القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت في المطعم كامل حكايات صافي هاني




سكريبت في المطعم كامل حكايات صافي هاني


«بابا هو إحنا لبسنا هدوم غلط؟» همست بنتي وهي بتلم ألوانها وتحطها في العلبة بعدما مديرة النادي حاولت تطردنا من الترابيزة رقم سبعتاشر. الترابيزة دي كانت ترابيزة مامتها قبل ما المرض ياخدها مننا. وأنا ما كنتش هسمح لحد يبوّظ علينا ذكرى زي دي. ما عليتش صوتي وما عملتش خناقة. كل اللي عملته إني طلعت موبايلي وبعت رسالة لمحامي الشركة:


 


«تعالى على مطعم حمام السباحة. في حاجة لازم تشوفها بنفسك.»


الجزء الأول


الترابيزة اللي كانوا محتاجينها


المديرة استنت لحد ما بنتي فتحت علبة الألوان بتاعتها وبعدين قالت لنا إن لازم نمشي.


بصت لها مريم وبعدين بصت على الأوفرول بتاعها اللي كان عليه آثار ألوان.


وقالت بصوت واطي:


«بابا هو إحنا لبسنا هدوم غلط؟»


كنا قضينا نص اليوم بنساعد أسرة بسيطة في منطقتنا ندهّن بيتهم.


وقبل ما ندخل نادي النخيل في التجمع الخامس أنا نضفت الطين من على جزمة الشغل بتاعتي وغسلت إيدين مريم في العربية بزجاجة مية.


جاكيتي كان قديم ولونه باهت.


والأوفرول بتاع مريم كان عليه بقعة لون أصفر عند ركبتها.


لكن هدومنا كانت نضيفة.


وكان معانا حجز.


وأنا كنت واعد بنتي إننا هنتعشى على الترابيزة رقم سبعتاشر.


ترابيزة مامتها.


مامتها سارة كانت مسؤولة عن تنظيم الحفلات والمناسبات في النادي ده لمدة ست سنين قبل ما المرض ياخدها مننا من سنتين.


وكان كل ما أخلص شغلي في موقع بناء وأروح لها على طول وهي تشوفني هدومي عليها تراب وشغل كانت بتقعدنا جنب حمام السباحة.


وكانت دايمًا تقول لمريم:


«الفراخ الأول يا حبيبتي وبعدها آيس كريم فانيليا.»


إحنا ما رجعناش النادي من يوم العزاء.


لكن النهارده قررت أخد مريم وأرجع بيها للمكان اللي كانت مامتها بتحبه.


أول ما وصلنا عند الاستقبال كانت نجلاء واقفة هناك.


أول ما شافت مريم عرفتها على طول.


وقالت لها بابتسامة:


«إنتي كبرتي أوي يا مريم.»


مريم ابتسمت ورفعت سبع صوابع قدامها بفخر.


ولما سألت نجلاء عن الترابيزة رقم سبعتاشر اتغيرت ملامحها وبان عليها التأثر.


وقالت لي:


«أنا خليتها ليكم أول ما شفت الحجز يا أستاذ كريم.»


قعدتنا على الترابيزة.


وأخدت طلب الأكل.


وبعدين رجعت جابت لمريم منديل زيادة عشان تستخدمه وهي بتلوّن.


كل حاجة كانت ماشية بهدوء.


لحد ما المديرة ظهرت.


كان اسمها مكتوب على الكارنيه:


باتريشيا ستون.


لكن اسمها الحقيقي كان سهير منصور.


كانت مديرة النادي.


وقفت قدامنا وقالت:


«للأسف حصل خطأ في الحجز.»


بصيت لها باستغراب وقلت:


«خطأ إزاي؟»


قالت:


«المنطقة دي مخصصة للأعضاء المميزين.»


رديت عليها بهدوء:


«الحجز بتاعنا شامل المنطقة دي.»


بصت على جاكيتي من فوق لتحت.


وبعدين قالت:


«إحنا كمان عندنا قواعد معينة خاصة بالمظهر العام.»


بصيت ناحية المكان اللي كانت بتتكلم عنه.


لقيت راجل قاعد على ترابيزة قريبة ولابس جزمة جولف عليها طين ورمل وحاطط رجليه قدامه.


سهير كانت معدية من جنبه من شوية وما قالتلوش ولا كلمة.


رجعت بصيت لها وقلت:


«ممكن أشوف القاعدة المكتوبة اللي بتتكلمي عنها؟»


ابتسامتها اختفت شوية وقالت:


«ممكن يكون الأفضل إنكم تاخدوا الأكل معاكم.»


سكت لحظة وبعدين سألتها:


«يعني إيه؟»


قالت:


«أعتقد إن الأكل الجاهز هيكون أنسب ليكم.»


في اللحظة دي مريم بصت لها.


وبعدين بصت لي.


وبدأت تجمع ألوانها وتحطها في العلبة.


وقالت بصوت مكسور:


«بابا هو إحنا لازم نمشي؟»


قلبي وجعني وأنا شايفها بتحاول تخبي إحراجها.


حطيت إيدي بهدوء فوق إيدها وقلت لها:


«لأ يا حبيبتي.»


وبعدين قلت:


«إنتي ما عملتيش أي حاجة غلط.»


سهير قربت مني شوية وقالت بصوت واطي:


«في مطعم ماكدونالدز بعد إشارتين من هنا. بنتك ممكن تكون مرتاحة أكتر هناك.»


بصيت لها ثواني.


ما رديتش.


مريم بدأت تلم ألوانها تاني.


فقلت لها:


«ما تحطيش الألوان يا حبيبتي.»


وقلت لها:


«إحنا مش هنمشي.»


وبعدين طلعت موبايلي من جيبي.


فتحت رسالة كان باعتها لي صاحبي ومحامي الشركة محمود الشامي العصر.


كان كاتب:


«أنا ورانيا موجودين في المكتب اللي فوق وبنراجع الشكوى. لو احتجتنا كلمني.»


بصيت ناحية سهير.


وبعدين كتبت لمحمود:


«تعالى على مطعم حمام السباحة.»


وبعدها كتبت:


«الترابيزة رقم سبعتاشر.»


وبعدين أضفت:


«في حاجة لازم تشوفها بنفسك.»


وضغطت إرسال.


رجعت حطيت الموبايل على الترابيزة.


مريم كانت لسه ماسكة ألوانها وبتبص لي وهي مش فاهمة ليه أنا هادي بالشكل ده.


ابتسمت لها وقلت:


«خليكي قاعدة يا حبيبتي.»


وبعدين بصيت لسهير وقلت:


«إحنا هنستنى هنا.»


ولأول مرة من وقت ما وصلت حسيت إن ملامحها اتغيرت.


كأنها بدأت تحس إن الموضوع مش هينتهي بمجرد إننا نقوم ونمشي.


