رواية تقى كاملة اماني السيد
رواية تقى كاملة اماني السيد
سلفتى حلوه وبتحب جوزها والكل بيخلف بأخلاقها بعد خمس سنين من جوازهم لقيت جوزها بيتكلم مع جوزى إنه بيحب واحده تانيه وعايز يتجوزها
جوزى نصحه إنه بلاش وانه مش هيقدر يعوض مراته لكن هو قاله إنه مش ناوى يطلق مراته لكن القلب مش عليه سلطان وإنه هيعدل بينهم وعايزه يروح معاه يتقدملها
جوزى اعترض فى الاول لكن مع ضغط سلفى وافق واصر ياخدنى معاه
روحنا وشوفناها كانت أقل بكتير من مراته سواء فى الشكل أو الطبع انا وجوزى كنا بنبص لبعض وإحنا مستغربين ازاى عايز يتجوز على تقى دى
والغريب حب سلفى ليهت يوم ما روخنا اتقدمنالها كان جايبلها سلسله #دهب هديه
أى طلب هى أو أهلها يطلبوه يوافقوا عليه
واشترطوا عليه لو هيقعد فى بيت العيله ماتنزلش تساعد أهله وهو وافق ووعدهم انها ليها شقتها وبس على الرغم أن تقى أول واحده فينا بتنزل لحماتى وتساعدها فى التنضيف والفطار ومكنتش مقصره فى اى حاجة تخصه ولا تخص أهله ولا الاولاد
والفضول كان هي. قتلنى ليه عايز يتجوز عليها ويكسر بخاطرها
وياترى لو اتجوز البنت دى تقى هتقبل بالأمر الواقع وتوافق تعيش زى ما كانت ولا هتطلب الطلاق
وقتها الفضول اخدنى واحنا فى العربيه بعد ما نزلنا من عندهم وسالته
ـ بقولك يا سيف افرض تقى رفضت يكونلها ضره وطلبت الطلاق انت هتعمل ايه وقتها
ـ هوافق واطلقها بس هاخد حضانه العيال عشان انا واثق ان لو حضانه العيال معايا هى هتوافق تكمل وترجع ليه تانى من غير ماتتشرط عليه وهترجع بشروطى قصص وروايات أمانى سيد
حسيت وقتها بضيق ناحيته هو عارف نقطه ضعفها وبيلعب عليها
وفعلاً جمع العيله ومن وسطهم تقى وبلغنا إنه راح اتقدم لواحده وأهلها وافقوا وإنه اشترى شقه اخوه اللى مسافر وهيوضبها ويقعد فيها
كلنا كنا مصدومين من قراره ومحدش قدر يرد وتلقائيا بصينا لتقى
اللى رد فعلها حرفياً صدمنا كلنا
فضلنا كلنا باصين لتقى، مستنيين منها رد فعل، أي اعتراض، أي دمعة، حتى لو صوتها عليت أو قامت دخلت أوضتها وعيطت، كنا هنعتبر ده رد فعل طبيعي لواحدة جوزها بعد خمس سنين جواز قرر يتجوز عليها، خصوصًا إن تقى مش مقصرة معاه في حاجة، بالعكس دي كانت من الستات اللي الواحد يشوفها يقول ربنا يبارك للي اتجوزها.
لكن اللي حصل كان عكس كل توقعاتنا.
تقى بصت لجوزها بهدوء، وابتسمت ابتسامة صغيرة وهي بتقوله: ـ ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يتمملك على خير. قصص وروايات أمانى سيد
سيف نفسه اتفاجئ من ردها، وبص لها باستغراب، كأنه كان متوقع إنها تقوم تتخانق معاه أو تعترض قدام أهله، لكنها كملت كلامها بنفس الهدوء: ـ مافيش مشكلة، طول ما إنت شايف إن ده اللي يريحك، اعمله.
الكل سكت، وأنا حسيت إن في حاجة غلط، لأن تقى اللي أعرفها مش بالشكل ده، دي كانت بتحب جوزها حب كبير، ودايمًا لما كنا بنتكلم عن الجواز كانت بتقول إن أهم حاجة عندها إنها تعيش مع جوزها في مودة ورحمة، وإنها مش عايزة من الدنيا غير بيتها وولادها.
قصص وروايات أمانى سيد
طب إزاي قدرت تتقبل خبر زي ده بالسهولة دي؟
سيف قرب منها وقال: ـ تقى، إنتِ فاهمة أنا بقول إيه؟
بصت له باستغراب: ـ أيوه يا سيف، فاهمة إنك هتتجوز واحدة تانية.
ـ طب وإنتِ موافقة كده عادي؟
ـ مش إنت اللي قررت؟ يبقى ليه تسألني إذا كنت موافقة ولا لأ؟ أنا قلتلك اللي يريحك اعمله.
اتغيرت ملامحه، وبان عليه إنه مش مرتاح لردها، فحاول يتكلم معاها بعيد عن الناس، لكن تقى قامت من مكانها وهي بتقول: ـ بعد إذنكم، أنا هدخل أشوف الولاد.
وسابتنا كلنا قاعدين في حالة من الذهول.
بصيت لجوزي بحيره ، و بصلي هو كمان، وكأننا الاتنين بنسأل نفس السؤال: إيه اللي حصل لتقى؟
بعد شوية، سيف قام وطلع وراها، وأنا فضلت قاعدة مع حماتي وباقي العيلة، وكلنا مش فاهمين إزاي تقى قدرت تستوعب الخبر ده من غير ما تنهار.
سمعناه وهو بيكلمها في الأوضة: ـ تقى، أنا عايز أفهم إنتِ مالك؟ إنتِ مش زعلانة؟
ردت عليه بهدوء: ـ أزعل ليه؟ إنت عملت حاجة إنت شايف إنها حقك، وأنا مش هقف في طريقك.
ـ يعني إيه مش هتقفي في طريقي؟ إنتِ مراتي، ومن حقك تتكلمي وتقولي رأيك.
ـ رأيي مش هيغير قرارك يا سيف، ولو أنا اعترضت، هتتراجع عن الجواز؟
سكت شوية، وده كان كفاية إنها تعرف الإجابة، فقالت: ـ خلاص، يبقى مافيش داعي للكلام. أنا مش هفضل أترجاك تختارني، ولا هطلب منك تسيب واحدة إنت عايزها.
ـ أنا مش بختار بينك وبينها يا تقى، إنتِ ليكي مكانتك عندي، وهي كمان…
قاطعته لأول مرة بنبرة هادية لكن موجوعة: ـ مش محتاجة تشرحلي، أنا فهمت انا أم ولادك وهى اللى مشاعرك اتغيرت ليها وأكيد دلوقتي لو خيرتك بينا هتخترها فلزمته ايه كلام لا هيودى ولا هيجيب
حاول يمسك إيدها، لكنها سحبتها بهدوء، وقالت: ـ أنا تعبانة وعايزة أرتاح، والولاد محتاجين يناموا، فخلينا نقفل الموضوع دلوقتي.
خرج سيف من عندها وملامحه كلها ضيق، ولما رجع قعد وسطنا شوية، وبعدها استأذن ومشي.
أنا كنت مستنية تقى تنزل، أو حتى تبعتلي رسالة تحكيلي فيها اللي جواها، لكن اليوم خلص وهي ما ظهرتش تاني.
طلعت شقتي وأنا قلبي مقبوض عليها، وكل شوية أفتكر وشها وهي بتبارك لجوزها، وأقول لنفسي: يا ترى دي قوة ولا صدمة؟ يا ترى هي فعلًا متقبلة، ولا جواها وجع أكبر من إنها تقدر تتكلم عنه؟
وتاني يوم الصبح، كنت لسه بجهز الفطار، لما سمعت جوزي بيقولي: ـ تقى تحت عند أمي.
بصيت له بسرعة: ـ تقى؟ تحت عند حماتي؟
ـ أيوه، نزلت من بدري، وبتساعد أمي زي كل يوم.
حسيت بوجع غريب، ولبست بسرعة ونزلت أشوفها.
لقيتها في المطبخ، لابسة لبس بيتها العادي، وشعرها ملموم، وبتحضر الفطار مع حماتي، وكأن مافيش أي حاجة حصلت امبارح. كانت بتسأل حماتي عن الدوا اللي خدته بالليل، وبتفكرها بميعاد علاج الضغط، وبعدها بدأت ترتب المطبخ وتنضف الرخامة.
حماتي كانت واقفة بتبصلها بحزن، وعينيها مليانة دموع، ولما تقى قربت منها عشان تاخد منها طبق، حماتي مسكت إيدها وطبطبت عليها.
ـ يا بنتي، اقعدي شوية، إنتِ مش مضطرة تعملي كل ده. قصص وروايات أمانى سيد
تقى ابتسمت وقالت: ـ مضطرة ليه يا ماما؟ دي حاجات بسيطة، وأنا متعودة أعملها وأنا بحب أعمل كده أصلا
حماتي هزت راسها بحزن، وقالت بصوت واطي: ـ ربنا وحده اللي عالم باللي في قلبك يا بنتي.
