قايم من النوم ووشه متكدر. أول ما شاف المنظر، وأمه واقفة بتصوت على الباب وحسين واقف في النص بالشنط، اتملا غضب وجرى ناحيتي، مسكني من كتفي بشدة وحاول يزقني لبره الشقة وهو بيزعق:
“أنتِ اتجننتي يا سمر؟ بتوقفي رجالة غريبة على باب بيتي وتستقوي عليا بالنجدة؟ اطلعي بره أنتِ وأخوكي يلا! البيت ده ميبقاش فيه ست تعلي صوتها على جوزها وأمه!”
في اللحظة دي، جرى أحمد أخويا من جوه لما شاف جوزي ماسكني وبيزقني. الواد عنده تمان سنين بس قلبه اتقطع عليا، وقف بيني وبين سامح، ومسك إيد سامح بحيل أيديه الصغيرين وهو بيبكي ويصرخ بصوت يقطع القلب:
“سيب أبلة سمر! ما تضربهاش! خذوا كل حاجة، خذوا الهدوم وخذوا الشنط بس ما تضربش أختي!”
سامح نفض إيد أحمد بقوة فالواد وقع على الأرض، ودماغه خبطت في رجيل الترابيزة الخشب. صرخة أحمد رنت في المكان، وشفته بيحط إيده على رأسه والدموع نازلة زي المطر.
هنا، الشيطان طار من نفوخي، والدم اللي في عروقي تحول لنار. مكنتش سمر الست الهادية المطيعة اللي بتستحمل عشان بيتها يعمر، بقيت أم ووحش يدافع عن ضناها. نزلت شلت أحمد في حضني، وبصيت لسامح بعيون مفيهاش أي رحمة ولا خوف، وصرخت فيه بصوت هز العمارة والجيران كلهم سمعوه:
“لو لمست الواد ده تاني أو فكرت ترفع إيدك عليا، مش هحرمك من الشقة بس، أنا هسجنك يا سامح! هسجنك أنت وأمك بتهمة التعدي ومحاولة سرقة مال قاصر ويتيم!”
الحجة سعاد لطمت على وشها وقالت:
“سمعت يا سامح؟ سمعت بلسانها بتقول إيه؟ الست دي جاية تهد بيتك وتسجنك عشان واد لا راح ولا جه! طلقها يا سامح! ارمي عليها اليمين ونظف بيتك من الشوم ده!”
سامح كان واقف مذهول من قوتي، عيونه كانت رايحة جاية بين أمه وبين دموع أحمد اللي مالية وشه. كان جواه صراع بين طمعه وخوفه من أمه، وبين إنه عارف إن القانون معايا وأن الورث محمي بحكم وصاية رسمية من المحكمة ومحدش يقدر يلمس منه مليم.
وقفت طولي وأنا ماسكة أحمد في إيدي، ومسحت دموعه، وبصيت لحسين اللي كان واقف ورا أمه ساكت، وقولت له:
“أنت يا حسين.. راجل وطالع تتجوز وتفتح بيت. تقبل على نفسك تبدأ حياتك وزفافك على شقا ست تعبت في شطبتها؟ تقبل تسكن في مكان أصحابه انطردوا منه بغير حق؟ تقبل تتجوز بفلوس ودعوات يتيم بيتقطع قلبه كل ليلة؟ لو فيك نقطة دم أو نخوة رجالة، خد شنطك وانزل شقتك، وابني مستقبلك بعرقك مش بدموع غيرك!”
حسين وشها حمر، وسقطت إيده بالشنطة على الأرض. بص لأمه وبص لأخوه سامح، وقال بصوت واطي ومكسور:
“خلاص يا أمي.. خلاص يا سامح. أنا مش هتكوز في الشقة دي. لو الجوازة دي هتفتح علينا أبواب جهنم وناكل حق يتيم، بلاش منها الشقة دي خالص. أنا هتشطف في شقتي الصغيرة وعلى قد لحافي أمد رجلَي.”
الحجة سعاد صرخت في حسين:
“أنت بتتراجع يا خايب؟ بتسيب حقك عشان كلمتين بتقولهم؟”
حسين رد عليها وهو بيلم شنطه:
“ده مش حقي يا أمي.. ده حق سمر وجوزها، والولد الصغير ده مالوش ذنب في مشاكلنا. أنا نزل شقتي.” وسحب شنطه ونزل على السلم ورجليه بتجر بعضها.