مريم كانت بتبص لي وهي مش فاهمة ليه أنا مصر أقعد.


مديت إيدي وخدت منها علبة الألوان وحطيتها قدامها.


قلت لها بهدوء:


“افتحيها يا حبيبتي.”


فتحتها.


“ولوني.”


هزت راسها وقالت:


“بس هي قالت إننا لازم نمشي.”


ابتسمت لها وقلت:


“هي قالت رأيها يا مريم… وإحنا لينا حجز، وماما كانت بتحب الترابيزة دي، وإحنا جايين نقضي وقت حلو.”


بصت ناحية سهير.


كانت واقفة مكانها ووشها متوتر.


قالت:


“أستاذ كريم، أنا مش قصدي أضايق بنتك.”


رديت بهدوء:


“وأنا مش بتهمك إنك قصدتي تضايقيها.”


“أمال؟”


“أنا بس عايز أفهم القاعدة.”


سكتت.


في اللحظة دي جه جرسون صغير في السن، وكان واضح عليه التوتر.


قال لها:


“مدام سهير، الطلب بتاع الترابيزة سبعتاشر اتسجل.”


بصت له بضيق وقالت:


“أنا هتعامل مع الموضوع.”


مشيت خطوتين بعيد عننا.


مريم كانت بتلون وردة كبيرة باللون الأحمر.


قلت لها:


“إنتي فاكرة ماما كانت بتحب إيه هنا؟”


رفعت عينيها وقالت:


“كانت بتحب الآيس كريم.”


ضحكت.


“بس؟”


فكرت شوية.


“وكانت بتقعد هنا وتقول إن الترابيزة دي بتشوف حمام السباحة كله.”


بصيت للمكان حواليّ.


فعلاً.


الترابيزة رقم سبعتاشر كانت في ركن هادي، جنب سور زجاجي بيبص على حمام السباحة، وفي الناحية التانية أشجار زرعها النادي من سنين.


سارة كانت بتحب المكان ده.


كانت بتقول إن الشغل بيخلي الواحد يشوف ناس كتير، لكن أكتر حاجة بتحبها هي الأماكن اللي بتفضل زي ما هي رغم إن الناس بتتغير.


سارة اتغيرت.


النادي اتغير.


حتى مريم كبرت.


لكن الترابيزة فضلت مكانها.


أو على الأقل أنا كنت فاكر إنها فضلت مكانها.


بعد حوالي عشر دقايق، محمود دخل المطعم.


كان لابس بدلته، وراه رانيا مديرة الشؤون القانونية في الشركة.


أول ما شافني بص على الترابيزة وبعدين على سهير.


قال:


“خير يا كريم؟”


قومت سلمت عليه.


“تعالى اقعد.”


قعد جنبي.


رانيا قعدت الناحية التانية.


سهير أول ما شافتهم قربت بسرعة.


قالت:


“أستاذ محمود، أنا آسفة إن الموضوع وصلك بالشكل ده.”


محمود بص لها وقال:


“موضوع إيه؟”


قالت:


“مجرد سوء تفاهم مع الأستاذ كريم.”


أنا ما اتكلمتش.


محمود بص لي.


قلت:


“هي طلبت مننا نمشي.”


رانيا سألت:


“ليه؟”


سهير ردت:


“الترابيزة دي مخصصة لأعضاء معينين.”


محمود سأل:


“والحجز؟”


قالت:


“حصل خطأ في النظام.”


محمود ابتسم ابتسامة صغيرة.


“غريبة.”


سهير اتوترت.


قال:


“إيه الغريب؟”


محمود حط ملف صغير على الترابيزة.


وقال:


“إن النظام الإلكتروني للنادي هو نفسه النظام اللي شركتنا مسؤولة عن صيانته.”


سهير بصت للملف.


وبعدين بصت لي.


لأول مرة وشها فقد لونه.


رانيا فتحت الملف.


قالت:


“والأغرب إن الحجز اتعمل من أسبوع، واتأكد مرتين.”


سهير قالت:


“ممكن يكون حصل تعديل بعد كده.”


محمود هز راسه.


“ممكن.”


وسكت.


وبعدين قال:


“بس التعديل مش ظاهر عندنا.”


سهير حاولت تضحك.


“يمكن مشكلة تقنية.”


محمود قال:


“عشان كده أنا جيت.”


مريم كانت قاعدة ساكتة.


أنا حسيت إن الكلام بدأ يكبر أكتر من اللازم.


فبصيت لمحمود وقلت:


“أنا ما طلبتش منك تيجي عشان الحجز.”


رانيا سألت:


“أمال عشان إيه؟”


بصيت لمريم.


كانت بتلون رسمة فيها ست أشخاص.


أنا.


هي.


ومامتها.


وتلاتة أشخاص مش عارف مين هما.


قلت:


“عشان بنتي اتقال لها إن هدومها مش مناسبة.”


رانيا بصت لمريم.


وبعدين بصت لي.


“قالوا كده؟”


هزيت راسي.


سهير قالت بسرعة:


“أنا ما قلتش إن هدومها مش مناسبة بالشكل ده.”


قلت:


“قلتي إن عندكم قواعد للمظهر العام.”


قالت:


“وده صحيح.”


رانيا فتحت موبايلها.


“فين القاعدة؟”


سهير سكتت.


رانيا كملت:


“لأن لائحة النادي اللي عندنا ما فيهاش أي منع للأوفرول أو ملابس العمل النظيفة.”


سهير قالت:


“في تعليمات داخلية.”


رانيا:


“مين أصدرها؟”


سكتت.


محمود بص لي وقال:


“كريم، إنت متأكد إنك عايز تكمل؟”


بصيت لمريم.


كان عندي سبب واحد.


مش عايز بنتي تكبر وهي فاكرة إن قيمة الإنسان في هدومه.


قلت:


“أيوه.”


مريم فجأة رفعت راسها.


وقالت:


“بابا…”


“نعم يا حبيبتي؟”


“هو ماما كانت بتيجي هنا بلبس الشغل؟”


سكت.


سهير بصت لمريم.


مريم كملت:


“ماما كانت بتشتغل هنا؟”


قلت:


“أيوه.”


“وكانت بتلبس إيه؟”


ابتسمت رغم الوجع.


“كانت بتلبس أي حاجة تساعدها تشتغل.”


مريم ابتسمت.


وقالت:


“يعني ممكن تكون لبست زيي؟”


قلت:


“أكتر من مرة.”


سهير قالت فجأة:


“سارة عمرها ما كانت بتيجي هنا بالشكل ده.”


بصيت لها.


“إنتي تعرفي سارة؟”


سكتت.


مريم بطلت تلوين.


“إنتي تعرفي ماما؟”


سهير ما ردتش.


محمود بص لي.


رانيا بصت لسهير.


المكان كله سكت.