تقى سكتت لحظة، وبعدين ابتسمت تاني وهي بتقول: ـ ربنا يخليكي لينا يا ماما، متزعليش نفسك.
الكلمة دي وجعتني أكتر من العياط نفسه. تقى كانت بتحاول تطمن حماتي بدل ما حد يطمنها هي!
قربت منها وقلت: ـ صباح الخير يا تقى.
بصتلي بابتسامتها المعتادة: ـ صباح النور يا حبيبتي، عاملة إيه؟
فضلت باصة لها، مستنية أشوف أي علامة على إنها مش كويسة، لكن ملامحها كانت ثابتة، وصوتها طبيعي، حتى لما دخلت أوضة المعيشة وبدأت ترتبها، كانت بتتكلم معانا عن حاجات عادية جدًا.
ما قدرتش أستحمل، فدخلت وراها وسألتها بصوت واطي: ـ تقى، إنتِ كويسة؟
بصتلي وابتسمت: ـ الحمد لله.
ـ متضحكيش عليا، أنا عارفاكي كويس. إنتِ مش زعلانة؟
سابت اللي في إيدها وبصتلي، ولثواني حسيت إن ابتسامتها هتختفي، لكن سرعان ما رجعتها مكانها وقالت: ـ أعمل إيه يا حبيبتي؟ أعيط؟ أزعق؟ أعمل مشكلة في البيت؟ هو قراره هيتغير لو عملت كده؟
ـ بس إنتِ من حقك تزعلي، ومن حقك تعترضي، ده جوزك يا تقى، والعشرة اللي بينكم مش قليلة.
نزلت عينيها للأرض، وبعدها رفعتها لي وقالت: ـ عارفة يا حبيبتي، بس أنا مش عايزة أعيش عمري كله أحاول أقنع حد إنه يحبني ويختارني. أنا كنت فاكرة إن اللي بينا كفاية، وإن العشرة والبيت والولاد هيخلّوه يفكر ألف مرة قبل ما يعمل حاجة زي دي، بس واضح إني كنت فاهمة غلط.
حسيت بغصة في حلقي، وكنت هتكلم، لكنها كملت بسرعة وكأنها خايفة لو سابت لنفسها فرصة تسكت، كل اللي جواها هيظهر.
ـ وبعدين أنا عندي ولادي، ومش عايزاهم يشوفوني كل يوم بتخانق مع أبوهم أو بعيط بسببه. أنا هعمل اللي عليا، وهربي ولادي، وربنا هو اللي عالم بكل حاجة.
ـ يعني هتفضلي زي ما إنتِ؟ هتنزلي تساعدي حماتي، وتهتمي بيه وبالبيت، وهو رايح يتجوز واحدة تانية؟
ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت: ـ أنا مش بعمل الحاجات دي عشانه لوحده، أنا بعملها عشان دي طبيعتي، وعشان بحب ماما، وبعتبرها زي أمي. مش هتغير معاملة الناس اللي بحبهم عشان هو قرر يتجوز عليا.
وبعدها شالت طبق الفطار وخرجت من الأوضة، وسابتني واقفة مكاني مش عارفة أقول لها إيه.
كنت شايفة قد إيه هي موجوعة، رغم إنها مش بتعيط، وقد إيه بتحاول تحافظ على كرامتها حتى لو قلبها بيتكسر من جواها.
لكن اللي شغل تفكيري أكتر هو سيف، جوزها.
لما رجع من شغله الظهر، ودخل البيت، لقى تقى بتضحك مع الولاد وبتساعدهم في مذاكرتهم، ولما دخل عليهم، رفعت عينيها له وقالت عادي جدًا: ـ حمد الله على السلامة، الغدا جاهز لو عايز تاكل.
وقف مكانه وبصلها شوية، وبعدين قال: ـ تقى، ممكن نتكلم؟
ردت من غير ما تبصله: ـ لما تخلص أكلك، عشان الولاد بيذاكروا دلوقتي.
ولأول مرة من ساعة ما أعلن جوازه، شفت سيف متلخبط ومش فاهم يتصرف إزاي.
هو كان مستني منها تعترض، وتتمسك بيه، وتطلب منه يغير رأيه، لكنه ما كانش متخيل إنها ممكن تسيبه يواجه قراره من غير ما تحاول تمنعه.
ويمكن هو ما كانش فاهم إن سكوت تقى مش معناه إنها مش موجوعة، وإن قبولها الظاهري مش معناه إنها سامحته، ولا إن قلبها لسه زي ما كان.
لأن في وجع بيخلّي الإنسان يصرخ، وفي وجع تاني بيخلّيه يسكت، ويبدأ من اللحظة دي يبعد بقلبه، حتى لو لسه عايش في نفس البيت.
وتقى، من غير ما حد ياخد باله، كانت بدأت تبعد.
رفضت تقى أنها تكلمه فى اى حاجه تخص جوازه وهو كان بيوضب شقته ولما كان بيطلب مساعدتها كانت بتساعده
حاولت حماتى من ورا الكل انها تخليه يغير رأيه لكن مقدرتش عشان كده اخدت جمب وسابته يعمل اللى هو عايزه ويتحمل نتيجه أفعاله
وفعلاً عدت الشهور والعروسه جت عشان تشوف بيتها وقابلت تقى
ياترى هتقابلها إزاى
تقى ٢
امانى السيد
وفعلًا عدت الشهور، وسيف خلّص تجهيز الشقة، وكان محدد يوم إن منه تيجي تشوفها قبل الفرح، وقرر إنه ياخدها معاه عند أمه عشان تتعرف على العيلة، خصوصًا تقى اللي هتبقى ضرتها.
كنت قاعدة عند حماتي أنا وتقى، بنجهز الغدا، لما سمعنا صوت سيف بره وهو بيقول إنه وصل، وبعدها دخل ومعاه منه.
حماتي خرجت تستقبلهم، وأنا وتقى خرجنا وراها، وأول ما منه دخلت، سيف بدأ يعرفها علينا.
ـ ماما، دي منه.
حماتي سلمت عليها ببرود : ـ أهلًا يا بنتي، نورتينا.
منه ابتسمت ابتسامة خفيفة وردت: ـ ده نور حضرتك.
وبعدها سيف بص لتقى وقال: ـ ودي تقى، مراتي.
تقى قربت منها وسلمت عليها بهدوء: ـ أهلًا يا منه، إزيك؟
منه بصتلها من فوق لتحت، ومدت إيدها تسلم عليها ببرود، وقالت: ـ الحمد لله.
من أول لحظة حسيت إن البنت دي داخلة وهي حاطة نفسها في مكانة أعلى من الكل، لكن قلت يمكن ده مجرد انطباع أول، وإنها مع الوقت هتتعود علينا.
قعدنا كلنا في الصالون، وحماتي بدأت تسأل منه عن أهلها وشغلها وحاجات كتير عشان تكسر الحاجز اللي بيننا، وكانت تقى قاعدة جنبي ساكتة، بتسمع أكتر ما بتتكلم.
بعد شوية، حماتي قالت: ـ طيب يا بنتي، تحبي تشربي إيه؟ شاي ولا قهوة ولا عصير؟
منه ردت: ـ قهوة لو سمحتِ، بس تكون مظبوطة، أنا مبحبش القهوة التقيلة.
حماتي كانت لسه هتقوم، لكن تقى سبقتها وقالت: ـ أنا هعملهالك يا ماما.
قامت تقى ودخلت المطبخ، وأنا قمت وراها أساعدها، لكنها قالتلي: ـ اقعدي إنتِ مع ماما، أنا هعمل القهوة وأجيلكم.
وبعد دقائق، رجعت تقى بالصينية، وحطت فنجان القهوة قدام منه، اللي أخدته من غير ما تبصلها، وبعد ما داقت منه، قطبت حواجبها وقالت: ـ القهوة دي مسكرة زيادة، أنا قلت معلقة واحدة بس.
تقى بصتلها بهدوء وقالت: ـ معلش، أنا افتكرت إنك بتحبيها بمعلقتين، أعملك واحدة تانية؟
منه حطت الفنجان على الترابيزة وقالت: ـ خلاص، مش مشكلة.
لكن نبرة صوتها كانت كفيلة إنها تضايق أي حد، وسيف بدل ما يعتذر لتقى عن أسلوب منه، قال لها: ـ معلش يا حبيبتي، تقى متعرفش إنتِ بتحبيها إزاي، المرة الجاية هتظبطهالك.
بصيت له وأنا مش مصدقة إنه بيتكلم بالطريقة دي، وكأن تقى غلطت غلطة كبيرة، مع إنها قامت من مكانها عشان تخدم ضرتها !
أما تقى، فما علقتش، واكتفت إنها تشيل الصينية وتحطها على الترابيزة الجانبية.
وبعد شوية، حماتي قامت تدخل المطبخ تتابع الغدا، وتقى قامت معاها تلقائيًا تساعدها، لكن منه فضلت قاعدة مكانها، ولما سيف قال لها: ـ تحبي تدخلي تقعدي مع ماما وتقى شوية؟
ردت بضيق: ـ لأ، أنا أفضل قاعدة هنا، وبعدين أنا مش بعرف أقعد في المطبخ كتير.