الحجة سعاد بصت لي بغل وكره لا يوصف، وقالت:
“ماشي يا سمر.. وقفتي الولد ضد أمه، وكسرتي فرحته.. بس وحياة ربنا ما هسيبك تهني في البيت ده، ودين بيك لأخلّي سامح يوريكي النجوم في عز الظهر!”
نزلت أمه وهي بتبرطم وتدعي، وفضلت أنا وسامح واقفين في الصالة. الجو كان مسموم وثقيل جداً. سامح بص لي بغضب مكتوم، وقرب مني وقال بنبرة واضحة:
“أنتِ فاكرة إنك كسبتي الجولة يا سمر؟ أنتِ كسرتي كلمتي قدام أمي وأخويا، ودا حساب كبير أوي. من النهاردة مفيش كلام بيني وبينك، ولا ليكي قرش واحد عندي، والبيت ده هيتحول لجهنم حمرا ليكي ولأخوكي حتى تترجي عشان تمشي!”
دخل سامح أورته وقفل الباب وراه برزع هز الحيطان.
قعدت على الكنبة وأنا حاطة أحمد في حضني، جسمي كله كان بيرتعش من التوتر والتعب. أحمد رفع رأسه لي وقال بصوت خايف:
“أبلة سمر.. هو إحنا هنفضل هنا؟ أنا خايف من عمو سامح والحجة سعاد.”
بست رأسه وقوت قلبي وقولت له:
“طول ما أنا عايشة وبنفس، محدش يقدر يمسك ولا يظلمك يا أحمد. الحق معانا وربنا معانا، واللي بيتقوى بربنا محدش يقدر عليه. نلم هدومنا وناخد بالنا، واليومين الجايين هيحددوا مين اللي هيقف على رجليه ومين اللي هيخسر كل حاجة.”
دخلت الأوضة وأنا عارفة إن الحرب الحقيقية يلا بدأت، وإن سامح وأمه مش هيسكتوا، بس كنت مستعدة أقف قدام الدنيا كلها عشان أحمي حق أخويا وأحافظ على كرامتي.
مرت الأيام الثقيلة على بيتي زي زحف العقارب. سامح نفذ تهديده بالحرف؛ بقى يدخل ويخرج زي الغريب، يدخل أكل لنفسه وبس، ولا ينطق معايا بكلمة، وإن جه وشه في وشي يبص لي بنظرة كره وشماتة، مستني اليوم اللي أضعف فيه وأروح أترجاه عشان يصرف أو يسامحني. بس هو كان ناسي أو بيمثل إنه ناسي إن سمر ست عاملة، شقيانة من صغرها، ومستورة بفضل ربنا وبشغل إيديها في مشغل الخياطة ورزق ورث أبويا المحفوظ.
كنت بقوم كل يوم من الفجر، أجهز فطور أحمد وعيالي، وألبس أحمد طقم المدرسة المكون المكوي، وأمسك إيده وأوصله لحد باب المدرسة وأنا رافعة رأسي. والحجة سعاد كانت بتقعد لي على دكة البيت تحت، تتفرج عليا طالعة نازلة، وتبص للواد أحمد من فوق لتحت وهي بتبخ سمها مع جارات الحارة:
“شوفوا الست المفترية! معندهاش أصل ولا نجدة، مخربة بيت ابنها عشان خاطر واد يتيم لا راح ولا جه، وحارمة سلفها من الشقة وبتحارب حماتها!”
كنت بمر من قدامهم وكأني مش شايفاهم، أصل الشجرة المثمرة هي بس اللي تترمى بالطوب. بس الغل لما بيسكن القلوب، بيعمي العيون عن الحلال والحرام.
في يوم أربع، ورجعت من الشغل بدري ساعة عشان ألحق أعمل الغدا للأولاد وأذاكر لأحمد. خرجت من الميكروباص ودخلت الحارة، لقيت الناس واقفين يتودودوا وبيبصوا لي بنظرات غريبة. قلبي انقبض ورجلي شالتني بصعوبة لحد العمارة. طلعت السلم بسرعة، ولما وصلت لقصاد شقتي، لقيت المفاجأة اللي نزل عليا زي الصاعقة.
كالون الباب اتغير!