أنا سألت:


“إنتي تعرفي مراتي؟”


قالت:


“كانت موظفة هنا.”


“أنا عارف.”


“كانت بتشتغل معانا.”


“أنا عارف.”


“وكانت…”


سكتت.


قلت:


“كانت إيه؟”


سهير بصت ناحية حمام السباحة.


وقالت:


“كانت أقرب واحدة لمدير النادي القديم.”


قلبي اتقبض.


“يعني إيه؟”


ردت بسرعة:


“مش قصدي حاجة.”


قلت:


“أمال قصدك إيه؟”


“كانت مسؤولة عن حاجات كتير.”


“ده أنا عارفه.”


“وكانت بتدخل أماكن كتير محدش كان بيدخلها.”


محمود قال:


“زي إيه؟”


سهير ما ردتش.


رانيا قفلت الملف.


وقالت:


“واضح إن فيه حاجة أكبر من موضوع الترابيزة.”


سهير بصت لها.


“مفيش.”


محمود رد:


“لو مفيش، يبقى مفيش سبب يخليكي متوترة.”


في اللحظة دي جالنا واحد من إدارة الأمن.


كان اسمه فؤاد.


قرب من سهير وهمس لها.


لكن صوته وصل لنا:


“مدام سهير، الناس اللي في الاستقبال بيسألوا عن حضرتك.”


سهير قالت:


“قول لهم أنا مشغولة.”


فؤاد بص لي.


وبعدين لمحمود.


وفجأة اتغيرت ملامحه.



قال:


“أستاذ محمود…”


محمود رد:


“أيوه.”


فؤاد قرب منه وقال:


“المدير العام طالب يقابلك.”


محمود قام.


“فين؟”


“في المكتب.”


محمود بص لي.


أنا قلت:


“روح.”


قال:


“متأكد؟”


“أيوه.”


محمود مشي مع فؤاد.


رانيا فضلت قاعدة.


سهير فضلت واقفة.


أنا ومريم بقينا لوحدنا.


بعد دقايق قليلة جه الأكل.


الجرسون حطه قدامنا وقال:


“الفراخ والبطاطس والآيس كريم.”


مريم عينيها لمعت.


قلت لها:


“فاكرة وعد ماما؟”


قالت:


“الفراخ الأول.”


ضحكت.


“وبعدها؟”


“آيس كريم فانيليا.”


بدأت تاكل.


وأنا فضلت باصص للمكان.


فجأة لقيت رانيا بتقول:


“كريم.”


“نعم؟”


“إنت عارف إن سارة كانت عاملة ملف هنا؟”


بصيت لها.


“ملف إيه؟”


“مش عارفة.”


“مين قالك؟”


“محمود.”


“وإيه اللي فيه؟”


رانيا سكتت.


“هو قالك إيه؟”


قالت:


“قبل ما ييجي هنا قال لي إن الشركة وصلها من فترة طلب قانوني من النادي.”


“طلب إيه؟”


“نسخة من سجلات النظام القديم.”


قلبي دق بسرعة.


“ليه؟”


قالت:


“ما قالش.”


مريم كانت بتاكل.


ما كنتش عايزة تسمع.


خفضت صوتي.


“وسجلات إيه بالضبط؟”


رانيا قالت:


“حجوزات المطاعم.”


بصيت للترابيزة.


“ليه؟”


“في حجز قديم مرتبط بسارة.”


حسيت الدنيا وقفت.


“حجز إمتى؟”


قالت:


“قبل وفاتها بأسبوعين.”


سكت.


سارة ماتت بعد صراع طويل مع المرض.


لكن قبل وفاتها بأسبوعين كانت حالتها الصحية سيئة جدًا.


كانت بالكاد بتخرج من البيت.


قلت:


“مستحيل.”


رانيا قالت:


“أنا مش بقول إن الحجز يثبت حاجة.”


“أمال؟”


“بقول إن فيه حاجة في السجلات خلت النادي يطلب بيانات قديمة.”


سألت:


“حجز باسم مين؟”


قبل ما ترد، جه محمود.


كان وشه مختلف.


قعد وقال:


“كريم، لازم نتكلم بعيد عن مريم.”


بصيت لمريم.


كانت بتاكل الآيس كريم.


قومت أنا ورانيا ومحمود خطوة بعيد.


قلت:


“في إيه؟”


محمود قال:


“المدير العام عنده نسخة من مستندات قديمة.”


“إيه المستندات؟”


“سارة كانت عاملة طلب رسمي قبل وفاتها.”


“طلب إيه؟”


“كانت طالبة مراجعة حسابات.”


بصيت له.


“حسابات إيه؟”


قال:


“حسابات النادي.”


سكت.


رانيا قالت:


“فيه مبلغ كبير اختفى من صندوق الأنشطة الخيرية.”


“وإيه علاقة سارة؟”


محمود قال:


“هي اللي اكتشفت الاختلاف.”


بصيت لسهير.


كانت واقفة بعيد.


قلت:


“وهي كانت عارفة؟”


محمود هز راسه.


“أكتر مما تتخيل.”


رجعت قعدت.


حاولت أستوعب الكلام.


سارة.


مراتي.


الست اللي قضت آخر شهور حياتها وهي بتحاول تخبي عني خوفها.


كنت فاكر إنها كانت خايفة من المرض.


كنت فاكر إنها كانت بتفكر في مريم.


كنت فاكر إنها كانت بتحاول تستعد للنهاية.


لكن يمكن كان فيه حاجة تانية.


حاجة كانت شايلة همها لوحدها.


فجأة مريم قالت:


“بابا.”


بصيت لها.


“نعم؟”


“أنا خلصت.”


بصيت للصحن.


“حلو.”


رفعت الرسمة.


“بص.”


أخدتها منها.


كانت رسمة للترابيزة.


وفيها أنا وهي وماما.


لكن في الخلفية كان فيه باب كبير.


سألتها:


“إيه الباب ده؟”


قالت:


“ده الباب اللي ماما كانت بتدخل منه.”


قلبي اتقبض.


“ماما كانت بتدخل من هنا؟”


هزت راسها.


“أيوه.”


بصيت ناحية سهير.


كانت بتبص لنا.


سألت مريم:


“إنتي فاكرة الباب؟”


قالت:


“مش قوي.”


وبعدين قالت:


“بس ماما كانت بتقول لي إن لو حصل لها حاجة، أخدك هنا.”


اتجمدت.


“قالتلك كده؟”


“أيوه.”


“إمتى؟”


مريم فكرت.


“قبل ما تنام في المستشفى.”


محمود ورانيا بصوا لبعض.


قلت:


“مريم، ماما قالتلك إيه بالضبط؟”


قالت:


“قالت لي…”


وسكتت.


“كملي.”


“قالت لي ما أقولش لك غير لما نيجي الترابيزة سبعتاشر.”