سيف ابتسم وقال: ـ خلاص يا حبيبتي، براحتك.
أنا كنت واقفة عند باب الصالون وسمعت الكلام، وحسيت إن منه مش بس بتتعامل بتعالي، دي كمان من أول زيارة ليها بتتعامل كأنها عايزة تثبت إنها مش زي تقى، وإنها مش هتعمل أي حاجة هي مش حاباها.
بعد الغدا، رجعنا كلنا قعدنا مع بعض، ومنه بدأت تتكلم عن شقتها وتجهيزاتها، وإنها عايزة كل حاجة تكون على ذوقها، وإنها مش بتحب حد يتدخل في حياتها.
حماتي قالت لها بابتسامة: ـ طبعًا يا بنتي، بيتك وإنتِ حرة فيه، وربنا يسعدكم.
منه بصت لتقى فجأة وقالت: ـ أصل أنا من النوع اللي بيحب يعتمد على نفسه، ومش بحب أبقى مضطرة أعمل حاجات عشان أرضي حد، خصوصًا لو الحاجات دي مش واجبة عليا.
فهمت إنها بتلمح لموضوع مساعدة حماتي، وإنها عايزة توصل من أول يوم إنها مش هتعمل زي تقى، لكن تقى فضلت ساكتة، ولا كأن الكلام ليها.
سيف، بدل ما يغير الموضوع، قال: ـ وده حقك يا منه، إنتِ مش مطالبة تعملي حاجة مش عايزاها، وكل واحد وظروفه.
حماتي بصت له بحزن، لكنها ما اتكلمتش، وأنا شفت تقى بتبص لحماتي بطرف عينها، وكأنها بتطمنها إنها مش زعلانة منها.
منه كملت كلامها وقالت: ـ أنا بصراحة شايفة إن كل واحدة مسؤولة عن بيتها وجوزها، ومش لازم الست تتعب نفسها في خدمة الكل، وفي الآخر محدش بيقدر.
الكلام كان واضح جدًا، خصوصًا إن تقى هي أكتر واحدة فينا بتنزل تساعد حماتي، وبتعمل ده من قلبها، من غير ما تستنى شكر من حد.
كنت هرد عليها، لكن تقى سبقتني وقالت بهدوء: ـ كل واحدة بتعمل اللي يريح ضميرها يا منه، واللي بيعمل حاجة بحب مش بيستنى مقابل.
منه بصتلها وقالت: ـ طبعًا، بس مش كل الناس بتفكر بالطريقة دي.
تقى ابتسمت وردت: ـ أكيد.
وبس، ما زودتش كلمة واحدة.
بعدها بشوية، منه قامت تستأذن عشان تمشي، وسيف قام معاها، ولما وصلوا عند الباب، حماتي دعت لهم بالخير، وتقى وقفت تسلم عليها.
منه مدت إيدها ببرود، وقالت: ـ اتشرفت بيكم.
تقى ردت بأدب: ـ الشرف لينا، ونشوفك على خير.
خرجت منه مع سيف، وأول ما الباب اتقفل، حماتي بصت لتقى بحزن وقالت: ـ سامحيني يا بنتي.
تقى استغربت: ـ على إيه يا ماما؟
ـ على اللي إنتِ بتشوفيه، وعلى اللي مستنيه منك تتحمليه كمان.
تقى قربت منها ومسكت إيدها وقالت: ـ إنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة يا ماما، ومش عايزاكي تزعلي نفسك عشاني.
حماتي حضنتها وهي بتقول: ـ ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي، والله إنتِ ما تستاهليش كل ده.
تقى حضنتها هي كمان، لكن أول ما بعدت عنها، شفت عينيها لمعت بالدموع، فلفت وشها بسرعة وراحت المطبخ تكمل شغلها.
أما أنا، ففضلت واقفة مكاني بفكر في اللي حصل، وفي سيف اللي كان شايف أسلوب منه قدامه، ومع ذلك كان دايمًا بيقف في صفها، حتى لو على حساب تقى.
واللي كان محيرني أكتر، إن تقى ما حاولتش تكسب موقف، ولا ترد الإساءة بإساءة، ولا حتى تشتكي لسيف من طريقة معاملتها.
لكن هل سكوتها ده هيفضل مستمر بعد الجواز؟ وهل منه هتكتفي بالتعالي والكلام، ولا لما تدخل بيت سيف رسمي هتبدأ تتعامل مع تقى بطريقة أصعب؟
الأيام الجاية وحدها اللي هتكشف لنا.
تقى 2
أمانى السيد
عدت الأيام، وجه يوم الفرح اللي سيف كان مستنيه بفارغ الصبر، ومنه كانت بتجهز نفسها، وهو طول الوقت مشغول بيها وبطلبات أهلها، وكل ما حد يسأله عن حاجة تخص الفرح، كان يرد إنه عايز يعمل كل حاجة على أكمل وجه عشان يفرح عروسته.
أما تقى، فكانت بتتعامل مع الموضوع بهدوء غريب، لا اعترضت ولا حاولت تبين إنها متضايقة، حتى يوم الفرح، لما حماتي سألتها إذا كانت هتيجي معاهم، ردت إنها هتفضل في البيت مع ولادها، وإنها مش حابة تروح.
حماتي حاولت تقنعها، لكن تقى أصرت على رأيها، وفي الآخر سابتها براحتها، رغم إن الحزن كان واضح في عينيها.
يوم الفرح، كنا كلنا موجودين، وسيف كان واقف جنب منه، بيضحك وبيهزر معاها، وكل شوية يمسك إيدها ويبصلها بحب، وكأنه نسي تمامًا إن فيه ست تانية في بيته، عاشت معاه خمس سنين، وشالت عنه كتير، وخلفت منه ولاده، وكانت دايمًا سند ليه في كل حاجة.
كنت ببص عليه وأنا بفكر: هو إزاي قدر يعمل كده؟ إزاي قدر يفرح ويضحك بالشكل ده، وهو عارف إن فيه واحدة في البيت قاعدة لوحدها، بتحاول تستوعب إن الراجل اللي حطت فيه عمرها ووقتها ومشاعرها، اختار يبدأ حياة جديدة مع واحدة تانية؟
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن تقى كانت وصلت لقرارها خلاص، وإن سكوتها طول الفترة اللي فاتت ما كانش معناه إنها استسلمت، ولا إنها رضيت بالأمر الواقع، هي بس كانت بتجمع نفسها، وبتحاول تستوعب اللي حصل، لحد ما قدرت تاخد قرارها النهائي.
وعدت ليلة الفرح، ورجع سيف مع منه لشقتهم الجديدة، وإحنا رجعنا بيوتنا، وكل واحد فينا كان فاكر إن الحياة هتمشي زي ما سيف خطط لها، وإن تقى هتفضل في بيتها مستحملة الوضع عشان ولادها.
لكن تاني يوم الصبح، حصلت المفاجأة اللي محدش كان يتوقعها.
صحينا على اتصال من حماتي، صوتها كان مخنوق وهي بتقول إن تقى مش موجودة في البيت، وإنها خدت ولادها ومشيت عند أهلها، وسابت ورقة لسيف بتطلب فيها الطلاق.
أول ما سمعت الخبر، بصيت لجوزي بصدمة، وهو كمان ما كانش مصدق، وفضلنا نحاول نفهم إيه اللي حصل، خصوصًا إن تقى ما قالتش لحد إنها ناوية تمشي.
سيف نفسه لما عرف، اتصل بيها أكتر من مرة، لكنها ما ردتش عليه، ولما كلم أهلها، عرف إنها عندهم وإنها مش عايزة تتكلم معاه.
ما استحملناش، واتفقنا كلنا نروح لها ونحاول نفهم منها، يمكن تكون اتسرعت، أو تكون محتاجة وقت تهدى فيه، لكن اللي حصل إننا لقيناها قاعدة في صالون بيت أهلها، هادية بشكل غريب، وولادها بيلعبوا جنبها، وكأنها أخيرًا قدرت تاخد نفسها بعد فترة طويلة من الاختناق.
أول ما شافتنا، قامت سلمت علينا، ورحبت بينا، وقدمت لنا العصير، ولا كأننا جايين عشان نرجعها عن قرارها.
حماتي قعدت جنبها، ومقدرتش تمسك دموعها، وقالت: ـ إيه اللي عملتيه ده يا بنتي؟ إزاي تمشي وتسيبي بيتك بالشكل ده؟ طب والولاد؟ طب والعشرة اللي بينك وبين سيف؟
تقى بصتلها بحنان، وقالت: ـ يا ماما، أنا ما سبتش بيتي فجأة، أنا بقالي شهور بحاول أتقبل اللي حصل، وبقالي شهور كل يوم بصحى أحاول أقنع نفسي إن الموضوع عادي، وإن الحياة هتكمل، لكن اكتشفت إني كل يوم بخسر حتة مني، لحد ما بقيت مش عارفة أنا مين أصلًا. انا مش هقدر المسه وانا عارفه إن فى واحده تانيه لمسته مش متقبله الموضوع ازاى يقولى كلمه حلوه وأنا عارفه إن الكلمه دى مش ليه انا بس ازاى اعيش مع واحد حد مشاركنى فيه
حماتي مسكت إيدها وقالت: ـ يا بنتي، سيف غلط، وأنا مش بدافع عنه، بس يمكن مع الوقت الأمور تهدى، ويمكن يعرف قيمة اللي كان عنده.