حطيت المفتاح في الباب، المفتاح مش راضي يلف ولا يدخل. حركت الأكرة يمين وشمال، الباب مقفول بالترباس من جوه والكرابيج متغيرة. قعدت أخبط بأيدَي الاثنين بصوت عالي:
“سامح! افتح الباب يا سامح! افتح البييييت!”
الباب اتفتح ببطء، وخرجت منه الحجة سعاد وهي ماسكة مسحة في إيدها، وبصت لي بابتسامة نصر صفرا وقالت:
“بتخبطي ليه يا حلوة؟ ما خلاص.. الشقة دي اتقفلت في وشك وفي وش الواد اللي جايباه معاكي! ابنك سامح غير المفتاح، وشنطتك وشنط هدوم الواد هتلاقيها نازلة لك تحت في الشقة الصغيرة اللي في الملحق.. انزلي عيشي هناك، أو شوفي لك حتة ثانية في الدنيا تلمكم!”
دمي اتصفى من جسمي، وبصيت جوه الشقة لقيت سامح قاعد على الكنبة وبيدخن سيجارته بكل برود، مبصش في عيني حتى ولا كأنه سامع حاجة.
صرخت فيهم:
“أنت عملت إيه يا سامح؟ بتطردني من شقتي اللي شطبتها بفلوسي وبدفع فيها دم قلبي؟ بتغير الكالون في غيابي وتفتح بيتي وأنا مش موجودة؟”
سامح قام وقف ورما السيجارة في الأرض وداس عليها برجله، وقرب من الباب وقال بقسوة:
“أنا طردتك من الشقة الواسعة عشان تعطيها لحسين أخويا ويتجوز فيها زي ما أمي عاوزة. أنتِ اخترتي الواد أحمد وتفضلي فلوسه ومصلحته عليا وعلى عيلتي، يبقى انزلي قعي في الشقة الصغيرة اللي تحت، واصرفي على روحك وعليها من فلوس الورث اللي أنتِ خايفة عليها أوي دي!”
قربت من سامح ومسكت في ياقة قميصه وأنا بجأر بصوتي:
“الشقة دي بتاعتي، وأنا ليا فيها النصف بحكم تشطيبها والأوراق اللي معايا! أنت بتستقوى عليا عشان معيش راجل؟ عشان أبويا مات وسابني أنا وأخويا لوحدنا؟”
الحجة سعاد زقتني بقوة لورا وقالت:
“سيب قميص الراجل يا بت! أعلى ما في خيلك اركبيه.. انزلي خدي شنطك من تحت بدل ما نكسرها لك ونرميها في الشارع! ورجينا بقى المحاكم والقانون هيعملوا لك إيه، العقود باسم ابنك سامح، وأنتِ مالكيش حبة طين هنا!”
وقفت على السلم والدموع محبوسة في عيني، وصدري بيطلع وينزل من الغضب. في اللحظة دي، سمعت خطوات أحمد طالع على السلم، جاري ومسك في رجلي وهو خايف لما شاف الشنط مرمية عند باب الشقة الصغيرة تحت.
بصيت لسامح وأمه، وحسيت إن كل نقطة طيبة أو ضعف في قلبي . مسحت وجهي بأيدي ورفعت رأسي فوق، وابتسمت ابتسامة يرعب منها أي حد.
قولت لسامح وأنا بوزع نظراتي بينه وبين أمه:
“أنت فاكر إن لما تغير الكالون وترموا شنطي تحت تبقوا كسبتم؟ فاكرين إن سمر اللي شالت المسؤولية وهي عندها عشرين سنة هتستسلم لطمعكم؟ أنت يا سامح اللي بدأت وقلت الحرب، وأنا بكرة الصبح هخلي الحارة كلها والعيلتين يعرفوا مين هو سامح ومين هي أمه. والورث اللي عينكم ضربت فيه، هكون بكرة الصبح واقفة بيه قدام النيابة وقاضي المعاملات، وهرفع دعوى تمكين ودعوى إثبات حق تشطيب وشقة، ودعوى عدم تعرض لمال يتيم وقاصر!”
الحجة سعاد وشها جاب ألوان وقالت بتلعثم:
“أنتِ بتهددي بالنيابة والقضا يا سمر؟”
رديت عليها بصوت هز العمارة:
“أنا مش بهدد.. أنا بنفذ! وأول خطوة هعملها دلوقتي، مش هنسحب ولا هجري.. أنا هقعد في الشقة اللي تحت، بشنطي وأخويا، بس وحياة دموع الواد ده وحق أبويا اللي تحت التراب، لأخلي البيت ده يدفع ثمن كل لحظة قهر عشتها النهاردة، والبادي أظلم يا سامح!”
