سكريبت قبل ولادتي كاملة حكايات صافي هاني
قبل ولادتي حكايات صافي هاني
كنت في الشهر التامن من حملي بعد سنين طويلة من الدعاء والعلاج لحد ما ربنا رزقني بالبيبي اللي استنيناه العمر كله. وفي يوم السَبوع اللي كنا عاملينه عشان نفرح بيه قدام الأهل والمعارف اتفاجئت بجوزي داخل من الباب وماسك إيد بنت صغيرة عندها اتنين وعشرين سنة وواقف بكل بجاحة يقول دي هتقعد معانا.
بصيتله وأنا مصدومة وقلتله اطلع بره إنت وهي حالاً. فجأة وقف قدامي وتجاهل كل سنين جوزنا وقال ببرود وقسوة إن دي اللي حامل في ابني الحقيقي أما إنتي فعمرك ما كنتي غير عاقر مالكيش لازمة.
والصدمة الأكبر إن حماتي وحمايا بدل ما يقفوا معايا أو يهددوا الموقف، فضلوا يضحكوا ويصفقوا كأن اللي حصل ده عرض بيتفرجوا عليه.
كنت واقفة في مكانى ماسكة بطني من شدة الصدمة والوجع النفسي، لكن رغم كل اللي حصل ابتسمت.
لأنهم كانوا فاكرين إنهم كسبوا وإنهم خلصوا مني.
ولا واحد فيهم كان يعرف إن شركة حمايا الكبيرة خلاص وقعت بإيدي من جوه وإن كل الملفات والمستندات اللي هتفضحهم وصلت للجهات المختصة من قبلها بوقت طويل.
بصيت في ساعتي المكسورة لقيت العقرب واقف على الساعة واحدة وتسعة وخمسين دقيقة.
وفضلت أعد آخر ثانية وأنا مستنية اللحظة اللي حياتهم كلها هتتقلب فيها رأس على عقب.
الساعة كانت واحدة وتسعة وخمسين دقيقة بالظبط.
كنت واقفة وسط الهدايا والزينة اللي اتبعترت في كل مكان وأنا حاطة إيدي على بطني وبحاول آخد نفسي.
الوجع النفسي كان شديد لدرجة إني للحظة خفت على ابني أكتر ما خفت على نفسي.
لكن وسط كل ده كنت ببص لساعة إيدي وبستنى.
ثانية واحدة بس.
ثانية كانت كفيلة إنها تغيّر كل حاجة.
جوزي واقف قدامي ووشه مليان غرور وهو ماسك إيد البنت اللي جابها معاه.
اسمها كان سارة.
بنت صغيرة فعلًا، عندها اتنين وعشرين سنة، واقفة جنبه وهي متوترة ومش عارفة تبصلي في عيني.
أما هو فكان واقف كأنه صاحب البيت وأنا واحدة غريبة فيه.
حماتي كانت بتضحك وهي بتقول:
“شايفة يا بنتي؟ أهو ربنا عوض ابني بعد سنين العذاب اللي عاشها معاكي.”
رفعت عيني ليها وقلت بصوت متقطع:
“سنين العذاب؟”
ضحكت وقالت:
“أيوه. سنين وهو مستحمل واحدة مش قادرة تخلف.”
حمايا صفق بإيده وقال:
“خلاص بقى يا محمود. طلقها وريّحنا. سارة حامل في ابنك ودي فرصة إن العيلة يبقى ليها وريث.”
غمضت عيني ثواني.
مش عشان أبكي.
لكن عشان أمنع نفسي من الضحك.
لأنهم كانوا لسه مش فاهمين.
أنا ماكنتش ساكتة طول السنين اللي فاتت.
أنا كنت بجهز.
وكنت مستنية اللحظة المناسبة.
فتحت عيني وبصيت لجوزي.
قلت:
“محمود.”
قال بعصبية:
“نعم؟”
قلت:
“إنت متأكد إنك عايز تكمل اللي بدأته؟”
ضحك بسخرية.
“إنتي لسه هتهدديني؟”
هزيت راسي.
“أنا مش بهددك.”
بصيت ناحية حماتي وحمايا.
“أنا بس بفكركم إن اللي بيحصل النهارده مش نهاية حكايتي.”
محمود قرب مني وقال:
“حكايتك انتهت من زمان.”
ابتسمت.
“لأ.”
وسكت شوية.
“حكايتكم إنتوا اللي هتبدأ النهارده.”
في اللحظة دي سمعنا صوت عربيات وقفت قدام البيت.
وبعدها صوت جرس الباب.
محمود اتضايق.