تقى ابتسمت بحزن: ـ يمكن يا ماما، بس أنا مش عايزة أعيش مستنية اليوم اللي يعرف فيه قيمتي. أنا مش عايزة أكون الست اللي جوزها يفتكرها لما يزعل من مراته التانية، أو لما يحتاج حد يشيل عنه مسؤولية بيته وولاده. أنا عايزة أعيش من غير ما أفضل مستنية منه حاجة.
سيف كان قاعد قدامها، ساكت من ساعة ما وصلنا، لكن لما سمع كلامها، اتكلم أخيرًا: ـ يعني إيه الكلام ده يا تقى؟ إنتِ عايزة تطلقي بجد؟ بعد خمس سنين جواز وعشرة وولاد، ترمي كل ده وراكِ وتمشي؟
بصتله بهدوء وقالت: ـ أنا ما رميتش حاجة يا سيف، إنت اللي قررت تغير حياتنا، وإنت اللي اخترت تتجوز، وأنا احترمت قرارك، وما وقفتش في طريقك، ولا طلبت منك تسيب منه عشاني، ولا حتى حاولت أعمل مشكلة بينكم.
ـ أمال إيه اللي حصل؟ إنتِ كنتِ عارفة إني هتجوز، ووافقتِ، إيه اللي اتغير دلوقتي؟
سكتت تقى لحظة، وبعدين قالت: ـ اللي اتغير إني كنت فاكرة إني هقدر أعيش، وإن العشرة اللي بينا هتخليني أستحمل، لكن يوم الفرح، وأنا قاعدة في بيتي لوحدي، حسيت إن كل حاجة انتهت. حسيت إني بقيت غريبة في حياتي، وإن الراجل اللي كنت بستناه يرجع من شغله عشان أحكيله يومي، بقى عنده حياة تانية وفرحة تانية وبيت تاني، وأنا دوري إيه؟ أفضل مستنياك لما تفضالي؟
سيف اتضايق وقال: ـ إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟ ما أنا ما قلتلكيش إني هسيبك، ولا قصرت في حقك، وهفضل أصرف على البيت والولاد زي ما كنت بعمل.
تقى هزت راسها وقالت: ـ أنا مش بطلب منك فلوس يا سيف، ولا بطلب منك تصرف عليا زيادة، أنا بطلب أعيش بكرامتي، وأبقى مع راجل اختارني من قلبه، مش راجل شايف إن وجودي مضمون مهما عمل.
ـ يعني إنتِ مش هترجعي؟
ـ لأ، مش هرجع.
ـ حتى عشان الولاد؟
لأول مرة ملامح تقى اتغيرت، وبصت له بجدية وهي بتقول: ـ متدخلش الولاد في الموضوع يا سيف، أنا أمهم، ومش هحرمهم منك، لكن مش معنى إني أمهم إني لازم أعيش في وضع مش قادرة أتحمله عشان أفضل جنبهم. هما محتاجين أم مرتاحة نفسيًا، مش أم كل يوم بتنام وهي بتسأل نفسها هي قصرت في إيه عشان جوزها يعمل فيها كده.
سيف سكت، وبص حواليه كأنه مستني حد يتدخل ويغير رأيها، لكن المرة دي محدش قدر يقنعها بحاجة.
أنا قربت منها وقلت: ـ يا تقى، إحنا كلنا بنحبك، ومحدش راضي باللي حصل، بس يمكن لو رجعتي، الأمور تتظبط، خصوصًا إنك عارفة إن حماتك بتحبك وبتعتبرك بنتها.
تقى بصتلي بحب وقالت: ـ وأنا بحبكم كلكم، ومش هنسى وقفتكم معايا، ولا هنسى إن ماما دي عمرها ما قصرت معايا، لكن أنا مش هقدر أرجع لسيف. علاقتي بيه انتهت، ومش عايزة أفضل أفتح باب أنا قفلته بالعافية.
حماتي كانت بتعيط، ومش قادرة تستوعب إن تقى اللي دخلت بيتهم من خمس سنين وبقت جزء من يومهم، هتبعد عنهم بالشكل ده.
قالت لها: ـ طب وأنا يا بنتي؟ هتقدري تبعدي عني؟ إنتِ عارفة إنك مش مرات ابني وبس، إنتِ بنتي اللي مخلفتهاش.
تقى قامت وحضنتها، ودموعها نزلت لأول مرة من ساعة ما وصلنا.
ـ إنتِ مالكيش ذنب يا ماما، والله إنتِ أكتر واحدة هتوحشيني، بس أنا مش هقدر أفضل في حياة ابنك بالطريقة دي. وإنتِ تقدري تيجي تشوفيني في أي وقت، وأنا عمري ما هتغير معاكي.
حماتي فضلت حاضناها وبتعيط، وبعدها بعدت عنها ومسحت دموعها، وبصت لسيف اللي كان قاعد ساكت، وقالت له بصوت حاسم:
ـ إنت سامع مراتك بتقول إيه؟ البنت دي مش عايزة ترجعلك، ومش من حقك تجبرها تعيش معاك غصب عنها. إنت اللي اخترت تتجوز، وهي من حقها تختار تعيش إزاي بعد قرارك.
سيف رد بعصبية: ـ يعني إنتِ كمان واقفة ضدّي يا ماما؟
حماتي هزت راسها بحزن: ـ أنا مش ضدك يا ابني، أنا ضد الظلم. إنت كنت عارف إن تقى بتحبك، وعارف إن ولادك نقطة ضعفها، وده أنا مش هسمح بيه.
سيف اتصدم، وبص لها من غير ما يعرف يرد.
حماتي كملت: ـ أنا مش هقبل إنك تضغط عليها بالولاد، ولا هقبل إنك تسيبها معلقة عشان تفضل ضامن إنها موجودة وقت ما تحب. طالما هي طلبت الطلاق، يبقى تطلقها وتديها كل حقوقها، وتسيبها تعيش حياتها. إنت عملت اختيارك، وهي من حقها تعمل اختيارها.
حاول سيف يعترض، لكن حماتي أصرت على موقفها، وقالت له إنها مش هتسامحه لو حاول يضغط على تقى أو يمنع عنها حقوقها.
وفي النهاية، وبعد محاولات كتير منه عشان يرجعها عن قرارها، فهم إن تقى المرة دي مش بتهدده بالرحيل، ولا بتحاول تخوفه عشان يتراجع عن جوازه، لكنها فعلًا أنهت كل حاجة جواها.
وبعد فترة من الإجراءات والاتفاقات، تم الطلاق، وتقى أخدت حقوقها كاملة، واتفقوا على ترتيبات تخص الولاد، من غير ما يتحولوا لوسيلة ضغط عليها.
أما حماتي، فكانت كل ما تيجي سيرتها قدامنا تعيط، وتقول إنها مش مصدقة إن البيت اللي كانت تقى بتنزل له كل يوم، وتملأه بالضحك والحركة والونس، بقى ناقص بالشكل ده.
كانت كل يوم تبص على مكانها في المطبخ، وعلى الكرسي اللي كانت بتقعد عليه وهي بتفطر معاها، وتقول: ـ والله ما كنت أتخيل إن اليوم اللي تقى تبعد فيه عني هييجي، كنت فاكرة إنها هتفضل معانا طول العمر.
وكنت بحاول أطمنها، وأقول لها إن تقى لسه بتحبها، وإن الطلاق من سيف مش معناه إنها قطعت علاقتها بيها، لكنها كانت عارفة إن وجود تقى في البيت مش زي زيارتها، وإن في حاجات لما بتتغير، حتى لو الناس فضلت بتحب بعض، الحياة نفسها ما بترجعش زي الأول.
أما سيف، فحياته مع منه بدأت تاخد شكل مختلف، خصوصًا بعد ما بقى مسؤول عن بيتين وولاد، وبقى عليه التزامات ما كانش حاسب حسابها كويس. لكن تقى ما كانتش بتسأل عنه، ولا بتتابع أخباره، وكل اللي كان يهمها إنها تبدأ حياة جديدة مع ولادها بعيد عن الوجع اللي عاشته.
وفي وسط كل التغييرات دي، رجع يونس، أخو سيف، من السفر.
كان مسافر بقاله فترة طويلة، وما كانش يعرف أي حاجة عن اللي حصل، وأول ما وصل البيت، استغرب إن تقى مش موجودة، وإن حماته كل ما يجيب سيرتها عينيها تدمع.