حسيت إني مش قادر أتنفس.


“ليه؟”


قالت:


“مش عارفة.”


“قالت حاجة تانية؟”


هزت راسها.


“قالت إن بابا هيفهم.”


بصيت للترابيزة.


رقم سبعتاشر.


المكان اللي رجعت له بعد سنتين.


المكان اللي كنت فاكره مجرد ذكرى.


لكن سارة كانت مخبية فيه رسالة.


سألت مريم:


“هي قالتلك فين؟”


قالت:


“قالت إن الحاجة تحت المكان اللي كنا بنقعد فيه.”


نزلت عيني تحت الترابيزة.


كان فيه سجادة صغيرة.


رفعتها.


ولا حاجة.


رانيا قالت:


“ممكن تكون تقصد تحت الكرسي.”


بصينا تحت الكراسي.


ولا حاجة.


محمود قال:


“استنى.”


نزل على ركبته وبص أسفل الترابيزة.


قال:


“في حاجة.”


مد إيده.


طلع شريط لاصق قديم.


وتحته مفتاح صغير.


مريم قالت:


“ده هو.”


بصيت للمفتاح.


كان صغير جدًا.


وعليه رقم مكتوب:


سهير أول ما شافته اتراجعت خطوة.


محمود لاحظ.


قال:


“إنتي عارفة المفتاح ده؟”


سهير قالت:


“لأ.”


رانيا قالت:


“يبقى ليه وشك اتغير؟”


سهير ما ردتش.


محمود أخد المفتاح.


قال:


“إحنا محتاجين نعرف بيفتح إيه.”


سهير قالت بسرعة:


“الموضوع قديم.”


رديت:


“بالنسبة لي مش قديم.”


“كريم…”


“دي حاجة تخص مراتي.”


سكتت.


فؤاد جه تاني.


وقال:


“مدام سهير، المدير العام مستني.”


سهير ردت بعصبية:


“قلت لك أنا جاية.”


وبعدين بصت لي.


وقالت:


“إنت مش فاهم اللي بتدور عليه.”


قلت:


“ممكن تشرحي.”


قالت:


“سارة كانت بتحاول تحمي بنتها.”


مريم رفعت راسها.


أنا اتوترت.


“تحميها من إيه؟”


سهير سكتت.


“من مين؟”


قالت:


“أنا ما ينفعش أتكلم.”


رانيا ردت:


“ينفع جدًا.”


سهير بصت لها.


“إنتي محامية.”


“بالضبط.”


“وإنتي مش فاهمة كل حاجة.”


رانيا قالت:


“يبقى قولي.”


سهير بصت لمريم.


وبعدين قالت:


“مش قدام البنت.”


أنا قومت.


“مريم، روحي مع عم حسين الجرسون لحد الباب.”


مريم قالت:


“ليه؟”


قلت:


“عشان بابا هيتكلم شوية.”


راحت مع الجرسون.


أول ما بعدت، قلت:


“اتكلمي.”


سهير خدت نفس طويل.


وقالت:


“سارة اكتشفت إن فيه ناس بتستخدم حسابات النادي الخيرية عشان تغطي تحويلات مالية.”


محمود قال:


“أسماء؟”


سهير:


“أنا مش هقول أسماء.”


قلت:


“ليه؟”


“لأني خفت.”


“خفت من مين؟”


سكتت.


“سهير.”


بصت لي.


وقالت:


“من ناس عندها نفوذ.”


سألت:


“وسارة؟”


“ما خافتش.”


“إيه اللي حصل؟”


“قالت إنها هتبلغ.”


“وبلغت؟”


“حاولت.”


“وليه ما حصلش حاجة؟”


سهير بصت للأرض.


“لأنها قبل ما تكمل التحقيق… مرضت.”


قلبي وجعني.


“يعني إيه؟”


قالت:


“أنا مش بقول إن المرض له علاقة.”


“أمال؟”


“بقول إنهم استغلوا الوقت.”


“مين؟”


سكتت.


محمود قال:


“سهير، لو عندك معلومات عن واقعة اختلاس أو تزوير، إخفاؤها ممكن يحطك في مشكلة.”


قالت:


“أنا مش عايزة مشاكل.”


رانيا ردت:


“أنتي دخلتي فيها بالفعل.”


سهير قامت.


“أنا لازم أمشي.”


مسكتها بكلامي:


“استني.”


وقفت.


“المفتاح ده بيفتح إيه؟”


قالت:


“غرفة الملفات القديمة.”


محمود قال:


“فين؟”


“المبنى الإداري.”


“مين عنده المفتاح؟”


“كان مع سارة.”


بصيت للمفتاح.


“وإزاي وصل هنا؟”


سهير ما ردتش.


قلت:


“إنتي حطيتيه؟”


“لأ.”


“مين؟”


قالت:


“أنا مش عارفة.”


محمود قال:


“يبقى نروح الغرفة.”


سهير قالت:


“ممنوع.”


رانيا ردت:


“إلا بتصريح.”


محمود ابتسم.


“والتصريح موجود.”


بصت له.


“إنت جايب تصريح؟”


قال:


“مدير النادي طلب وجودي رسميًا.”


سهير سكتت.


وبعد دقائق كنا كلنا ماشيين ناحية المبنى الإداري.


مريم كانت ماسكة إيدي.


قالت:


“بابا.”


“نعم؟”


“هو ماما كانت شجاعة؟”


بصيت لها.


“أوي.”


قالت:


“يعني ما كانتش بتخاف؟”


ابتسمت.


“كانت بتخاف.”


“أمال كانت شجاعة إزاي؟”


قلت:


“الشجاعة مش إنك ما تخافيش.”


“أمال إيه؟”


“إنك تعملي الصح حتى وإنتي خايفة.”



سكتت شوية.


وبعدين قالت:


“أنا عايزة أبقى زيها.”


شدّيت على إيدها.


“إنتي بالفعل شبهها.”


وصلنا للمبنى.


الممر كان ضيق وقديم.


على الحيطان صور قديمة للنادي.


وفي واحدة منهم ظهرت سارة.


كانت واقفة وسط فريق الموظفين.


ابتسمت لما شفتها.


مريم وقفت.


وقالت:


“دي ماما.”


قلت:


“أيوه.”


دخلنا غرفة الملفات.


سهير فتحت الباب.


محمود دخل الأول.


الرفوف كانت مليانة ملفات قديمة.


قال:


“رقم سبعتاشر.”


رانيا بدأت تدور.


مريم فضلت معايا.


بعد دقائق لقت رانيا ملف.


“هنا.”


فتحه.


كان فيه مستندات مالية.


لكن الملف ناقص.


محمود قال:


“حد شال أوراق.”


سهير سكتت.


رانيا قلبت الصفحات.


وفجأة لقت ظرف صغير.


