القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت قبل العمليه كاملة حكايات صافي هاني

 سكريبت قبل العمليه كاملة حكايات صافي هاني



سكريبت قبل العمليه كاملة حكايات صافي هاني


في الليلة اللي قبل عمليتي دخل شخص غريب أوضتي في المستشفى بهدوء وحط جنب مني جواب. خط اليد كان بتاعي من غير شك مع إني كنت متأكد إني عمري ما كتبته. بس لازم أحكيلكم الحكاية بدأت منين.


قضيت اليوم كله وأنا بحاول بكل ما أوتيت من قوة أبان شجاع. كنت بابتسم كل ما الممرضات يدخلوا وأقول نكت للدكاترة وأهز راسي بثقة وهم بيشرحوا لي كل خطوة في العملية. بس النهارده بالليل لما المستشفى هديت تماسكي اللي حافظت عليه بالعافية انهار أخيرًا. حسيت إني طفل خايف وتايه لوحده في الضلمة.


بكره ممكن يغير حياتي كلها للأبد وأنا حاسس إني مش مستعد.


اسمي إيثان. الصورة دي اتاخدت من كام ساعة بس جوه أوضة المستشفى الهادية دي. إضاءة صفرا هادية كانت منتشرة على الحيطان بس مافيش أي حاجة حواليا خلت وضعي أقل رعبًا. وشي كان منفوخ وجلدي بيوجعني وكل نفس باخده بيفكرني إن في حاجة جوايا مش مظبوطة.


على كلام الدكاترة العملية بتقدم لي أكبر فرصة للتعافي. بس كانوا صرحا بخصوص المخاطر. حياتي بعدها ممكن تبقى مختلفة تمامًا. تحذيرهم قاعد يتردد في دماغي زي جرس صوته ما بيسكتش.


يا ترى إيه اللي هيحصل لو صحيت وما عدتش عارف نفسي؟ يا ترى إيه اللي هيحصل لو ما فتحتش عيوني تاني أبدًا؟


بعد ضهر النهارده ماما قعدت جنب سريري وضغطت على إيدي لغاية ما مفاصل صوابعها بقت بيضا كأن سيبان إيدي هيخليني أتبخر. قعدت تحكي لي ذكريات من طفولتي ومن ضمنها اليوم اللي كان عندي فيه خمس سنين وأصريت بعناد إني أربط حذائي لوحدي من غير مساعدة وما حصلش ثواني ووقعت في نص الجنينة.


ابتسمت بحنية عمري ما هأنساها. ولما لفت وشها عشان تجيب منديل لاحظت دمعة نازلة بهدوء على خدها.


أمي عمرها ما سمحت لي إني أشوفها بتبكي. وده كان مرعبني أكتر من أي حاجة في الدنيا.


بابا نادرًا ما اتكلم. فضل واقف في آخر سريري وعمال يشد ويفتح إيديه الخشنة كذا مرة. وفي الآخر هز راسه حركة خفيفة وقال بصوت هادي:


“إنت قوي يا ابني.”


تلات كلمات بس لكن كان شكلهم كأنه هو كمان محتاج يقنع نفسه زيي. لاحظت الرعشة الخفيفة في كتاف الراجل اللي في يوم من الأيام شالني طول صيف طويل لما كنت صغير. أبويا خايف هو كمان. يمكن أكتر مني بكتير.


على الساعة تمانية بالليل ممرضة بلغت عيلتي إن وقت الزيارة خلص. ماما حضنتني حضن حسيت إنه هيقعد للأبد وقت كفاية عشان أحس بنبض قلبها السريع. بابا حط كف إيده على جبهتي وفتح بقه كأنه هيتكلم لكنه فضل ساكت.


ولما الباب اتقفل وراهم الصوت الوحيد اللي فضل هو زن الأجهزة الطبية المستمر.


لفترة طويلة ما عملتش أي حاجة غير إني أبص في السقف. وفي الآخر مدت إيدي ناحية النوتة الصغيرة اللي جنب سريري. ما قدرتش أتكلم عن الخوف اللي خانق صدري ففرغت المشاعر دي على الورق بدل كده.


أنا مرعوب. مش بس عشان العملية ممكن توجع لكن عشان ممكن أبدد الحياة اللي أعرفها النهارده.


خايف ما أعدش أقعد أبدًا على ترابيزة السفرة بتاعتنا وأسمع بابا بيشتكي من السياسة بينما ماما بتصر تزود لي طبق كمان. خايف ما أعدش أضحك مع أصحابي على أي حاجة تافهة لغاية ما بطني توجعني. خايف ما أعدش أعرف أعيش حياة عادية تاني. الحياة البسيطة اليومية اللي كنت باعتبرها زمان حاجة مضمونة.


كل اللحظات الصغيرة دي اللي كنت بالكاد باخد بالي منها زمان بقت دلوقتي غالية لدرجة إن مجرد تخيل فقدانها بيوجعني.


فردت جسمي على السرير وغمضت عيوني وحاولت بكل طاقتي أنام. بس أفكاري رفضت تهدى والأسئلة اللي مالهاش إجابة فضلت تخبط في دماغي زي الأمواج وهي بتتكسر على الصخور.


يا ترى بكره هيكون بداية حياة مختلفة كليًا؟ ولا هيدمر كل حاجة عرفتها في يوم من الأيام؟


وبعدين جه السؤال الأخير أهدى من كل اللي قبله بكتير لكنه أوجع بكتير. طلع من وسط السكوت.


ماذا لو كانت الليلة دي هي الليلة الأخيرة اللي أقدر أكون فيها أنا بجد؟


الساعة المعلقة على الحيطة كانت بتشير لحداشر وسبعة وأربعين دقيقة.


بره أوضتي سمعت ممرضة ماشية في الطرقة لحد ما خطواتها اختفت. كنت خلاص بنام نومة مش مريحة لما صوت خفيف وصلني. كان في حد بيزق باب أوضتي بالبطيء وبحذر شديد كأنه مش عايز يصحيني.


فتحت عيوني شوية صغيرين.


في شخص كان واقف في باب الأوضة ثابت تمامًا ووشه متداري ورا النور اللي جاي من وراه. ما كانش لابس بالطو طبي أبيض. إيده كانت ماسكة ظرف قديم أطرافه اصفرت من الزمن وفي خط كتابة على الوش عرفته فورًا.


خط الإيد كان بتاعي.


بس كنت عارف بيقين تام إني عمري ما كتبت الجواب ده.


الراجل الغريب دخل الأوضة وحط الظرف بعناية على ترابيزة السرير وهمس بكلمات هتفضل لازقة معايا للأبد.


“اقراه قبل ما بكره ييجي. عشان بعد العملية مش هتفتكر أنا مين تاني.”


فضلت باصص له وأنا مش قادر أتحرك. حاولت أتكلم لكن صوتي خرج ضعيف ومبحوح.


“إنت مين؟ وإزاي معاك جواب بخط إيدي؟”


ما ردش على طول. بص ناحية الباب كأنه خايف حد يسمعنا وبعدين قرب خطوة من السرير.


“افتح الجواب يا إيثان. مافيش وقت.”


مديت إيدي ناحية الظرف لكن صوابعي كانت بتترعش لدرجة إني وقعت الظرف على الأرض. الراجل انحنى بسرعة ورفعه وحطه في إيدي تاني.


ولما قرب مني كفاية قدرت أشوف وشه.


كان راجل في أواخر الأربعينات تقريبًا. شعره أسود فيه خصلات بيضا ووشه شاحب وعينيه غرقانة في حزن غريب. كان في حاجة في ملامحه مألوفة بالنسبة لي لكن ما قدرتش أحددها.


بصيت له بتركيز وسألته تاني.


“إحنا اتقابلنا قبل كده؟”


ابتسم ابتسامة صغيرة مكسورة وقال:


“أكتر مما تتخيل.”


وبعدين رجع خطوتين ناحية الباب.


“اقراه لوحدك. ولما تخلص حطه تحت المخدة. ومهما حصل ما تقولش للدكتور إنك شفتني.”


قبل ما ألحق أسأله أي سؤال خرج من الأوضة واختفى في الممر.


فضلت باصص للباب المفتوح وأنا حاسس إن قلبي هيخرج من صدري. ضغطت على زر استدعاء الممرضة لكن قبل ما تيجي إيدي رجعت للظرف كأن في قوة بتشدني ناحيته.


كان مكتوب على وشه:


إلى إيثان… لو لسه فاكر إنت مين.


بلعت ريقي بصعوبة وفتحت الظرف.