نزلت على السلم وأنا ماسكة إيد أحمد بثبات، وسبتهم واقفين على السلم ووشوشهم زرقاء من الخوف من اللي جاي.
أنا متجوزه حكايات رومانى مكرم 3
نزلت السلم بخطوات ثابتة وواثقة، وماسكة إيد أخويا أحمد اللي كان جسمه كله بيرتعش من الخوف، والنظرات حوالينا مليانة تحدي من الحجة سعاد وسامح اللي كانو واقفين فوق. فتحت باب الشقة الصغيرة اللي في الملحق تحت، لقيت الشنط مرمية في الصالة والتراب ماليه المكان كأنه مهجور.
دخلت أحمد، وقفلنا الباب بهدوء. أحمد قعد على أول شنطة وبص لي بدموع مقهورة وقال بصوت يوجع القلب:
“أبلة سمر.. هما ليه بيعملوا معانا كده؟ هما ليه عاوزين ياخدوا حقنا وحق بابا الله يرحمه؟ هو إحنا معندناش بيت نروح فيه؟”
نزلت على ركبي قدامه، ومسكت وشه بين إيديا الاثنين وبصيت في عينيه بثبات وقوة مستمدة من الحق:
“اسمعني كويس يا أحمد.. عينك دي ما تدمعش، ورأسك دي تفضل مرفوعة دايماً! إحنا مش ضعاف، وحقنا هيرجع لنا بالقانون وبشرع ربنا، وأنا عايشة عشان أحميك وأحافظ على أمانتك. الشقة دي مجرد محطة مؤقتة، وحقنا محفوظ بالقانون، وسامح وأمه هيدركوا قيمة اللي عملوه غلط.”
مسحت دموعه، وقومت شمرت دراعاتي. نضفت الشقة في ساعتين، ورتبت هدوم أحمد وعيالي، وجبت لهم أكل وشرب بجهدي وعرقي، ومخلتش ناقصهم حاجة. تاني يوم الصبح بدري، أخدت إجازة من المشغل، ولبست هدومي وأخدت الأوراق والمستندات كلها: فواتير التشطيب اللي باسمي، ووصالي الاستلام، وعقد الشقة الأصلي، وشهادة الوصاية الرسمية على أحمد من محكمة الأسرة، وفواتير البنك اللي بتثبت إن ورث أحمد محفوظ بحكم محكمة.
طلعت على المحامي، وقعدت معاه وقلت له بصوت هادئ:
“أنا مش جاية أطلب الطلاق دلوقتي.. أنا جاية أخد حقي وحق أخويا اليتيم بالطرق القانونية السليمة. عاوزة دعوى تمكين من الشقة الواسعة، ودعوى استرداد مسكن، وبلاغ رسمي لإثبات الحيازة.”
المحامي بص في الأوراق وابتسم وقال لي:
“القانون معاكي يا سمر هانم. فواتير التشطيب اللي باسمك مع عقد الشقة ونقل الحيازة يثبتوا إنك شريكة، وغير كده أنتِ حاضنة للأطفال وأخوكي القاصر في وصايتك الرسمية. النيابة هتنزل معاكي قرار تمكين يضمن حقك.”
رجعت الحارة قبل المغرب، وكنت ماشية بثقة. ولما دخلت شارعنا، لقيت الناس ملمومين قدام بيت الحجة سعاد، والخبر انتشر إن حسين خطيبته وأهلها جايين النهاردة يعاينوا الشقة الواسعة فوق عشان يحددوا معاد الفرح.
الحجة سعاد كانت واقفة على الباب بجلابية جديدة وبتوزع شربات على الجيران، وبتقول بصوت عالي:
“يا ألف نهار مبروك يا حسين يا بني! الشقة الواسعة بقت ملكك خلاص، ونضفنا البيت!”
سمعت الكلام ده، بس فضلت هادية، ومشيت ودخلت الشقة الصغيرة تحت، وأنا عارفة إن العدل الإلهي والقانوني هو الفيصل. بعد ساعتين، وصلت العروسة وأهلها ناس ناس محترمين ولابسين شياكة، ودخلوا العمارة والتزغاريد مالية المكان، واستقبلتهم الحجة سعاد وسامح بترحاب شديد فوق.