مكتوب عليه:


“إلى كريم.”


أنا حسيت رجلي ما بقتش شايلاني.


خدت الظرف.


كان عليه خط سارة.


نفس الخط.


نفس الطريقة اللي كانت بتكتب بيها اسمي.


فتحت الظرف.


جواه ورقة واحدة.


“كريم…


لو إنت بتقرأ الرسالة دي يبقى أنا ما قدرتش أشرح لك بنفسي.


أنا عارفة إنك هتسأل ليه خبيت عنك.


خبيت عشان مريم.


كنت خايفة إنك لو عرفت كل حاجة تحاول تدخل في الموضوع وتعرض نفسك للخطر.


أنا ما كنتش عايزة أخسرك بعد ما عرفت إن الوقت اللي فاضلي قليل.


لو حصل لي حاجة…


ما تثقش في أي حد يقول لك إن الموضوع انتهى.


دور على الملف الأزرق.


هو آخر حاجة فاضلة.


وسامحني.


سارة.”


رفعت عيني.


“الملف الأزرق.”


محمود بدأ يدور.


رانيا قالت:


“مش موجود.”


سهير قالت:


“كان موجود.”


بصيت لها.


“إمتى؟”


قالت:


“من سنتين.”


“مين أخده؟”


“مش عارفة.”


محمود رد:


“يبقى نسأل مين كان مسؤول عن الأرشيف وقتها.”


سهير سكتت.


رانيا قالت:


“مين؟”


قالت:


“أنا.”


سكتنا.


سهير كملت:


“بس أنا ما أخدتوش.”


قلت:


“مين أخده؟”


سهير قالت:


“كان فيه موظف اسمه سامح.”


محمود سأل:


“فين سامح؟”


قالت:


“مش شغال هنا.”


“فين؟”


“مش عارفة.”


رانيا قالت:


“إنتي متأكدة؟”


سهير هزت راسها.


“أيوه.”


في اللحظة دي سمعنا صوت مريم.


كانت واقفة عند الرف.


وقالت:


“بابا…”


قربت منها.


كانت ماسكة ملف أزرق صغير.


قالت:


“ده؟”


بصيت له.


خدته منها.


كان عليه رقم سبعتاشر.


فتحته.


جواه صور.


أوراق.


إيصالات.


وأسماء.


وفي آخر الملف صورة لسارة.


لكن الصورة كانت مش من النادي.


كانت قدام مكتب شركة.


وتحت الصورة تاريخ قبل وفاتها بشهر.


وعلى ظهر الصورة جملة بخط سارة:


“لو حصل لي حاجة، الشخص ده يعرف كل الحقيقة.”


قلبت الصورة.


لقيت اسم مكتوب.


“عادل منصور.”


سهير شهقت.


رانيا قالت:


“مين عادل منصور؟”


سهير بصت لي.


وقالت:


“مالك النادي السابق.”


محمود قال:


“هو لسه المالك؟”


سهير هزت راسها.


“لأ.”


“باع النادي إمتى؟”


“بعد وفاة سارة بشهر.”


بصيت للورقة.


كان واضح إن الموضوع مش مجرد خلاف على ترابيزة.


لكن قبل ما أقدر أقول أي حاجة، مريم قالت:


“بابا، بص هنا.”


بصيت.


كانت ماسكة ورقة صغيرة من آخر الملف.


وقالت:


“ماما كاتبة اسمي.”


أخدت الورقة.


كان مكتوب:


“مريم لازم تعرف الحقيقة لما تكبر.”


وتحتها رقم هاتف.


رقم لم يكن موجودًا في موبايلي.


رفعت عيني لمحمود.


قال:


“ما تتصلش دلوقتي.”


قلت:


“ليه؟”


“لأننا ما نعرفش الرقم ده لمين.”


رانيا قالت:


“وكمان الملف ممكن يكون مراقب.”


سهير بصت للباب.


وفجأة قالت:


“لازم نمشي.”


محمود سأل:


“ليه؟”


قالت:


“عشان أنا سمعت صوت حد بره.”


كلنا سكتنا.


صوت خطوات.


قربت.


وقفت قدام الباب.


وبعدين اختفت.


محمود فتح الباب بسرعة.


الممر كان فاضي.


لكن على الأرض كان فيه ظرف أبيض.


أخده.


فتحه.


جواه ورقة واحدة.


مكتوب فيها:


“كفاية بحث.”


بصيت لمحمود.


قال:


“حد كان هنا.”


رانيا قالت:


“والحد ده عارف إننا لقينا الملف.”


سهير بدأت تبكي.


قلت لها:


“إنتي كنتي عارفة إن الموضوع هيوصل لكده؟”


هزت راسها.


“كنت أتمنى إنه يدفن مع سارة.”


رديت:


“أنا مش هدفنه.”


مريم قربت مني.


مسكت إيدي.


وقالت:


“بابا…”


بصيت لها.


“نعم؟”


“نروح؟”


بصيت في عينيها.


افتكرت أول ما قالت لي:


“إحنا لبسنا هدوم غلط؟”


وقتها كنت فاكر إن المشكلة كلها في مديرة متكبرة.


دلوقتي فهمت إن الترابيزة رقم سبعتاشر كانت بداية باب أكبر بكتير.


قلت لها:


“أيوه يا حبيبتي.”


“هنروح؟”


“هنروح.”


ابتسمت.


“بس هنرجع تاني؟”


بصيت ناحية الملف الأزرق.


وقلت:


“هنرجع.”


محمود سأل:


“إنت متأكد؟”


قلت:


“آه.”


“إمتى؟”


بصيت لسارة في الصورة.


وقلت:


“لما نكون جاهزين.”


خرجنا من غرفة الملفات.


لكن قبل ما نوصل للباب الخارجي، مريم وقفت فجأة.


وقالت:


“بابا.”


“نعم؟”


أشارت للحيطة.


كان فيه صورة قديمة للنادي.


وقالت:


“هو ده الشخص اللي ماما كانت بتتكلم عنه.”


بصيت للصورة.


كان فيها مجموعة موظفين.


وفي الخلفية راجل واقف بعيد.


قربت من الصورة.


تجمدت.


لأني عرفت الشخص.


ما كانش عادل منصور.


وما كانش سامح.


كان شخصًا أعرفه.


شخصًا قابلته أكتر من مرة بعد وفاة سارة.


شخصًا كان كل مرة يزورني ويقول لي إنه جاء فقط ليطمئن علينا.


محمود قرب مني.


قال:


“كريم…”


ما رديتش.


قال:


“إنت تعرفه؟”


هزيت راسي.


“أعرفه.”


رانيا سألت:


“مين؟”


بصيت للصورة.


وقلت:


“ده أخويا.”


سكت الجميع.


مريم بصت لي.


“عمو خالد؟”


هزيت راسي.


“أيوه.”