جواه ورقتين مطويتين وصورة قديمة صغيرة.


أول ما شفت الصورة حسيت إن الدم اتسحب من وشي.


كنت أنا اللي في الصورة. أو على الأقل ولد شبهي لدرجة مستحيل تكون مجرد صدفة. كنت أصغر بسنين طويلة وواقف في جنينة بيت قديم جنب راجل حاطط إيده على كتفي.


الراجل اللي في الصورة كان هو نفس الغريب اللي دخل أوضتي من شوية.


بس الغريب إن الصورة كانت باهتة جدًا، وعلى ضهرها مكتوب تاريخ يرجع لأكتر من عشرين سنة.


أنا ما كنتش فاكر إني شفت الراجل ده في حياتي.


ولا كنت فاكر البيت اللي واقفين قدامه.


قلبت الصورة على وشها تاني وبعدين فتحت الورقة الأولى.


كان مكتوب بخط إيدي:


“يا إيثان، لو إنت بتقرأ الكلام ده يبقى العملية قربت، ويبقى أنا فشلت للمرة الأخيرة إني أمنع اللي جاي.”


وقفت عن القراءة.


إزاي أنا اللي كاتب الكلام ده؟ وإمتى كتبته؟ وليه مش فاكره؟


كملت وأنا بحاول أسيطر على رعشة إيدي.


“أنا عارف إنك خايف. وعارف إن الدكاترة قالوا لك إن العملية ممكن تأثر على ذاكرتك وعلى الطريقة اللي هتشوف بيها العالم بعد ما تفوق. بس في حاجة محدش قالها لك، أو يمكن محدش يقدر يقولها لك.


إنت مش خايف من إنك تنسى حياتك.


إنت خايف من إنك تفتكرها.”


حسيت ببرودة بتجري في جسمي.


قريت الجملة مرة واتنين وتلاتة، وكل مرة كنت بحس إنها بتقرب مني أكتر.


إيه اللي ممكن أكون ناسيه ويخليني أخاف أفتكره؟


قلبت الورقة عشان أشوف باقي الكلام، لكن لقيت الصفحة التانية فيها جملة واحدة بس.


“لو الراجل اللي في الصورة جه لك، اسأله عن البنت اللي كانت بتستخبى تحت السلم، واسأله ليه أمك بتعيط كل ما تسمع اسم ليلى.”


ليلى.


الاسم ده كان مألوف.


ما كنتش عارف منين، لكن أول ما قريته حسيت بوجع غريب في صدري، وجالي إحساس إني على وشك أفتكر حاجة مهمة جدًا.


حاجة كنت بدفنها جوايا من سنين طويلة.


رفعت راسي وبصيت ناحية الباب.


كنت عايز أنده على الممرضة وأسألها عن الراجل، لكن بدل ما أعمل كده مسكت زر الاتصال بماما.


رن التليفون كذا مرة قبل ما ترد بصوت مليان قلق.


“إيثان؟ حبيبي؟ إنت كويس؟ حصل حاجة؟”


كنت هقول لها إني خايف وإن في راجل غريب دخل أوضتي، لكن عيني وقعت على آخر سطر في الورقة، وكان مكتوب تحته بخط أصغر:


“ما تثقش في أي حد هيحاول يقنعك إن ليلى ما كانتش موجودة.”


سكت.


ماما نادتني تاني.


“إيثان؟ إنت سامعني يا حبيبي؟”


سألتها بصوت واطي:


“ماما… إنتِ تعرفي حد اسمه ليلى؟”


الصمت اللي جه بعدها كان أطول من أي إجابة.


سمعت نفسها بيتغير، وبعدها صوتها بقى مرتعش.


“إنت سمعت الاسم ده منين؟”


قلبي بدأ يدق بسرعة.


“يعني إنتِ تعرفيها؟”


“إيثان، إنت أخدت أي دواء جديد؟”


“ماما، ردي عليا. مين ليلى؟”


سمعت صوت حركة عندها، كأنها قامت من مكانها فجأة.


وبعدين قالت بصوت حاولت تخليه طبيعي لكنه ما نجحش:


“حبيبي، إنت لازم تنام. بكره عندك عملية ومش عايزاك تتعب نفسك بالتفكير.”


“ليه بتتهربي من السؤال؟”


“أنا مش بتهرب يا إيثان.”


“أمال ليه صوتك اتغير أول ما قلت اسمها؟”


ما ردتش.


فضلت ساكتة لدرجة إني سمعت صوت نفسها في التليفون.


وبعدين همست:


“إنت لقيت حاجة في أوضتك؟”


اتجمدت مكاني.


ما كنتش قلت لها أي حاجة عن الظرف.


“إنتِ عرفتي منين؟”


سمعت صوتها وهي بتعيط، وبعدها قالت:


“اقفل التليفون يا حبيبي. أرجوك، مهما كان اللي لقيته، ما تقراش باقي الكلام.”


بصيت للورقة اللي في إيدي.


كان في جزء صغير مطوي تحت آخر الصفحة ما كنتش لاحظته.


قلت لها:


“متأخر يا ماما. أنا قريت.”


سمعت شهقة مكتومة.


وبعدين الخط اتقفل.


فضلت ماسك التليفون وباصص للشاشة، مش قادر أصدق إن أمي اللي قضت حياتها تحميني من كل حاجة ممكن توجعني هي نفسها بتطلب مني ما أعرفش الحقيقة.


رجعت فتحت الورقة وفردت الجزء المطوي.


كان مكتوب:


“ليلى كانت أختك الصغيرة. ماتت وإنت عندك سبع سنين. لكن إنت ما كنتش السبب، مهما قالوا لك.”


وقعت الورقة من إيدي.


أختي الصغيرة؟


أنا طول عمري كنت فاكر إني الابن الوحيد لأبويا وأمي. كل الصور اللي في بيتنا كانت ليا لوحدي، وكل حكايات طفولتي كانت بتبدأ وتنتهي بيا. عمري ما سمعتهم يذكروا اسم أخت، ولا شفت صورة لطفلة في بيتنا.


إزاي ممكن يكون عندي أخت ومش فاكرها؟


وإزاي ممكن أكون مقتنع طول عمري إني ما كانش ليا إخوات؟


حاولت أفتكر طفولتي. عيد ميلادي السابع. البيت القديم. الجنينة اللي كانت في الصورة.


بدأت صور صغيرة تظهر في دماغي، لكنها كانت مشوشة زي حلم بحاول أفتكره بعد ما أصحى.


طفلة بشعر بني طويل بتضحك.


صوت خطوات صغيرة على السلم.


باب خشب أبيض.


وصوت حد بينادي:


“إيثان، تعالى بسرعة!”


حطيت إيدي على راسي وأنا بحاول أتمسك بالصور قبل ما تختفي.


وفجأة سمعت صوت في الممر.


صوت راجل بيتكلم مع ممرضة.


“أنا لازم أشوفه.”


الصوت كان هو نفسه صوت الغريب.


الممرضة ردت عليه:


“مينفعش تدخل له تاني. الدكتور قال ممنوع أي زيارات.”


الراجل قال بصوت مبحوح:


“لو ما شافش الحقيقة قبل العملية، ممكن ينسى كل حاجة للأبد.”


قمت من السرير بالعافية، وشديت المحلول اللي في إيدي لحد ما وجعني، لكني ما اهتمتش.


قربت من الباب وفتحته شوية.


شفت الغريب واقف في الممر قدام الممرضة، ووشه مليان يأس.


ولما لمحني، سكت فجأة.


بصيت له وقلت:


“إنت قلت لي أسألك عن ليلى. مين إنت؟”


الممرضة لفتت ناحيتي باستغراب.


أما هو فغمض عينيه كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.


وبعدين قال:


“اسمي يوسف.”


الاسم ما عملش أي حاجة في ذاكرتي.


هززت راسي وقلت:


“أنا ما أعرفكش.”


رد بهدوء:


“عارف.”


“إنت كنت تعرف أختي؟”


هز راسه.


“أيوه.”


“كنت تعرفها إزاي؟”


بص للممرضة وقال لها:


“ممكن تسيبينا دقيقتين؟”


الممرضة رفضت في البداية، لكن لما شافت إصراري وافقت إنها تقف عند الباب وتفضل شايفانا.


يوسف دخل الأوضة وقعد على الكرسي اللي جنب سريري.


بص للصورة القديمة اللي كنت لسه ماسكها، ومد إيده ناحيتها، لكنه وقف قبل ما يلمسها.