في اللحظة دي.. سمعت صوت عربية الشرطة وهي داخلة الحارة مع محضر المحكمة. الناس جرت على الشبابيك، والمحضر ومعاه قوة من القسم وقفوا قدام باب العمارة، وسألوا الجيران:
“فين شقة سامح والست سمر؟”
الجيران شاوروا على فوق، والمحضر والقوة طلعوا السلم، وأنا طلعت وراهم بخطوات هادية وأحمد ماسك في إيدي. المحضر خبط على باب الشقة الواسعة، فتحه سامح وهو بيضحك ومسك كوباية الشربات، بس ضحكته وقفت لما شاف ضابط المباحث والمحضر واقفين!
المحضر قال بصوت رسمي:
“بناءً على الأوراق والمستندات الرسمية وقرار النيابة العامة، جاري تنفيذ قرار التمكين للزوجة سمر وأولادها وأخوها القاصر أحمد، وإثبات الحيازة القانونية المشتركة!”
أهل العروسة استغربوا، ووقف والد العروسة وقال بغضب وبصوت منزعج:
“إيه الكلام ده؟ هي الشقة دي عليها منازعات وقضايا تمكين؟!”
الحجة سعاد صرخت وقالت:
“لا يا بيه! دي إجراءات إحنا هنحلها!”
وقف الضابط وقال بحزم:
“القرار صادر من النيابة بناءً على مستندات رسمية وفواتير باسم المدعية سمر. اتفضلوا كلكم انزلوا بره الشقة لحين إتمام إجراءات التسليم بهدوء!”
سامح بص لي بعيون مكسورة قدام أهل عروسة أخوه والجيران، وقرب مني وقال بصوت بيرتجف:
“أنتِ عملتي إيه يا سمر؟ بتجيبي لي الشرطة في بيتي؟”
رديت عليه بهدوء وثبات وأنا بمسك إيد أحمد:
“أنا مجرتش ورا باطل يا سامح.. أنا لجأت للقانون عشان آخد حقي وحق أخويا اليتيم للطريق السليم. الشقة دي حق قانوني لينا.”
خرج والد العروسة من الشقة وهو في قمة استياءه، ورما الكوباية على الأرض، وبص لحسين والحجة سعاد وقال:
“إحنا ناس بنعرف الأصول، ومش هنرمي بنتنا في مكان فيه نزاعات وقضايا وحقوق معلقة. خطوبة حسين مفسوخة من اللحظة دي!”
أخد العروسة وأهلها ونزلوا بسرعة، وحسين وقف مذهول ومكسور، وبص لأمه وأخوه وقال بصوت مخنوق:
“عجبكم كده؟ فضحتونا وضيعتم خطوبتي وفرحة عمري عشان طمع في شقة وحق مش لينا؟ منك لله يا أمي.. منك لله يا سامح!”
ورما المحبس ونزل وراهم وهو بيعيط من القهرة. الحجة سعاد قعدت على الأرض تصوت، والضابط طلب منهم الهدوء التام وعدم تعطيل تنفيذ الإجراءات القانونية الرسمية. تم تغيير الكالون في ساعتها قدامهم، واستلمت المفاتيح الجديدة رسمياً من المحضر، وتم إثبات حالة المستندات وفواتير التشطيب.
بعد ما الضابط والمحضر نزلوا والجيران اتفرقوا، فضلت الشقة هادية.. مفيهاش غيري أنا وأحمد وعيالي، وسامح واقف في الزاوية حاسس بندم كبير. أحمد أخويا مسك في جلابيتي وبص للشقة الواسعة اللي رجعت لنا، وقال بصوت واطي:
“أبلة سمر.. هو عمو سامح زعلان ليه؟”
طبطبت على رأس أحمد وقلت له بصوت هادئ:
“اللي يمشي في طريق الحق ربنا بينصره يا أحمد، والظلم نهايته الندم.”
سامح قرب مني بخطوات مكسورة، وشه شاحب وعيونه مليانة دموع الندم، وقال بترجي:
“سمر.. سامحيني.. أنا اتعميت وأمي ضحكت عليا وشحنتني ضدك.. أنا ضيعت أخويا وفضحت نفسي، بلاش نقفل البيوت خالص، افتحي صفحة جديدة وأنا هكون سند ليكِ ولأحمد.”