سأل سيف: ـ هي تقى فين؟ أنا من ساعة ما رجعت وأنا مشوفتهاش، ولا حتى شوفت العيال.
سيف اتردد قبل ما يرد، وبعدها قال: ـ تقى اتطلقت، وسابت البيت من فترة.
يونس بص له بصدمة، وكأنه مش مستوعب اللي سمعه.
ـ اتطلقت؟! تقى؟! وإنت بتقول الكلام ده عادي كده؟ إزاي؟ وإيه اللي حصل؟
سيف حاول يختصر الموضوع، وقال له إنه اتجوز منه وإن تقى ما قدرتش تتقبل الوضع، وطلبت الطلاق.
تقى ٤
عدت سنة كاملة على طلاق تقى من سيف، سنة اتغيرت فيها حاجات كتير، وسنة سيف كان فاكر في بدايتها إنه أخيرًا بقى حر يعيش حياته بالطريقة اللي تعجبه، من غير ما حد يحاسبه على تصرفاته، لكن الأيام بدأت تكشف له إن القرارات اللي الواحد بياخدها وهو فاكر إنه كسبان، ممكن تكون هي نفسها السبب في خسارته لكل حاجة غالية عليه.
أما يونس، فبعد ما رجع من السفر، بدأ يستقر في مصر من جديد، واستقراره كان معناه إنه بقى قريب من أمه وأخوه وولاد أخوه، والأهم إنه بقى يقدر يشوف تقى من وقت للتاني،
خصوصًا إنه من يوم ما عرف تفاصيل اللي حصل، وهو مش قادر يتقبل فكرة إن واحدة زي تقى تخرج من بيت العيلة بالشكل ده، بعد كل اللي عملته معاهم.
في البداية، كانت زياراته لتقى كلها بحجة الاطمئنان على ولاد أخوه، وكان كل ما يروح لها ياخد معاه حاجات للولاد، أو يسألها إذا كانت محتاجة أي حاجة، ولو عرف إن واحد من الولاد تعبان، كان يروح يطمن عليه بنفسه.
تقى في الأول كانت بتستغرب اهتمامه، لكنها كانت بتعتبره واجب أخوي منه، خصوصًا إنه ما كانش بيحسسها أبدًا إنها محتاجة له أو إنه بيمن عليها بأي حاجة. وفي مرة، راح يونس عندها لقى ابن أخوه تعبان شوية، وتقى قاعدة جنبه بتحاول تخليه ياخد الدوا، ولما شافها مرهقة، قال لها: ـ إنتِ ليه ما كلمتنيش من الصبح؟
كنت جيت أخدته للدكتور بدل ما تفضلي تلفي بيه لوحدك. تقى بصت له وقالت: ـ هو دور بسيط يا يونس، وأنا عرفت أتصرف، مش كل حاجة هتعبك معايا فيها. رد عليها بجدية: ـ وإيه المشكلة لما تتعبي أخوكي؟
إنتِ مش غريبة عننا، والولاد دول أولاد أخويا، ومن حقي أطمن عليهم وأساعدك في تربيتهم. تقى ابتسمت وقالت: ـ ربنا يخليك ليهم يا رب، أنا مش هنسى إنك عمرك ما قصرت معاهم. يونس بص لها شوية، وبعدين قال: ـ أنا مش بعمل حاجة تستاهل الشكر، دي مسؤوليتنا كلنا، وبعدين إنتِ طول عمرك كنتِ شايلة عننا كتير، جه الوقت اللي نردلك فيه جزء من اللي عملتيه.
الكلام أثر فيها، لكنها ما علقتش، واكتفت إنها تدعيله، وهو فضل قاعد مع الولاد شوية قبل ما يمشي. ومع الوقت، بقت زيارات يونس منتظمة، وكل ما كان يلاحظ إن فيه حاجة ناقصة الولاد، كان يحاول يوفرها لهم من غير ما يحرج تقى، ولو احتاجوا مصاريف مدرسة أو علاج، كان بيساعد على قد ما يقدر، من غير ما يحسسها إنها عبء عليه.
أما سيف، فحياته مع منه كانت بتزداد صعوبة يوم بعد يوم. في البداية، كان فاكر إن كل المشاكل اللي ممكن تحصل بينه وبين تقى سببها إنها مش بتعرف تتعامل معاه، وإنه لما يتجوز واحدة تانية هيلقى حاجه مختلفه، لكنه اكتشف إن منه مختلفة تمامًا عن الصورة اللي رسمها في خياله.
منه ما كانتش بتحب تنزل تساعد حماته، ولا كانت بتراعي ظروفها الصحية، ولو حماته طلبت منها حاجة بسيطة، كانت ترد عليها بتأفف، وأحيانًا كانت تتجاهلها تمامًا. وفي مرة، حماته كانت تعبانة وطلبت من منه تساعدها في تجهيز الغدا، لأن تقى مش موجودة، ومنه ردت عليها: ـ معلش يا ماما، أنا مش بعرف أعمل الحاجات دي، وبعدين أنا تعبانة ومحتاجة أرتاح.
حماتي بصتلها باستغراب وقالت: ـ يا بنتي، أنا مش طالبة منك تعملي وليمة، أنا بس كنت عايزاكي تساعديني في حاجة بسيطة. منه ردت بضيق: ـ ما هو كل يوم حاجة بسيطة، وأنا كمان عندي بيت ومسؤوليات، مش معقول أفضل طول اليوم تحت.
ولما سيف رجع وعرف اللي حصل، بدل ما يحاول يحتوي الموقف، اتخانق مع منه، وهي ردت عليه إنها مش خدامة عند أمه، وإنه كان عارف من الأول إنها مش بتحب تدخل نفسها في مشاكل العيلة.
ومن يومها، بقت الخناقات بينهم تزيد، وكل ما سيف يحاول يقارنها بتقى، كانت تقلب الدنيا عليه وتتهمه إنه لسه متعلق بمراته الأولى. حتى معايا أنا، بدأت منه تتعامل بطريقة مش لطيفة، وكل ما تشوفني عند حماتي تحاول توصل لي إنها مش مجبرة تعمل زي تقى، وإنها مش هتسمح لحد يقارن بينها وبينها.
وفي كل مرة كانت تعمل مشكلة مع حماتي، كنت ببص لسيف وأفتكر كلامه القديم لما كان بيقول إنه هيعدل بين الاتنين، وأتساءل بيني وبين نفسي: هو كان فاكر إن العدل مجرد مصاريف وشقتين؟ ولا كان متخيل إن كل واحدة فيهم هتعيش في عالم منفصل، من غير ما تصرفاتها تأثر على التانية؟
والأغرب إن سيف، رغم كل المشاكل اللي بينه وبين منه، بدأ يفتقد تقى أكتر. بقى يفتكر اهتمامها بيه، وطريقتها في احتواء المشاكل، وحرصها على أمه وبيته وولاده، والحاجات الصغيرة اللي كان بيعتبرها واجب عليها، واكتشف بعد ما فقدها إنها كانت بتعملها من قلبها، وإن مش كل ست ممكن تتعامل بنفس الطريقة.
وبدأ يحاول يتواصل معاها بحجة الاطمئنان على الولاد، وكل مرة كان يفتح معاها كلام عن الرجوع، كانت تقفل الموضوع بهدوء. ـ تقى، أنا عارف إنك زعلانة مني، وعارف إني غلطت، بس مش معقول نفضل بعيد عن بعض العمر كله.
كانت ترد عليه: ـ إحنا مش بعيد عن بعض يا سيف، إنت أبو ولادي، وهتفضل موجود في حياتهم، لكن أنا وإنت خلاص كل واحد فينا اختار طريقه. ـ وأنا ندمان على اختياري. ـ ربنا يريح قلبك يا سيف، بس ندمك مش معناه إني لازم أرجع.
وكانت بتنهي المكالمة، وتسيبه مع إحساسه بالندم اللي بدأ يكبر جواه يوم بعد يوم. وفي وسط كل ده، يونس بدأ يلاحظ حاجة غريبة في نفسه. بقى يستنى اليوم اللي هيروح فيه يزور تقى، وبقى يفرح لما يشوفها بتضحك مع ولادها، ويحس براحة غريبة لما يقعد معاها ويتكلموا في أي موضوع عادي.
وفي كل مرة كان يمشي من عندها، كان يفضل يفكر فيها وفي طيبتها، وفي قدرتها على إنها تبدأ من جديد رغم كل اللي مرت بيه. حاول في البداية يقنع نفسه إن ده مجرد إعجاب بأخلاقها، وإنه بيحس بالمسؤولية تجاهها لأنها أم ولاد أخوه، لكن مع مرور الشهور، بدأ يعترف لنفسه إن مشاعره بقت أكبر من كده.