قال:


“ليلى كانت بتحبك أكتر من أي حد في الدنيا.”


سألته:


“هي ماتت إزاي؟”


بص للأرض.


“ده السؤال اللي المفروض تسأله لنفسك.”


حسيت بغضب بيطلع جوايا.


“أنا مش فاكر أي حاجة! كل اللي أعرفه إن أمي وأبويا عمرهم ما قالوا لي إن كان ليا أخت. إنت جاي لي قبل عملية خطيرة وبتقول لي إني لازم أفتكر حاجة حصلت من أكتر من عشرين سنة. إنت متخيل أنا حاسس بإيه؟”


يوسف رفع عينيه ليا.


“متخيل. لأني كنت موجود.”


سكت شوية وبعدين كمل:


“أنا كنت جاركم زمان. كنت شاب صغير وقتها، وليلى كانت بتستخبى عندي تحت السلم لما تخاف من صوت الخناق في بيتكم. كانت بتيجي تقعد جنبي وتحكي لي عن المدرسة وعن الرسومات اللي بترسمها. وكانت كل ما تزعل تقول لي إنك هتكبر وتبقى دكتور عشان تعرف تعالج كل الناس اللي بتتوجع.”


حسيت بدموعي بتتجمع في عيني من غير ما أفهم السبب.


“أنا كنت بحبها؟”


يوسف ابتسم بحزن.


“إنت كنت أخوها. كنت بتحبها أكتر ما كنت بتحب نفسك.”


“طب إيه اللي حصل لها؟”


فضل ساكت شوية طويلة.


وبعدين قال:


“في اليوم اللي ماتت فيه، إنت جيت لي وإيدك بتترعش. كنت بتعيط وبتقول إنك مش عايز حد يعرف اللي حصل. وأنا وقتها ما فهمتش كلامك. كنت طفل صغير، وخفت عليك، فقلت إنك كنت مصدوم وإنك مش فاكر حاجة.”


حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.


“إنت بتقول إني كنت موجود لما ماتت؟”


“أيوه.”


“وأنا السبب؟”


يوسف قرب مني بسرعة وقال:


“لأ! اسمعني كويس يا إيثان. إنت ما كنتش السبب. إنت كنت طفل. ومهما كان اللي حصل، ما كانش ذنبك.”


لكن الجملة اللي في الورقة كانت بتتردد في دماغي.


إنت ما كنتش السبب، مهما قالوا لك.


سألته:


“مين اللي قال إني السبب؟”


يوسف ما ردش.


وفي اللحظة دي دخل الدكتور سامح، ومعاه ممرضة تانية. أول ما شاف يوسف، وشه اتغير.


“حضرتك مين؟ وإزاي دخلت هنا؟”


يوسف وقف بهدوء.


“أنا لازم أكمل كلامي معاه.”


الدكتور رد بحزم:


“المريض محتاج يرتاح قبل العملية. ممنوع أي نقاش ممكن يسبب له ضغط نفسي.”


بصيت للدكتور وقلت:


“أنا عايز أعرف الحقيقة.”


الدكتور قرب مني وقال:


“إيثان، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده. إنت عارف إن ذكرياتك القديمة مرتبطة بحادثة مؤلمة، وإن التوتر ممكن يزود حالتك سوءًا.”


بصيت له باستغراب.


“إنت تعرف عن ليلى؟”


الدكتور سكت لحظة.


وكانت اللحظة دي كفاية عشان أفهم إن في حاجة هو كمان مخبيها.


يوسف بص له بغضب وقال:


“بلاش تكملوا الكدبة دي. الولد من حقه يعرف.”


الدكتور طلب من الممرضة إنها تخرج يوسف من الأوضة.


لكن قبل ما يوسف يتحرك، لف ناحيتي وقال بسرعة:


“إيثان، اسأل أبوك عن مفتاح الصندوق الخشبي. لو عايز تعرف ليه أختك اختفت من حياتك، لازم تشوف اللي جواه.”


وبعدين خرج مع الممرضة.


الدكتور فضل واقف جنبي، بيحاول يهديني، لكني ما بقيتش سامع كلامه.


صندوق خشبي.


مفتاح.


أختي ليلى.


كل كلمة كانت بتفتح باب في دماغي، وورا كل باب كنت بحس إن في حاجة مستنياني.


قلت للدكتور:


“أنا مش هعمل العملية غير لما أفهم.”


الدكتور اتنهد وقعد على الكرسي.


“إيثان، العملية مهمة جدًا لحالتك. وإحنا شرحنا لك كل المخاطر. لكن في حاجات من الماضي مش هتقدر تغيرها مهما عرفت عنها.”


رديت عليه:


“أنا مش عايز أغير الماضي. أنا عايز أعرفه.”


الدكتور فضل ساكت، وبعدها قال:


“هطلب من والدك ييجي يتكلم معاك.”


خرج من الأوضة، وأنا رجعت للسرير. كنت حاسس إن التعب اللي في جسمي كله اتجمع في صدري، وإن كل حاجة كنت فاكرها عن حياتي بدأت تتفكك قدامي.


ما كنتش عارف إذا كان يوسف بيقول الحقيقة كلها، ولا إذا كان بيحاول يخليني أصدق حاجة مش موجودة.


لكن كان عندي إحساس واحد ما قدرتش أتجاهله.


اسم ليلى ما كانش غريب عليا.


كان موجعني.


كأن قلبي فاكرها حتى لو عقلي نسيها.


بعد شوية، بابا دخل الأوضة لوحده.


كان لسه لابس نفس القميص اللي شفته بيه قبل ما يمشي، لكن ملامحه اتغيرت. عينيه كانت حمرا، ووشه شاحب كأنه عرف إن اللحظة اللي كان بيخاف منها طول السنين وصلت أخيرًا.


قعد جنبي وقال:


“الدكتور قال لي إنك سألت عن ليلى.”


بصيت له مباشرة.


“مين ليلى يا بابا؟”


غمض عينيه وحط إيده على وشه.


لأول مرة في حياتي، شفت أبويا عاجز عن الكلام.


وبعد صمت طويل قال:


“أختك.”


الكلمة خرجت منه بصعوبة، كأنها كانت محبوسة في صدره سنين.


حسيت إن نفسي اتقطع.


“إنت عندك بنت تانية وأنا ما أعرفش؟”


هز راسه ببطء.


“كان عندي بنت. وكانت أحلى حاجة في حياتي.”


“طب ليه ما قلتليش عنها؟”


بابا بص لي، والدموع بدأت تنزل من عينيه.


“عشان كنت فاكر إن النسيان هيحميك.”


صرخت فيه:


“يحميني من إيه؟ أنا حتى مش فاكر وشها! مش فاكر صوتها! مش فاكر إن كان ليا أخت أصلًا!”


بابا مسك إيدي.


“إنت كنت بتحلم بيها كل ليلة لمدة شهور. كنت تصحى من النوم وتدور عليها في البيت. كنت تسألنا هي راحت فين، وإحنا كنا بنقول لك إنها عند خالتك. وبعدها، لما بدأت تسأل أسئلة أصعب، الدكتور قال لنا إن ذاكرتك اتأثرت بالصدمة، وإن الضغط عليك ممكن يضرك.”


بصيت له بذهول.


“يعني إنتوا كدبتوا عليا طول عمري؟”


بابا نزل راسه.


“أيوه.”


الكلمة كانت أقسى من أي حاجة سمعتها في حياتي.


كنت مستعد أسمع أي تفسير، أي عذر، أي حكاية تخفف عني الصدمة. لكن اعترافه البسيط خلاني أحس إني غريب في بيتي، وغريب وسط عيلتي، وغريب حتى عن نفسي.


قلت له:


“أنا عايز أشوف الصندوق.”


بابا رفع راسه بسرعة.


“يوسف قال لك؟”


“أيوه.”


فضل باصص لي فترة طويلة، وبعدين قام من مكانه.


“هروح أجيبه.”


قبل ما يخرج، مسكت إيده.


“بابا، أختي ماتت إزاي؟”


وقف مكانه، وكتافه بدأت تهتز.


قال من غير ما يبص لي:


“في يوم هتعرف كل حاجة. بس مش الليلة.”


سحبت إيدي منه.


“كل حياتي مبنية على إنكم مخبيين عني الحقيقة، ولسه عايزني أستنى؟”


لف ناحيتي، ووشه كان مليان ألم.


“أنا مش بطلب منك تستنى عشان أريح نفسي. أنا بطلب منك عشان خايف عليك.”