بصيت لسامح بعيون هادئة وثابتة، وقلت له بمنتهى الوضوح:
“البيت ده انكسر أمانه يوم ما حصل التعدي ويوم ما حاولت تظلم أخويا اليتيم. الشقة دي رجعت لي بقوة القانون وبجهدي، لكن الثقة محتاجة أمان ومشاعرة صادقة، والجواز أمان مش مجرد سقف.”
سامح دمعت عينيه وقال بترجي:
“يعني إيه يا سمر؟”
رديت عليه بهدوء تام:
“القانون اداني حيازة وتمكين، وتقدر تظل في المكان بالترتيبات القانونية، لكن الحياة الزوجية انتهت لأن الأمان ضاع، وحقوق أولادنا وأخويا مصانة بالقانون وبالشرع.”
سامح سكت ونزل رأسه في الأرض وقعد على الكنبة حاسس بحجم الخسارة. دخلت أوضتي ورتبت هدوم أحمد وعيالي، وقعدت أحمد يذاكر وهو مرفوع الرأس، وأنا بشكر ربنا على نعمة العدل.
لكن بالليل، سمعت حركة خفيفة تحت في الشارع، وصوت الحجة سعاد بتتكلم مع أختها وصهرها “عبد الفتاح” اللي معروف بمحاولات الالتفاف والتحايل. كان عبد الفتاح بيبيّن خطة لتلفيق عقد بيع ابتدائي قديم أو أوراق غير صالحة عشان يلغوا بيها تمكين الشقة، والحجة سعاد كانت بتشجعه عشان تلوي دراعي.
قشعر جسمي من محاولات الغش، بس ماترعبتش. قررت أكون أسبق وأحكم، وقمت بهدوء فتحت الخزنة وأخدت أصول المستندات كلها: عقد الشقة الأصلي، فواتير الشراء، إيصالات الأمانة، وشهادة الوصاية، وحطيتهم في شنطتي الصغيرة اللي بقت في إيدي دايماً.
تاني يوم الصبح، نزلت أنا وأحمد وطلعت طوالي على مكتب المحامي. حكيت له اللي سمعته، فابتسم وقال لي:
“خطوة ذكية يا سمر.. احنا هنسبقهم بمستنداتنا الرسمية. هنقدم بلاغ إثبات مستندات أصلية في النيابة ونعمل إنذار رسمي بعدم التعرض، وده هيخلي أي عقد وهمي يقدّموه يتكشف فوراً كمحاولة تزوير يعاقب عليها القانون.”
رجعت الحارة على الضهر، لقيت عبد الفتاح وأخت الحجة سعاد واقفين تحت، والحجة سعاد بتبص لي بتحدي. على الساعة أربعة العصر، طلع عبد الفتاح ومعه شخص تاني، ونادوا على سامح وطلعوا مع الحجة سعاد اللي بقت تصوت وتلم الجيران وتقول إن الشقة مبيعة بعقد قديم!
طلعت ووقفت على باب الشقة وأحمد ماسك في إيدي، والجيران متجمعين. عبد الفتاح طلع ورقة وقال بصوت عالي:
“معايا عقد بيع ابتدائي للشقة دي باسم حسين! والست دي قاعدة بدون وجه حق!”
سامح كان واقف أصفر ومش عارف ينطق. في اللحظة دي، طلع المحامي بتاعي ومعه صورة المحضر الرسمي وشكوى النيابة اللي قدمناها الصبح، وقال بصوت هز العمارة:
“الورقة دي اللي في إيدك مالهاش أي قيمة! احنا قدمنا أصول أوراق الشقة والحيازة الرسمية للنيابة الصبح، وبلاغ رسمي بأي محاولة تزوير أو تلاعب! واللي هيقدم أوراق وهمية هيتحط في طائلة القانون بتهمة التزوير!”
الشخص اللي كان جاي مع عبد الفتاح بص للورقة ولمحامي وبسرعة قال:
“أنت عاوز تورطني في قضية تزوير ومحاكم؟ الورقة دي باطلة قانوناً!” وسابهم ومشي.
الحجة سعاد اتصدمت، وعبد الفتاح بقى يتلفت حوليه. بصيت لهم وقلت بصوت حاسم:
“محاولات الالتفاف والنصب دي مش هتنفع مع القانون، وحق اليتيم محمي، وأي محاولة تلاعب تانية هيكون مصيرها الجهات القضائية بحزم.”