“مين اللي جاي في الوقت ده؟”
حماتي قالت:
“يمكن حد من المعازيم.”
لكن محدش كان متوقع إن اللي داخل مش ضيف.
كان محامي الشركة.
ومعه اتنين من موظفي الشؤون القانونية.
وبمجرد ما الباب اتفتح دخلوا.
المحامي أول ما شافني واقفة بتعب جري ناحيتي.
“مدام نور! إنتي كويسة؟”
محمود اتوتر.
“إنت بتعمل إيه هنا؟”
المحامي بصله ببرود وقال:
“أنا جاي أنفذ تعليمات مجلس الإدارة.”
محمود ضحك.
“مجلس إدارة إيه؟ أنا صاحب الشركة.”
المحامي رد:
“كنت فاكر.”
سكت محمود.
حمايا قام من مكانه بسرعة.
“إنت بتقول إيه؟”
المحامي طلع ملف من شنطته.
“من فضلك يا أستاذ عبد الرحمن اقعد.”
حمايا بصله بحدة.
“إنت نسيت بتكلم مين؟”
قال:
“لأ. بالعكس. أنا فاكر كويس.”
فتح الملف.
“وعشان كده جاي النهارده.”
محمود بدأ يتوتر.
دخلت أختي من الباب في اللحظة دي.
كانت عارفة كل حاجة، وجريت عليا تطمني.
محمود قال بسرعة:
“إنتوا جيتوا ليه؟ محدش ليه دعوة بحاجة هنا.”
بصتله أختي بغضب وقالت:
“البيت ده ما بقاش ملككم أصلاً.”
وقبل ما يكمل كلامه دخل اتنين من رجال الأمن اللي كانوا مع المحامي.
المحامي قال:
“أستاذ محمود، لو سمحت ابعد.”
محمود صرخ:
“إنت مين عشان تأمرني؟”
رد بهدوء:
“الشخص اللي معاه قرار من مجلس الإدارة يمنعك من دخول الشركة أو التصرف في أي حساب أو مستند تابع لها.”
سكت البيت كله.
حمايا قرب من المحامي.
“قرار إيه؟”
فتح المحامي الملف وقال:
“قرار صدر بعد مراجعة المستندات والحسابات اللي وصلت لمجلس الإدارة والجهات المختصة.”
محمود بصلي.
ولأول مرة من ساعة ما دخل البيت، شفت الخوف في عينيه.
قال:
“إنتي عملتي إيه؟”
ما رديتش.
المحامي هو اللي رد.
“هي ما عملتش حاجة غير إنها قدمت المستندات اللي كانت موجودة.”
حمايا اتوتر.
“مستندات إيه؟”
المحامي فتح الملف.
“تحويلات مالية غير مبررة.. فواتير وهمية.. شركات متعاقدة بأسماء أقارب.. وأهم حاجة، توقيعات حضرتك.”
محمود قال بسرعة:
“دي كلها افتراءات.”
المحامي قال:
“عشان كده المستندات اتبعتت للمراجعة القانونية الكاملة قبل ما نتحرك.”
أنا كنت عارفة إن اللحظة دي هتيجي.
من حوالي سنة ونص، كنت بدأت ألاحظ حاجات غريبة في حسابات الشركة بحكم شغلي القديم في الإدارة المالية وعملي مع الأرقام.
وفي البداية كنت بقول مجرد أخطاء.
لكن الأخطاء كانت بتتكرر.
ولما حاولت أسأل محمود وقتها، قال لي بتهكم:
“سيبي الشغل للرجالة.”
كانت أول مرة أفهم إن فيه حاجة مش طبيعية.
فبدأت أجمع المستندات بهدوء، وأعمل نسخ قانونية من كل حاجة، وأخلي المحامي يراجعها بعيد عن أي شبهة، خصوصاً بعد ما اتأكدت إن محمود كان جزء من هذا التلاعب.
رجعت أبص للمحامي.
قلت:
“كل حاجة وصلت؟”
هز راسه.
“كلها.”
محمود صرخ:
“إنتي كنتي بتخططي لكل ده؟”
قلت:
“أنا كنت بحمي نفسي وابني.”
قال:
“يعني إنتي كنتي عارفة؟”
قلت:
“من بدري.”
حمايا قرب مني.
“إنتي فاكرة إنك كده كسبتي؟”
قلت:
“أنا مش داخلة مسابقة.. أنا بس عايزة حقي وحق ابني.”
حماتي بدأت تعيط على ابنها وقالت:
“إنتي دمرتي ابني.”
بصيتلها وقلت:
“ابنك هو اللي دمر نفسه.”