هو بقى يحب تقى فعلًا. حب هدوءها، وطيبتها، واحترامها لنفسها، والأهم إنه حب المرأة اللي قدرت تحافظ على أخلاقها رغم الوجع اللي عاشته. وفي يوم، كان قاعد مع أمه، وفجأة قال لها: ـ ماما، أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم. بصت له وقالت: ـ خير يا ابني؟
اتردد لحظة، وبعدها قال: ـ أنا عايز أتجوز تقى. حماتي فضلت باصة له من غير كلام، وكأنها مش مستوعبة اللي سمعته، وبعد لحظات قالت: ـ تقى؟ طليقه أخوك السابقة؟يونس هز راسه: ـ أيوه يا ماما، تقى.
ـ يا ابني، إنت فاهم إنت بتقول إيه؟ دي كانت مرات أخوك، وأم ولاد أخوك، والناس هتتكلم. يونس رد بهدوء: ـ أنا فاهم كل ده، وعارف إن الموضوع مش سهل، وعشان كده ما فكرتش أتكلم قبل ما أتأكد من نفسي.
أنا مش عايز أتجوزها شفقة عليها، ولا عشان أغيظ سيف، ولا عشان أساعدها في تربية الولاد. أنا عايزها لأنها ست أنا شايف إنها تستحق تعيش حياة تانية، حياة فيها حد يقدرها ويحترمها، وأنا مستعد أديها ده لو هي وافقت.
حماتي عينيها دمعت، وقالت: ـ والله يا ابني، تقى تستاهل كل خير، وأنا نفسي أشوفها مبسوطة بعد اللي شافته، بس خايفة عليك من المشاكل، وخايفة من رد فعل أخوك. يونس تنهد وقال: ـ أنا مش هعمل حاجة من وراها، ومش هضغط عليها، ولو رفضت هحترم قرارها، لكن مش عايز أضيع فرصة إني أعيش مع واحدة زيها لمجرد إني خايف من كلام الناس.
حماتي سكتت شوية، وبعدها قالت: ـ طيب، لو إنت متأكد من قرارك، أنا هروح معاك نتقدملها، وأتكلم مع أهلها، لكن لازم تبقى عارف إن الموضوع محتاج حكمة، وإنك لازم تحافظ على حقها وكرامتها من أول يوم. يونس ابتسم وقال: ـ ده وعد مني يا ماما.
وبالفعل، بعد أيام، راح يونس مع أمه لبيت أهل تقى، وكانت تقى قاعدة معاهم، ولما شافتهم استغربت من الزيارة، خصوصًا إن حماتها كانت باينة عليها الجدية. بعد السلام والترحيب، حماتي بدأت الكلام: ـ يا بنتي، إحنا جايين النهارده في موضوع يخصك، ويونس عنده كلام عايز يقولهولك بنفسه.
تقى بصت ليونس باستغراب، وهو أخد نفسًا عميقًا وقال: ـ تقى، أنا عارف إن اللي هقوله ممكن يفاجئك، وعارف إنك محتاجة تفكري كويس قبل ما تردي، بس أنا مش عايز أخبي عنك حاجة. أنا من فترة وأنا بفكر فيكي، وكل يوم بتأكد إنك الإنسانة اللي أنا عايز أكمل معاها حياتي، وعشان كده أنا جاي أطلب إيدك للجواز.
تقى اتصدمت، وبصت له من غير ما تعرف ترد، وبعدها قالت: ـ إنت بتقول إيه يا يونس؟ إنت أخو سيف!يونس رد بهدوء: ـ عارف، ومش ناسي ده، لكن سيف بقى طليقك، وأنا مش بطلب منك تنسي الماضي، ولا بقولك إنك لازم توافقي عشان أنا ساعدتك أو وقفت جنبك.
أنا بطلب منك فرصة، ولو إنتِ مش شايفاني بالشكل ده، هحترم قرارك ومش هتغير معاملتي ليكي ولا للولاد. تقى نزلت عينيها، وكانت مشاعرها متلخبطة. هي ما كانتش فكرت في يونس بالطريقة دي قبل كده، وكانت شايفاه أخو جوزها السابق، والإنسان اللي وقف جنبها وقت ما كانت محتاجة حد يسندها، لكن فكرة إنها تتجوزه كانت أكبر من إنها تاخد فيها قرار سريع.
حماتي مسكت إيدها وقالت: ـ يا بنتي، أنا مش هضغط عليكي، ولا عايزاكي توافقي عشان خاطري، لكن يونس ابني، وأنا عارفاه كويس، وشايفة إنه داخل الموضوع ده بجدية، وإنتِ عارفة إنك غالية عندي، وأهم حاجة عندي إنك تكوني مرتاحة.
تقى رفعت عينيها وبصت ليونس، وسألته: ـ ولو وافقت، هتقدر تعيش معايا بعيد عن المشاكل؟ أنا مش عايزة أكون سبب في خلاف بينك وبين أخوك، ومش عايزة ولادي يحسوا إنهم سبب في أي مشكلة بينكم.
يونس رد من غير تردد: ـ عشان كده أنا قررت إننا نعيش في شقة مستقلة بعيد عن بيت العيلة، وتبقى حياتنا خاصة بينا، ومحدش يتدخل فيها. أما الولاد، فدول مش سبب مشاكل، دول مسؤولية أنا مستعد أشاركك فيها، وهفضل أحترم علاقتهم بأبوهم، ومش هطلب منك في يوم تحرميهم منه.
تقى سكتت طويلًا، وبعدها بصت لحماتها، اللي كانت بتبتسم لها وسط دموعها، ثم رجعت بصت ليونس وقالت: ـ أنا موافقة، بس عندي شرط. يونس ابتسم وقال: ـ قولي كل اللي إنتِ عايزاه. ـ أنا مش عايزة جوازي منك يبقى رد فعل على اللي حصل لي مع سيف، ولا عايزة تحس في يوم إنك أنقذتني أو إنك عملتلي جميل.
أنا عايزة أبقى مراتك وشريكتك، مش واحدة إنت بتعوضها عن اللي فات. يونس بص لها بجدية وقال: ـ وأنا مش عايزك تكوني غير كده، ولا عمري هفكرك بماضيكي عشان أحسسك إنك مدينة ليا بحاجة. أنا عايز نبدأ حياتنا من غير ما نفضل أسرى للي حصل قبل كده.
في اللحظة دي، حماتي ما قدرتش تمسك دموعها، وقامت حضنت تقى وقالت: ـ ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي، ويعوضك عن كل وجع شوفتيه. وبعد ما اتفقوا على كل التفاصيل، بدأ يونس يجهز شقة مستقلة بعيد عن بيت العيلة، واختار بنفسه كل حاجة فيها، وكان حريص إن تقى تشارك في تجهيزها وتختار الألوان والأثاث اللي يريحها.
أما سيف، فما كانش عنده أي فكرة عن اللي بيحصل، لأن يونس وحماتي اتفقوا إنهم ما يعلنوش الموضوع إلا بعد ما كل حاجة تخلص، عشان يتجنبوا أي تدخل أو مشاكل ممكن تعطل الجواز. وفي الوقت نفسه، كانت حياة سيف مع منه بتزداد سوءًا.
الخناقات بينهم بقت شبه يومية، خصوصًا بسبب إهمالها لبيتها، ومشاكلها المستمرة مع أمه، وطريقتها في التعامل معايا ومع باقي العيلة. وكل ما كان سيف يحاول يشتكي من تصرفاتها، كانت ترد عليه: ـ إنت اللي اخترتني يا سيف، وإنت اللي قلتلي إني مش هكون مطالبة أخدم حد، دلوقتي جاي تحاسبني؟
كان يسكت، لأنه عارف إنها بتفكره بوعوده القديمة، لكنه في الوقت نفسه بدأ يحس إن البيت اللي كان فاكر إنه هيلاقي فيه السعادة، بقى مصدر ضغط وتعب. وبعد ما خلص يونس تجهيز الشقة، اتحدد موعد الفرح، واتجوز تقى في هدوء، وسط أهلها وأمه، وبدأوا حياتهم الجديدة بعيد عن بيت العيلة، في بيت مستقل يجمعهم هما والولاد.
ولما رجعوا من الفرح، تقى كانت حاسة إنها أخيرًا بتفتح صفحة جديدة، مش لأنها نسيت اللي حصل، لكن لأنها قررت ما تخليش الماضي يحدد شكل مستقبلها. وبعد أيام قليلة من الجواز، قرر يونس إنه لازم يقول لسيف الحقيقة بنفسه.
اتصل بيه وطلب منه ييجي يقعد معاه عند أمه، ولما سيف وصل، لقى يونس قاعد جنب حماتي، وملامحهم كانت جدية. سيف قعد وقال: ـ خير يا جماعة؟ إنتوا مكبرين الموضوع ليه؟ فيه إيه؟يونس بص له مباشرة وقال: ـ أنا اتجوزت يا سيف.
سيف ابتسم وقال: ـ ألف مبروك يا أخويا، ربنا يسعدك. مين العروسة بقى؟يونس رد بهدوء: ـ تقى. الابتسامة اختفت من على وش سيف، وبص لأخوه كأنه مش مصدق اللي سمعه. ـ إنت بتقول إيه؟ـ بقولك إني اتجوزت تقى، وهي دلوقتي مراتي.