الحجة سعاد سكتت واتسمرت مكانها، وسامح دخل شقته منهار من الفشل. مرت الليلة بهدوء تام، ومع أذان الفجر صليت ودعيت ربنا يثبتنا. الصبح الساعة تسعة، خبط باب الشقة، وكان المحامي ومعاه المأذون الشرعي واثنين من كبار الحارة المشهود لهم بالحكمة.
دخلوا الصالة، واستدعوا سامح اللي خرج بوش مكسور، وطلعت الحجة سعاد بعد ما عرفت بوجود المأذون. قعد الحاج أحمد، كبير الحارة، وقال بصوت رزين:
“شوف يا سامح.. الحارة كلها عرفت باللي جرى، وأنك ظلمت زوجتك وأكلت حق اليتيم إرضاءً لأمك، وهي لجأت للقانون وربنا نصرها. القعدة دي مش رجوع للقديم، دي لتسوية الحقوق بالمعروف.”
سامح وطى رأسه وقال بصوت مخنوق:
“أنا غلطت يا حاج.. ومستعد أعمل اللي سمر ترضيه، بس البيوت تتبني وما تتفضحش أكتر من كده.”
وقفت أنا وبصيت لهم بكل ثقתי وقلت:
“البيت ده انكسر أمانه يا سامح يوم ما اخترت تظلمنا وتطردنا في غيابي. واللي يبيع أمانة بيته وعياله لأجل الطمع ما يبقاش سند.”
التفتّ للمأذون وقولت:
“يا مولانا.. أنا أخدت حقي بالقانون، والشقة دي حيازة لي ولأولادي ولأخويا. والنهارده بطلب الطلاق للضرر مع الاحتفاظ بكامل حقوقي الشرعية وحقوق أطفالي في النفقة والسكن، ومش هتنازل عن قرش من ورث أحمد.”
الحجة سعاد حاولت تصوت، لكن الحاج أحمد رفع إيده وقال بحزم:
“اسكتي يا سعاد! أنتِ سبب اللي وصل له ابنك بطمعك وخلاكِ تخربي بيته. الست دي صبرت ودافعت عن حقها بقانون ربنا والشرع.”
سامح بص لي بدموع حقيقية وقال بترجي:
“سمر.. عشان ولادنا بلاش الطلاق، اديني فرصة وأنا هكون إنسان تاني!”
رديت عليه بهدوء وثبات:
“اللي يبيع أهله وأمانته عشان طمعه بينهي كل الفرص. الطلاق هو الحل العادل عشان كل طرف يعرف حدوده.”
فتح المأذون الدفتر، ووقع سامح أوراق الطلاق وإيده بتترعش، وهو حاسس أنه خسر كل حاجة: زوجته الأصيلة، وكرامته، وفرحة أخوه، وما فضلش معاه غير الندم. بعد ما تمت الإجراءات بالمعروف، واتفقنا على نفقة الأولاد وسكنهم بالقانون، أخد سامح شنطته ونزل عاش مع أمه في الشقة الصغيرة.. نفس المكان اللي حاول يطردنا منه، وسبحان من يدور الدوائر ليظهر الحق.
قفل المأذون الدفتر، ومشي رجال الحارة وهم بيدعوا لي بالبركة. وقفت في صالون الشقة الواسعة، الشمس منورة كل ركن. أحمد أخويا قرب مني وحضنني بفرحة وبص لي وقال:
“أبلة سمر.. هو إحنا كده خلاص بقينا في أمان ومحدش هياخد حقنا؟”
نزلت على ركبي، وشديته لحضني وقبلت رأسه ودموع الفرحة في عيني، وقلت له بكل قوة وثقة:
“خلاص يا قلب أبلة سمر.. حقك رجع ورأسنا مرفوعة للسما دايماً. الفلوس حلالك، والبيت بيتك، واللي يعيش بالحق وبطرق القانون وعون ربنا، عمره ما يتكسر أبداً!”
دخلت أوضتي ورتبت حياتي بروح جديدة، وعرفت إن الست لما تقف في وجه الظلم بحكمة وهدوء وتمسك بالقانون، ربنا بيبني لها سقف من النصر والكرامة ما يقدرش أي جبروت في الدنيا يهدمه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

تعليقات
إرسال تعليق