وفي اللحظة دي فهمت ليه سارة ما كانتش عايزة تحكي.


وفهمت ليه كانت بتقول لي قبل وفاتها بأيام:


“لو في يوم سألتك أنا كنت خايفة من إيه… ما تفتكرش إني كنت بخاف من المرض.”


كنت فاكرها جملة من جمل الوداع.


لكنها ما كانتش وداع.


كانت تحذير.


وفي نفس اللحظة رن موبايلي.


بصيت للشاشة.


رقم أخويا.


فتحت المكالمة.


وسمعت صوته:


“كريم… إنت رجعت النادي؟”


ما جاوبتش.


قال:


“لقيت الملف؟”


قفلت عيني.


مريم كانت واقفة جنبي.


ومحمود بص لي وهو فهم كل حاجة.


قلت:


“أيوه.”


سكت خالد ثواني.


وبعدين قال بصوت هادي جدًا:


“يبقى لازم نتكلم.”


سألته:


“عن سارة؟”


قال:


“عن اللي حصل قبل ما تموت.”


وسكت لحظة.


ثم قال:


“بس قبل ما تسمع مني أي حاجة… لازم تعرف إن سارة نفسها ما كانتش بريئة من كل اللي حصل.”


إيدي اتجمدت على الموبايل.


وبصيت لمريم.


لأول مرة من سنتين، حسيت إن صورة سارة اللي عايشة في قلبي ممكن يكون وراها جزء ما أعرفوش.


لكن قبل ما أسأل أخويا عن قصده، المكالمة اتقطعت.


ومباشرة وصلتني رسالة.


رسالة من رقم مجهول.


كان فيها صورة واحدة بس.


صورة سارة وهي واقفة قدام باب مكتوب عليه:


“غرفة 17.”


وتحت الصورة جملة قصيرة:


“لو عايز تعرف ليه سارة كانت بتيجي هنا لوحدها… ارجع بكرة الساعة سبعة.”


وقفت أبص للرسالة.


مريم شدت إيدي.


وقالت:


“بابا… هنرجع؟”


بصيت للساعة.


وبعدين للملف الأزرق.


وقلت:


“هنرجع.”


لكن المرة دي…


مش عشان الترابيزة.


ولا عشان ذكرى ماما.


ولا حتى عشان أعرف مين حاول يطردنا.


المرة دي كنت راجع عشان أعرف الحقيقة كاملة.


حقيقة سارة.


وحقيقة الملف.


وحقيقة أخويا.


والأهم…


حقيقة الحاجة اللي خلت مراتي تخبي عني كل ده لحد آخر يوم في حياتها.


تاني يوم الساعة سبعة إلا عشر دقايق كنا واقفين قدام نادي النخيل.


أنا ومريم ومحمود ورانيا.


ما كنتش ناوي أخلي مريم تدخل معانا، لكن لما قلت لها تستنى في العربية مع السواق رفضت وقالت إنها عايزة تكون جنبي.


بصيت لها.


كانت لابسة فستان بسيط، وماسكة علبة الألوان اللي كانت معاها اليوم اللي اتطردنا فيه من الترابيزة.


قلت لها:


“هنقعد بعيد يا مريم، وأول ما أحس إن فيه حاجة مش مناسبة ليكي هتخرجي معايا.”


هزت راسها.


“حاضر.”


دخلنا النادي.


المكان كان هادي بشكل غريب.


لا أصوات ضحك، ولا موسيقى، ولا ناس كتير.


كأن المكان نفسه كان مستني حاجة.


وصلنا للمبنى الإداري.


لقيت سهير مستنيانا.


وشها كان شاحب.


قالت:


“أنا مش عارفة إذا كان صح إني جيت.”


محمود رد:


“إنتي اللي بعتيلنا المكان.”


قالت:


“أنا عارفة.”


بصيت لها.


“فين غرفة سبعتاشر؟”


أشارت ناحية آخر الممر.


مشينا.


كان الباب مقفول.


طلعت المفتاح اللي لقيناه تحت الترابيزة.


دخلته.


لف.


الباب اتفتح.


ريحة المكان كانت قديمة.


دخلنا.


الغرفة كانت صغيرة.


مكتب.


كرسيين.


دولاب حديد.


وستارة مقفولة.


على الحيطة كانت ساعة متوقفة عند السابعة وسبع دقايق.


مريم قربت مني.


“بابا.”


“نعم؟”


“الساعة واقفة.”


بصيت لها.


“أيوه.”


قالت:


“ليه؟”


قبل ما أرد، سمعنا صوت من ورا الستارة.


اتحركت الستارة.


وظهر خالد.


أخويا.



مريم قالت:


“عمو خالد!”


خالد ابتسم لها.


لكن ابتسامته كانت باهتة.


قال:


“كبرتي يا مريم.”


ما ردتش.


بصيت له.


“إنت اللي بعت الرسالة؟”


قال:


“أيوه.”


“إنت اللي حطيت المفتاح؟”


هز راسه.


“أيوه.”


محمود قرب خطوة.


“إنت كنت عارف إن الملف موجود.”


خالد قال:


“كنت عارف إن سارة مخبياه.”


رانيا سألت:


“وليه ما قلتش لكريم؟”


خالد بص لي.


“عشان سارة طلبت مني ما أقولش.”


ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة.


“سارة طلبت منك؟”


“أيوه.”


“قبل ما تموت؟”


“قبل ما تدخل المستشفى للمرة الأخيرة.”


قربت منه.


“ليه؟”


خالد أخد نفس طويل.


وقال:


“لأنها كانت عارفة إنك لو عرفت الحقيقة هتدخل في الموضوع.”


“وأنا دخلت.”


“بعد ما فات الأوان.”


سكت.


قلت:


“احكي.”


قعد خالد على الكرسي.


وبدأ.


“من حوالي تلات سنين، سارة اكتشفت إن فيه فلوس بتتسحب من حساب الأنشطة الخيرية للنادي.”


رانيا قاطعته:


“قد إيه؟”


“مبالغ كبيرة على دفعات.”


محمود قال:


“والتحويلات كانت بتروح فين؟”


خالد رد:


“لشركة وهمية.”


قلت:


“ومين صاحب الشركة؟”


خالد بص لي.


“عادل منصور.”


سكتنا.


قلت:


“مالك النادي السابق.”


“أيوه.”


رانيا قالت:


“طيب وسارة اكتشفت ده إزاي؟”


“كانت مسؤولة عن تنظيم الفعاليات الخيرية. كانت هي اللي بتراجع الفواتير.”


محمود قال:


“وده يفسر طلب مراجعة الحسابات.”


خالد هز راسه.


“بس سارة اكتشفت حاجة أخطر.”


قلت:


“إيه؟”


“إن بعض الفواتير كانت بتتوقع باسم موظفين ماتوا أو سابوا الشغل.”