سيف قام من مكانه بعصبية وقال: ـ إنت اتجننت؟ إزاي تعمل كده من ورايا؟ دي كانت مراتي وأم ولادي!يونس فضل قاعد مكانه، ورد بهدوء: ـ كانت مراتك يا سيف، وإنت اللي طلقتها، وإنت اللي اخترت تتجوز واحدة تانية، ولما تقى قررت تبدأ حياتها من جديد، أنا اتقدمت لها وهي وافقت.
محدش أجبرها على حاجة. سيف صوته علي وقال: ـ بس إنت أخويا! كان المفروض تيجي تتكلم معايا الأول!يونس بص له بحدة وقال: ـ أتكلم معاك في إيه؟ أستأذنك إني أتجوز واحدة إنت طلقتها؟ ولا أستأذنك في قرار يخص حياتي وحياة تقى؟
إنت وقت ما كنت بتخطط لجوازك، سألت تقى إذا كانت مستعدة تخسر بيتها وعيلتها؟ ولما كنت ناوي تستخدم الولاد عشان تجبرها ترجعلك، فكرت في وجعها؟سيف سكت لحظة، لكنه رجع قال بعصبية: ـ أنا كنت ناوي أرجعها!
يونس رد عليه: ـ ودي مشكلتك يا سيف، إنك كنت فاكر إن تقى هتفضل مستنياك طول العمر، وإنك تقدر تروح وتيجي زي ما إنت عايز، ولما تحب ترجع تلاقيها فاتحة لك الباب. بس تقى مش ملكك، وطلاقك ليها معناه إنك أنهيت علاقتك بيها، ومن حقها تختار الشخص اللي يكمل معاها حياتها.
سيف كان بيتنفس بعصبية، وعينيه مليانة غضب وصدمة، لكن وسط كل ده، كان فيه إحساس تاني بدأ يسيطر عليه، إحساس إنه خسر تقى للأبد، وإن المرة دي مش هو اللي قرر يبعدها عن حياته، دي هي اللي اختارت راجل تاني، والراجل ده كان أخوه.
بص لأمه، يمكن يستنى منها إنها تعترض أو تقول إن اللي حصل غلط، لكنها قالت له بحزم: ـ يونس ما غلطش في حقك يا سيف، وتقى من حقها تعيش حياتها، وإنت لازم تحترم ده. ما ينفعش تكون إنت اللي تختار تسيبها، ولما تلاقيها بدأت من جديد، تقرر إنك عايزها ترجع لك.
سيف ما ردش، وخرج من عند أمه وهو في قمة غضبه. لكن أول ما ركب عربيته، مسك موبايله وفتح رقم تقى، وفضل باصص له فترة طويلة، قبل ما يتصل بيها. كان عايز يسمع صوتها، عايز يفهم إزاي قدرت تتجوز أخوه، وإزاي قدرت تبدأ حياة جديدة من غير ما تستناه، والأهم من كل ده، كان عايز يعرف إذا كانت فعلًا بقت بتحب يونس، ولا إنها اتجوزته لمجرد إنها عايزة تنساه.
لكن السؤال اللي كان بيخاف يواجهه، واللي بدأ يطارده من اللحظة دي، كان سؤال واحد:هل سيف ندم فعلًا على خسارة تقى، ولا هو بس مش قادر يتقبل إنها بقت لراجل تاني، حتى لو الراجل ده أخوه؟
تقى 3
فضل سيف ماسك التليفون، عينه على اسم تقى، ومش عارف يتصل ولا يتراجع. كان جواه كلام كتير عايز يقوله، وأسئلة مش سايباه يرتاح، لكنه في الآخر ضغط على زر الاتصال، وفضل مستني لحد ما الخط فصل من غير ما تقى ترد.
اتصل تاني، وبرضه مردتش. بعتلها رسالة: «تقى، أنا عايز أكلمك ضروري، ردي عليا. لكن الرسالة اتقرت، ومجاش بعدها أي ردفضل طول الليل يفكر فيها، ويفتكر أيام ما كان بيرجع من شغله يلاقيها مستنياه، والأكل جاهز، والبيت مرتب، وولاده بيجروا عليه، وهي بتسأله عن يومه وتسمع له مهما كانت مشغولة أو تعبانة.
افتكر قد إيه كانت بتعدي له حاجات كتير، وقد إيه كان متأكد إنها عمرها ما هتسيبه، وإنه مهما عمل هيفضل ليه مكان عندها. بس هو ما فهمش إن الصبر له نهاية، وإن الإنسان اللي بيفضل يستحمل عشان بيحب، ممكن ييجي عليه يوم يختار فيه نفسه.
تاني يوم، حاول يتصل بيها تاني، والمرة دي ردت بعد إلحاح طويل.\- أيوه يا سيف، خير؟اتنفس براحة أول ما سمع صوتها، وقال بسرعة:\- أخيرًا رديتي عليا يا تقى! أنا بقالي يومين بحاول أكلمك وإنتِ مش بتردي، هو أنا بقيت غريب للدرجة ديردت بهدوء\- إنت مش غريب يا سيف، إنت أبو ولادي، لكن علاقتي بيك انتهت من يوم ما طلقتني، ومش شايفة إن فيه كلام بينا محتاج يتقال.
اتضايق من برودها، وقال:\- يعني إيه انتهت؟ إحنا عشرة عمر يا تقى، وعندنا ولاد، ومش معقول كل اللي بينا يخلص بالشكل ده!سكتت لحظة، وبعدها قالت:\- إنت اللي اخترت تنهي كل اللي بينا، وأنا وقتها احترمت اختيارك، ومطلبتش منك تفضل معايا غصب عنك.
لما حبيت منه، أنا ما وقفتش في طريقك، ولما قررت تتجوزها، باركت لك، ولما جيت تطلب مني أساعدك في تجهيز شقتك، ساعدتك، مع إن كل حاجة كنت بعملها كانت بتوجعني. ولما قررت تمشي في حياتك من غيري، أنا كمان قررت أمشي في حياتي.
رد بعصبية:\- بس إنتِ اتجوزتي أخويا يا تقى! إزاي قدرتي تعملي كده؟ إزاي قدرتي تنسي كل اللي كان بينا وتتجوزي يونس؟ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح، وقالت:\- أنساك؟ هو أنا اتجوزت يونس عشان أنتقم منك؟
أنا اتجوزته بعد ما بقيت مطلقة، وبعد ما قعدت فترة طويلة أحاول أتعافى من اللي حصل لي بسببك. يونس جه لي من الباب، وطلبني بالحلال، واحترم قراري وكرامتي، وما حاولش يستغل ضعفي ولا يهددني بولادي.
هو ما خدش منك حاجة يا سيف، إنت اللي سيبتني بإيدك، ولما لقيتني بدأت أعيش، افتكرت إن ليك حق ترجعني وقت ما تحب!سكت سيف، لأنه ما لقاش رد يقدر يدافع بيه عن نفسه. هو فعلًا كان عايز إيه منها؟
كان عايزها تفضل مستنياه؟ كان فاكر إنها هتفضل طول عمرها الست اللي بتجري عليه وتسامحه مهما عمل؟ يمكن كان عايز يطمن إنها لسه بتحبه، وإنه لسه يقدر يرجع لها في أي وقت لو حياته مع منه ما نجحتش.
لكن تقى كملت كلامها، وصوتها المرة دي كان حاسم:\- اسمعني كويس يا سيف، أنا مش عايزة منك حاجة غير إنك تكون أب كويس لولادك. لما تحب تشوف ولادك، كلم يونس واتفق معاه على معاد يناسبهم، وهو مش هيمنعك عنهم، لأن دول ولادك ومن حقك تشوفهم وتفضل موجود في حياتهم.
لكن أنا مش هتكلم معاك تاني في أي حاجة تخصني أنا، ومش عايزة مكالمات منك تسألني فيها أنا اتجوزت ليه، أو بحب يونس قد إيه، أو حياتي معاه ماشية إزاي. حياتي بقت تخصني أنا وهو، وإنت حياتك بقت تخصك إنت ومنه. أتمنى تحترم ده. قال بصوت مكسور:\- تقى، أنا ندمان.
..ردت من غير تردد:\- يمكن تكون ندمان، ويمكن تكون غيران، ويمكن تكون اكتشفت إن اللي كنت فاكره مضمون مش موجود في حياتك تاني. بس ندمك ده مش مسؤوليتي، وأنا مش مطالبة أصلح لك نتيجة قرار إنت خدته بإرادتك. ربنا يوفقك في حياتك يا سيف.
وقبل ما يقدر يقول كلمة تانية، أنهت المكالمة. فضل باصص للتليفون، مستني إنها تتصل تاني أو حتى تبعت رسالة، لكنه ما جاش له منها أي حاجة. وبعد وقت، اكتشف إنها عملت له حظر من المكالمات والرسائل، وما سابتش بينهما غير الطريق اللي يقدر من خلاله يتواصل مع أخوه يونس بخصوص الأولاد.