“من إيه؟”


فتح بقه، لكنه ما عرفش يرد.


خرج من الأوضة وسابني لوحدي.


المرة دي ما حاولتش أمنعه.


كنت تعبان، خايف، وغاضب، لكن جوايا كان في حاجة أقوى من كل ده.


كنت عايز أفتكر.


حتى لو الحقيقة هتوجعني.


حتى لو هتغير حياتي كلها.


حتى لو كانت آخر حاجة هعرفها قبل العملية.


رجعت بصيت للصورة القديمة. الولد اللي فيها كان بيضحك، والراجل اللي جنبه حاطط إيده على كتفه. وفي الخلفية، عند باب البيت، كانت واقفة طفلة صغيرة نص وشها ظاهر.


قربت الصورة من عيني.


شعر بني طويل.


فستان أصفر.


وابتسامة صغيرة كنت حاسس إني شفتها قبل كده.


قلبي بدأ يدق بسرعة.


قلبت الصورة على ضهرها مرة تانية، ولاحظت كتابة صغيرة جدًا في الركن ما كنتش واخد بالي منها.


“إيثان وليلى ويوسف. آخر صورة قبل اليوم اللي اتغير فيه كل شيء.”


آخر صورة قبل اليوم اللي اتغير فيه كل شيء.


كررت الجملة بصوت واطي.


وبعدين فجأة سمعت ضحكة طفلة في دماغي.


ضحكة واضحة، قريبة، كأن صاحبتها واقفة جنبي.


“إيثان، أوعى تقول لماما!”


اتجمدت مكاني.


الصوت اختفى بسرعة، لكن صورًا تانية بدأت تظهر.


أنا واقف في جنينة البيت.


ليلى بتجري قدامي.


يوسف بينادينا من عند السور.


وبعدين صوت زجاج بيتكسر.


صرخة.


صوت باب بيتقفل بعنف.


وجملة واحدة سمعتها بوضوح شديد:


“خد أخوك واطلع بره يا ليلى!”


حطيت إيدي على راسي وصرخت من الوجع.


الممرضة دخلت تجري، وفضلت تهديني لحد ما نفسي رجع طبيعي.


لكن وأنا مغمض عيني، شفت حاجة أخيرة.


ليلى كانت واقفة قدامي، ودموعها على خدودها، وماسكة في إيدي بقوة.


كانت بتقول لي:


“أوعدني إنك مش هتنساني يا إيثان.”


فتحت عيني فجأة.


وكنت بعيط.


لأني لأول مرة من سنين طويلة، ما كنتش حاسس إني لوحدي.


كنت حاسس إن أختي موجودة في مكان ما جوايا، وإنها مستنية مني أرجع لها.


مع أول ضوء الصبح، رجع بابا ومعاه صندوق خشبي صغير.


كان قديم، لونه بني غامق، وعليه خدوش كتير. حطه على الكرسي قدامي، وبعدها طلع من جيبه مفتاح صغير مربوط بخيط أزرق.


حطه في إيدي وقال:


“ده كان بتاع ليلى.”


فضلت أبص للمفتاح.


“ليه احتفظتوا بيه كل السنين دي؟”


بابا رد بصوت مكسور:


“لأننا ما قدرناش نتخلص من أي حاجة تخصها.”


فتحت الصندوق.


كان جواه شوية رسومات أطفال، ودبدوب صغير فقد إحدى عينيه، وشريطة شعر صفراء، وكراسة رسم عليها اسمي واسم ليلى.


لمست الدبدوب، وفجأة افتكرت إيد صغيرة بتحطه في حضني.


“خليه معاك يا إيثان. عشان لما أخاف ألاقيك جنبي.”


بدأت دموعي تنزل وأنا بقلب الرسومات.


كانت ليلى راسمة بيتنا القديم، والجنينة، وأنا وهي واقفين ماسكين إيد بعض. وفي رسمة تانية، كنا قاعدين على الأرض، وحوالينا نجوم كتير، وفوقنا شمس كبيرة مبتسمة.


على ضهر الرسمة مكتوب:


“أنا وإيثان هنفضل إخوات حتى لما نكبر.”


ضممت الرسمة لصدري.


“أنا كنت بحبها أوي يا بابا؟”


بابا قعد جنبي، ومسح دموعه.


“إنت كنت بتحبها أكتر من أي حاجة. كنت بتخاف عليها حتى من الهوا.”


فتحت الكراسة.


في أول صفحة كان مكتوب بخط طفولي:


“مذكرات ليلى. ممنوع إيثان يفتحها إلا لما يبقى كبير.”


ضحكت وسط دموعي، لأن الجملة كانت شبه كلامها فعلًا، أو على الأقل ده اللي حسيت بيه.


قلبت الصفحات واحدة ورا التانية. رسومات، حكايات صغيرة، وأسرار طفولية عن المدرسة واللعب والقطط اللي كانت بتستخبى في الجنينة.


وفي آخر الكراسة لقيت ورقة مختلفة.


الخط كان خطي أنا، مش خط ليلى.


وكان مكتوب:


“أنا السبب. أنا اللي سيبتها لوحدها. لو كنت رجعت بدري، كانت هتبقى عايشة.”


حسيت إن صدري اتقفل.


بصيت لبابا.


“إيه معنى الكلام ده؟”


بابا أخد الورقة من إيدي، وفضل باصص لها كأنه بيشوفها لأول مرة.


“إنت كتبت الكلام ده بعد الحادثة.”


“أي حادثة؟”


فضل ساكت.


صرخت فيه:


“كفاية! أنا تعبت من إن كل واحد فيكم يعرف الحقيقة وأنا الوحيد اللي عايش في الضلمة!”


بابا حط الورقة على الترابيزة، وبعدها قعد على طرف السرير.


“في اليوم ده، إنت وليلى كنتوا بتلعبوا في البيت القديم. ماما كانت في المطبخ، وأنا كنت بره بصلح باب الجنينة. حصل خلاف بيني وبين أمك، وعلينا صوتنا. ليلى خافت، وجريت استخبت تحت السلم زي ما كانت بتعمل كل ما يحصل خناق.”


وقف لحظة عشان ياخد نفسه.


“إنت كنت عايز تروح لها، لكني طلبت منك تفضل معايا. قلت لك إننا هنخلص الكلام بسرعة وبعدها هتروحوا تلعبوا. إنت اتضايقت مني وجريت ناحية البيت.”


كنت بحاول أركز في كل كلمة.


“وبعدين؟”


“بعد شوية، ماما نادت على ليلى عشان تاخدها معاها. محدش رد. دورنا عليها في البيت كله، ولما ما لقينهاش بدأنا نفتش في الجنينة.”


بابا مسح وشه.


“لقينا باب المخزن القديم مفتوح.”


حسيت بقلبي بيقع.


“كانت هناك؟”


هز راسه.


“ليلى كانت دخلت المخزن تدور على الدبدوب بتاعها. الباب اتقفل عليها، وما عرفتش تفتحه.”


دموعي نزلت من غير ما أحس.


“وأنا كنت فين؟”


بابا بص لي.


“إنت كنت آخر واحد شافها.”


الجملة خلت كل حاجة في الأوضة تسكت.


“يعني أنا اللي سبتها هناك؟”


بابا مسك كتفي بقوة.


“إنت كنت طفل يا إيثان. ما كنتش تعرف إنها دخلت المخزن. وما كنتش تعرف إن الباب هيتقفل عليها. إنت ما عملتش حاجة غلط.”


لكن عقلي كان بيحاول يجمع الصور المتناثرة.


باب خشب.


صوت ليلى.


إيدي على مقبض الباب.


كنت شايف نفسي في ذكرى مشوشة، واقف قدام المخزن، وليلى بتنادي اسمي من الداخل.


“إيثان… افتح لي.”


صرخت من الوجع.


بابا نادى الممرضة، لكني مسكت إيده وقلت:


“أنا فاكر صوتها.”


سكت.


“أنا فاكر إنها كانت بتناديني.”


دموع بابا نزلت بغزارة.


“أيوه يا ابني. إنت سمعتها.”


حسيت إني مش قادر أتنفس.


“طب ليه ما فتحتش لها؟”


بابا حط إيده على فمه، وفضل يعيط.


ولأول مرة، فهمت إن في جزء من الحكاية لسه مستخبي.


جزء أكبر من مجرد باب اتقفل.


جزء كلهم كانوا خايفين يقولوه.


بعد ما بابا خرج، فضلت لوحدي مع الصندوق والكراسة.