رانيا شهقت.


“يعني تزوير؟”


“أيوه.”


محمود سأل:


“وسارة احتفظت بالأدلة؟”


“صورت كل حاجة.”


“فين الصور؟”


خالد بص للدولاب.


“هنا.”


فتح الدولاب.


طلع صندوق صغير.


حطه على المكتب.


فتح الصندوق.


كان فيه فلاشة.


ومجموعة أوراق.


وصورة لسارة.


أخدت الصورة.


كانت سارة واقفة قدام الترابيزة رقم سبعتاشر.


وعلى وشها نفس الابتسامة اللي كنت بحبها.


قلبت الصورة.


كان مكتوب:


“آخر مكان أقدر أثق فيه.”


سكت.


مريم قربت.


قالت:


“دي ماما.”


حطيت الصورة في إيدي.


“أيوه.”


خالد قال:


“سارة كانت بتقابلني هنا.”


بصيت له.


“إنت كنت بتساعدها؟”


“أيوه.”


“ليه ما قلتليش؟”


“لأنها طلبت.”


صرخت لأول مرة:


“كل الناس كانت بتطلب مني ما أعرفش!”


خالد سكت.


“مراتي كانت بتخبي عني.”


“وأنا كنت بحاول أحميك.”


“أنا مش طفل يا خالد!”


“عارف.”


“كنت أخوها مش أنا؟”


قال:


“كنت.”


سكت لحظة.


وبعدين قال:


“لكن سارة كانت عارفة إن فيه حد بيراقبها.”


قلبي انقبض.


“مين؟”


“ما كانتش عارفة.”


“طب ليه قالت إن عادل منصور يعرف الحقيقة؟”


“لأن عادل كان في البداية هو اللي ماسك الموضوع.”


“وبعدين؟”


“وبعدين حصل خلاف بينه وبين شريكه.”


“مين شريكه؟”


خالد بص للأرض.


“شريكه كان سامح.”


الاسم اللي سمعناه من سهير.


محمود قال:


“الموظف السابق.”


خالد هز راسه.


“أيوه.”


رانيا سألت:


“وسامح فين؟”


“هرب.”


“ليه؟”


“لأن لما سارة قربت تكشف كل حاجة، سامح حاول يمسح الأدلة.”


قلت:


“ومين اللي ساعده؟”


خالد سكت.


قلت:


“مين؟”


بص لي.


“أنا.”


اتجمدت.


“إنت؟”


“مش بالطريقة اللي إنت فاهمها.”


“أمال؟”


“أنا كنت عارف إنه بيحاول يهرب.”


“وساعدته؟”


“ساعدته يختفي عشان أقدر أوصل له.”


محمود قال:


“هل عندك دليل؟”


خالد أشار للفلاشة.


“كل حاجة عليها.”


رانيا أخدت الفلاشة.


محمود قال:


“هنفحصها.”


قلت لخالد:


“وسارة؟”


سكت.


“إيه اللي حصل لها؟”


قال:


“قبل ما تدخل المستشفى بأيام، اتصلت بيا.”


صوته اتغير.


“كانت خايفة.”


بصيت له.


“قالت لك إيه؟”


قال:


“قالت لي إنها حاسة إن حد دخل شقتها.”


قلبي وجعني.


“وإنت عملت إيه؟”


“روحت لها.”


“لقيت إيه؟”


“ولا حاجة.”


“وبعدين؟”


“قالت لي إنها عايزة تسيب البلد.”


سكت.


“ليه ما قالتليش؟”


خالد قال:


“لأنها كانت شايفة إنك مش هتوافق.”


بصيت للأرض.


“كانت عارفة إني هرفض.”


“أيوه.”


“وكانت ناوية تاخد مريم؟”


خالد هز راسه.


“كانت ناوية تاخدك إنت ومريم وتسافروا.”


دموعي نزلت من غير ما أحس.


“ليه ما قالتليش؟”


“لأنها كانت عايزة تخلص الموضوع الأول.”


مريم كانت واقفة بعيد.


قلت لها:


“حبيبتي روحي اقعدي بره شوية.”


لكنها قالت:


“أنا عايزة أعرف.”


بصيت لها.


“تعرفي إيه؟”


“ماما كانت خايفة؟”


ما عرفت أرد.


خالد قال:


“كانت خايفة.”


مريم سألت:


“من مين؟”


خالد قرب منها.


وقعد قدامها.


وقال:


“مش منك.”


مريم هزت راسها.


“أنا عارفة.”


وبعدين قالت:


“هي كانت بتحب بابا.”


بصيت لها.


خالد ابتسم بحزن.


“كانت بتحبه جدًا.”


مريم ابتسمت.


“أنا عارفة.”


رجعنا للموضوع.


محمود فتح اللابتوب.


شغل الفلاشة.


كان عليها مجلدات كتير.


أسماء.


تواريخ.


تحويلات.


صور.


تسجيلات.


وفي مجلد اسمه:


“الحقيقة.”


فتحه.


ظهر ملف فيديو.


ضغط تشغيل.


ظهرت سارة.


كانت قاعدة قدام الكاميرا.


لبسها بسيط.


وشكلها متعب.


لكن صوتها كان ثابت.


قالت:


“لو الفيديو ده اتفتح، يبقى غالبًا أنا ما بقيتش موجودة.”


اتجمدت.


مريم قربت من الشاشة.


سارة كملت:


“كريم، أنا آسفة.”


دموعي نزلت.


“عارفة إنك هتزعل مني.”


ابتسمت سارة ابتسامة صغيرة.


“بس أنا عارفة إنك لو عرفت، هتعمل أي حاجة عشان تاخد حقنا.”


سكتت لحظة.


“وأنا مش عايزة مريم تكبر وهي فاكرة إن أبوها خسر حياته عشان أمه.”


بصيت لمريم.


سارة كملت:


“أنا مش عايزاك تنتقم.”


الكلمة دخلت قلبي.


“أنا عايزاك تعيش.”


سكتت.


“لو الأدلة دي وصلت لك، سلمها للجهات المختصة.”


محمود بص لي.


رانيا بدأت تسجل ملاحظات.


سارة كملت:


“ما تحاولش تواجه حد بنفسك.”


ابتسمت.


“إنت دايمًا بتقول إنك بتحب تحل المشاكل بإيدك.”


ضحكت بخفة.


“المرة دي اسمع كلامي.”


وبعدين بصت للكاميرا.


“وخلي مريم تعرف إني كنت بحبها أكتر من أي حاجة.”


صوتي خرج مكسور:


“وأنا؟”


سارة في الفيديو كأنها سمعتني.


وقالت:


“وإنت…”


سكتت.


دموعها نزلت.


“إنت أكتر شخص حسيت معاه بالأمان.”


الفيديو توقف.


الغرفة كلها كانت ساكتة.