حس وقتها إن بابًا اتقفل فعلًا، باب كان متخيل إنه هيفضل مفتوح مهما طال غيابه عنه. مرت الأيام، وسيف حاول يتعامل مع حياته كأن مفيش حاجة حصلت، لكنه ما قدرش يمنع نفسه من مقارنة كل تصرف بتعمله منه باللي كانت بتعمله تقى.
لما يرجع من الشغل ويلاقي البيت مش مترتب، يفتكر تقى وهي بتستقبله بابتسامة وتسأله لو أكل في الشغل ولا لأ. ولما يطلب من منه تهتم بحاجة تخص أمه، فترد إنها مش ملزمة تخدم حد، يفتكر تقى وهي بتروح لحماتها من نفسها، وتقف معاها في المطبخ، وتعمل لها اللي بتحبه من غير ما تستنى كلمة شكر.
ولما يختلف مع منه على المصاريف أو طلباتها الكتير، يفتكر إنه وافق على كل شروط أهلها من غير ما يفكر، بينما تقى عمرها ما حملته فوق طاقته، ولا حسسته يومًا إنه مقصر معاها، حتى في أصعب الظروف.
لكن الذكريات ما كانتش بتغير منه، ولا كانت بتخليه يعترف إنه ظلم تقى بوضوح. كان ساعات يلوم نفسه، وساعات يرجع يلومها هي، ويقول إنها لو كانت بتحبه بجد ما كانتش اتجوزت أخوه. وفي كل مرة كان بيقول الكلام ده، كانت أمه ترد عليه بنفس الجملة:
\- تقى ما خانتكش يا سيف، تقى كانت مطلقتك، ومن حقها تعيش. إنت اللي كنت فاكر إنك تقدر تسيبها وقت ما تحب وترجع لها وقت ما تحب، ولما اكتشفت إن الدنيا ما بتمشيش على مزاجك، زعلت. كان بيضايق من كلامها، ويغير الموضوع، لكنه في قرارة نفسه كان عارف إنها عندها حق.
أما يونس، فكان ملتزم بكلام تقى. لما سيف يحب يشوف أولاده، يتصل بيونس، ويتفق معاه على المعاد، ويونس كان بيستقبله باحترام، من غير ما يستفزه أو يحاول يثبت له إنه بقى مكانه في حياة تقى.
وفي مرة، وهما قاعدين لوحدهم بعد ما سيف قضى وقت مع ولاده، قال له سيف بضيق:
\- إنت مش حاسس إن الوضع ده غريب؟ إني أكلمك عشان أشوف ولادي، وإنت اللي بقيت جوز أمهم!رد يونس بهدوء:
\- الغريب مش إنك تكلمني عشان تشوف ولادك يا سيف، الغريب إنك لسه مش قادر تفهم إن تقى بقت ليها حياة خاصة بيها. أنا عمري ما همنعك عن عيالك، ومش هحاول أخليهم يكرهوا أبوهم، لكن في المقابل، مش هسمح لك تضايق مراتي أو تتدخل في حياتنا. سيف بص له بغضب:
\- مراتي! إنت بتقول عليها مراتك قدامي بكل سهولة؟يونس رد بثبات:
\- أيوه، مراتي، والست اللي أنا اخترتها وعايز أكمل معاها عمري. وصدقني يا سيف، أنا ما اتجوزتهاش عشان أكسرك، ولا عشان آخد منك حاجة. أنا اتجوزتها لأني بحبها، وهي وافقت عليا بعد ما اتأكدت إني هحترمها وأصونها.
ولو كنت بتحبها فعلًا زي ما بتقول، كنت هتتمنى لها الراحة حتى لو الراحة دي مش معاك. ما ردش سيف، ومشي وهو حاسس إن كلام أخوه بيوجعه لأنه حقيقي. أما تقى، فكانت حياتها مع يونس بتاخد شكلًا جديدًا، هاديًا ومستقرًا.
ما كانش بيطلب منها تثبت له حبها كل يوم، ولا كان بيعايرها بماضيها، ولا بيحسسها إنها دخلت حياته ومعاها حمل تقيل. كان بيتعامل مع ولادها بحب، ويحرص إنهم يفضلوا قريبين من أبوهم، وفي نفس الوقت يبني معاها بيتًا تشعر فيه بالأمان.
ومع مرور الوقت، بدأت تقى تضحك من قلبها تاني، وبدأت تستمتع بحياتها من غير ما تفضل تقارنها بالماضي. ما نسيتش اللي حصل لها، لكنها بطلت تسمح له يتحكم في حاضرها. وفي يوم، كانت قاعدة مع حماتها، اللي بصت لها بابتسامة وقالت:
\- ربنا يعوض قلبك يا بنتي، أنا عارفة إنك اتوجعتي كتير، بس فرحانة إني شايفاكي مرتاحة. مسكت تقى إيدها وقالت:
\- إنتِ عمرك ما قصرتي معايا يا ماما، ووجودك في حياتي نعمة. أنا مش عايزة أفضل عايشة طول عمري زعلانة من اللي فات، أنا عايزة أعيش وأربي ولادي وأكون زوجة كويسة ليونس، وأسيب كل حاجة لربنا.
ابتسمت حماتها، وضمتها لحضنها، وهي حاسة إن البنت اللي كانت بتخاف عليها من الانكسار قدرت تقف تاني على رجليها، وتختار حياة تستحقها. ومرت الشهور، واستمرت مشاكل سيف ومنه. خلافات على المصاريف، ومشاكل بسبب تدخلات أهلها، وشد وجذب على أبسط تفاصيل البيت.
كل مرة كان سيف يحاول يصلح حاجة، يلاقي مشكلة جديدة، وكل مرة كان يفتكر إن تقى كانت بتعرف تحتوي المواقف بدل ما تكبرها. لكن رغم كل ده، ما قدرش ينهي جوازه من منه، ولا قدر يرجع بالزمن ويصلح اللي كسره بإيده.
كان اختارها، وأصر على اختياره قدام الجميع، ورفض يسمع نصيحة أخوه، وتجاهل تحذير أمه، وكان لازم يتحمل نتيجة قراره. ومنه، من ناحيتها، ما كانتش فاهمة سبب تغيره، وكل ما تلاقيه ساكت أو شارد، تتهمه إنه مش مقدرها، وإنه لسه بيفكر في طليقته.
وفي إحدى الليالي، اتخانقوا بسبب زيارة أمه، وعلت أصواتهم، فقالت منه بعصبية:
\- إنت من ساعة ما اتجوزتني وإنت بتقارنني بتقى! لو هي عاجباك أوي كده، كنت فضلت معاها بدل ما تتجوزني!بصلها سيف، وكان عنده ألف رد، لكنه ما قالش غير:
\- أنا مش بقارنك بحد.
صرخت فيه:
\- أمال سرحان فيها ليه؟ كل ما يحصل بينا مشكلة تفضل ساكت وكأنك بتفكر في حاجة تانية!ما ردش، لأنه لو اتكلم هيضطر يعترف لنفسه قبل ما يعترف لها إنه فعلًا بيفكر في تقى، وإنه كل ما خسر جزءًا من راحته في حياته الجديدة، افتكر الراحة اللي كان عايش فيها زمان وما عرفش قيمتها.
وفي الليلة دي، بعد ما منه دخلت الأوضة وقفلت الباب، قعد سيف لوحده في الصالة، وافتكر آخر مكالمة بينه وبين تقى، وصوتها وهي بتقوله إن ندمه مش مسؤوليتها. لأول مرة، فهم إن المشكلة ما كانتش إنه خسر تقى ليونس، ولا إن أخوه اتجوزها قبله ما يقدر يرجع لها؛
المشكلة الحقيقية إنه خسر امرأة كانت بتحبه بصدق، لأنه تعامل مع حبها كأنه ضمان أبدي، وافتكر إن تضحية قلبها معناها إنها هتفضل مستعدة للتضحية إلى ما لا نهاية. ندم، لكن ندمه جه بعد ما تقى اختارت نفسها، وبعد ما لقت مع يونس الحياة اللي كانت تستحقها.
أما هي، فما رجعتش تبص وراها. كملت حياتها مع جوزها، واهتمت بولادها، وحافظت على علاقتها الطيبة بأهل طليقها، لكنها ما سمحتش لسيف يرجع يحتل مساحة من قلبها أو يفتح بابًا قفلته بإرادتها. وسيف كمل حياته مع منه، يومًا بعد يوم، بين خلاف جديد ومحاولة صلح مؤقتة، وكل ما كانت المشاكل تزيد، كان يفتكر تقى أكتر، لكنه ما كانش يقدر يعمل حاجة غير إنه يتحمل نتيجة اختياره.
وهكذا انتهت حكاية تقى وسيف؛ تقى ما انتقمتش منه، ولا حاولت تكسره، هي بس بطلت تستنى منه حاجة. أما هو، ففضل يعيش مع الندم، بعد ما عرف متأخر إن مش كل قلب بيحبك هيفضل مستنيك، وإن في خسارات بتحصل مرة واحدة، لكن وجعها ممكن يفضل العمر كله.

تعليقات
إرسال تعليق