كنت بحاول أفتكر كل حاجة، لكن ذكرياتي كانت بتيجي على شكل ومضات قصيرة. كل ما أتمسك بصورة، تختفي وتسيب مكانها وجع أكبر.


فتحت آخر صفحة في الكراسة.


كان في ظرف صغير ملزوق فيها، مكتوب عليه:


“لما إيثان يكبر.”


فتحت الظرف، ولقيت ورقة بخط أمي.


“يا إيثان، لو وصلت لليوم اللي هتعرف فيه الحقيقة، فده معناه إننا فشلنا نحميك بالطريقة اللي افتكرنا إنها صح. إحنا كنا فاكرين إنك لما تنسى هتقدر تعيش. ما فهمناش إن النسيان ممكن يبقى سجن، وإن الطفل اللي بيكبر من غير ما يعرف حكايته بيفضل طول عمره بيدور على جزء ناقص منه.


ليلى كانت بنتنا، وأختك، وصاحبتك. وإحنا ما نسينهاش يوم واحد. لكننا خفنا من الذكريات لأنها كانت بتفكرنا باليوم اللي خسرناها فيه.


سامحنا يا ابني. مش لأننا كنا صح، لكن لأننا كنا خايفين.”


حطيت الورقة على صدري وغمضت عيني.


كنت عايز أزعل من أمي وأبويا، وأصرخ فيهم، وأقول لهم إنهم سرقوا مني سنين كان ممكن أفتكر فيها أختي وأحكي عنها وأحافظ على وجودها في حياتي.


لكن في نفس الوقت، كنت فاهم إنهم عاشوا ألمهم بطريقتهم، وإنهم حاولوا يحموني حتى لو اختاروا الطريقة الغلط.


ومع ذلك، كان في سؤال واحد لسه محتاج إجابة.


ليه يوسف قال لي إني ما كنتش السبب مهما قالوا لي؟


وليه الدكتور كان عارف كل حاجة؟


وليه الجواب مكتوب بخط إيدي رغم إني ما كتبتوش؟


رن جرس الباب، ودخل الدكتور سامح ومعاه ملف طبي.


قعد جنبي وقال:


“إيثان، لازم نتكلم قبل العملية.”


بصيت له.


“إنت تعرف يوسف من زمان؟”


الدكتور اتنهد.


“أيوه.”


“وتعرف ليلى؟”


هز راسه.


“أيوه.”


“طب ليه ما قلتليش؟”


حط الملف على الترابيزة.


“لأنك لما كنت صغير، ذاكرتك اتأثرت بالصدمة. وبعد فترة من العلاج، بدأت تتعامل مع حياتك بشكل طبيعي. أهلك كانوا خايفين إن فتح الموضوع يرجع لك نفس الألم، وكنت متفق معاهم إننا ما نضغطش عليك.”


قلت بغضب:


“يعني كل الناس كانت عارفة إلا أنا؟”


الدكتور ما حاولش يدافع عن نفسه.


“أيوه.”


“والعملية دي هتخليني أفتكر؟”


بص لي بجدية.


“مش بالضرورة. العملية هدفها علاج المشكلة اللي عندك دلوقتي. ممكن بعض الذكريات تتغير أو تبقى مشوشة بسبب حالتك، لكن مافيش حد يقدر يضمن لك إيه اللي هتفتكره بعدها.”


“طب الراجل اللي جه لي امبارح قال إني مش هفتكره.”


الدكتور اتغيرت ملامحه.


“يوسف قال لك كده؟”


“أيوه.”


الدكتور سكت شوية وبعدين قال:


“يوسف كان موجود في حياتك لفترة طويلة بعد وفاة ليلى. وكان بيحاول يساعدك تتعامل مع اللي حصل. لكن لما عيلتك نقلت من البيت القديم، انقطعت علاقتكم بيه.”


“ليه رجع دلوقتي؟”


الدكتور بص للصورة القديمة اللي على الترابيزة.


“يمكن لأنه عرف إنك هتعمل العملية وخاف إنك تفقد آخر فرصة تفهم فيها اللي حصل.”


قلت له:


“أنا مش فاهم حاجة. إنت بتقول لي إن العملية ممكن تأثر على ذاكرتي، ويوسف بيقول لي إن في حاجة لازم أفتكرها قبل بكره. وأنا عندي إحساس إن في جزء من الحكاية لسه محدش قاله.”


الدكتور أخد نفس عميق.


“في الحقيقة، في تقرير قديم عن الحادثة.”


قلبي بدأ يدق بسرعة.


“تقرير إيه؟”


“تقرير المستشفى اللي اتنقلت لها ليلى.”


“إنت معاك التقرير؟”


هز راسه.


“لا. لكنه موجود عند أهلك.”


بصيت له بذهول.


“يعني بابا وماما عندهم التقرير من كل السنين دي؟”


“على حد علمي، أيوه.”


ما استنيتش أي كلمة تانية.


ناديت على بابا، ولما دخل طلبت منه يجيب التقرير.


في البداية رفض، وقال إن ده مش الوقت المناسب. لكن لما شاف إصراري، خرج ورجع بعد شوية ومعاه ملف بني قديم.


حطه قدامي.


كان عليه اسم ليلى كاملًا.


ليلى محمود منصور.


اسم ما كنتش فاكره، لكنه أول ما شفته حسيت بوجع حاد في قلبي.


فتحت الملف بإيدين مرتعشتين.


أول ورقة كانت تقرير دخول المستشفى.


تاني ورقة كانت ملاحظات الطبيب.


وتالت ورقة كانت إفادة مكتوبة بخط إيد شخص من عيلتنا.


بدأت أقرأ، لكن كل سطر كان بيخليني أحس إن نفسي بيضيق.


وفي آخر الصفحة لقيت جملة متعلم عليها بالقلم الأحمر:


“تم العثور على الطفلة بمفردها داخل المخزن بعد سماع استغاثتها من الخارج.”


رفعت راسي بسرعة.


“يعني حد سمعها؟”


بابا هز راسه.


“أيوه.”


“مين؟”


ما ردش.


كررت السؤال بصوت أعلى.


“مين يا بابا؟”


أمي ظهرت عند الباب، ووشها شاحب، وفضلت واقفة من غير ما تدخل.


بصيت لها.


“ماما، مين اللي سمع ليلى؟”


أمي حطت إيدها على صدرها، وبدأت تبكي.


“أنا.”


حسيت إن الدنيا وقفت.


“إنتِ اللي سمعتيها؟”


هزت راسها وهي بتعيط.


“كنت بسمع صوتها، وكنت فاكرة إنها بتلعب. ناديتها كذا مرة عشان تخرج، ولما ما ردتش افتكرت إنها راحت معاك.”


بصيت لها وأنا مش قادر أصدق.


“طب لما عرفتي إنها جوه المخزن؟”


أمي قربت مني ومسكت إيدي.


“جرينا كلنا نفتح الباب. يوسف كان معانا، وبابا كان بيحاول يفتح القفل. لكن لما فتحناه، لقيناها…”


ما قدرتش تكمل.


بابا كمل بدلها بصوت مكسور.


“لقيناها فاقدة الوعي.”


حطيت إيدي على وشي.


كل اللي كنت فاكره عن طفولتي بدأ يتغير.


كنت فاكر إن أمي دايمًا كانت بتحكي لي عن أول يوم دخلت فيه المدرسة، وعن أول مرة ركبت عجلة، وعن كل عيد ميلاد احتفلنا بيه.


لكن ما كنتش أعرف إن في طفلة تانية كانت موجودة في حياتي، وإنها اختفت من كل حكاياتنا.


سألت بابا:


“طب أنا ليه كنت بقول إني السبب؟”


رد بصعوبة:


“لأنك لما رجعت من الجنينة، كنت فاكر إن ليلى دخلت المخزن عشان تجيب الدبدوب. وكنت فاكر إنك وعدتها تفتح لها الباب، لكنك اتشغلت باللعب ونسيت.”


حسيت بدموعي بتنزل.


“أنا نسيتها؟”


بابا هز راسه بسرعة.


“إنت كنت طفل يا ابني. طفل عنده سبع سنين. ما كانش مطلوب منك تتحمل مسؤولية حاجة زي دي.”


أمي قربت مني وقالت:


“إنت فضلت تلوم نفسك سنين. حتى لما بقيت مش فاكر تفاصيل الحادثة، الإحساس بالذنب فضل جواك. وإحنا خفنا لو رجعت لك الذكريات إنك تتعب تاني.”


بصيت لها.