في اللحظة دي، حسيت بتعب شديد في الحمل نتيجة الانفعال، وطلبت من أختي نغادر البيت فوراً للمستشفى للاطمئنان على الجنين.
وأنا خارجة من البيت سمعت محمود بينادي بصوت مكسور:
“نور!”
وقفت لحظة وبصيتله.
كان واقف مكانه لأول مرة من غير غرور.
قال:
“إنتي عايزة إيه؟”
قلت:
“عايزة أعيش.. وأربي ابني بعيد عن الكذب والخداع والإهانة.”
وبعدين خرجت.
في المستشفى، الدكاترة دخلوني بسرعة للاطمئنان.
أكتر لحظة خوفتني كانت لما الدكتورة فحصتني وقالت:
“هنطمن على الجنين.”
قلبي كان هيقف.
وبعد دقائق سمعت صوت نبضه.
الدكتورة ابتسمت وقالت:
“الحمد لله. النبض موجود ومستقر.”
غمضت عيني ونزلت دمعة ارتياح.
حطيت إيدي على بطني وقلت:
“الحمد لله.”
مرت أيام، والأخبار انتشرت داخل الشركة.
مجلس الإدارة بدأ تحقيق داخلي، ومحمود اتمنع تماماً من التعامل مع الحسابات، بينما اضطر حمايا لحضور جلسات التحقيق بعد مراجعة كافة المستندات والتوقيعات والتحويلات المالية غير القانونية.
وفي وسط كل ده، سارة اتصلت بيا.
في البداية ما كنتش عايزة أرد، لكنها اتصلت تاني ووضحت لي بقلق:
“مدام نور.. أنا آسفة. أنا ما كنتش أعرف إنه متجوز بالطريقة دي.. قال لي إن الجواز منتهي وإني ماكنتش اعرف الحقيقة الكاملة، والأهم إني عملت تحليل بنفسي وطلع سلبي، يعني مافيش حمل زي ما كان بيحاول يوهم الكل عشان يضغط بيك.”
قلت لها:
“المهم إنك عرفتي الحقيقة.. وأنا صفيتي مش معاكي، صفيتي مع اللي ظلموني.”
قالت إنها قطعت علاقتها بيه تماماً وقفلنا.
بعد حوالي شهر، بدأت أتحسن، ووصلتني ورقة رسمية من محمود طلب طلاق.
قرأتها بهدوء ووافقت عليها بشروطي القانونية كاملة: نفقة، وحقوقي، وحضانة ابني.
وفي الشهر التاسع، وفي ليلة هادئة، وضعت مولودي.
أول ما سمعت صرخته واتحط على صدري، نسيت كل حاجة.. نسيت محمود، ونسيت البيت، وكل تفاصيل الماضي.
كل اللي شفته كان طفل جميل بستناه من سنين.
بعد الولادة بأسابيع، أخذت ابني وسترت بيتنا الجديد والهادئ.
شقة بسيطة، باختياري الكامل، وكل ركن فيها بيعبر عن بداية جديدة ونظيفة بعيدة عن الخوف.
أما الشركة فاستمرت تحت إدارة مستقلة عينها مجلس الإدارة، وعرضوا عليا لاحقاً منصباً استشارياً من البيت، ووافقت بشكل قانوني يحفظ مكانتي وخبرتي.
وبعد سنين، لما ابني كبر وبقى يفهم، كان محمود بيجي يزور ابنه بانتظام في المواعيد القانونية المحددة.
ما منعتش ابنه عنه، لأنني ما ربيتهوش على الكراهية، وفي نفس الوقت عرف حدود الصح والغلط.
وانتهت القضية القانونية بتحمل الجميع مسؤولية أفعالهم.
في يوم عيد ميلاد ابني السادس، وهو بيطفي الشموع بص لي وقال:
“ماما، إنتي أحلى حاجة في الدنيا.”
حضنته بحب وقلت:
“وأنت أجمل حاجة حصلتلي.”
لما دخلت أرتب المكتب لقيت الساعة القديمة.. الساعة اللي اتكسرت يوم السبوع وعقاربها لسه واقفة عند واحدة وتسعة وخمسين.
طلعتها وبصيت لها بابتسامة، فهمت ساعتها إن الحياة مش بتنتهي عند لحظة انكسار، وإن أقوى انتقام مش إنك تدمر غيرك، بل إنك تختار تعيش حياتك بسلام وكرامة وصدق.
قفلت الدرج وخرجت مع ابني، وأنا عارفة إنني قدرت أكتب حكايتي الجديدة بنفسي.. بلا خوف، وبكل رضا واطمئنان.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

تعليقات
إرسال تعليق