مريم بدأت تبكي.


قربت منها وحضنتها.


قالت:


“بابا، ماما كانت بتتكلم معانا.”


قلت:


“أيوه.”


“هي عارفة إننا هنشوفها؟”


“أيوه.”


“كانت عايزة تقول لنا حاجة.”


قلت:


“قالت كل حاجة.”


بعد أيام بدأت الإجراءات الرسمية.


الملف اتسلم.


الفلاشة اتفحصت.


الأوراق اتراجعت.


وظهر إن فيه بالفعل تلاعب مالي وتزوير في مستندات.


عادل منصور اختفى فترة، لكن الأدلة وصلت للجهات المختصة.


سامح تم الوصول إليه بعد فترة قصيرة.


وسهير قررت تدلي بشهادتها.


أما خالد، فأول حاجة عملها كانت إنه اعترف بكل اللي يعرفه.


أنا ما سامحتوش في يوم وليلة.


كان الموضوع أصعب من كده.


لكن مع الوقت فهمت إنه أخطأ في حاجات كثيرة، وحاول يصلح بعضها.


بعد شهور، نادي النخيل اتغيرت إدارته.


وسهير اتنقلت من منصبها.


وفي يوم، جالي اتصال من المدير الجديد.


قال:


“أستاذ كريم، عندنا اقتراح.”


قلت:


“إيه؟”


قال:


“إحنا عايزين نعمل قاعة باسم سارة.”


سكت.


“قاعة إيه؟”


“قاعة أنشطة للأطفال والأعمال الخيرية.”


ضحكت لأول مرة من قلبي.


“كانت هتحب ده.”


قال:


“وفيه حاجة تانية.”


“إيه؟”


“الترابيزة رقم سبعتاشر.”


سكت.


قال:


“إحنا فكرنا نخليها مكان ثابت لعائلات الموظفين والأطفال في أيام معينة.”


بصيت لمريم.


كانت بتلون جنب الشباك.


قلت:


“خلوها زي ما هي.”


“زي ما هي؟”


“أيوه.”


“ليه؟”


قلت:


“عشان في حاجات ما ينفعش تتغير.”


مرت سنة.


وفي ذكرى وفاة سارة، أخدت مريم للنادي.


دخلنا.


المكان كان مختلف.


لكن الترابيزة رقم سبعتاشر كانت مكانها.


قعدنا.


مريم فتحت علبة الألوان.


قلت لها:


“هتلوني إيه النهارده؟”


قالت:


“ماما.”


ضحكت.


“كل مرة ماما.”


قالت:


“عشان ماما حلوة.”


قعدت جنبها.


“إنتي فاكرة أول مرة جينا هنا بعد ما ماما ماتت؟”


قالت:


“أيوه.”


“وفاكرة الست اللي قالت لنا نمشي؟”


ضحكت.


“أيوه.”


“كنتِ زعلانة؟”


قالت:


“أوي.”


“ودلوقتي؟”


بصت للمكان.


وقالت:


“دلوقتي مش زعلانة.”


“ليه؟”


“عشان ماما كانت هنا.”


سكت.


وبعدين سألتني:


“بابا؟”


“نعم؟”


“هو الناس لازم تلبس هدوم غالية عشان تكون مهمة؟”


بصيت لها.


وقلت:


“لأ.”


“أمال؟”


“الإنسان مهم بأخلاقه.”


هزت راسها.


“يعني حتى لو هدومي عليها ألوان؟”


ضحكت.


“خصوصًا لو عليها ألوان.”


ضحكت هي كمان.


جالنا الجرسون.


قال:


“تحبوا تطلبوا إيه؟”


مريم قالت:


“فراخ.”


بصيت لها.


“وبعدين؟”


قالت:


“آيس كريم فانيليا.”


ضحكت.


“زي ماما بالضبط.”


بعد الأكل، مريم طلعت ورقة.


بدأت ترسم.


قلت لها:


“إيه الرسمة دي؟”


قالت:


“أنا وماما وإنت.”


بصيت.


كانت رسمة بسيطة.


ثلاثة أشخاص ماسكين إيد بعض.


وفوقهم شمس كبيرة.


لكن كان فيه شيء جديد.


باب صغير مرسوم في الخلفية.


سألتها:


“الباب ده إيه؟”


قالت:


“باب جديد.”


“بيفتح على إيه؟”


ابتسمت.


“على المستقبل.”


سكت.


وأنا ببص للرسمة حسيت إن سارة كانت فعلًا لسه معانا.


مش في المكان.


لكن في كل حاجة علمتنا إياها.


علمتنا إن الإنسان ممكن يرحل، لكن أثره يفضل.


إن الشجاعة مش معناها إنك ما تخافش.


وإن الكرامة مش في هدومك ولا عربيتك ولا المكان اللي قاعد فيه.


وإن أغلى حاجة ممكن يسيبها الأب والأم لأولادهم مش فلوس.


لكن ذكرى تخليهم يعرفوا إنهم كانوا محبوبين.


بعدها بأيام، مريم بدأت تشارك في أنشطة القاعة اللي اتسمت باسم سارة.


كانت بتروح تساعد الأطفال.


تلون معاهم.


توزع كتب.


وفي أول يوم رجعت فيه قالت لي:


“بابا.”


“نعم؟”


“أنا عايزة أبقى زي ماما.”


قلت:


“هتبقي أحسن منها كمان.”


قالت:


“لأ.”


ضحكت.


“ليه؟”


قالت:


“عشان أنا هكمل اللي هي بدأته.”


حضنتها.


وساعتها فهمت إن سارة ما كانتش بتحاول تنقذ نفسها بس.


كانت بتحاول تسيب لنا طريق.


طريق نمشي فيه من غير خوف.


وفي آخر مرة رحت فيها للنادي لوحدي، وقفت قدام الترابيزة رقم سبعتاشر.


حطيت إيدي على الكرسي.


وافتكرت أول مرة قعدت عليها مع سارة.


افتكرت ضحكتها.


وصوتها.


وآيس كريم الفانيليا.


وافتكرت اليوم اللي حاولوا يطردونا منه.


اليوم اللي بنتي سألتني فيه:


“بابا هو إحنا لبسنا هدوم غلط؟”


وقتها كنت فاكر إن لازم أرد عليها بكلمة بسيطة.


لكن بعد كل اللي حصل، عرفت الإجابة الحقيقية.


قلت لنفسي:


“لأ يا سارة… إحنا ما لبسناش هدوم غلط.”


“إحنا بس دخلنا مكان غلط في الوقت الصح.”


لأن لو المديرة ما حاولتش تطردنا، يمكن ما كنتش هطلب محمود.


ولو محمود ما جاش، ما كناش اكتشفنا الملف.


ولو ما اكتشفناش الملف، ما كناش عرفنا حقيقة سارة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


تعليقات