“بس أنا كنت محتاج أعرف إنها كانت موجودة. كنت محتاج أعرف إن كان ليا أخت.”


أمي انهارت في العياط، وحطت راسها على إيدي.


“أنا آسفة يا حبيبي. والله آسفة.”


مديت إيدي ومسحت دموعها.


ما كنتش قادر أسامح كل حاجة في لحظة، لكني ما قدرتش أشوفها بتعيط من غير ما أحاول أهون عليها.


قلت لها:


“احكي لي عنها. احكي لي كل حاجة فاكرها.”


قعدت جنبي، وبدأت تحكي.


حكت لي عن أول مرة ليلى مشت فيها، وعن ضحكتها العالية، وعن خوفها من صوت الرعد، وعن حبها للرسم، وعن إصرارها إنها تنام جنبي كل ما تشوف حلم يخوفها.


حكت لي إنها كانت بتخبّي لي الحلوى تحت المخدة، وإنها كانت بتزعل لما أروح المدرسة من غير ما أودعها.


وكل ما كانت تحكي، كنت بحس إن في جزء صغير من الذاكرة بيرجع.


كنت أفتكر ضحكتها.


طريقتها وهي بتناديني.


إيدها الصغيرة وهي بتشدني من قميصي.


وفجأة افتكرت حاجة خلتني أوقف أمي عن الكلام.


“ماما، هي كانت لابسة فستان أصفر يوم الحادثة؟”


أمي بصت لي بذهول.


“أيوه.”


غمضت عيني.


الصورة القديمة رجعت قدامي بوضوح أكبر.


ليلى واقفة عند باب المخزن، ماسكة الدبدوب، وبتبص لي بابتسامة.


وبعدين سمعت صوتها:


“إيثان، استناني!”


فتحت عيني وقلت:


“أنا فاكرها.”


أمي حضنتني وهي بتعيط.


لكن وسط الحضن ده، افتكرت حاجة تانية.


حاجة ما كانتش موجودة في أي حكاية سمعتها قبل كده.


قبل ما ليلى تدخل المخزن، كنت أنا وهي بنلعب لعبة الاختباء. هي دخلت جوه عشان تستخبى، وأنا كنت عارف مكانها. وبعدها بابا ناداني عشان أساعده في الجنينة.


كنت عايز أقول لها إني راجع، لكني جريت من غير ما أرد عليها.


وبعدها سمعت صوتها بتنادي.


كنت قريب من الباب.


قريب جدًا.


لكن ما رجعتش.


مش لأني ما كنتش بحبها.


لكن لأني كنت طفلًا، واتلهيت، وافتكرت إنها هتخرج لوحدها زي كل مرة.


حطيت إيدي على صدري وأنا بعيط.


“أنا كنت هناك يا ماما.”


أمي حضنتني بقوة.


“عارفة يا حبيبي. وإنت كنت طفل. ما كانش ذنبك.”


فضلت أعيط لحد ما تعبت، وبعدها حسيت بهدوء غريب.


كأن الذكرى اللي كانت محبوسة جوايا سنين طويلة أخيرًا لقت طريقها للخروج.


قبل العملية، طلبت من الممرضة إنها تسمح ليوسف يدخل لي مرة أخيرة.


لما دخل، كنت ماسك الصورة القديمة في إيدي.


بصيت له وقلت:


“أنا افتكرت جزء من اللي حصل.”


يوسف قعد جنبي.


“عارف.”


“إنت كنت موجود يومها.”


هز راسه.


“أيوه.”


“ليه كنت بتساعدنا؟”


ابتسم بحزن.


“لأن ليلى كانت بتحبني، ولأني كنت شايفكوا أطفال محتاجين حد يسمعكم. كنت جاركم، وكنت بقضي وقت كتير معاكم. وبعد اللي حصل، ما قدرتش أبعد عنكم بسهولة.”


سألته:


“ليه قلت لي إني ما كنتش السبب؟”


يوسف فضل ساكت لحظة وبعدين قال:


“لأنك في اليوم ده كنت بتعيط وبتقول إنك السبب، وإنك لو رجعت لها بدري كانت هتعيش. وأنا كنت شايف طفل صغير بيحمل نفسه ذنب حاجة أكبر منه.”


“بس أنا كنت قريب من الباب.”


“وأنا كمان كنت قريب. وأمك كانت في البيت. وأبوك كان في الجنينة. كلنا كنا قريبين، لكن محدش فينا فهم اللي بيحصل في اللحظة المناسبة. دي كانت مأساة، مش ذنب طفل.”


حسيت إن كلماته بتدخل جوايا بهدوء.


سألته:


“إنت ليه رجعت دلوقتي؟”


يوسف بص للصورة اللي في إيدي.


“لأني عرفت إنك هتعمل العملية. ولأني خفت إنك تدخلها وإنت شايل خوفك القديم من غير ما تعرف سببه.”


“والجواب؟”


ابتسم ابتسامة صغيرة.


“إنت اللي كتبته.”


بصيت له بصدمة.


“إزاي؟ أنا عمري ما شفته.”


“كتبته وإنت صغير، قبل ما تبدأ رحلة العلاج. كنت بتكتب لنفسك رسائل عشان لما تكبر تفتكر ليلى. والدتك احتفظت بيهم، وأنا طلبت منها تسمح لي أجيب لك واحدة.”


قلبي بدأ يدق بسرعة.


“يعني الجواب ده من زمان؟”


“أيوه.”


“طب إزاي خطي بقى زي خطي دلوقتي؟”


يوسف ضحك بهدوء رغم دموعه.


“لأنك كتبته بإيدك. يمكن خطك اتغير مع السنين، لكنك هتفضل تعرف خطك.”


بصيت للجواب مرة تانية.


كل حاجة بدأت تبقى منطقية، لكن لسه كان في سؤال مهم.


“إنت قلت لي إني مش هفتكرك بعد العملية.”


يوسف نزل عينيه.


“ما كانش قصدي إنك هتفقد ذاكرتك بسببي أو بسبب العملية. كنت خايف إنك لو دخلت العملية وإنت في الحالة النفسية دي، ما تقدرش تتعامل مع أي تغير يحصل بعدين. كنت عايزك تعرف إنك مش لوحدك، وإن في ناس بتحبك حتى لو الذكريات اتغيرت.”


سكت شوية وبعدين كمل:


“أنا آسف لو خوفتك.”


هززت راسي.


“أنا كنت خايف أصلًا.”


يوسف ابتسم.


“عارف.”


مد إيده وحطها على كتفي.


“بس عايزك تعرف حاجة. ليلى ما كانتش مجرد حادثة في حياتك. كانت طفلة بتحبك، وكانت عايزاك تكبر وتعيش وتبقى سعيد. لو كنت تقدر تسمعها دلوقتي، كانت هتقول لك ما تضيعش عمرك كله في لوم نفسك.”


بصيت للصورة، ولأول مرة قدرت أشوف ابتسامة ليلى من غير ما أحس بالخوف.


قلت له:


“أنا مش عايز أنساها تاني.”


رد:


“مش لازم تنسى عشان تتعافى. تقدر تفتكرها وتعيش.”


الكلمات دي فضلت في دماغي وأنا بستعد للعملية.


قبل ما ياخدوني لغرفة العمليات، ماما قعدت جنبي ومسكت إيدي.


المرة دي ما حاولتش تبان قوية.


قالت لي وهي بتعيط:


“أنا خايفة يا إيثان.”


ابتسمت لها رغم خوفي.


“وأنا كمان يا ماما.”


بابا وقف عند طرف السرير، وحط إيده على كتفي.


“إحنا هنا. ومش هنسيبك.”


بصيت لهم، وحسيت إن كل حاجة كنت خايف أخسرها لسه موجودة قدامي.


بيت العيلة.


ترابيزة السفرة.


صوت بابا وهو بيشتكي من الأخبار.


إيد ماما وهي بتحط لي طبق زيادة.


وضحكة أختي اللي بدأت أفتكرها من جديد.


قبل ما أخرج من الأوضة، طلبت من الممرضة تحط الصورة والرسالة في درج الكومودينو.


قلت لها:


“لو صحيت ومش فاكر حاجة، عايز دول يبقوا أول حاجة أشوفها.”


ابتسمت وقالت:


“هنخليهم في مكان آمن.”


وبعدين اتحرك السرير ناحية غرفة العمليات.


كنت ببص للسقف، وبحاول أتنفس بهدوء، وكل ما الخوف يقرب مني كنت أفتكر جملة يوسف:


تقدر تفتكرها وتعيش.


دخلت غرفة العمليات، والدكاترة بدأوا يجهزوني.


آخر حاجة شفتها قبل ما عيني تتقل كانت ماما واقفة ورا الزجاج، حاطة إيدها على قلبها، وبابا جنبها بيحاول يطمنها.


غمضت عيني.


وفي اللحظة اللي بدأت فيها أفقد إحساسي بالمكان، سمعت صوت طفلة صغيرة في ذاكرتي.


“إيثان، أوعى تنساني.”


ابتسمت من غير ما أحس.


“مش هنساكي يا ليلى.”


لما فتحت عيني، أول حاجة حسيت بيها كانت صوت الأجهزة.


نفس الصوت اللي كنت بسمعه في أوضتي قبل العملية.


حاولت أتحرك، لكن جسمي كان تقيل، وحلقي ناشف. سمعت صوت ممرضة بتقول للدكتور إني بدأت أفوق.


الدكتور قرب مني وسألني إذا كنت سامعه.


هزيت راسي.


قال لي إن العملية خلصت، وإنهم هيفضلوا يتابعوا حالتي لحد ما أستعيد قوتي.


كنت تعبان، لكني كنت واعي.


أول سؤال خرج من فمي كان:


“ماما وبابا فين؟”


الدكتور ابتسم وقال إنهم مستنيين بره.


بعد شوية دخلوا.


ماما كانت بتعيط وهي بتبتسم، وبابا حاول يتكلم لكن صوته خانه.


مديت إيدي ناحيتهم.


“تعالوا.”


ماما حضنتني بحذر، وبابا مسك إيدي وفضل يضغط عليها كأنه بيتأكد إني فعلًا رجعت.


فضلنا ساكتين فترة طويلة.


وبعدين بصيت لماما وسألتها:


“ليلى كانت بتحب الفراولة؟”


ماما رفعت راسها بسرعة.


“أيوه يا حبيبي. كانت بتحبها جدًا.”


ابتسمت.


“كنت فاكر.”


ماما حطت إيدها على بوقها، ودموعها نزلت من جديد.


بابا قرب مني وقال:


“فاكر إيه تاني؟”


غمضت عيني شوية، وحاولت أرتب الصور اللي بدأت ترجع.


“فاكر إنها كانت بتستخبى تحت السلم. وفاكر الدبدوب بتاعها. وفاكر إنها كانت بتخاف من الرعد.”


وبعدين فتحت عيني وبصيت لهم.


“وفاكر إني كنت بحبها.”


ماما انهارت في العياط، وبابا لف وشه بعيد عشان يخبي دموعه.


في اللحظة دي، حسيت إن جزءًا من حياتي رجع لي.


مش كل الذكريات رجعت، ومش كل الأسئلة اتجاوبت، لكني ما بقيتش حاسس إني غريب عن نفسي زي قبل كده.


بعد ما حالتي استقرت، رجعت لأوضتي.


الممرضة جابت لي الصورة والرسالة من الدرج، وحطتهم قدامي.


فتحت الرسالة مرة تانية، وقرأت الكلام اللي كتبته لنفسي وأنا طفل.


وفي آخر الصفحة لقيت جملة ما كنتش لاحظتها قبل كده، مكتوبة بخط صغير تحت التوقيع.


“لو نسيت ليلى، افتكر إنك مش لازم تفتكر كل حاجة عشان تحبها.”


فضلت باصص للجملة فترة طويلة.


وبعدين ابتسمت.


لأن الطفل اللي كتبها كان فاهم حاجة أنا احتجت سنين عشان أتعلمها.


إن الحب مش بيتقاس بعدد الذكريات اللي بنحتفظ بيها.


وإننا مش لازم نعيش أسرى للحظة فقدنا فيها حد غالي عشان نثبت إننا كنا بنحبه.


في اليوم اللي بعده، يوسف جه يزورني.


دخل الأوضة ومعاه علبة صغيرة.


قال لي:


“دي كانت عندي من سنين. وكنت مستني اليوم اللي أقدر أديهالك فيه.”


فتحت العلبة، ولقيت جواها رسمة قديمة ليا أنا وليلى، وتحتها ورقة مطوية.


كانت الورقة بخط أختي.


“يا إيثان، لو كبرت وبقيت دكتور، عالج الناس اللي بتعيط. ولو ما بقيتش دكتور، برضه خليك طيب معاهم. عشان ساعات الناس بتبقى موجوعة ومش عارفة تقول.”


ضحكت وسط دموعي.


“كانت بتكتب كلام أكبر من سنها.”


يوسف ابتسم.


“كانت دايمًا كده.”


بصيت له وسألته:


“إنت هتفضل تزورني؟”


قال من غير تردد:


“لو إنت عايزني.”


هززت راسي.


“عايزك. عايز أسمع كل الحكايات اللي فاكرها عنها.”


يوسف قعد جنبي، وبدأ يحكي لي عن ليلى. عن ضحكتها، وعن لعبها، وعن المرات اللي كانت بتجري له برسمة جديدة وتطلب منه يقول لها رأيه.


وحكالي إنها كانت بتحلم يكون ليها بيت مليان أطفال، وإنها كانت بتقول إنها لما تكبر هتجيب لي هدية كبيرة في عيد ميلادي.


كل حكاية كانت بتضيف لون جديد لصورتها في ذاكرتي.


وبدل ما تبقى ليلى مجرد اسم مرتبط بالخوف والذنب، بدأت ترجع لي كطفلة حقيقية، ليها صوت وضحكة وأحلام.


طفلة كانت عايشة وبتحب وبتلعب، وكانت جزءًا من عيلتي.


بعد ما خرجت من المستشفى ورجعت البيت، وقفت قدام باب الأوضة القديمة اللي كانت ليلى بتنام فيها.


الباب كان مقفول، وماما قالت لي إنها ما قدرتش تغير أي حاجة فيها من يوم ما فقدناها.


طلبت منها تفتح لي.


دخلت بهدوء.


الأوضة كانت صغيرة، والستائر لونها وردي باهت، وعلى الرف دمى وألعاب قديمة. كان في سرير صغير جنب الشباك، وعلى الحيطة رسومات أطفال لسه متعلقة.


قربت من السرير ولمست الغطاء.


وفجأة افتكرت ليلى وهي قاعدة عليه، بتلوح لي بإيدها، وبتقول:


“تعالى نلعب.”


قعدت على طرف السرير وفضلت أبص للأوضة.


ما كانش في حاجة خارقة حصلت. ما سمعتش صوتها في الحقيقة، وما شفتهاش قدامي. لكني كنت حاسس إن ذكراها بقت أقرب، وإن وجودها في حياتي ما بقاش مجرد وجع.


دخلت ماما وقعدت جنبي.


قالت:


“كنت خايفة من اليوم اللي تدخل فيه الأوضة دي.”


بصيت لها.


“ليه؟”


“كنت خايفة إنك تفتكر كل حاجة وتكره نفسك.”


مسكت إيدها.


“أنا مش بكره نفسي يا ماما. أنا زعلان إني فقدتها، وزعلان إننا ضيعنا سنين من غير ما نتكلم عنها. لكني مش عايز أعيش بقية عمري أعاقب نفسي على حاجة حصلت وأنا طفل.”


ماما حطت راسها على كتفي.


“نفسي أقدر أرجع الزمن وأغير كل حاجة.”


قلت لها:


“كلنا نفسنا كده. بس يمكن نقدر نعمل حاجة دلوقتي.”


بصت لي.


“إيه هي؟”


ابتسمت وأنا ببص للرسومات.


“نفتكرها. نحكي عنها. نخلي أي حد في العيلة يعرف إنها كانت موجودة، وإنها كانت بنتنا وأختي. ما نخليش اسمها يختفي تاني.”


ماما حضنتني، وفضلنا قاعدين في الأوضة لحد ما الشمس بدأت تدخل من الشباك.


بعدها بأيام، جمعنا صور ليلى ورسوماتها في ألبوم كبير. كتبنا تحت كل صورة حكاية صغيرة عنها. ماما كتبت عن أول كلمة قالتها، وبابا كتب عن أول مرة جريت فيها في الجنينة، وأنا كتبت عن الدبدوب اللي كانت بتديني إياه لما أخاف.


وفي أول صفحة كتبت:


“إلى ليلى، أختي الصغيرة. أنا مش فاكر كل حاجة، لكني هفضل أتعرف عليكي من جديد طول عمري.”


ما كنتش عارف إذا كانت هتسمعني في مكان ما، ولا إذا كان الكلام ده مجرد طريقة أريح بيها قلبي.


لكن لأول مرة، ما كنتش محتاج أعرف الإجابة.


كنت محتاج بس أعيش.


ومع مرور الأيام، بدأت أتعافى جسديًا، ورجعت أضحك مع أصحابي، وأقعد على ترابيزة السفرة، وأسمع بابا وهو بيشتكي من الأخبار، وماما وهي بتصر تحط لي طبق زيادة.


الحياة العادية اللي كنت خايف أخسرها رجعت تاني، لكني بقيت أشوفها بشكل مختلف.


بقيت أعرف إن كل لحظة بسيطة ممكن تبقى أغلى ذكرى في يوم من الأيام، وإن الناس اللي بنحبهم مش لازم يكونوا موجودين قدامنا عشان يفضل لهم مكان جوانا.


وفي يوم، وأنا برتب حاجتي، لقيت الظرف القديم تاني.


فتحته، وقرأت أول جملة كتبتها لنفسي:


“لو إنت بتقرأ الكلام ده يبقى العملية قربت، ويبقى أنا فشلت للمرة الأخيرة إني أمنع اللي جاي.”


ابتسمت، وقلبت الورقة على ضهرها.


كنت فاكر إني قريت كل اللي فيها، لكني لاحظت إن في سطر صغير جدًا مكتوب عند الحافة، كأنه اتضاف بعدين.


قربت الورقة من النور، وبدأت أقرأ.


“إيثان، لو يوسف وصلك الجواب، يبقى لازم تسأله عن آخر وعد وعده لليلى.”


حسيت بقلبي يدق بسرعة.


آخر وعد؟


رفعت راسي وبصيت ناحية ألبوم الصور، وبعدها مسكت التليفون واتصلت بيوسف.


رد بعد رنتين.


“إيثان؟ إنت كويس؟”


قلت له:


“أنا لقيت سطر تاني في الجواب.”


سكت.


“بيقول إني لازم أسألك عن آخر وعد وعدته لليلى.”


سمعت نفسًا طويلًا من الناحية التانية.


وبعدين قال:


“كنت عارف إن اليوم ده هييجي.”


قعدت على طرف السرير.


“إيه الوعد يا يوسف؟”


صوته بقى واطي جدًا.


“ليلى طلبت مني قبل ما تدخل المخزن إني أوعدها بحاجة.”


“إيه هي؟”


“طلبت مني أوعدها إني مش هسيبك لوحدك لو حصل لها أي حاجة.”


حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.


يوسف كمل:


“وأنا وعدتها. وفضلت جنبك بعد الحادثة، ولما عيلتك نقلت حاولت أطمن عليك من بعيد. ولما عرفت بعمليتك، رجعت لأنني كنت خايف إنك تدخلها وإنت شايل كل الوجع ده لوحدك.”


فضلت ساكتًا.


كل حاجة بدأت تبقى واضحة.


الراجل الغريب اللي دخل أوضتي ما كانش جاي يخوفني.


كان جاي يفي بوعد قطعه لطفلة صغيرة من سنين طويلة.


طفلة كانت خايفة، لكنها فكرت في أخوها قبل ما تفكر في نفسها.


قلت له:


“إنت وفيت بوعدك يا يوسف.”


يوسف ما ردش، لكني سمعت صوته وهو بيعيط.


بعدها سكتنا شوية، وبعدين قلت له:


“تعالى زورني. أنا عايز أوريك الألبوم اللي عملناه لها.”


قال:


“هجيلك.”


قفلت التليفون، ورجعت بصيت للصورة القديمة.


ليلى كانت واقفة عند باب البيت، بفستانها الأصفر وابتسامتها الصغيرة.


حطيت الصورة في أول صفحة من الألبوم، وكتبت تحتها:


“ليلى منصور، أختي الصغيرة. عاشت في حياتنا وقتًا قصيرًا، لكنها سابت جوانا حبًا يكفي عمرًا كاملًا.”


وبعدها قفلت الألبوم وحطيته على الرف، جنب الدبدوب القديم.


ما نسيتش خوفي من العملية، ولا الوجع اللي عشته لما عرفت الحقيقة، لكني ما بقيتش خايف من الذكريات.


لأن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، رجعت لي جزءًا من نفسي كنت فاقده من سنين.


وفي الليلة دي، قبل ما أنام، فتحت النوتة الصغيرة اللي كانت جنبي في المستشفى، وكتبت رسالة جديدة لنفسي:


“أنا إيثان. أنا لسه هنا. فاكر أمي وأبويا، وبيتي، وأصحابي، وأختي ليلى. يمكن في تفاصيل كتير ضاعت مني، ويمكن في ذكريات هتفضل مش واضحة، لكني مش هسمح للخوف يسرق مني حياتي تاني.


ليلى كانت أختي، وأنا كنت أخوها. ما قدرتش أحميها من كل حاجة، لكني أقدر أحافظ على ذكراها.


ولو في يوم نسيت تفاصيل صوتها أو شكل ضحكتها، هفتح الألبوم وأفتكر إنها كانت هنا، وإنها كانت بتحبني.


وأنا كمان كنت بحبها.


وهفضل أحبها.”


قفلت النوتة، وطفيت النور.


ولأول مرة من سنين طويلة، نمت من غير ما أحلم بالباب المقفول، ولا أسمع صوت الاستغاثة اللي كان بيطاردني في نومي.


لكن قبل ما أغرق في النوم، افتكرت آخر حاجة قالتها ليلى في الذكرى اللي بدأت ترجع لي.


“إيثان، لما نكبر، أوعى تنسى إننا إخوات.”


ابتسمت في الضلمة وهمست:


“مش هنساكي يا ليلى.”


وفي الصبح، لما صحيت، لقيت ماما واقفة عند الباب، ماسكة صورة قديمة جديدة عليا.


كانت صورة ليا أنا وليلى قاعدين في الجنينة، وأنا حاضنها وهي بتضحك.


قلبت الصورة على ضهرها، فلقيت بخط أمي:


“في اليوم اللي اتصورت فيه الصورة دي، ليلى قالت إن إيثان هو أحسن أخ في الدنيا.”


رفعت عيني لماما وابتسمت.


وبعدين سألتها:


“ماما، ممكن تحكي لي عنها تاني؟”


قعدت جنبي، وبدأت تحكي من الأول.


والمرة دي، ما حاولش أي حد يغير الموضوع، ولا يهرب من اسمها، ولا يقفل باب الذكريات.


فضلنا نحكي عن ليلى لحد ما البيت كله امتلأ بصوتها من جديد، مش لأنها رجعت للحياة، لكن لأننا أخيرًا سمحنا لنفسنا نفتكرها.


وفي اللحظة دي فهمت إن بعض النهايات مش معناها إن الحكاية خلصت.


أحيانًا النهاية الحقيقية بتكون إننا نقدر نفتح الباب اللي فضل مقفول سنين، ونواجه اللي وراه، ونكمل حياتنا من غير ما ننكر إننا اتوجعنا.


أما ليلى، ففضلت موجودة في كل صورة، وكل رسمة، وكل حكاية حكيناها عنها.


وكل ما كنت ببص لألبومها، كنت بفتكر إن آخر وعد وعده يوسف لها ما كانش مجرد وعد لطفلة صغيرة.


كان وعدًا بأن الحب الحقيقي ما يسيبش الإنسان وحيدًا في أصعب لحظاته.


وإننا حتى لو فقدنا ناس غاليين، نقدر نكمل حياتنا ونحمل ذكراهم جوانا، من غير ما نحمل نفسنا ذنب حاجات ما كناش نقدر نغيرها.


وده كان أول يوم في حياتي أقدر أقول فيه إني رجعت لنفسي فعلًا.


مش لأنني افتكرت كل حاجة، لكن لأنني بطلت أخاف من اللي نسيته.


ومش لأن الوجع اختفى، لكن لأنني أخيرًا عرفت أعيش معاه.


وبقيت كل ليلة، قبل ما أنام، أبص للصورة اللي على الرف وأقول:


“تصبحي على خير يا ليلى.”


وبعدين أطفي النور وأنا عارف إن بكرة لسه مستنيني، وإن الحياة اللي كنت خايف أخسرها تستاهل إني أعيشها بكل ما فيها من فرح ووجع وذكريات.


أما الجواب القديم، فحطيته جوه الألبوم في آخر صفحة، وكتبت تحته جملة واحدة:


“وصلت الرسالة يا إيثان… ومش هتنسى تاني.”


تعليقات